مقتطفات نفيسة من كلام أمير المؤمنين الشيخ أبي بكر البغدادي -تقبله الله تعالى- • أيّها ...

مقتطفات نفيسة
من كلام أمير المؤمنين الشيخ أبي بكر البغدادي -تقبله الله تعالى-


• أيّها المسلمون:

من ظن منكم أن بمقدوره أن يسالم اليهود والنصارى والكفار ويسالمونه، فيتعايش معهم ويتعايشون معه، وهو على دينه وتوحيده، فقد كذّب صريح قول ربه عز وجل، الذي يقول: (وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)، (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا)، (مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ). فهذا حال الكفار مع المسلمين إلى قيام الساعة؛ (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)، وإن قتال الكفار والهجرة والجهاد ماضٍ إلى قيام الساعة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم تعال صلِّ لنا، فيقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء. تكرمة هذه الأمة).



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 364
السنة الرابعة عشرة - الخميس 16 ربيع الآخر 1444 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

حديث نبوي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (تعس عبد الدينار، ...

حديث نبوي


عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة، كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع). [رواه البخاري] ...المزيد

حديث نبوي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (تعس عبد الدينار، ...

حديث نبوي


عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة، كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع). [رواه البخاري] ...المزيد

وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا لقد جاء الإسلام منظومة حياة كاملة، تنظم علاقة ...

وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا



لقد جاء الإسلام منظومة حياة كاملة، تنظم علاقة المسلم بربه تعالى، وعلاقاته بمن حوله وما حوله من الخلق، ومما أولاه الإسلام أهمية بالغة هو علاقة المسلم بوالديه، فحث على برّهما وجعل ذلك من القربات إليه سبحانه وتعالى، وأثنى على صفوة خلقه ببرهم لوالديهم، ونستعرض في هذا المقال معنى هذه العبادة العظيمة وصورها وخطورة مخالفتها بالعقوق ونماذج من البارين بآبائهم إن شاء الله تعالى.


- البِرّ وفضله:

لقد فسّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معنى البرّ فقال: (البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ) [مسلم]، وبرّ الوالدين: هو حسن الخلق في التعامل معهما، والإحسان إليهما بالقول والعمل، والسعي في إرضائهما، وطاعتُهما فيما لا معصية فيه، وهو عبادة وقربة مدح الله تعالى بها صفوة خلقه، فقال سبحانه عن يحيى -عليه السلام-: {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا}، وقال عن عيسى -عليه السلام-: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا}، وقد حثّت على هذه العبادة نصوص كثيرة من الكتاب والسنّة، منها قوله تَعَالَى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء]، فقد قرَن الله تعالى في هذه الآية بين عبادته وحده وبرّ الوالدين تنبيها على حقّهما العظيم، ثم نهى عن أدنى مراتب القول السيئ لهما، وهي كلمة "أفٍ" التي يقولها الناس للتضجر، فما بالك بما هو أكبر منها؟! ونهى عن الخشونة في الكلام معهما وأمر بالقول الكريم الطيب لهما، وقال سبحانه: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}، فقد وصى اللهُ تعالى الإنسانَ بالإحسان لوالديه، وذكّره بما يقاسونه لأجله منذ صغره، فأمّه حملته في بطنها رغم ضعفها ثم بقيت تداريه بالرضاعة والرعاية إلى أن كبُر، ثم قرن الشكر له تعالى بالشكر لوالديه، وشكر الوالدين هو البرُّ بهما، وقال سبحانه: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا...} قال ابن كثير: "يقول تعالى آمرا عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد الحث على التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق" [التفسير].

وجاءت في السنة أحاديث كثيرة تحث المسلم على بر والديه، منها ما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (رَغِمَ أنفُه، ثم رغم أنفُه، ثم رغم أنفُه، قيل: مَن يا رسول الله؟! قال: من أدرك والديه عند الكبر، أحدَهما أو كليهما، ثم لمْ يدخل الجنة)، قال القاضي عياض: "فيه فضلُ البر وعظيمُ أجرِه، وأنّ برّهما يدخلُه الجنة، فمن فاته ذلك وقصر فيه فقد فاته خير كثير" [إكمال المعلم]


- العقوق خطره وصوره:

وخلاف البر هو العقوق، فإن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر في الإسلام، وفي إقران الله عز وجل الإحسان للوالدين بعبادته وتوحيده في عدة مواطن من كتابه تنبيه على عظم شأنهما وحرمة عقوقهما، وقد بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك فيما رواه الشيخان عن أبي بَكرة نُفيع بن الحارث عنه -صلى الله عليه وسلم- قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثا، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين...) [متفق عليه]، فتأمل كيف قرن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عقوق الوالدين بالإشراك بالله، ومن ذلك أيضا قصة جريج العابد، التي قصها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (..كان جريج رجلا عابدا، فاتخذ صومعة فكان فيها، فأتته أمُّه وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمّي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فانصَرفتْ، فلما كان من الغد أتتْه وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمّي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فانصرفتْ، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: أيْ رب أمّي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تُمتْه حتى ينظر إلى وجوه المومسات...)، فما مات حتى ابتلاه الله بأن رأى وجوه المومسات (أي البغايا)؛ وذلك لأنه فضّل صلاة التطوع على إجابة أمّه، فاستجاب الله دعاءها عليه، رغم أن مخالفته لأمه في أمر يسير وفي حال كونه في أمر من أمور الآخرة، فكيف بمن عقّ والديه انتصارا لنفسه أو طمعا في الدنيا؟!

ومن صور عقوق الوالدين المنتشرة بين الناس هي العبوس في وجههما، ورفع الصوت في حضرتهما، وتسميعهما ما يكرهان، والبخل عليهما بالمال ونحوه، وتقديم الزوجة أو الولد عليهما، والتضجّر من أوامرهما وإظهار الكراهة لخدمتهما، هذا فضلا عن الدعاء عليهما أو سبّهما وضربهما، نسأل الله السلامة والعافية من هذا الذنب العظيم.


- الوالد كافرا:

وقد جاء الأمر ببر الوالدين وليس ودّهما؛ لأن البرّ أعمُّ من الودّ، فقد يكون الوالدان أو أحدُهما كافرا، فالمسلم يَبرّهُ بالإحسان إليه قولا وعملا والدعاء له بالهداية في حياته من غير مودّة قلبية، فهو من جنس برّ الذين لم يؤذوا المسلمين من أهل الكتاب المستأمنين أو المعاهدين أو الذميين، كما قال تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة]، فلا يعني برُّ الكافر والقسط إليه محبتَه، بل المسلم يكره كلّ كافر على كل حال، لكن هذا من جنس الإنصاف المأمور به شرعا، وقد قصّ علينا ربنا تعالى في كتابه برّ إبراهيم الخليل -عليه السلام- لأبيه الكافر، في سورة مريم، قال تعالى: {وَٱذكُر فِي ٱلكِتَٰبِ إِبرَٰهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقا نَّبِيًّا * إِذ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعبُدُ مَا لَا يَسمَعُ وَلَا يُبصِرُ وَلَا يُغنِي عَنكَ شَيـٔٗا * يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَد جَآءَنِي مِنَ ٱلعِلمِ مَا لَم يَأتِكَ فَٱتَّبِعنِيٓ أَهدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا * يَٰٓأَبَتِ لَا تَعبُدِ ٱلشَّيطَٰنَ إِنَّ ٱلشَّيطَٰنَ كَانَ لِلرَّحمَٰنِ عَصِيّٗا * يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَاب مِّنَ ٱلرَّحمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيطَٰنِ وَلِيّٗا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَن ءَالِهَتِي يَٰٓإِبرَٰهِيمُ لَئِن لَّم تَنتَهِ لَأَرجُمَنَّكَ وَٱهجُرنِي مَلِيّٗا}، فتأمل حسن خطاب إبراهيم -عليه السلام- لأبيه ورأفته به وخُلقه معه رغم أن أباه قد أمره بالكفر بل توعده بأن يرجمه ويهجره بسبب توحيده! ومثل هذا ما أمر الله تعالى به من مصاحبة الوالدين المشركين بالمعروف وإن أمراه بالشرك، قال تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان]، قال ابن كثير: "أي: إنْ حرصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما، فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمْنعنّك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفا، أي: محسنا إليهما" [التفسير]، وقد جاء هذا المعنى أيضا فيما رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- أنها قالت: "قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وهي مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، قُلتُ: وهي رَاغِبَةٌ، أفَأَصِلُ أُمِّي؟ قالَ: (نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ)"، ومن هنا تعلم خطأ من يزعم الاستقامة على أمر الله ثم يهجر والديه أو يؤذيهما أو يقطع النفقة عنهما بسبب معصية أو ذنب والله المستعان، وبر الوالدَين الكافرَين هو دعوة عملية لدين الله تعالى، وقد يكون هذا البر سببا في هدايتهما، ويا سعادة من هدى الله والديه على يديه، وكان سببا لنجاتهما من النار والقصص في ذلك كثيرة.


- من صور البر:

ولبرّ الوالدين صورٌ كثيرة، منها التذلل والدعاء لهما، كما قال تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} قال ابن كثير: "أي تواضع لهما بفعلك، (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا) أي في كبرهما وعند وفاتهما" [التفسير]، ومنها تفقّد حاجاتهما وقضائها، وحسن الكلام معهما، وتطييب خاطرهما، ومنها تعاهدهما بالزيارة والنفقة عليهما وجلب الهدايا لهما.

ومنها الدعاء لهما بالهداية إن كانا على الكفر ما داما في الحياة، أما بعد الموت فلا يجوز الدعاء لهما، لقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة]، أما إن كان الأبوان على الإسلام فإنه من البر الدعاء لهما بعد موتهما، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (إذا مات ابنُ آدم انقطع عنه عملُه إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له) [رواه مسلم]، وقد كان هذا دأب الأنبياء -عليهم السلام- كما قال نوح: {رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ..}. [نوح]

ومن صور بر الوالدين كذلك هو بر أصدقائهما ومن يحبون، وهو نوع من البر قلّ من ينتبه له، فقد روى مسلم عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: "أن رجلا من الأعراب لقيَه بطريق مكة، فسلّم عليه عبدُ الله وحملَه على حمارٍ كان يركبه وأعطاه عمامةً كانت على رأسِه، فقال ابنُ دينار: فقلنا له: أصلحك الله، إنّهم الأعرابُ وإنّهم يرضون باليسير، فقال عبدُ الله: إنّ أبا هذا كان وُدّا لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: إنّ أبرّ البرّ صلةُ الولدِ أهلَ وُدّ أبيه"، فتأمل كيف أعطى ابن عمر -رضي الله عنهما- دابته وعمامته لهذا الأعرابي رغم حاجته لهما بسبب أنه من أصحاب أبيه، فأكرمه برّا بأبيه.

ومن صور البر أيضا ترك بعض النوافل إن تعارضت مع حاجة الوالدين.


- نماذج من بر الوالدين:

وقد ذكر الله تعالى في كتابه قصة إسماعيل -عليه السلام- في برّه لأبيه إبراهيم، قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلمَنَامِ أَنِّيٓ أَذبَحُكَ فَٱنظُر مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفعَل مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [الصافات]، وهذه قصة عجيبة من قصص البر، امتثل فيها الابنُ أمر والده بذبحه!، فتأمل كيف أنه ينادي أباه بأدب جمّ وهو مقبل على ذبحه؟! وكيف أنه لم يخالفه في هذا الأمر الذي هو أشقّ أمر على النفس وأصعبه؟ ومن قصص البر أيضا ما قصه علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أمر النفر الثلاثة، وبرّ أحدهم بوالديه وما حصل له من ثمرات هذا البر، فعن عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا فنأى بي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا..) [متفق عليه] فتأمل تقديم هذا العبد الصالح لأبويه، وكيف أنه ترك أولاده جوعى في سبيل أن يطعم والديه قبلهم!

وقد أدرك السلف الصالح فضل برّ الوالدين، وجعلوه واقعا مع والديهم، منهم الإمام منصور ابن المعتمر، حيث قال صاحبه الإمام أبو بكر ابن عياش: "كنت مع منصور جالسا في منزله، فتصيح به أمه، وكانت فظة عليه، فتقول: يا منصور، يريدك ابن هبيرة على القضاء فتأبى؟ وهو واضع لحيته على صدره، ما يرفع طرفه إليها" [سير أعلام النبلاء]، وقال محمد بن المنكدر: "بات عُمَرُ (أخوه) يصلي وبتُّ أغمز رجليْ أمي وما أحب أن ليلتي بليلته" [الطبقات الكبرى]، فتأمل تفضيله خدمة أمّه على صلاة قيام الليل، وعن الزهري قال: "كان عليّ بنُ الحسين بنِ علي بن أبي طالب لا يأكل مع أمّه، وكان أبرّ الناس بها، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف أن آكل معها فتسبق عينها إلى شيء من الطعام، وأنا لا أعلم به فآكله، فأكون قد عققتها" [البر والصلة لابن الجوزي] ومثل هذا عن السلف كثير.

- بر الوالدين والجهاد:

إن برّ الوالدين مقدّم على الجهاد في سبيل الله إن كان فرض كفاية لا فرض عين كما هو الحال اليوم، فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: (يا نبيَّ الله، أيُّ الأعمالِ أقرب إلى الجنَّة؟ قال: الصَّلاةُ على مواقيتها، قلتُ: وماذا يا نبيَّ الله؟ قال: برُّ الوالدين، قلتُ: وماذا يا نبيَّ الله؟ قال: الجهاد في سبيل اللَّه) [رواه مسلم]، وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- قال: "أقبل رجلٌ إلى نبيِّ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أُبايِعك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله، قال -صلى الله عليه وسلم-: (فهل من والدَيك أحدٌ حيٌّ؟) قال: نعم، بل كلاهما، قال: (فتبتغي الأجر من الله؟) قال: نعم، قال: (فارجِعْ إلى والدَيك فأحسِنْ صُحبتهما) [رواه مسلم]، وهذا كما تقدم عندما يكون الجهاد فرض كفاية، وهو خلاف ما يتعمّده أئمة الضلال اليوم من تضليل شباب المسلمين عبر سرد هذه الأحاديث لصدهم عن الجهاد في سبيل الله دون التمييز بين نوعي الجهاد.

أما إن كان الجهاد فرض عين كما في زماننا هذا، فإنه مقدّم على بر الأبوين، قال ابن حجر -رحمه الله-: "قال جمهور العلماء: يَحْرُمُ الجهاد إذا منع الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين؛ لأن برهما فرض عين عليه؛ والجهاد فرض كفاية، فإذا تعيّن الجهاد فلا إذْن" [فتح الباري]، فالقعود عن الجهاد في حال تعيّنِه هو معصية لله تعالى، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فطاعة الوالدين من طاعة الله تعالى، فإن أمرا بالمعصية فلا طاعة لهما في ذلك، فلا ينبغي أن يكون البرُّ سببا في ترك ما أمر الله به أو الوقوع فيما نهى عنه، وجاء في ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن مصعب بنِ سعد بن أبي وقّاص عن أبيه -رضي الله عنه-: "أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفتْ أمّ سعدٍ أن لا تكلّمه أبدا حتى يكفرَ بدينِه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمتَ أنّ الله وصاك بوالديك، وأنا أمّك، وأنا آمرك بهذا، قال: مكثَتْ ثلاثا حتى غُشيَ عليها من الجهد، فقام ابنٌ لها يقال له عمارة، فسقاها، فجعلت تدعو على سعد" فأنزل الله عز وجل في القرآن هذه الآية: {وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ..}، ومع هذا، فينبغي أن تكون هذه المخالفة لأمر الأبوين بالحسنى، ويحاول المسلم أن يقنعهما بأمر الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، لعل الله يهديهما ببركة التزامه بما أمره الله تعالى به من برّهما.

وبعد، فقد عرفت أخي المسلم فضل بر الوالدين وعظيم شأنه وتأثيره في دينك، وتبيّنت من خطورة العقوق وعِظَم ذنبِه، وطفت على نماذج من برّ الصالحين بوالديهم، فراجع نفسك في هذا الباب الخطير، وأصلح تقصيرك فيه ما دام في عمرك بقية، فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل، نسأل الله أن يعيننا على طاعته والتزام أمره، إنه سميع مجيب.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 364
السنة الرابعة عشرة - الخميس 16 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد

وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا لقد جاء الإسلام منظومة حياة كاملة، تنظم علاقة ...

وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا



لقد جاء الإسلام منظومة حياة كاملة، تنظم علاقة المسلم بربه تعالى، وعلاقاته بمن حوله وما حوله من الخلق، ومما أولاه الإسلام أهمية بالغة هو علاقة المسلم بوالديه، فحث على برّهما وجعل ذلك من القربات إليه سبحانه وتعالى، وأثنى على صفوة خلقه ببرهم لوالديهم، ونستعرض في هذا المقال معنى هذه العبادة العظيمة وصورها وخطورة مخالفتها بالعقوق ونماذج من البارين بآبائهم إن شاء الله تعالى.


- البِرّ وفضله:

لقد فسّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معنى البرّ فقال: (البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ) [مسلم]، وبرّ الوالدين: هو حسن الخلق في التعامل معهما، والإحسان إليهما بالقول والعمل، والسعي في إرضائهما، وطاعتُهما فيما لا معصية فيه، وهو عبادة وقربة مدح الله تعالى بها صفوة خلقه، فقال سبحانه عن يحيى -عليه السلام-: {وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا}، وقال عن عيسى -عليه السلام-: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا}، وقد حثّت على هذه العبادة نصوص كثيرة من الكتاب والسنّة، منها قوله تَعَالَى: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء]، فقد قرَن الله تعالى في هذه الآية بين عبادته وحده وبرّ الوالدين تنبيها على حقّهما العظيم، ثم نهى عن أدنى مراتب القول السيئ لهما، وهي كلمة "أفٍ" التي يقولها الناس للتضجر، فما بالك بما هو أكبر منها؟! ونهى عن الخشونة في الكلام معهما وأمر بالقول الكريم الطيب لهما، وقال سبحانه: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ}، فقد وصى اللهُ تعالى الإنسانَ بالإحسان لوالديه، وذكّره بما يقاسونه لأجله منذ صغره، فأمّه حملته في بطنها رغم ضعفها ثم بقيت تداريه بالرضاعة والرعاية إلى أن كبُر، ثم قرن الشكر له تعالى بالشكر لوالديه، وشكر الوالدين هو البرُّ بهما، وقال سبحانه: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا...} قال ابن كثير: "يقول تعالى آمرا عباده بالإحسان إلى الوالدين بعد الحث على التمسك بتوحيده، فإن الوالدين هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية الإحسان، فالوالد بالإنفاق والوالدة بالإشفاق" [التفسير].

وجاءت في السنة أحاديث كثيرة تحث المسلم على بر والديه، منها ما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (رَغِمَ أنفُه، ثم رغم أنفُه، ثم رغم أنفُه، قيل: مَن يا رسول الله؟! قال: من أدرك والديه عند الكبر، أحدَهما أو كليهما، ثم لمْ يدخل الجنة)، قال القاضي عياض: "فيه فضلُ البر وعظيمُ أجرِه، وأنّ برّهما يدخلُه الجنة، فمن فاته ذلك وقصر فيه فقد فاته خير كثير" [إكمال المعلم]


- العقوق خطره وصوره:

وخلاف البر هو العقوق، فإن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر في الإسلام، وفي إقران الله عز وجل الإحسان للوالدين بعبادته وتوحيده في عدة مواطن من كتابه تنبيه على عظم شأنهما وحرمة عقوقهما، وقد بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك فيما رواه الشيخان عن أبي بَكرة نُفيع بن الحارث عنه -صلى الله عليه وسلم- قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثا، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين...) [متفق عليه]، فتأمل كيف قرن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عقوق الوالدين بالإشراك بالله، ومن ذلك أيضا قصة جريج العابد، التي قصها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (..كان جريج رجلا عابدا، فاتخذ صومعة فكان فيها، فأتته أمُّه وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمّي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فانصَرفتْ، فلما كان من الغد أتتْه وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: يا رب أمّي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فانصرفتْ، فلما كان من الغد أتته وهو يصلي، فقالت: يا جريج، فقال: أيْ رب أمّي وصلاتي، فأقبل على صلاته، فقالت: اللهم لا تُمتْه حتى ينظر إلى وجوه المومسات...)، فما مات حتى ابتلاه الله بأن رأى وجوه المومسات (أي البغايا)؛ وذلك لأنه فضّل صلاة التطوع على إجابة أمّه، فاستجاب الله دعاءها عليه، رغم أن مخالفته لأمه في أمر يسير وفي حال كونه في أمر من أمور الآخرة، فكيف بمن عقّ والديه انتصارا لنفسه أو طمعا في الدنيا؟!

ومن صور عقوق الوالدين المنتشرة بين الناس هي العبوس في وجههما، ورفع الصوت في حضرتهما، وتسميعهما ما يكرهان، والبخل عليهما بالمال ونحوه، وتقديم الزوجة أو الولد عليهما، والتضجّر من أوامرهما وإظهار الكراهة لخدمتهما، هذا فضلا عن الدعاء عليهما أو سبّهما وضربهما، نسأل الله السلامة والعافية من هذا الذنب العظيم.


- الوالد كافرا:

وقد جاء الأمر ببر الوالدين وليس ودّهما؛ لأن البرّ أعمُّ من الودّ، فقد يكون الوالدان أو أحدُهما كافرا، فالمسلم يَبرّهُ بالإحسان إليه قولا وعملا والدعاء له بالهداية في حياته من غير مودّة قلبية، فهو من جنس برّ الذين لم يؤذوا المسلمين من أهل الكتاب المستأمنين أو المعاهدين أو الذميين، كما قال تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة]، فلا يعني برُّ الكافر والقسط إليه محبتَه، بل المسلم يكره كلّ كافر على كل حال، لكن هذا من جنس الإنصاف المأمور به شرعا، وقد قصّ علينا ربنا تعالى في كتابه برّ إبراهيم الخليل -عليه السلام- لأبيه الكافر، في سورة مريم، قال تعالى: {وَٱذكُر فِي ٱلكِتَٰبِ إِبرَٰهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقا نَّبِيًّا * إِذ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعبُدُ مَا لَا يَسمَعُ وَلَا يُبصِرُ وَلَا يُغنِي عَنكَ شَيـٔٗا * يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَد جَآءَنِي مِنَ ٱلعِلمِ مَا لَم يَأتِكَ فَٱتَّبِعنِيٓ أَهدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا * يَٰٓأَبَتِ لَا تَعبُدِ ٱلشَّيطَٰنَ إِنَّ ٱلشَّيطَٰنَ كَانَ لِلرَّحمَٰنِ عَصِيّٗا * يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَاب مِّنَ ٱلرَّحمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيطَٰنِ وَلِيّٗا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَن ءَالِهَتِي يَٰٓإِبرَٰهِيمُ لَئِن لَّم تَنتَهِ لَأَرجُمَنَّكَ وَٱهجُرنِي مَلِيّٗا}، فتأمل حسن خطاب إبراهيم -عليه السلام- لأبيه ورأفته به وخُلقه معه رغم أن أباه قد أمره بالكفر بل توعده بأن يرجمه ويهجره بسبب توحيده! ومثل هذا ما أمر الله تعالى به من مصاحبة الوالدين المشركين بالمعروف وإن أمراه بالشرك، قال تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان]، قال ابن كثير: "أي: إنْ حرصا عليك كل الحرص على أن تتابعهما على دينهما، فلا تقبل منهما ذلك، ولا يمْنعنّك ذلك من أن تصاحبهما في الدنيا معروفا، أي: محسنا إليهما" [التفسير]، وقد جاء هذا المعنى أيضا فيما رواه البخاري عن أسماء بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما- أنها قالت: "قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وهي مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، قُلتُ: وهي رَاغِبَةٌ، أفَأَصِلُ أُمِّي؟ قالَ: (نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ)"، ومن هنا تعلم خطأ من يزعم الاستقامة على أمر الله ثم يهجر والديه أو يؤذيهما أو يقطع النفقة عنهما بسبب معصية أو ذنب والله المستعان، وبر الوالدَين الكافرَين هو دعوة عملية لدين الله تعالى، وقد يكون هذا البر سببا في هدايتهما، ويا سعادة من هدى الله والديه على يديه، وكان سببا لنجاتهما من النار والقصص في ذلك كثيرة.


- من صور البر:

ولبرّ الوالدين صورٌ كثيرة، منها التذلل والدعاء لهما، كما قال تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} قال ابن كثير: "أي تواضع لهما بفعلك، (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا) أي في كبرهما وعند وفاتهما" [التفسير]، ومنها تفقّد حاجاتهما وقضائها، وحسن الكلام معهما، وتطييب خاطرهما، ومنها تعاهدهما بالزيارة والنفقة عليهما وجلب الهدايا لهما.

ومنها الدعاء لهما بالهداية إن كانا على الكفر ما داما في الحياة، أما بعد الموت فلا يجوز الدعاء لهما، لقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة]، أما إن كان الأبوان على الإسلام فإنه من البر الدعاء لهما بعد موتهما، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (إذا مات ابنُ آدم انقطع عنه عملُه إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له) [رواه مسلم]، وقد كان هذا دأب الأنبياء -عليهم السلام- كما قال نوح: {رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ..}. [نوح]

ومن صور بر الوالدين كذلك هو بر أصدقائهما ومن يحبون، وهو نوع من البر قلّ من ينتبه له، فقد روى مسلم عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: "أن رجلا من الأعراب لقيَه بطريق مكة، فسلّم عليه عبدُ الله وحملَه على حمارٍ كان يركبه وأعطاه عمامةً كانت على رأسِه، فقال ابنُ دينار: فقلنا له: أصلحك الله، إنّهم الأعرابُ وإنّهم يرضون باليسير، فقال عبدُ الله: إنّ أبا هذا كان وُدّا لعمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: إنّ أبرّ البرّ صلةُ الولدِ أهلَ وُدّ أبيه"، فتأمل كيف أعطى ابن عمر -رضي الله عنهما- دابته وعمامته لهذا الأعرابي رغم حاجته لهما بسبب أنه من أصحاب أبيه، فأكرمه برّا بأبيه.

ومن صور البر أيضا ترك بعض النوافل إن تعارضت مع حاجة الوالدين.


- نماذج من بر الوالدين:

وقد ذكر الله تعالى في كتابه قصة إسماعيل -عليه السلام- في برّه لأبيه إبراهيم، قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلمَنَامِ أَنِّيٓ أَذبَحُكَ فَٱنظُر مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفعَل مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ} [الصافات]، وهذه قصة عجيبة من قصص البر، امتثل فيها الابنُ أمر والده بذبحه!، فتأمل كيف أنه ينادي أباه بأدب جمّ وهو مقبل على ذبحه؟! وكيف أنه لم يخالفه في هذا الأمر الذي هو أشقّ أمر على النفس وأصعبه؟ ومن قصص البر أيضا ما قصه علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أمر النفر الثلاثة، وبرّ أحدهم بوالديه وما حصل له من ثمرات هذا البر، فعن عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (انطلق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلى غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله تعالى بصالح أعمالكم قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا فنأى بي طلب الشجر يوما فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين، فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلهما أهلا أو مالا، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية يتضاغون عند قدمي فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئا..) [متفق عليه] فتأمل تقديم هذا العبد الصالح لأبويه، وكيف أنه ترك أولاده جوعى في سبيل أن يطعم والديه قبلهم!

وقد أدرك السلف الصالح فضل برّ الوالدين، وجعلوه واقعا مع والديهم، منهم الإمام منصور ابن المعتمر، حيث قال صاحبه الإمام أبو بكر ابن عياش: "كنت مع منصور جالسا في منزله، فتصيح به أمه، وكانت فظة عليه، فتقول: يا منصور، يريدك ابن هبيرة على القضاء فتأبى؟ وهو واضع لحيته على صدره، ما يرفع طرفه إليها" [سير أعلام النبلاء]، وقال محمد بن المنكدر: "بات عُمَرُ (أخوه) يصلي وبتُّ أغمز رجليْ أمي وما أحب أن ليلتي بليلته" [الطبقات الكبرى]، فتأمل تفضيله خدمة أمّه على صلاة قيام الليل، وعن الزهري قال: "كان عليّ بنُ الحسين بنِ علي بن أبي طالب لا يأكل مع أمّه، وكان أبرّ الناس بها، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف أن آكل معها فتسبق عينها إلى شيء من الطعام، وأنا لا أعلم به فآكله، فأكون قد عققتها" [البر والصلة لابن الجوزي] ومثل هذا عن السلف كثير.

- بر الوالدين والجهاد:

إن برّ الوالدين مقدّم على الجهاد في سبيل الله إن كان فرض كفاية لا فرض عين كما هو الحال اليوم، فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: (يا نبيَّ الله، أيُّ الأعمالِ أقرب إلى الجنَّة؟ قال: الصَّلاةُ على مواقيتها، قلتُ: وماذا يا نبيَّ الله؟ قال: برُّ الوالدين، قلتُ: وماذا يا نبيَّ الله؟ قال: الجهاد في سبيل اللَّه) [رواه مسلم]، وعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- قال: "أقبل رجلٌ إلى نبيِّ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أُبايِعك على الهجرة والجهاد، أبتغي الأجر من الله، قال -صلى الله عليه وسلم-: (فهل من والدَيك أحدٌ حيٌّ؟) قال: نعم، بل كلاهما، قال: (فتبتغي الأجر من الله؟) قال: نعم، قال: (فارجِعْ إلى والدَيك فأحسِنْ صُحبتهما) [رواه مسلم]، وهذا كما تقدم عندما يكون الجهاد فرض كفاية، وهو خلاف ما يتعمّده أئمة الضلال اليوم من تضليل شباب المسلمين عبر سرد هذه الأحاديث لصدهم عن الجهاد في سبيل الله دون التمييز بين نوعي الجهاد.

أما إن كان الجهاد فرض عين كما في زماننا هذا، فإنه مقدّم على بر الأبوين، قال ابن حجر -رحمه الله-: "قال جمهور العلماء: يَحْرُمُ الجهاد إذا منع الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين؛ لأن برهما فرض عين عليه؛ والجهاد فرض كفاية، فإذا تعيّن الجهاد فلا إذْن" [فتح الباري]، فالقعود عن الجهاد في حال تعيّنِه هو معصية لله تعالى، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فطاعة الوالدين من طاعة الله تعالى، فإن أمرا بالمعصية فلا طاعة لهما في ذلك، فلا ينبغي أن يكون البرُّ سببا في ترك ما أمر الله به أو الوقوع فيما نهى عنه، وجاء في ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن مصعب بنِ سعد بن أبي وقّاص عن أبيه -رضي الله عنه-: "أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفتْ أمّ سعدٍ أن لا تكلّمه أبدا حتى يكفرَ بدينِه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زعمتَ أنّ الله وصاك بوالديك، وأنا أمّك، وأنا آمرك بهذا، قال: مكثَتْ ثلاثا حتى غُشيَ عليها من الجهد، فقام ابنٌ لها يقال له عمارة، فسقاها، فجعلت تدعو على سعد" فأنزل الله عز وجل في القرآن هذه الآية: {وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ..}، ومع هذا، فينبغي أن تكون هذه المخالفة لأمر الأبوين بالحسنى، ويحاول المسلم أن يقنعهما بأمر الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، لعل الله يهديهما ببركة التزامه بما أمره الله تعالى به من برّهما.

وبعد، فقد عرفت أخي المسلم فضل بر الوالدين وعظيم شأنه وتأثيره في دينك، وتبيّنت من خطورة العقوق وعِظَم ذنبِه، وطفت على نماذج من برّ الصالحين بوالديهم، فراجع نفسك في هذا الباب الخطير، وأصلح تقصيرك فيه ما دام في عمرك بقية، فإن اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل، نسأل الله أن يعيننا على طاعته والتزام أمره، إنه سميع مجيب.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 364
السنة الرابعة عشرة - الخميس 16 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد

اسلك سبيلهم ولو كنت وحدك! إنّ أجيالا كثيرة من المسلمين تتعاقب فتُنسى وتطوى، بينما يبقى قلائل ...

اسلك سبيلهم ولو كنت وحدك!



إنّ أجيالا كثيرة من المسلمين تتعاقب فتُنسى وتطوى، بينما يبقى قلائل منهم لا يمكن للتاريخ أن يطوي صفحتهم كما طوى الملايين غيرهم، فقد جعل الله لهم ذكرا في العالمين ما زلنا نتناقله إلى يومنا، بعد أن حفروا على صخر الزمان أسماءهم بحروف البذل والجهاد حتى أتاهم اليقين، وكانوا لمن بعدهم مثالا حيّا في كيفية الاقتداء بالأنبياء والمرسلين، في خوض غمار معركة الشبهات والشهوات والانتصار فيها، وتجاوزِها لمعركة أخرى؛ معركة تغيير الواقع لا الاستسلام له، كما هو حال أكثر الناس اليوم.

وعلى إثر هؤلاء الأبطال العظام سار نفرٌ من أبناء الإسلام اليوم، فنهلوا مما نهل منه الأولون، وساروا على نفس الدرب الذي سار عليه السابقون؛ وخاضوا نفس المعركة بكلّ فصولها حتى إحدى الحسنيين.

ففي الوقت الذي استسلم فيه أكثر الناس اليوم للأمر الواقع؛ كان هؤلاء الأبطال يسبحون عكس تيار هذه الجموع المستسلمة، ويرفضون الانصياع لضغط الأكثرية التي تناديهم للرضوخ، ذلك أن الله تعالى هداهم وعرّفهم بأن الواقع الذي استسلم له الناس إنما هو من صنع أيديهم! وأن تغيير هذا الواقع يبدأ من المرء نفسه، وأن العبد بقعوده وتقاعسه شريك في صناعة هذا الواقع المرير، وقد قال ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ..}؛ فلن يتغير شيء إنْ جلس كل منا يندب حظّه ويبكي مآسي المسلمين ويتعاطف مع جراحاتهم، ثم ما إن تذهب موجة العاطفة هذه، ويختفي مشهد المأساة من أمامه حتى يعود أدراجه ليأخذ مكانه من جديد وسط الغثاء القاعدين، بانتظار مشهد آخر يستدرّ دموعه لا دماءه! ويستدعي عاطفته لا عقيدته!

لقد وضع الشيخ أبو عمر البغدادي -رحمه الله- يده على هذا الجرح القديم حين صاح بأمة الإسلام قائلا: "أمة الإسلام، لسنا اليوم بحاجة لمن يذرف الدموع، ويؤلف الشعارات، إننا اليوم بحاجة إلى التضحيات، بحاجة لمَن سمع قول الله تعالى: {انفروا خفافًا وثقالًا..}، فطار عن فراشه ووطئه، وذبّ عن كاهله الجبن والخنوع، وامتطى صهوة الجهاد وكان باطنه كظاهره"، وصدّق الشيخ رحمه الله كلماتِه العلاجيّةَ هذه بأفعاله، في زمن كَثُر فيه الكلام وقلّت الأفعال، حين قال نيابة عن ركب المجاهدين الميمون: "فلسنا من يذرف الدموع، ويبكي قاعداً مثل النساء، فما كان ولن يكون هذا سبيلنا، فإن دماءنا ترخص دفاعاً عن الدين والعرض"، وكانت خاتمته بالدماء! فالدموع هي عزاء المحبَطين ذوي الهمم الخائرة، الذين يبكون كالنساء على واقع يتقاعسون عن تغييره كالرجال!

إن المسلم مكلّف بأن يؤدي حق الله عليه، سواء أدى الناس ما عليهم أم انتكسوا، تقدموا أم تأخروا، فلا ينتظر من الناس التأييد أو النصرة، فالغثاء سيقضون على عزيمته إن التفت إليهم، وليتأمل ما قاله الله تعالى لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: {فَقَاٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا}، فالمسلم لن يُسأل عن غيره لماذا لم يتحرك، لكن سيسأل عن نفسه لماذا لم يستجب لأمر ربه سبحانه، وبقي يتلفّت يمنة ويسرة، ويقول ما أنا إلا من هذه الجموع إن غوت غويت وإن ترشد أرشد! فأول الطريق إذن هو الخروج من فوضى هذه الجموع الساعية خلف الشهوات، والاستنان بالصالحين الذين حبّروا نصائحهم بدمائهم، وعرفوا مراد الله منهم، فنفضوا عن كواهلهم غبار الذل، وانتفضوا في وجه الواقع، وأسرجوا خيول المجد، ليبنوا لأمتهم ما هدم أعداؤها عبر قرون من الغزو العقدي والأخلاقي.

إن الأمة اليوم بحاجة إلى رجال أشداء، رجال يصدقون مع الله على ما يعاهدونه، لا ينتكسون وسط الطريق أو يتخلون، أو يستطيلون الطريق أو يميّعون، أو يستبطئون النصر أو يستعجلون، بل من الأفذاذ الذين يرمون الدنيا خلف ظهورهم، لا يبالون بقلة السالكين وتخريف المعاندين، فإن وفقك الله -يا عبد الله- والتحقت بركبهم، فإياك وزاد العاطفة الآنية، فإن الطريق طويلة موحشة، معفرة بالدماء والابتلاءات الثقيلة، لا تقوى العواطف أو ردّات الفعل أن تحملك عليها إلا لوقت قليل ثم تسلمك للزاد الحقيقي، الذي تتكئ عليه نفسك لتقْوى على المواصلة، ذلك الزاد هو تقوى الله تعالى، كما قال ربك سبحانه: {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}، فتقوى الله في السر والعلن هو الوقود الذي يمكّنك من الاستمرار -بإذن الله- كلما عرضَتْ لك الفتن أو زادت عليك المحن، ثم سر على بركة الله، على بصيرة من أمرك، ولن تضل ما دام الكتاب والسنة هادييك ودليليك، ثم هاؤم الكفار من حولك قد ملؤوا الدنيا بكفرهم، وحاربوا دين مولاك وقتلوا إخوانك وشردوا بهم، فاشف صدرك منهم وصدور قوم مؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، ولن تعجز أن تجد وسيلة لذلك، فمن توكل على الله فهو حسبه وكافيه، وميسر أموره وهاديه، ومنقذُه من أن يكون رقما في هذا الغثاء الكثير.

ومن سار في هذا الدرب الشديد، الذي عجز عنه عشاق الدنيا، وامتُحن عليه المدّعون بالتقوى، فلا يلتفت للجموع التي تناديه بأن طريقك هذا نهايته الهلاك، وكيف يكون هلاكا وقد دلنا عليه خالقنا؟! وسار عليه الأنبياء والصالحون قبلنا؟! فاسلك هذا السبيل ولو كنت وحدك، فلم ينتظر أبو بصير -رضي الله عنه- أحدا حين أذاق كفار قريش الويلات، ولم ينتظر السابقون الأولون -ليلتحقوا بدين الله- توافد البيعات، وتأمل في غربة الصحابة وهم يسيرون أفرادا من اليمن أو الروم أو فارس، ليسلكوا -كلٌّ وحده- درب الحق رغم أمواج الكفر من حولهم، فلن تكلّف إلا نفسك، وأنت من سلالة إبراهيم الخليل -عليه السلام- الذي كان أمة وحده، {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 364
السنة الرابعة عشرة - الخميس 16 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد

اسلك سبيلهم ولو كنت وحدك! إنّ أجيالا كثيرة من المسلمين تتعاقب فتُنسى وتطوى، بينما يبقى قلائل ...

اسلك سبيلهم ولو كنت وحدك!



إنّ أجيالا كثيرة من المسلمين تتعاقب فتُنسى وتطوى، بينما يبقى قلائل منهم لا يمكن للتاريخ أن يطوي صفحتهم كما طوى الملايين غيرهم، فقد جعل الله لهم ذكرا في العالمين ما زلنا نتناقله إلى يومنا، بعد أن حفروا على صخر الزمان أسماءهم بحروف البذل والجهاد حتى أتاهم اليقين، وكانوا لمن بعدهم مثالا حيّا في كيفية الاقتداء بالأنبياء والمرسلين، في خوض غمار معركة الشبهات والشهوات والانتصار فيها، وتجاوزِها لمعركة أخرى؛ معركة تغيير الواقع لا الاستسلام له، كما هو حال أكثر الناس اليوم.

وعلى إثر هؤلاء الأبطال العظام سار نفرٌ من أبناء الإسلام اليوم، فنهلوا مما نهل منه الأولون، وساروا على نفس الدرب الذي سار عليه السابقون؛ وخاضوا نفس المعركة بكلّ فصولها حتى إحدى الحسنيين.

ففي الوقت الذي استسلم فيه أكثر الناس اليوم للأمر الواقع؛ كان هؤلاء الأبطال يسبحون عكس تيار هذه الجموع المستسلمة، ويرفضون الانصياع لضغط الأكثرية التي تناديهم للرضوخ، ذلك أن الله تعالى هداهم وعرّفهم بأن الواقع الذي استسلم له الناس إنما هو من صنع أيديهم! وأن تغيير هذا الواقع يبدأ من المرء نفسه، وأن العبد بقعوده وتقاعسه شريك في صناعة هذا الواقع المرير، وقد قال ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ..}؛ فلن يتغير شيء إنْ جلس كل منا يندب حظّه ويبكي مآسي المسلمين ويتعاطف مع جراحاتهم، ثم ما إن تذهب موجة العاطفة هذه، ويختفي مشهد المأساة من أمامه حتى يعود أدراجه ليأخذ مكانه من جديد وسط الغثاء القاعدين، بانتظار مشهد آخر يستدرّ دموعه لا دماءه! ويستدعي عاطفته لا عقيدته!

لقد وضع الشيخ أبو عمر البغدادي -رحمه الله- يده على هذا الجرح القديم حين صاح بأمة الإسلام قائلا: "أمة الإسلام، لسنا اليوم بحاجة لمن يذرف الدموع، ويؤلف الشعارات، إننا اليوم بحاجة إلى التضحيات، بحاجة لمَن سمع قول الله تعالى: {انفروا خفافًا وثقالًا..}، فطار عن فراشه ووطئه، وذبّ عن كاهله الجبن والخنوع، وامتطى صهوة الجهاد وكان باطنه كظاهره"، وصدّق الشيخ رحمه الله كلماتِه العلاجيّةَ هذه بأفعاله، في زمن كَثُر فيه الكلام وقلّت الأفعال، حين قال نيابة عن ركب المجاهدين الميمون: "فلسنا من يذرف الدموع، ويبكي قاعداً مثل النساء، فما كان ولن يكون هذا سبيلنا، فإن دماءنا ترخص دفاعاً عن الدين والعرض"، وكانت خاتمته بالدماء! فالدموع هي عزاء المحبَطين ذوي الهمم الخائرة، الذين يبكون كالنساء على واقع يتقاعسون عن تغييره كالرجال!

إن المسلم مكلّف بأن يؤدي حق الله عليه، سواء أدى الناس ما عليهم أم انتكسوا، تقدموا أم تأخروا، فلا ينتظر من الناس التأييد أو النصرة، فالغثاء سيقضون على عزيمته إن التفت إليهم، وليتأمل ما قاله الله تعالى لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: {فَقَاٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا}، فالمسلم لن يُسأل عن غيره لماذا لم يتحرك، لكن سيسأل عن نفسه لماذا لم يستجب لأمر ربه سبحانه، وبقي يتلفّت يمنة ويسرة، ويقول ما أنا إلا من هذه الجموع إن غوت غويت وإن ترشد أرشد! فأول الطريق إذن هو الخروج من فوضى هذه الجموع الساعية خلف الشهوات، والاستنان بالصالحين الذين حبّروا نصائحهم بدمائهم، وعرفوا مراد الله منهم، فنفضوا عن كواهلهم غبار الذل، وانتفضوا في وجه الواقع، وأسرجوا خيول المجد، ليبنوا لأمتهم ما هدم أعداؤها عبر قرون من الغزو العقدي والأخلاقي.

إن الأمة اليوم بحاجة إلى رجال أشداء، رجال يصدقون مع الله على ما يعاهدونه، لا ينتكسون وسط الطريق أو يتخلون، أو يستطيلون الطريق أو يميّعون، أو يستبطئون النصر أو يستعجلون، بل من الأفذاذ الذين يرمون الدنيا خلف ظهورهم، لا يبالون بقلة السالكين وتخريف المعاندين، فإن وفقك الله -يا عبد الله- والتحقت بركبهم، فإياك وزاد العاطفة الآنية، فإن الطريق طويلة موحشة، معفرة بالدماء والابتلاءات الثقيلة، لا تقوى العواطف أو ردّات الفعل أن تحملك عليها إلا لوقت قليل ثم تسلمك للزاد الحقيقي، الذي تتكئ عليه نفسك لتقْوى على المواصلة، ذلك الزاد هو تقوى الله تعالى، كما قال ربك سبحانه: {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}، فتقوى الله في السر والعلن هو الوقود الذي يمكّنك من الاستمرار -بإذن الله- كلما عرضَتْ لك الفتن أو زادت عليك المحن، ثم سر على بركة الله، على بصيرة من أمرك، ولن تضل ما دام الكتاب والسنة هادييك ودليليك، ثم هاؤم الكفار من حولك قد ملؤوا الدنيا بكفرهم، وحاربوا دين مولاك وقتلوا إخوانك وشردوا بهم، فاشف صدرك منهم وصدور قوم مؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها، ولن تعجز أن تجد وسيلة لذلك، فمن توكل على الله فهو حسبه وكافيه، وميسر أموره وهاديه، ومنقذُه من أن يكون رقما في هذا الغثاء الكثير.

ومن سار في هذا الدرب الشديد، الذي عجز عنه عشاق الدنيا، وامتُحن عليه المدّعون بالتقوى، فلا يلتفت للجموع التي تناديه بأن طريقك هذا نهايته الهلاك، وكيف يكون هلاكا وقد دلنا عليه خالقنا؟! وسار عليه الأنبياء والصالحون قبلنا؟! فاسلك هذا السبيل ولو كنت وحدك، فلم ينتظر أبو بصير -رضي الله عنه- أحدا حين أذاق كفار قريش الويلات، ولم ينتظر السابقون الأولون -ليلتحقوا بدين الله- توافد البيعات، وتأمل في غربة الصحابة وهم يسيرون أفرادا من اليمن أو الروم أو فارس، ليسلكوا -كلٌّ وحده- درب الحق رغم أمواج الكفر من حولهم، فلن تكلّف إلا نفسك، وأنت من سلالة إبراهيم الخليل -عليه السلام- الذي كان أمة وحده، {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 364
السنة الرابعة عشرة - الخميس 16 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
23 ذو القعدة 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً