مقتطف من كلمة "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ" يا أهل السنة في جزيرة محمد -صلى الله عليه وسلم- أين ...

مقتطف من كلمة "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ"


يا أهل السنة في جزيرة محمد -صلى الله عليه وسلم- أين أحفاد الصحابة فيكم، أين غيرتكم على دينكم وأمتكم؟ أين مروءتكم وشهامتكم؟ أما ترون حال أهل السنة في العراق والشام واليمن؟ أو تظنون أنكم بمنأى عما يلاقيه أهل الإسلام من الكرب والبلاء؟ ثبوا من رقادكم وسكرتكم وانفضوا غبار الذل عنكم، فما عاد طغيان وكفر دولة آل سلول قبحهم الله بخاف حتى على صبيانكم، وقد عزموا على تغريبكم وعلمنتكم في حملة ممنهجة سعيا لإكفاركم وتدمير منهج أهل السنة والجماعة على أرضكم، يا أحفاد الفاتحين حطموا حاجز الخوف المتوهم في نفوسكم ولا تعولوا على أشباه الرجال ممن يسمون بالعلماء، فقد باعوا دينهم لهذا الطاغوت وأرخصوا الأعراض إرضاءا لنزواته وشهواته، وخدروكم بدعوى الأمن الزائف على أرضكم وخوف الفتنة والقتل، إن الفتنة الشرك إن الفتنة أن يقتل أبناؤكم على غير ملة الإسلام في سبيل نصرة الطاغوت والوطنية، إن الفتنة أن تنطلق طائرات القتل والدمار من أرضكم يقودها أبناؤكم وبفتاوى القتلة المجرمين بلاعمة العصر لتقصف مدن وبلدات أهل السنة في العراق والشام وتسويها بالأرض، نصرة وإعانة للصليبيين وتمكينا للنصيرية والرافضة وملاحدة الأكراد من رقاب أهل السنة، ومن منا لم يسمع بدعم الملاحدة الأكراد بمئة مليون دولار كما صرحوا بذلك، وبدعمهم اللامحدود لرافضة العراق؟ أما في جزيرة محمد -صلى الله عليه وسلم- من يقف في وجه هؤلاء المرتدين السفهاء؟ انهضوا يا آساد النزال في الحجاز ونجد والبحرين وأعدوا العدة وجهزوا السرايا وعبئوا الكتائب واستعينوا بالله لخلع هؤلاء المرتدين الخونة أحفاد أبي رغال الذين طال شرهم ومكرهم بأهل السنة في كل مكان، وأبوا إلا أن يكونوا العين الساهرة للصليبيين واليد الباطشة بالمسلمين اليوم، فإنه لا صيانة للدين والعرض من دون دم مهراق وقلب للآخرة تواق.

ويا أهل السنة في الأردن ألأجل رغيف خبز تضجون وحكم الله وشرعه في أرضكم مضيع مبدل قد عفا رسمه فلا يرى، كفاكم جريا خلف السراب واكفروا بالأحزاب فإن صلاح الحال لن يكون إلا بخلع هؤلاء الطواغيت الجاثمين على البلاد وبإقامة شرعة رب العباد، فأقبلوا على ربكم ودينكم أين أصحاب العزمات منكم كفوارس السلط والفحيص وليوث الكرك والزرقاء وإربد ومعان، أين الأنجاد أين أهل الشداد ليفهموا ذنب الروم وكلب اليهود من هم أبناء الإسلام من هم المجاهدون، فإن للموحدين ثأرا قد أقسموا برب البيت أن لا يضيعوه وإن غدا لناظره لقريب، واعلموا يا أهل الإسلام أن النصر والتأييد بيد الله وحده: {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160]، قال الإمام الطبري في تفسيره: "{فلا غالب لكم} من الناس، يقول: فلن يغلبكم مع نصره إياكم أحد، ولو اجتمع عليكم من بين أقطارها من خلقه، فلا تهابوا أعداء الله لقلة عددكم وكثرة عددهم، ما كنتم على أمره واستقمتم على طاعته وطاعة رسوله؛ فإن الغلبة لكم والظفر دونهم"، فاستنزلوا النصر من الله وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا.

... يا أجناد الخلافة في العراق والشام وخراسان واليمن، وشرق آسيا وغرب إفريقية ووسطها والصومال وليبيا وسيناء ونجد والحجاز وتونس والجزائر والقوقاز وكشمير، يا جنود الإسلام وحملة لوائه يا ليوث الغاب وأسد الميدان، ضعوا نصب أعينكم قول ربكم: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ * وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 36 - 38] وقوله سبحانه: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 139 - 140] فاسعوا للنصر مجتهدين باذلين، واطلبوا الشهادة صابرين محتسبين، وتوكلوا على من بيده ملكوت كل شيء، وارجوه العون والسداد والهداية والرشاد، وواصلوا المسير، فهذا طريق الرسل والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، هجرة وقتال، دماء وأشلاء، ولا يهولنكم أو يغرنكم كثرة المنتكسين أو المخذلين والمخالفين، والزموا غرز الجماعة، وإياكم والاختلاف على أمرائكم، وليحفظ كل امرئ منكم ثغره ولا يؤتين الإسلام من قبله، فالطبيب والإعلامي، والقاضي والدعوي، والمحتسب والأمني والإداري، كل في جهاد وجلاد وصبر واحتساب، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، واحذروا ممن يريد أن يحرّش بينكم وبين أمرائكم، ويحيي الضغائن ودعوى الجاهلية بين أظهركم، وعضوا بالنواجذ على وصية نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، حين قال: (وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: بالجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية، فهو من جثاء جهنم) قالوا: يا رسول الله، وإن صام، وإن صلى؟ قال: (وإن صام، وإن صلى، وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله عز وجل المسلمين المؤمنين عباد الله عز وجل).

وأبشروا بالمعية والتأييد وإن قل الناصر والمعين، ففي صحيح مسلم قال -عليه الصلاة والسلام-: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك).



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 365
السنة الرابعة عشرة - الخميس 23 ربيع الآخر 1444 هـ

مقتطف:
من كلمة "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ"
لأمير المؤمنين الشيخ أبي بكر البغدادي -تقبله الله تعالى-
...المزيد

مقتطف من كلمة "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ" يا أهل السنة في جزيرة محمد -صلى الله عليه وسلم- أين ...

مقتطف من كلمة "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ"


يا أهل السنة في جزيرة محمد -صلى الله عليه وسلم- أين أحفاد الصحابة فيكم، أين غيرتكم على دينكم وأمتكم؟ أين مروءتكم وشهامتكم؟ أما ترون حال أهل السنة في العراق والشام واليمن؟ أو تظنون أنكم بمنأى عما يلاقيه أهل الإسلام من الكرب والبلاء؟ ثبوا من رقادكم وسكرتكم وانفضوا غبار الذل عنكم، فما عاد طغيان وكفر دولة آل سلول قبحهم الله بخاف حتى على صبيانكم، وقد عزموا على تغريبكم وعلمنتكم في حملة ممنهجة سعيا لإكفاركم وتدمير منهج أهل السنة والجماعة على أرضكم، يا أحفاد الفاتحين حطموا حاجز الخوف المتوهم في نفوسكم ولا تعولوا على أشباه الرجال ممن يسمون بالعلماء، فقد باعوا دينهم لهذا الطاغوت وأرخصوا الأعراض إرضاءا لنزواته وشهواته، وخدروكم بدعوى الأمن الزائف على أرضكم وخوف الفتنة والقتل، إن الفتنة الشرك إن الفتنة أن يقتل أبناؤكم على غير ملة الإسلام في سبيل نصرة الطاغوت والوطنية، إن الفتنة أن تنطلق طائرات القتل والدمار من أرضكم يقودها أبناؤكم وبفتاوى القتلة المجرمين بلاعمة العصر لتقصف مدن وبلدات أهل السنة في العراق والشام وتسويها بالأرض، نصرة وإعانة للصليبيين وتمكينا للنصيرية والرافضة وملاحدة الأكراد من رقاب أهل السنة، ومن منا لم يسمع بدعم الملاحدة الأكراد بمئة مليون دولار كما صرحوا بذلك، وبدعمهم اللامحدود لرافضة العراق؟ أما في جزيرة محمد -صلى الله عليه وسلم- من يقف في وجه هؤلاء المرتدين السفهاء؟ انهضوا يا آساد النزال في الحجاز ونجد والبحرين وأعدوا العدة وجهزوا السرايا وعبئوا الكتائب واستعينوا بالله لخلع هؤلاء المرتدين الخونة أحفاد أبي رغال الذين طال شرهم ومكرهم بأهل السنة في كل مكان، وأبوا إلا أن يكونوا العين الساهرة للصليبيين واليد الباطشة بالمسلمين اليوم، فإنه لا صيانة للدين والعرض من دون دم مهراق وقلب للآخرة تواق.

ويا أهل السنة في الأردن ألأجل رغيف خبز تضجون وحكم الله وشرعه في أرضكم مضيع مبدل قد عفا رسمه فلا يرى، كفاكم جريا خلف السراب واكفروا بالأحزاب فإن صلاح الحال لن يكون إلا بخلع هؤلاء الطواغيت الجاثمين على البلاد وبإقامة شرعة رب العباد، فأقبلوا على ربكم ودينكم أين أصحاب العزمات منكم كفوارس السلط والفحيص وليوث الكرك والزرقاء وإربد ومعان، أين الأنجاد أين أهل الشداد ليفهموا ذنب الروم وكلب اليهود من هم أبناء الإسلام من هم المجاهدون، فإن للموحدين ثأرا قد أقسموا برب البيت أن لا يضيعوه وإن غدا لناظره لقريب، واعلموا يا أهل الإسلام أن النصر والتأييد بيد الله وحده: {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160]، قال الإمام الطبري في تفسيره: "{فلا غالب لكم} من الناس، يقول: فلن يغلبكم مع نصره إياكم أحد، ولو اجتمع عليكم من بين أقطارها من خلقه، فلا تهابوا أعداء الله لقلة عددكم وكثرة عددهم، ما كنتم على أمره واستقمتم على طاعته وطاعة رسوله؛ فإن الغلبة لكم والظفر دونهم"، فاستنزلوا النصر من الله وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا.

... يا أجناد الخلافة في العراق والشام وخراسان واليمن، وشرق آسيا وغرب إفريقية ووسطها والصومال وليبيا وسيناء ونجد والحجاز وتونس والجزائر والقوقاز وكشمير، يا جنود الإسلام وحملة لوائه يا ليوث الغاب وأسد الميدان، ضعوا نصب أعينكم قول ربكم: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ * وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 36 - 38] وقوله سبحانه: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 139 - 140] فاسعوا للنصر مجتهدين باذلين، واطلبوا الشهادة صابرين محتسبين، وتوكلوا على من بيده ملكوت كل شيء، وارجوه العون والسداد والهداية والرشاد، وواصلوا المسير، فهذا طريق الرسل والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، هجرة وقتال، دماء وأشلاء، ولا يهولنكم أو يغرنكم كثرة المنتكسين أو المخذلين والمخالفين، والزموا غرز الجماعة، وإياكم والاختلاف على أمرائكم، وليحفظ كل امرئ منكم ثغره ولا يؤتين الإسلام من قبله، فالطبيب والإعلامي، والقاضي والدعوي، والمحتسب والأمني والإداري، كل في جهاد وجلاد وصبر واحتساب، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، واحذروا ممن يريد أن يحرّش بينكم وبين أمرائكم، ويحيي الضغائن ودعوى الجاهلية بين أظهركم، وعضوا بالنواجذ على وصية نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، حين قال: (وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن: بالجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يرجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية، فهو من جثاء جهنم) قالوا: يا رسول الله، وإن صام، وإن صلى؟ قال: (وإن صام، وإن صلى، وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم بما سماهم الله عز وجل المسلمين المؤمنين عباد الله عز وجل).

وأبشروا بالمعية والتأييد وإن قل الناصر والمعين، ففي صحيح مسلم قال -عليه الصلاة والسلام-: (لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك).



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 365
السنة الرابعة عشرة - الخميس 23 ربيع الآخر 1444 هـ

مقتطف:
من كلمة "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ"
لأمير المؤمنين الشيخ أبي بكر البغدادي -تقبله الله تعالى-
...المزيد

فقامت بالعصا عليه +خطا +ضم دولة ملتقى تفسير +خطا الحكايات طائرة +النساء

فقامت بالعصا عليه +خطا +ضم دولة ملتقى تفسير +خطا الحكايات طائرة +النساء

خصال المجاهدين الحمد لله رب العالمين، ولي المتقين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين وخاتم ...

خصال المجاهدين


الحمد لله رب العالمين، ولي المتقين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين وخاتم المرسلين وبعد.

فإن الله يربي عباده ويُعلّمهم سبله ويرشدهم إلى الهداية وجميل الخصال؛ ليكونوا على التمام ظاهرا وباطنا، وقد بين الله للمجاهدين الخصال الواجب أخذها، ليكونوا مؤمنين حقا، ومن ذلك ما افتتحت به سورة الأنفال التي فيها ذكر آداب الجهاد وأحكامه وإرشاداته والتي لا غنى للمجاهد عنها، فهي قد نزلت للرعيل الأول من الصحابة الكرام في أول غزوة كُبرى كانت فرقانا بين الإسلام والكفر، وقد سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- قسمة الغنائم، فأتاهم الجواب ولكن بعد ذكر ما هو أهم؛ من معاني الإيمان والطاعة وذكر النعمة والتواضع لله والمُضي في قتال الأعداء ليكون الدين كله لله.

وتؤخذ خصال المجاهدين من آيات الجهاد وسُوَرِه فإنه منبعها ومعينها الذي لا ينضب.

قال ربنا سبحانه: {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال].


- الخشية والخشوع:

الخصلة الأولى: أنهم {إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}، قال ابن كثير: "وقال مجاهد: {وجلت قلوبهم} فرقت، أي: فزعت وخافت. وكذا قال السدي وغير واحد. وهذه صفة المؤمن حق المؤمن، الذي إذا ذكر الله وجل قلبه، أي: خاف منه، ففعل أوامره، وترك زواجره" [التفسير]، فهم أهل خوف من الله تعالى، إذا سمعوا أمر الله انقادوا وإذا سمعوا نهيه انزجروا وتركوا، وقّافون عند كتاب الله، وليس من الوجل عند آيات القرآن التبرير للحال أو البحث عن الأعذار أو التحايل على دين الله أو ليّ أعناق النصوص، بل يكون حالهم: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} [الإنسان]، وهؤلاء هم المخبتون الخاضعون لله، قال تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحج]، وهذه من أهم الخصال التي يتصف بها المجاهد في سبيل الله، فليس هو مقاتلا فقط يحمل السلاح، بل هو جندي لله يعمل على إقامة دين الله وتعبيد الناس لخالقهم سبحانه فلا بد أن يكون معظّما لله ولشعائره، يقْدُر الله حق قدره، ممتلئٌ قلبه إجلالا لله، فكلام الله عنده أعظم كلام وأوامره أعظم أوامر، فمن سمعها لا بد أن تقع في قلبه موقعها ويبقى في سمعه صداها، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأنفال].

ويدخل في تعظيم الله وكتابه تعظيمُ سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإنه عليه الصلاة والسلام مبلغٌ عن الله، والسنة مفسِّرة للقرآن ومبيّنة له، وقد كان أسلافنا من الصحابة رضي الله عنهم على قدر كبير من تعظيم سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- والحرص عليها، وهذا برهان توفيقهم وسدادهم -رضي الله عنهم-.


- زيادة الإيمان عند القرآن:

الخصلة الثانية: قوله تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}، فآيات الله تغيّر في حالهم، إذا سمعوها أو قرؤوها يزدادون إيمانا ويقينا، بل ويستبشرون بها كما قال الله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة]، فتُسر قلوبهم وتستنير وجوههم لما وجدوه من الزيادة في الإيمان والعلم من آيات الله تعالى، فالغنيمة عندهم تلك الآيات البينات، وهم مع أخذهم الآيات يأخذون معها العلم والعمل، فعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: "كان أصحابنا يقرئونا ويعلمونا ويخبرونا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كان يقرئ أحدهم عشر آيات فما يجوزها حتى يتعلم العمل فيها" قال: وقالوا: علمنا القرآن والعمل جميعا". [شرح مشكل الآثار]

فينبغي للمؤمن عموما والمجاهد خصوصا أن يكون حريصا على تعلّم تفسير كتاب الله تعالى وتفقد الجوانب العملية في الآيات ليزداد إيمانا وعملا، ولا يمنع الإنسان من الانتفاع من آي القرآن إلا ثقل الذنوب وغفلة القلوب، والتعلق بالدنيا، وأما الذي يزداد إعراضا فهذا المنافق، قال الله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة] فلا تزدهم الآيات إلا وبالا وشرا وضيقا وعنادا وقسوة، وهؤلاء هم الذين لهم الويل، قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر].

- التوكل على الله:

الخصلة الثالثة: {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}، قال ابن كثير: "أي: لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك، وحده لا شريك له، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب؛ ولهذا قال سعيد بن جبير: التوكل على الله جماع الإيمان" [التفسير]. وهذه خصلة عظيمة لا يستطيع المجاهد السير إلا عليها، فأنى له بالقدرة على تكاليف الجهاد والعالم كله متربص به والعدد قليل والإمكانات أقل والعوائق كثيرة، بغير التوكل، ولذا فإن المتوكل على الله اعتماده كله على الله وثقته به سبحانه، ويرى كل شيء بيد ربه ومولاه، فإن احتاج سأل الله وإن تعسر عليه شيء تضرع إلى الله، وإن عمل رجا من الله التمام، فهو يعمل بالأسباب ولا يرى الأسباب كل شيء، بل إن فقد سببا فهناك سبب آخر، فالمسبِّب والمعين هو الله، يلهمه الأسباب ويهيئ له الأمور، فلا يعرف المجاهد كللا ولا مللا ولا يعجزه شيء، بل هو القوي والمثابر والمصابر، فالله معينه ومُيسّر أمره، وهذا يدخل مع المجاهد في كل أعماله فلا ينسد أمامه باب إلا وبحث عن البديل، بثقته بالله وحسن توكله عليه.


- إقامة الصلاة:

الخصلة الرابعة: قوله تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ}، قال ابن كثير رحمه الله: "وقال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها ووضوئها، وركوعها، وسجودها. وقال مقاتل بن حيان: إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، هذا إقامتها". [التفسير]، فإن شأن الصلاة عظيم وهي أعظم من الجهاد، وقد شرعت الجماعة في الجهاد في صلاة الخوف تأكيدا لأهميتها وعظيم أثرها على المجاهدين، بصفّهم شعثا غبرا لله ربهم، وقد قال أبو بكر رضي الله عنه ليزيد بن أبي سفيان وهو يبعثه مع جيشه إلى الشام: "وصلِّ الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها" [الكامل في التاريخ]، وقال لعمرو بن العاص رضي الله عنه أيضا وهو أمير جيشه: "والصلاة ثم الصلاة أذّن بها إذا دخل وقتها، ولا تصل صلاة إلا بأذان يسمعه أهل العسكر" [فتوح الشام].

وقد كان للصلاة أثر حتى على نفوس الأعداء كما جاء في قصة القادسية أنه لما أذن المؤذن للصلاة، رآهم رستم -قائد جيش الفرس- يتحشحشون (يتجهزون)، فنادى في أهل فارس أن يركبوا، فقيل له: ولم؟ قال: أما ترون إلى عدوكم قد نودي فيهم فتحشحشوا لكم! قال عينه (الجاسوس الذي بعثه إلى المسلمين): ذلك إنما تحشحشهم هذا للصلاة، فقال بالفارسية: وإنما هو عمر الذي يكلم الكلاب فيعلمهم العقل" [تاريخ الطبري].

فالواجب أداؤها كما أمر الله ولو كان الإنسان في الجهاد والرباط ما دام في مأمن، قال تعالى: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء]، وعليه ألا يتوسع في الرخص التي لا يحتاجها كالجمع والتيمم، وأما إن حصل الخوف أو الاستنفار أو مجابهة العدو فإنه يصلي ويتطهر بحسب ما استطاع، وله حتى أن يصلي إيماءً في حال الشدة.

ومن حسنت صلاته حَسُن جهاده وسائر أعماله، ومن قصّر في الصلاة قصّر في غيرها من أبواب الدين، فتنبّه.


- البذل والجود بالمال:

الخصلة الخامسة: قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}، قال ابن كثير: "والإنفاق مما رزقهم الله يشمل خراج الزكاة، وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحب، والخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لخلقه. قال قتادة في قوله: {ومما رزقناهم ينفقون} فأنفقوا مما أعطاكم الله، فإنما هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم، أوشكت أن تفارقها".

والمجاهد يجود بنفسه وماله، فإن الشجاعة والكرم قرينان، ومن تعلق بالآخرة بذل الدنيا ولم يُبالِ بها، والجود من الموجود دون تكلّف لما لا يُطاق، وأعظم الإنفاق النفقة في أبواب الجهاد وما يتعلق بها.

ثم خُتمت هذه الآيات بتأكيد إيمان من جمع هذه الخصال الجامعة، فقال سبحانه: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} فمن اتصف بهذه الخصال سلم له دينه وصار مؤمنا حقا مجاهدا حقا تقيا حقا، وله الجزاء الأوفى قال تعالى: {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، نسأل الله الدرجات العُلى والنعيم المقيم، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، والحمد لله رب العالمين.


● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 365
السنة الرابعة عشرة - الخميس 23 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد

خصال المجاهدين الحمد لله رب العالمين، ولي المتقين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين وخاتم ...

خصال المجاهدين


الحمد لله رب العالمين، ولي المتقين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين وخاتم المرسلين وبعد.

فإن الله يربي عباده ويُعلّمهم سبله ويرشدهم إلى الهداية وجميل الخصال؛ ليكونوا على التمام ظاهرا وباطنا، وقد بين الله للمجاهدين الخصال الواجب أخذها، ليكونوا مؤمنين حقا، ومن ذلك ما افتتحت به سورة الأنفال التي فيها ذكر آداب الجهاد وأحكامه وإرشاداته والتي لا غنى للمجاهد عنها، فهي قد نزلت للرعيل الأول من الصحابة الكرام في أول غزوة كُبرى كانت فرقانا بين الإسلام والكفر، وقد سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم- قسمة الغنائم، فأتاهم الجواب ولكن بعد ذكر ما هو أهم؛ من معاني الإيمان والطاعة وذكر النعمة والتواضع لله والمُضي في قتال الأعداء ليكون الدين كله لله.

وتؤخذ خصال المجاهدين من آيات الجهاد وسُوَرِه فإنه منبعها ومعينها الذي لا ينضب.

قال ربنا سبحانه: {إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال].


- الخشية والخشوع:

الخصلة الأولى: أنهم {إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}، قال ابن كثير: "وقال مجاهد: {وجلت قلوبهم} فرقت، أي: فزعت وخافت. وكذا قال السدي وغير واحد. وهذه صفة المؤمن حق المؤمن، الذي إذا ذكر الله وجل قلبه، أي: خاف منه، ففعل أوامره، وترك زواجره" [التفسير]، فهم أهل خوف من الله تعالى، إذا سمعوا أمر الله انقادوا وإذا سمعوا نهيه انزجروا وتركوا، وقّافون عند كتاب الله، وليس من الوجل عند آيات القرآن التبرير للحال أو البحث عن الأعذار أو التحايل على دين الله أو ليّ أعناق النصوص، بل يكون حالهم: {إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا} [الإنسان]، وهؤلاء هم المخبتون الخاضعون لله، قال تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الحج]، وهذه من أهم الخصال التي يتصف بها المجاهد في سبيل الله، فليس هو مقاتلا فقط يحمل السلاح، بل هو جندي لله يعمل على إقامة دين الله وتعبيد الناس لخالقهم سبحانه فلا بد أن يكون معظّما لله ولشعائره، يقْدُر الله حق قدره، ممتلئٌ قلبه إجلالا لله، فكلام الله عنده أعظم كلام وأوامره أعظم أوامر، فمن سمعها لا بد أن تقع في قلبه موقعها ويبقى في سمعه صداها، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأنفال].

ويدخل في تعظيم الله وكتابه تعظيمُ سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإنه عليه الصلاة والسلام مبلغٌ عن الله، والسنة مفسِّرة للقرآن ومبيّنة له، وقد كان أسلافنا من الصحابة رضي الله عنهم على قدر كبير من تعظيم سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- والحرص عليها، وهذا برهان توفيقهم وسدادهم -رضي الله عنهم-.


- زيادة الإيمان عند القرآن:

الخصلة الثانية: قوله تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}، فآيات الله تغيّر في حالهم، إذا سمعوها أو قرؤوها يزدادون إيمانا ويقينا، بل ويستبشرون بها كما قال الله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة]، فتُسر قلوبهم وتستنير وجوههم لما وجدوه من الزيادة في الإيمان والعلم من آيات الله تعالى، فالغنيمة عندهم تلك الآيات البينات، وهم مع أخذهم الآيات يأخذون معها العلم والعمل، فعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: "كان أصحابنا يقرئونا ويعلمونا ويخبرونا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كان يقرئ أحدهم عشر آيات فما يجوزها حتى يتعلم العمل فيها" قال: وقالوا: علمنا القرآن والعمل جميعا". [شرح مشكل الآثار]

فينبغي للمؤمن عموما والمجاهد خصوصا أن يكون حريصا على تعلّم تفسير كتاب الله تعالى وتفقد الجوانب العملية في الآيات ليزداد إيمانا وعملا، ولا يمنع الإنسان من الانتفاع من آي القرآن إلا ثقل الذنوب وغفلة القلوب، والتعلق بالدنيا، وأما الذي يزداد إعراضا فهذا المنافق، قال الله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة] فلا تزدهم الآيات إلا وبالا وشرا وضيقا وعنادا وقسوة، وهؤلاء هم الذين لهم الويل، قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر].

- التوكل على الله:

الخصلة الثالثة: {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}، قال ابن كثير: "أي: لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك، وحده لا شريك له، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب؛ ولهذا قال سعيد بن جبير: التوكل على الله جماع الإيمان" [التفسير]. وهذه خصلة عظيمة لا يستطيع المجاهد السير إلا عليها، فأنى له بالقدرة على تكاليف الجهاد والعالم كله متربص به والعدد قليل والإمكانات أقل والعوائق كثيرة، بغير التوكل، ولذا فإن المتوكل على الله اعتماده كله على الله وثقته به سبحانه، ويرى كل شيء بيد ربه ومولاه، فإن احتاج سأل الله وإن تعسر عليه شيء تضرع إلى الله، وإن عمل رجا من الله التمام، فهو يعمل بالأسباب ولا يرى الأسباب كل شيء، بل إن فقد سببا فهناك سبب آخر، فالمسبِّب والمعين هو الله، يلهمه الأسباب ويهيئ له الأمور، فلا يعرف المجاهد كللا ولا مللا ولا يعجزه شيء، بل هو القوي والمثابر والمصابر، فالله معينه ومُيسّر أمره، وهذا يدخل مع المجاهد في كل أعماله فلا ينسد أمامه باب إلا وبحث عن البديل، بثقته بالله وحسن توكله عليه.


- إقامة الصلاة:

الخصلة الرابعة: قوله تعالى: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ}، قال ابن كثير رحمه الله: "وقال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها ووضوئها، وركوعها، وسجودها. وقال مقاتل بن حيان: إقامتها: المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، هذا إقامتها". [التفسير]، فإن شأن الصلاة عظيم وهي أعظم من الجهاد، وقد شرعت الجماعة في الجهاد في صلاة الخوف تأكيدا لأهميتها وعظيم أثرها على المجاهدين، بصفّهم شعثا غبرا لله ربهم، وقد قال أبو بكر رضي الله عنه ليزيد بن أبي سفيان وهو يبعثه مع جيشه إلى الشام: "وصلِّ الصلوات لأوقاتها بإتمام ركوعها وسجودها والتخشع فيها" [الكامل في التاريخ]، وقال لعمرو بن العاص رضي الله عنه أيضا وهو أمير جيشه: "والصلاة ثم الصلاة أذّن بها إذا دخل وقتها، ولا تصل صلاة إلا بأذان يسمعه أهل العسكر" [فتوح الشام].

وقد كان للصلاة أثر حتى على نفوس الأعداء كما جاء في قصة القادسية أنه لما أذن المؤذن للصلاة، رآهم رستم -قائد جيش الفرس- يتحشحشون (يتجهزون)، فنادى في أهل فارس أن يركبوا، فقيل له: ولم؟ قال: أما ترون إلى عدوكم قد نودي فيهم فتحشحشوا لكم! قال عينه (الجاسوس الذي بعثه إلى المسلمين): ذلك إنما تحشحشهم هذا للصلاة، فقال بالفارسية: وإنما هو عمر الذي يكلم الكلاب فيعلمهم العقل" [تاريخ الطبري].

فالواجب أداؤها كما أمر الله ولو كان الإنسان في الجهاد والرباط ما دام في مأمن، قال تعالى: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء]، وعليه ألا يتوسع في الرخص التي لا يحتاجها كالجمع والتيمم، وأما إن حصل الخوف أو الاستنفار أو مجابهة العدو فإنه يصلي ويتطهر بحسب ما استطاع، وله حتى أن يصلي إيماءً في حال الشدة.

ومن حسنت صلاته حَسُن جهاده وسائر أعماله، ومن قصّر في الصلاة قصّر في غيرها من أبواب الدين، فتنبّه.


- البذل والجود بالمال:

الخصلة الخامسة: قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}، قال ابن كثير: "والإنفاق مما رزقهم الله يشمل خراج الزكاة، وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحب، والخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لخلقه. قال قتادة في قوله: {ومما رزقناهم ينفقون} فأنفقوا مما أعطاكم الله، فإنما هذه الأموال عواري وودائع عندك يا ابن آدم، أوشكت أن تفارقها".

والمجاهد يجود بنفسه وماله، فإن الشجاعة والكرم قرينان، ومن تعلق بالآخرة بذل الدنيا ولم يُبالِ بها، والجود من الموجود دون تكلّف لما لا يُطاق، وأعظم الإنفاق النفقة في أبواب الجهاد وما يتعلق بها.

ثم خُتمت هذه الآيات بتأكيد إيمان من جمع هذه الخصال الجامعة، فقال سبحانه: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} فمن اتصف بهذه الخصال سلم له دينه وصار مؤمنا حقا مجاهدا حقا تقيا حقا، وله الجزاء الأوفى قال تعالى: {لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، نسأل الله الدرجات العُلى والنعيم المقيم، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، والحمد لله رب العالمين.


● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 365
السنة الرابعة عشرة - الخميس 23 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد

موزمبيق.. وبركة الخلافة كان تمدد الدولة الإسلامية إلى موزمبيق على الشواطئ الشرقية جنوب ...

موزمبيق.. وبركة الخلافة



كان تمدد الدولة الإسلامية إلى موزمبيق على الشواطئ الشرقية جنوب إفريقية، حدثا مفاجئا أذهل التحالف الصليبي العالمي الذي تشكّل لمحاربة دولة الخلافة، وأثبت فشله في وقف انتشار دعوتها وجهادها، كما حيّر التمدد كثيرا من "الإسلاميين" الذين اعتادوا أن يبقى الإسلام حبيسًا داخل حدود مغلقة، وأن تبقى اهتماماتهم محصورة في قضايا معيّنة يختارها لهم طواغيت اليهود والنصارى بدقّة.

في البداية حاول الصليبيون والمرتدون أن يصوّروا الحدث على أنه مجرد "محاولة إعلامية" من قبل الدولة الإسلامية للتغطية على محنة العراق والشام، والتي بالمناسبة لا تستحي الدولة الإسلامية من ذكرها، فما أحدٌ جاء بمثل ما جاءت به إلا عودي، وترى فيها وسام شرف على جبين كلّ جندي من جنودها، ورثوه عن نبيهم محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ إلا أن اشتعال جذوة الجهاد في موزمبيق بدّد هذه الأوهام، خصوصا بعد هجمات (بالما) و(موسيمبوا دا برايا) والتي ما زالت تبعاتها الاقتصادية والأمنية تخيّم على البلاد رغم مرور سنوات عليها، حيث ظنّ الصليبيون أنها موجة عابرة، ولكن سرعان ما ساءت ظنونهم كما ساءت تقديراتهم، واتضح أنها لم تكن سوى البداية، فقد أصبح الجهاد في موزمبيق واقعا مستمرا يصعب تغييره -بفضل الله تعالى-.

وبنظرة موجزة على أحوال الجهاد في ولاية موزمبيق، نجد أن المجاهدين سارعوا من وتيرة هجماتهم في معظم مناطق (كابو ديلغادو) وحوّلوها إلى ساحة حرب يضربون فيها حيث أرادوا، وينتقون الأهداف العسكرية أو الاقتصادية أنى شاءوا، ويتنقلون بين شمالها وجنوبها في سرعة وحركة دائمة أنهكت جيوش الصليبيين وشتّت حملاتهم.

فتارة يهاجم المجاهدون الثكنات والحاميات العسكرية للقوات الموزمبيقية وحلفائهم الأفارقة الذين اضطروا إلى "تمديد انتشار" قواتهم أكثر من مرة بعد فشلهم في تحقيق أهدافهم، وباتوا يتحدثون عن "التحديات المالية" التي تواجه بعثاتهم العسكرية العالقة تحت نيران أسود الخلافة في أدغال موزمبيق.

وتارة يهاجم المجاهدون التجمعات النصرانية، فيحرقون قراهم وكنائسهم ويشردون بهم مَن خلفهم، فصار قطع رأس نصراني واحد في قرية كافيا لتشريد مئات النصارى في القرى المجاورة، وأصبح النصارى يهربون من القرى الساحلية إلى القرى الداخلية، ومنها إلى مراكز المدن والبلدات وكل ذلك بحثا عن الأمن المفقود، وبات التشريد والرعب يلاحقهم حيثما حلوا ونزلوا، بعد أن غدت كل البلدات والقرى في دائرة التهديد الذي لا سبيل لوقفه عنهم إلا بالإسلام أو الجزية امتثالا لشريعة الإسلام.

ومؤخرا، لجأت الحكومة الموزمبيقية إلى دعم وتجنيد ميليشيات محلية تتولى الدفاع عن القرى والتجمعات النصرانية في مؤشر واضح على فشل القوات الحكومية النظامية، وما إنْ بدأت هذه الميليشيات تتجمع في بعض القرى؛ حتى أصابهم ما أصاب أسيادهم من الخسائر، وصاروا يناشدون بحاجتهم إلى الدعم الحكومي لمواجهة الإرهاب! فصارت القوات الموزمبيقية والميليشيات المحلية ومِن خلفهم القوات الإفريقية (سادك)، كلهم يحتاج إلى من يدعمهم للتصدي لتمدد الدولة الإسلامية!

ومن الحرب العسكرية إلى الاقتصادية، حيث بات جنود الخلافة في موزمبيق اليوم يهددون التجارة العالمية ممثلة بمشاريع الغاز التي تديرها شركات صليبية ضخمة، اضطرت على وقع الهجمات إلى "تعليق أعمالها" أو "تقليصها"، وأحسنها حالا أصبحت تشترط لمواصلة نشاطها؛ توفير تدابير أمنية خاصة لحمايتها، مما فاقم الخلافات بين هذه الشركات والحكومة الموزمبيقية والتي طغى على خطابات مسؤوليها لهجة التسوّل والاستجداء لهذه الشركات الصليبية من أجل البقاء، وباتوا يصرحون ويصارحون بأن "هذه الهجمات لن تتوقف، وأن الحياة يجب أن تستمر" فانتقلوا صاغرين من وهم "القضاء على الإرهاب" إلى استراتيجيات "التعايش" معه! وأنّى لهم ذلك، فالحرب الدائرة بينهم وبين المجاهدين حرب وجود.

وبينما لم يلتقط الصليبيون أنفاسهم بعد مِن أزمة تهديد قطاع الغاز المسروق، حتى باغتهم المجاهدون بالتمدد جنوبا نحو مهاجمة قطاع التعدين، وأجبروا كبرى شركات التعدين على إعادة النظر في أنشطتها، فزادوا بذلك ضريبة الاستنزاف الاقتصادي للحكومة الموزمبيقية والتي لم تعد تدري من أين تتلقى الضربات؟، بل بلغ الرعب والقلق بالصليبيين منتهاه حين بدأوا يتحدثون لأول مرة عن مخاطر "جهادٍ بحري" يُهدد جزءا من سواحل موزمبيق وتنزانيا ومناطقها الحدودية، إنهم يتحدثون عن مخاوف ومخاطر وتهديدات دون الحديث عن أي حلول، لأنه لا حلول -بإذن الله تعالى-.

أمام هذا التمدد السريع والكبير للمجاهدين، عكف قادة الحكومة الموزمبيقية مؤخرا بالتعاون مع بعض المرتدين، على تحذير السكان من خطر "الانضمام" إلى المجاهدين، وتحدثت تقارير صليبية عديدة عن تزايد إقبال الشباب المسلم على الالتحاق بصفوف المجاهدين من موزمبيق ودول مجاورة، وكعادتهم بدأ دعاة الردة الذين لا تخلو منهم بلد، يتحدثون عن ضرورة "تصميم برامج تهدف إلى محاربة العقيدة" وعدم الاكتفاء بالمواجهة العسكرية.

شرعيا، ما يجري في موزمبيق هو -بفضل الله تعالى- ثمرة من ثمرات إقامة دولة الخلافة، والاجتماع على منهاج واحد واضح، تحت راية واحدة واضحة، تقاتل بعقيدة واحدة واضحة، هي ما عليه النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضوان الله عليهم-.

وفي ذلك رسالة إلى جموع المسلمين القاعدين عن الجهاد، المتخلفين عن درب الهدى السالكين دروب الهوى، أن الجهاد اليوم يتسابق على اللحاق برايته المسلمون الأعاجم الذين يقطنون أقاصي الأرض، يتنافسون على نصرته وإرداف ساحاته بالجنود والكوادر، ويبذلون له الغالي والرخيص، بينما يتقاعس المسلمون الناطقون بالعربية عن ذلك، فليحذر هؤلاء المساكين من سُنّة الاستبدال فإنها ماضية لا محالة.

إنّ جيلا إيمانيا جديدا ينشأ في موزمبيق وغيرها من الولايات الإفريقية، لم تتلوث فطرته بالمناهج المنحرفة، ولم يتتلمذ على أيدي دعاة السوء، ولم يؤطّر في سراديب الحركات المرتدة، بل يجري إعداده -وحسب- على منهاج النبوة الذي اجتمع على حربه تحالفٌ عالميٌّ لم يسبق له مثيل في التاريخ، هرع مسرعا يحاول عبثا إيقاف تمدّد هذه الدولة المباركة في العراق والشام، فأمدّها الله بمدد من عنده، وأوصل طلائعها إلى حيث لم يحتسبوا، وما زالت تصول وتجول وتشقّ طريقها إلى أبعد ما يظنون، والحمد لله رب العالمين.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 365
السنة الرابعة عشرة - الخميس 23 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد

موزمبيق.. وبركة الخلافة كان تمدد الدولة الإسلامية إلى موزمبيق على الشواطئ الشرقية جنوب ...

موزمبيق.. وبركة الخلافة



كان تمدد الدولة الإسلامية إلى موزمبيق على الشواطئ الشرقية جنوب إفريقية، حدثا مفاجئا أذهل التحالف الصليبي العالمي الذي تشكّل لمحاربة دولة الخلافة، وأثبت فشله في وقف انتشار دعوتها وجهادها، كما حيّر التمدد كثيرا من "الإسلاميين" الذين اعتادوا أن يبقى الإسلام حبيسًا داخل حدود مغلقة، وأن تبقى اهتماماتهم محصورة في قضايا معيّنة يختارها لهم طواغيت اليهود والنصارى بدقّة.

في البداية حاول الصليبيون والمرتدون أن يصوّروا الحدث على أنه مجرد "محاولة إعلامية" من قبل الدولة الإسلامية للتغطية على محنة العراق والشام، والتي بالمناسبة لا تستحي الدولة الإسلامية من ذكرها، فما أحدٌ جاء بمثل ما جاءت به إلا عودي، وترى فيها وسام شرف على جبين كلّ جندي من جنودها، ورثوه عن نبيهم محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ إلا أن اشتعال جذوة الجهاد في موزمبيق بدّد هذه الأوهام، خصوصا بعد هجمات (بالما) و(موسيمبوا دا برايا) والتي ما زالت تبعاتها الاقتصادية والأمنية تخيّم على البلاد رغم مرور سنوات عليها، حيث ظنّ الصليبيون أنها موجة عابرة، ولكن سرعان ما ساءت ظنونهم كما ساءت تقديراتهم، واتضح أنها لم تكن سوى البداية، فقد أصبح الجهاد في موزمبيق واقعا مستمرا يصعب تغييره -بفضل الله تعالى-.

وبنظرة موجزة على أحوال الجهاد في ولاية موزمبيق، نجد أن المجاهدين سارعوا من وتيرة هجماتهم في معظم مناطق (كابو ديلغادو) وحوّلوها إلى ساحة حرب يضربون فيها حيث أرادوا، وينتقون الأهداف العسكرية أو الاقتصادية أنى شاءوا، ويتنقلون بين شمالها وجنوبها في سرعة وحركة دائمة أنهكت جيوش الصليبيين وشتّت حملاتهم.

فتارة يهاجم المجاهدون الثكنات والحاميات العسكرية للقوات الموزمبيقية وحلفائهم الأفارقة الذين اضطروا إلى "تمديد انتشار" قواتهم أكثر من مرة بعد فشلهم في تحقيق أهدافهم، وباتوا يتحدثون عن "التحديات المالية" التي تواجه بعثاتهم العسكرية العالقة تحت نيران أسود الخلافة في أدغال موزمبيق.

وتارة يهاجم المجاهدون التجمعات النصرانية، فيحرقون قراهم وكنائسهم ويشردون بهم مَن خلفهم، فصار قطع رأس نصراني واحد في قرية كافيا لتشريد مئات النصارى في القرى المجاورة، وأصبح النصارى يهربون من القرى الساحلية إلى القرى الداخلية، ومنها إلى مراكز المدن والبلدات وكل ذلك بحثا عن الأمن المفقود، وبات التشريد والرعب يلاحقهم حيثما حلوا ونزلوا، بعد أن غدت كل البلدات والقرى في دائرة التهديد الذي لا سبيل لوقفه عنهم إلا بالإسلام أو الجزية امتثالا لشريعة الإسلام.

ومؤخرا، لجأت الحكومة الموزمبيقية إلى دعم وتجنيد ميليشيات محلية تتولى الدفاع عن القرى والتجمعات النصرانية في مؤشر واضح على فشل القوات الحكومية النظامية، وما إنْ بدأت هذه الميليشيات تتجمع في بعض القرى؛ حتى أصابهم ما أصاب أسيادهم من الخسائر، وصاروا يناشدون بحاجتهم إلى الدعم الحكومي لمواجهة الإرهاب! فصارت القوات الموزمبيقية والميليشيات المحلية ومِن خلفهم القوات الإفريقية (سادك)، كلهم يحتاج إلى من يدعمهم للتصدي لتمدد الدولة الإسلامية!

ومن الحرب العسكرية إلى الاقتصادية، حيث بات جنود الخلافة في موزمبيق اليوم يهددون التجارة العالمية ممثلة بمشاريع الغاز التي تديرها شركات صليبية ضخمة، اضطرت على وقع الهجمات إلى "تعليق أعمالها" أو "تقليصها"، وأحسنها حالا أصبحت تشترط لمواصلة نشاطها؛ توفير تدابير أمنية خاصة لحمايتها، مما فاقم الخلافات بين هذه الشركات والحكومة الموزمبيقية والتي طغى على خطابات مسؤوليها لهجة التسوّل والاستجداء لهذه الشركات الصليبية من أجل البقاء، وباتوا يصرحون ويصارحون بأن "هذه الهجمات لن تتوقف، وأن الحياة يجب أن تستمر" فانتقلوا صاغرين من وهم "القضاء على الإرهاب" إلى استراتيجيات "التعايش" معه! وأنّى لهم ذلك، فالحرب الدائرة بينهم وبين المجاهدين حرب وجود.

وبينما لم يلتقط الصليبيون أنفاسهم بعد مِن أزمة تهديد قطاع الغاز المسروق، حتى باغتهم المجاهدون بالتمدد جنوبا نحو مهاجمة قطاع التعدين، وأجبروا كبرى شركات التعدين على إعادة النظر في أنشطتها، فزادوا بذلك ضريبة الاستنزاف الاقتصادي للحكومة الموزمبيقية والتي لم تعد تدري من أين تتلقى الضربات؟، بل بلغ الرعب والقلق بالصليبيين منتهاه حين بدأوا يتحدثون لأول مرة عن مخاطر "جهادٍ بحري" يُهدد جزءا من سواحل موزمبيق وتنزانيا ومناطقها الحدودية، إنهم يتحدثون عن مخاوف ومخاطر وتهديدات دون الحديث عن أي حلول، لأنه لا حلول -بإذن الله تعالى-.

أمام هذا التمدد السريع والكبير للمجاهدين، عكف قادة الحكومة الموزمبيقية مؤخرا بالتعاون مع بعض المرتدين، على تحذير السكان من خطر "الانضمام" إلى المجاهدين، وتحدثت تقارير صليبية عديدة عن تزايد إقبال الشباب المسلم على الالتحاق بصفوف المجاهدين من موزمبيق ودول مجاورة، وكعادتهم بدأ دعاة الردة الذين لا تخلو منهم بلد، يتحدثون عن ضرورة "تصميم برامج تهدف إلى محاربة العقيدة" وعدم الاكتفاء بالمواجهة العسكرية.

شرعيا، ما يجري في موزمبيق هو -بفضل الله تعالى- ثمرة من ثمرات إقامة دولة الخلافة، والاجتماع على منهاج واحد واضح، تحت راية واحدة واضحة، تقاتل بعقيدة واحدة واضحة، هي ما عليه النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضوان الله عليهم-.

وفي ذلك رسالة إلى جموع المسلمين القاعدين عن الجهاد، المتخلفين عن درب الهدى السالكين دروب الهوى، أن الجهاد اليوم يتسابق على اللحاق برايته المسلمون الأعاجم الذين يقطنون أقاصي الأرض، يتنافسون على نصرته وإرداف ساحاته بالجنود والكوادر، ويبذلون له الغالي والرخيص، بينما يتقاعس المسلمون الناطقون بالعربية عن ذلك، فليحذر هؤلاء المساكين من سُنّة الاستبدال فإنها ماضية لا محالة.

إنّ جيلا إيمانيا جديدا ينشأ في موزمبيق وغيرها من الولايات الإفريقية، لم تتلوث فطرته بالمناهج المنحرفة، ولم يتتلمذ على أيدي دعاة السوء، ولم يؤطّر في سراديب الحركات المرتدة، بل يجري إعداده -وحسب- على منهاج النبوة الذي اجتمع على حربه تحالفٌ عالميٌّ لم يسبق له مثيل في التاريخ، هرع مسرعا يحاول عبثا إيقاف تمدّد هذه الدولة المباركة في العراق والشام، فأمدّها الله بمدد من عنده، وأوصل طلائعها إلى حيث لم يحتسبوا، وما زالت تصول وتجول وتشقّ طريقها إلى أبعد ما يظنون، والحمد لله رب العالمين.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 365
السنة الرابعة عشرة - الخميس 23 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد

الديمقراطية الديوبندية! "الذهاب للتصويت عبادة، أرجو أن تتوضؤوا في الصباح الباكر وتصلوا ركعتين ...

الديمقراطية الديوبندية!

"الذهاب للتصويت عبادة، أرجو أن تتوضؤوا في الصباح الباكر وتصلوا ركعتين نافلة، وعندما تذهبون إلى مركز الاقتراع، ستكونون هناك وحدكم، لن يكون معكم ممثل عن الحزب الوطني، ولا عن حزب الشعب، ولا عن حركة الإنصاف، ولا عن جمعية العلماء، ستكون وحدك أمام الله، فاستشعر مراقبته، وتوجه نحو القبلة، وصوّت لمن تراه مناسبًا".

تخيّل أنّ هذا الخطاب الذي يتفجّر ديمقراطية وبالضرورة كفرا، هو واحد من خطابات عديدة صادرة عن أبرز مشايخ "جامعة الجهاد" -كما يسمونها- وأشهر "الحوزات العلمية" التي تخرّج منها أكابر قادة طالبان بشطريها، وآخرون من دونهم نهلوا من نفس المناهل الديوبندية، فماذا عساهم يفرّخون لنا في زمن السامري وأحفاده؟!

يعود التصريح السابق إلى شيخ الديمقراطية وإمامها "محمد إدريس" الذي لطالما هتف بها ودعا إليها من داخل المساجد التي حوّلها إلى مسرح للترويج لحملاته الانتخابية الكفرية، دعما لحزبه السياسي الديمقراطي البغيض "جمعية علماء الإسلام" الذي يتبنى الديمقراطية نهجا، وينافح عنها ويُعبّد الناس إليها.

منهجيا، ينحدر هذا "الرمز الديمقراطي" من "المدرسة الديوبندية" التي تأسست في الهند تحت مسمى: "دار العلوم ديوبند" وامتدت إلى جارتها تحت مسمى: "دار العلوم حقانية" على يد مؤسسها "عبد الحق أكوروي" الذي درس في فرعها الهندي قبل أن ينقل تجربتها الديوبندية إلى باكستان، لتصبح لاحقا "صرحا ديوبنديا" تخرّج منه أبرز قادة طالبان ونالوا درجة "الحقانية" الشهيرة.

لقد كان الرجل إماما من أئمة "دين الديمقراطية" بل كان شعلة الحملات الانتخابية وصوتها الهادر، يدعو إليها على المنابر، مناوئا للشريعة مصادما للتوحيد، إلا إنْ كان للجهاديين اليوم رأي آخر فيما يتعلق بحكم الديمقراطية المنبرية!

وكان كغيره من قادة الجمعية الديوبندية، يرى أن التصويت لحزبه السياسي في الانتخابات "شهادة شرعية" لا يجوز كتمها، ويحث طلابه على المشاركة في العملية الديمقراطية قطعا للطريق على القوى العلمانية! ولم نسمع عن ديمقراطية تواجه العلمانية إلا عند هؤلاء وسلفهم "الإخوان"، وسيزول عجبك عندما تعلم أن هذه القوى العلمانية ليسوا سوى خصومه ومنافسيه على صناديق الاقتراع.

كما كان شيخ القاعدة وطالبان يقدّم حزبه للحكومة "المتأمركة" كبديل آمن للإرهاب! ويحذّر من أن خسارة حزبه للانتخابات ستؤدي إلى تقوية الجماعات الخارجة عن "دين الديمقراطية".

ومن العجائب أنّ أحد "الأفرع المجهرية" الذي تخرج بعض قادته من نفس الحوزة الديوبندية؛ سارع إلى نعي إمام الديمقراطية وعضو البرلمان السابق!! واتهم المجاهدين بأنهم أداة في يد الاستخبارات الدولية! مع أن الجميع بات يعلم أن الاستخبارات الدولية جرّبت كل الحلول، فلم تجد أنجع من تدجين "الجهاديين" لضرب المجاهدين من دمشق إلى كابل وما زالت العملية تتوسع.

ومن المفارقات، أن شيخ ذلك "الفرع المجهري" ومولاهم ومعلمهم وقدوتهم وقائدهم "إدريس" كان قد أشاد بدور "قيادة جيشه المتأمرك" في الوساطة بين "الصهيوصليبية" وإيران!، كما قاد جهود الإصلاح بنفسه بين "حكومة القاعدة" والحكومة الباكستانية "المتأمركة" التي دعت القاعدة لإسقاطها في آخر بياناتها، انتصارا للإمارة التي خرج "إدريس" فيها ليصلح بينهما!

وقد يتساءل المرء عن طبيعة هذه العلاقة المعقدة بين مشايخ الحوزات الديوبندية الديمقراطية، والجهاديين الذين يقال إنهم يكفّرون الديمقراطية، ولعل الجواب في فهم طبيعة العلاقة بين "شيخ الطريقة" الذي لا يُسأل عما يفعل، و "المريد" الذي لا يملك من أمره شيئا أمام قداسة "المولوي" العظيم.

فالعلاقة بين المعلم والطالب في "الحوزة الحقانية" هي نسخة طبق الأصل من علاقة "الشيخ ومريده" في الطرق الصوفية! حيث يتم تنشئته على الطاعة العمياء للشيخ، وتقديسه وتعظيمه، حتى لو كان الشيخ يروّج لدين الديمقراطية والانتخابات الكفرية في الخطب المنبرية!

ومما شاع وراج عن هذه "الحوزة الديوبندية" وأئمتها من أرباب الديمقراطية، أنهم "مشايخ الحديث!" وهذا تضليل منهجي تاريخي ضارب بجذوره في البيئة الأفغانية الباكستانية، ينبغي أن يُصحح، فأهل الحديث هم أهل التوحيد والولاء والبراء، هم أهل منابذة المشركين وهدم مناهجهم وياسقهم وديمقراطيتهم التي يدين بها ويدعو إليها "إدريس" وغيره ممن قطف رؤوسهم أهل الحديث بحق، نحسبهم ولا نزكيهم.

وابسطوا الصحاح والسنن والمسانيد، هاتوا المعاجم والزوائد والموطآت، نقِّبوا في المستخرجات والمستدركات، وقبلها الآيات، ودلونا على ما يبيح "الديمقراطية الديوبندية" التي يعتنقها هؤلاء، ويداريها الجهاديون وينعون أربابها!

إن جريمة هؤلاء الديمقراطيين الإسلاميين أشدّ من جريمة الديمقراطيين الخلّص، لأن الديمقراطيين الإسلاميين يشرعنون كفرهم باسم الدين! ويغلّفون الديمقراطية بشعارات نصرة الإسلام والمسلمين! وهذا جرم مضاعف وتجارة بالدين؛ لا يفعله الديمقراطيون التقليديون، بل يقدمونها كما هي بسفورها وقذارتها، وهؤلاء يقدمونها في صورة مغايرة يتقبلها "المريد" ويقدّم لها صوته، كما يقدّم غيره لها روحه.

ولم يكن مستغربا مسارعة "هيئة علماء الإخوان" إلى نعي شيخ الديمقراطية، فالطيور على أشكالها تقع، فالإخوان هم أرباب الديمقراطية قبل أن تتسلل منهم إلى الجهاديين، لكن ما كان لافتا في ثناء الإخوان على شيخ القاعدة وطالبان؛ هو تسليطهم الضوء على دعمه للحوار بين طالبان وباكستان، وإشادته بدور جيشه في الوساطة بين أمريكا وإيران، ومساعدته في الحد من انتشار "التفسيرات المتشددة"، وشغله مناصب في البرلمان الإقليمي.

وبتقديرنا فإنّ هذا "الانتقاء الإخواني" هو في الحقيقة "تنظير عميق" يمارسه أقطاب الإخوان على مريدي القاعدة وطالبان مفاده: فيمَ اختلفنا؟!

ونحن نقول: حقا، فيمَ اختلفتم؟! فإن لم تكن هذه الديمقراطية هي التي كفّرها الجهاديون في مقتبل أعمارهم، وناصبوا أهلها العداء فما هي الديمقراطية؟! هل عابوها على خصومهم عجزا، ولمّا طبقتها أحزابُهم ومراجعُهم صححوها وتعذّروا لأئمتها؟ أحرام على العلمانيين حلال للجهاديين؟! أديمقراطية سوداء وأخرى بيضاء؟! {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ}.

وكيف يصح في الأفهام شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل؟!



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 546
السنة السابعة عشرة - الخميس 19 ذو القعدة 1447 هـ
...المزيد

الديمقراطية الديوبندية! "الذهاب للتصويت عبادة، أرجو أن تتوضؤوا في الصباح الباكر وتصلوا ركعتين ...

الديمقراطية الديوبندية!

"الذهاب للتصويت عبادة، أرجو أن تتوضؤوا في الصباح الباكر وتصلوا ركعتين نافلة، وعندما تذهبون إلى مركز الاقتراع، ستكونون هناك وحدكم، لن يكون معكم ممثل عن الحزب الوطني، ولا عن حزب الشعب، ولا عن حركة الإنصاف، ولا عن جمعية العلماء، ستكون وحدك أمام الله، فاستشعر مراقبته، وتوجه نحو القبلة، وصوّت لمن تراه مناسبًا".

تخيّل أنّ هذا الخطاب الذي يتفجّر ديمقراطية وبالضرورة كفرا، هو واحد من خطابات عديدة صادرة عن أبرز مشايخ "جامعة الجهاد" -كما يسمونها- وأشهر "الحوزات العلمية" التي تخرّج منها أكابر قادة طالبان بشطريها، وآخرون من دونهم نهلوا من نفس المناهل الديوبندية، فماذا عساهم يفرّخون لنا في زمن السامري وأحفاده؟!

يعود التصريح السابق إلى شيخ الديمقراطية وإمامها "محمد إدريس" الذي لطالما هتف بها ودعا إليها من داخل المساجد التي حوّلها إلى مسرح للترويج لحملاته الانتخابية الكفرية، دعما لحزبه السياسي الديمقراطي البغيض "جمعية علماء الإسلام" الذي يتبنى الديمقراطية نهجا، وينافح عنها ويُعبّد الناس إليها.

منهجيا، ينحدر هذا "الرمز الديمقراطي" من "المدرسة الديوبندية" التي تأسست في الهند تحت مسمى: "دار العلوم ديوبند" وامتدت إلى جارتها تحت مسمى: "دار العلوم حقانية" على يد مؤسسها "عبد الحق أكوروي" الذي درس في فرعها الهندي قبل أن ينقل تجربتها الديوبندية إلى باكستان، لتصبح لاحقا "صرحا ديوبنديا" تخرّج منه أبرز قادة طالبان ونالوا درجة "الحقانية" الشهيرة.

لقد كان الرجل إماما من أئمة "دين الديمقراطية" بل كان شعلة الحملات الانتخابية وصوتها الهادر، يدعو إليها على المنابر، مناوئا للشريعة مصادما للتوحيد، إلا إنْ كان للجهاديين اليوم رأي آخر فيما يتعلق بحكم الديمقراطية المنبرية!

وكان كغيره من قادة الجمعية الديوبندية، يرى أن التصويت لحزبه السياسي في الانتخابات "شهادة شرعية" لا يجوز كتمها، ويحث طلابه على المشاركة في العملية الديمقراطية قطعا للطريق على القوى العلمانية! ولم نسمع عن ديمقراطية تواجه العلمانية إلا عند هؤلاء وسلفهم "الإخوان"، وسيزول عجبك عندما تعلم أن هذه القوى العلمانية ليسوا سوى خصومه ومنافسيه على صناديق الاقتراع.

كما كان شيخ القاعدة وطالبان يقدّم حزبه للحكومة "المتأمركة" كبديل آمن للإرهاب! ويحذّر من أن خسارة حزبه للانتخابات ستؤدي إلى تقوية الجماعات الخارجة عن "دين الديمقراطية".

ومن العجائب أنّ أحد "الأفرع المجهرية" الذي تخرج بعض قادته من نفس الحوزة الديوبندية؛ سارع إلى نعي إمام الديمقراطية وعضو البرلمان السابق!! واتهم المجاهدين بأنهم أداة في يد الاستخبارات الدولية! مع أن الجميع بات يعلم أن الاستخبارات الدولية جرّبت كل الحلول، فلم تجد أنجع من تدجين "الجهاديين" لضرب المجاهدين من دمشق إلى كابل وما زالت العملية تتوسع.

ومن المفارقات، أن شيخ ذلك "الفرع المجهري" ومولاهم ومعلمهم وقدوتهم وقائدهم "إدريس" كان قد أشاد بدور "قيادة جيشه المتأمرك" في الوساطة بين "الصهيوصليبية" وإيران!، كما قاد جهود الإصلاح بنفسه بين "حكومة القاعدة" والحكومة الباكستانية "المتأمركة" التي دعت القاعدة لإسقاطها في آخر بياناتها، انتصارا للإمارة التي خرج "إدريس" فيها ليصلح بينهما!

وقد يتساءل المرء عن طبيعة هذه العلاقة المعقدة بين مشايخ الحوزات الديوبندية الديمقراطية، والجهاديين الذين يقال إنهم يكفّرون الديمقراطية، ولعل الجواب في فهم طبيعة العلاقة بين "شيخ الطريقة" الذي لا يُسأل عما يفعل، و "المريد" الذي لا يملك من أمره شيئا أمام قداسة "المولوي" العظيم.

فالعلاقة بين المعلم والطالب في "الحوزة الحقانية" هي نسخة طبق الأصل من علاقة "الشيخ ومريده" في الطرق الصوفية! حيث يتم تنشئته على الطاعة العمياء للشيخ، وتقديسه وتعظيمه، حتى لو كان الشيخ يروّج لدين الديمقراطية والانتخابات الكفرية في الخطب المنبرية!

ومما شاع وراج عن هذه "الحوزة الديوبندية" وأئمتها من أرباب الديمقراطية، أنهم "مشايخ الحديث!" وهذا تضليل منهجي تاريخي ضارب بجذوره في البيئة الأفغانية الباكستانية، ينبغي أن يُصحح، فأهل الحديث هم أهل التوحيد والولاء والبراء، هم أهل منابذة المشركين وهدم مناهجهم وياسقهم وديمقراطيتهم التي يدين بها ويدعو إليها "إدريس" وغيره ممن قطف رؤوسهم أهل الحديث بحق، نحسبهم ولا نزكيهم.

وابسطوا الصحاح والسنن والمسانيد، هاتوا المعاجم والزوائد والموطآت، نقِّبوا في المستخرجات والمستدركات، وقبلها الآيات، ودلونا على ما يبيح "الديمقراطية الديوبندية" التي يعتنقها هؤلاء، ويداريها الجهاديون وينعون أربابها!

إن جريمة هؤلاء الديمقراطيين الإسلاميين أشدّ من جريمة الديمقراطيين الخلّص، لأن الديمقراطيين الإسلاميين يشرعنون كفرهم باسم الدين! ويغلّفون الديمقراطية بشعارات نصرة الإسلام والمسلمين! وهذا جرم مضاعف وتجارة بالدين؛ لا يفعله الديمقراطيون التقليديون، بل يقدمونها كما هي بسفورها وقذارتها، وهؤلاء يقدمونها في صورة مغايرة يتقبلها "المريد" ويقدّم لها صوته، كما يقدّم غيره لها روحه.

ولم يكن مستغربا مسارعة "هيئة علماء الإخوان" إلى نعي شيخ الديمقراطية، فالطيور على أشكالها تقع، فالإخوان هم أرباب الديمقراطية قبل أن تتسلل منهم إلى الجهاديين، لكن ما كان لافتا في ثناء الإخوان على شيخ القاعدة وطالبان؛ هو تسليطهم الضوء على دعمه للحوار بين طالبان وباكستان، وإشادته بدور جيشه في الوساطة بين أمريكا وإيران، ومساعدته في الحد من انتشار "التفسيرات المتشددة"، وشغله مناصب في البرلمان الإقليمي.

وبتقديرنا فإنّ هذا "الانتقاء الإخواني" هو في الحقيقة "تنظير عميق" يمارسه أقطاب الإخوان على مريدي القاعدة وطالبان مفاده: فيمَ اختلفنا؟!

ونحن نقول: حقا، فيمَ اختلفتم؟! فإن لم تكن هذه الديمقراطية هي التي كفّرها الجهاديون في مقتبل أعمارهم، وناصبوا أهلها العداء فما هي الديمقراطية؟! هل عابوها على خصومهم عجزا، ولمّا طبقتها أحزابُهم ومراجعُهم صححوها وتعذّروا لأئمتها؟ أحرام على العلمانيين حلال للجهاديين؟! أديمقراطية سوداء وأخرى بيضاء؟! {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ}.

وكيف يصح في الأفهام شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل؟!



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 546
السنة السابعة عشرة - الخميس 19 ذو القعدة 1447 هـ
...المزيد

مقتطفات نفيسة من كلام أمير المؤمنين الشيخ أبي بكر البغدادي -تقبله الله تعالى- • أيّها ...

مقتطفات نفيسة
من كلام أمير المؤمنين الشيخ أبي بكر البغدادي -تقبله الله تعالى-


• أيّها المسلمون:

من ظن منكم أن بمقدوره أن يسالم اليهود والنصارى والكفار ويسالمونه، فيتعايش معهم ويتعايشون معه، وهو على دينه وتوحيده، فقد كذّب صريح قول ربه عز وجل، الذي يقول: (وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)، (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا)، (مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ). فهذا حال الكفار مع المسلمين إلى قيام الساعة؛ (وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)، وإن قتال الكفار والهجرة والجهاد ماضٍ إلى قيام الساعة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الأجر والمغنم). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم تعال صلِّ لنا، فيقول: لا؛ إن بعضكم على بعض أمراء. تكرمة هذه الأمة).



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 364
السنة الرابعة عشرة - الخميس 16 ربيع الآخر 1444 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
23 ذو القعدة 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً