خصال المجاهدين 2 الحمد لله رب العالمين، ولي المتقين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين ...

خصال المجاهدين 2



الحمد لله رب العالمين، ولي المتقين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين وخاتم المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فإكمالا للخصال التي ذكرناها في المقال السابق استقاء من نصوص القرآن والسنة، والتي تُبين صفات هذا الصنف من الناس، الذين يحملون على عاتقهم ما تعجز عنه الجبال، وما تتهرب من تبعاته النفوس الخانعة، من مصاولة الكفر والصبر على ذلك، ليمكّنوا لحكم شريعة رب العالمين، فمَن وفقهم الله لهذه المراتب لهم سمات وخصال تُحدّثنا عنهم التوبة والأنفال وغيرها من سور الجهاد التي تبعث في نفس كل من تدبرها الاشتياق لساحات الجهاد، وتُذكّر كل مجاهد بما ينبغي أن يكون عليه ليكتمل جهاده ويكون من روّاده وفرسانه.

ونواصل في هذا المقال بسط هذه الخصال مستعينين بالله تعالى:


- حفظ الأمانة

الخصلة السادسة: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال]، وأورد الإمام السيوطي في تفسيره "عن ابن عباس رضي الله عنهما، فِي قَوْله {لَا تخونوا الله} قَالَ: بترك فَرَائِضه {وَالرَّسُول} بترك سنته وارتكاب مَعْصِيَته {وتخونوا أماناتكم} يَقُول: لَا تنقضوها وَالْأَمَانَة الَّتِي ائْتمن الله عَلَيْهَا الْعباد"، وقال: "وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله عنه في قوله: {لا تخونوا الله والرسول} هو الإخلال بالسلاح في المغازي". [الدر المنثور]

فالمجاهد حافظ للأمانة التي حُمِّلها وللمسؤولية التي كُلف بها، سواء كانت أفرادا أو سلاحا أو مالا أو معلومات أو غيرها، فكلها يجب عليه أن يكون أمينا فيها، ويدخل في الأمانة حفظ الأسرار وعدم إفشائها، جاء عن السدّي: "{لا تخونوا الله والرسول} الآية، قال: كانوا يسمعون من النبي -صلى الله عليه وسلم- الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين". [الطبري]، وهذا من الأمور المهمة في الجهاد، فإن حفظ أسرار المجاهدين وعدم التحدث بها لمن لا يحتاجها -ولو كان من أقرب الناس قرابة أو صُحبة- واجب على كل مجاهد، خصوصا مع حرص العدو على جلب كل معلومة تخص المجاهدين والتربص بهم، فإياك أخي المجاهد أن تعطي معلومة لمن لا يحتاجها في عمله أو تحرص على معلومات لا تفيدك في عملك، فذاك أنفع لك عاجلا وآجلا.


- تقوى الله تعالى

الخصلة السابعة: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال]، قال ابن كثير رحمه الله: "فإن من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره، وفق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا، وسعادته يوم القيامة" [التفسير]، فمتى ما اتقى المجاهد ربه وخافه في أعماله وأحكامه وتصرفاته، أعطاه الله فرقانا في قلبه يفرق به بين الحق والباطل، وما أشد الحاجة لذلك الفرقان في زمن كثرت فيه الشبهات واختلطت الأمور على كثير من الناس.

فعليك بتقوى الله ولا تقدّم رأيك أو استحسانك على أمر الله أو نهيه، ولتكن ثقتك بتقوى الله أعظم من ثقتك بحساباتك، فإن من يتق الله {يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات].

- الثبات وذكر الله كثيرا

الخصلة الثامنة: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، قال ابن كثير رحمه الله: "فأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم، فلا يفروا ولا ينكلوا ولا يجبنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال ولا ينسوه بل يستعينوا به ويتكلوا عليه، ويسألوه النصر على أعدائهم" [التفسير]، فهذا أمر بالثبات حين اللقاء، وقد مدح الله من ثبت وصبر في الجهاد وسماهم صادقين فقال تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة]، ونهى الله عن الفرار من الزحف فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} [الأنفال]، وإذا ثبت المؤمنون أيدهم الله بمدد من عنده، وأعجزوا عدوّهم ولو كان كثيرا، والأمثلة في هذا كثيرة، منها ثبات المؤمنين في معركة مؤتة التي كانوا فيها ثلاثة آلاف يواجهون مائتي ألف من النصارى، فقد كان ثباتهم -بعد فضل الله- سببا في عدم جرأة النصارى عليهم وانسحابهم بقوتهم، وكان ذلك فتحا كما سماه النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وذُكر في حروب الردة بين خالد وطليحة الأسدي قالوا: "فلما سمع طليحة الحركة عبأ أصحابه حتى إذا استوت الصفوف زحف بهم خالد حتى دنا من طليحة فأخرج طليحة أربعين غلاما جلدا فأقامهم في الميمنة وقال: اضربوا حتى تأتوا الميسرة فتضعضع الناس ولم يقتل أحد حتى أقامهم في الميسرة ففعلوا مثل ذلك وانهزم المسلمون فقال خالد: يا معشر المسلمين! الله الله واقتحم وسط القوم وكر معه أصحابه فاختلطت الصفوف ونادى يومئذ مناد من طيء عندما حمل أولئك الأربعون: يا خالد! عليك بسلمى وأجأ -جبلي طيء- فقال: بل إلى الله الملتجأ، ثم حمل فما رجع حتى لم يبق من الأربعين رجل واحد وترادّ الناس بعد الهزيمة" [مختصر سيرة الرسول]، فالتجأوا إلى الله وثبتوا ثم كروا على القوم وهزموهم.


- السمع والطاعة

الخصلة التاسعة: قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال]

وهذا أمر من الله سبحانه بلزوم الطاعة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- وطاعة الأمراء، فطاعتهم من غير معصية هي طاعة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- للحديث الذي رواه الإمام أحمد: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع الأمير فقد أطاعني)، وبهذا يستقيم الجهاد ويقوى صفّ المجاهدين وتُفلق هام الكافرين، وتتسارع عجلة الجهاد، وقد نهى الله عن التنازع وهو الاختلاف وكثرة الجدل وتقديم أطماع النفس ورغباتها، والمجاهد الصالح هو الذي أينما وُضع قَبِلَ ونَفَعَ قال -صلى الله عليه وسلم-: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة) [البخاري]، -والساقة أي: مؤخرة الجيش- وإن استعان المجاهد بالله على ما أُمر به هوّن الله عليه ما يتوقّع مشقته.

وثمرات السمع والطاعة عظيمة تظهر آثارها جلية في الجهاد، قال ابن كثير: "وقد كان للصحابة -رضي الله عنهم- في باب الشجاعة والائتمار بأمر الله، وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم؛ فإنهم ببركة الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم، من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر والحبوش وأصناف السودان والقبط، وطوائف بني آدم، قهروا الجميع حتى علت كلمة الله، وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، في أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم، إنه كريم وهاب". [التفسير]

وإن كان الأمير يتقي الله في أوامره وتقديراته فإن الله يلهمه الصواب ويسيّره للخير، ولذلك وجب الصبر على الأمراء فقال تعالى: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

- الولاء بين المهاجرين والأنصار

الخصلة العاشرة: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} وهذه صفة المجاهدين فالمجاهد إما أنصاري وإما مهاجر، فالمهاجر ترك داره وأهله لأجل الله ورسوله ونصرة دينه وجهاد أعدائه ولم يتشبّث بالتراب ولا حتى بالصحاب!، قال الله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر]، والأنصاري آوى أخاه الشريد بدينه وأحبّ أخاه في الدين وأعطاه مما عنده وضحّى بأرضه التي صارت هدفا لأعداء الدين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر]

وقد ضرب الصحابة رضي الله عنهم أمثلة عليا في الهجرة والصبر على مشقتها وفي النصرة ومواساة إخوانهم المهاجرين حتى كان الأنصاري ليتناصف مع أخيه المهاجر في ماله وأهله وكل شيء، ويطلّق إحدى زوجتيه ليتزوّجها أخاه المهاجر، كل ذلك حبا لدين الله وعرفانا لفضل من خرج في سبيل الله.

ولا يقوم الدين ويظهر الجهاد إلا بالمهاجرين والأنصار، ووصف الله هؤلاء بالمؤمنين حقا فقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال]، ويتأكد وجوب الهجرة والنصرة في زمن بداية قيام دار الإسلام، وزمن الغربة كما هو حالنا اليوم، فالمحروم من لم يكن مهاجرا ولا أنصاريا.

وقد بيّن الله أن الكفار يوالي بعضهم بعضا، وأن ذلك واجب بين المؤمنين، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال]، وهذا كله إتماما للولاء فإنه لا يكمل الإيمان حتى يحب المرء أخاه المسلم ويحب له ما يحب لنفسه، ويكون أخوه جزءًا من جسده، ليصلب بنيان الإسلام، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 366
السنة الرابعة عشرة - الخميس 30 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد

خصال المجاهدين 2 الحمد لله رب العالمين، ولي المتقين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين ...

خصال المجاهدين 2



الحمد لله رب العالمين، ولي المتقين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين وخاتم المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فإكمالا للخصال التي ذكرناها في المقال السابق استقاء من نصوص القرآن والسنة، والتي تُبين صفات هذا الصنف من الناس، الذين يحملون على عاتقهم ما تعجز عنه الجبال، وما تتهرب من تبعاته النفوس الخانعة، من مصاولة الكفر والصبر على ذلك، ليمكّنوا لحكم شريعة رب العالمين، فمَن وفقهم الله لهذه المراتب لهم سمات وخصال تُحدّثنا عنهم التوبة والأنفال وغيرها من سور الجهاد التي تبعث في نفس كل من تدبرها الاشتياق لساحات الجهاد، وتُذكّر كل مجاهد بما ينبغي أن يكون عليه ليكتمل جهاده ويكون من روّاده وفرسانه.

ونواصل في هذا المقال بسط هذه الخصال مستعينين بالله تعالى:


- حفظ الأمانة

الخصلة السادسة: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال]، وأورد الإمام السيوطي في تفسيره "عن ابن عباس رضي الله عنهما، فِي قَوْله {لَا تخونوا الله} قَالَ: بترك فَرَائِضه {وَالرَّسُول} بترك سنته وارتكاب مَعْصِيَته {وتخونوا أماناتكم} يَقُول: لَا تنقضوها وَالْأَمَانَة الَّتِي ائْتمن الله عَلَيْهَا الْعباد"، وقال: "وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله عنه في قوله: {لا تخونوا الله والرسول} هو الإخلال بالسلاح في المغازي". [الدر المنثور]

فالمجاهد حافظ للأمانة التي حُمِّلها وللمسؤولية التي كُلف بها، سواء كانت أفرادا أو سلاحا أو مالا أو معلومات أو غيرها، فكلها يجب عليه أن يكون أمينا فيها، ويدخل في الأمانة حفظ الأسرار وعدم إفشائها، جاء عن السدّي: "{لا تخونوا الله والرسول} الآية، قال: كانوا يسمعون من النبي -صلى الله عليه وسلم- الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين". [الطبري]، وهذا من الأمور المهمة في الجهاد، فإن حفظ أسرار المجاهدين وعدم التحدث بها لمن لا يحتاجها -ولو كان من أقرب الناس قرابة أو صُحبة- واجب على كل مجاهد، خصوصا مع حرص العدو على جلب كل معلومة تخص المجاهدين والتربص بهم، فإياك أخي المجاهد أن تعطي معلومة لمن لا يحتاجها في عمله أو تحرص على معلومات لا تفيدك في عملك، فذاك أنفع لك عاجلا وآجلا.


- تقوى الله تعالى

الخصلة السابعة: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال]، قال ابن كثير رحمه الله: "فإن من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره، وفق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا، وسعادته يوم القيامة" [التفسير]، فمتى ما اتقى المجاهد ربه وخافه في أعماله وأحكامه وتصرفاته، أعطاه الله فرقانا في قلبه يفرق به بين الحق والباطل، وما أشد الحاجة لذلك الفرقان في زمن كثرت فيه الشبهات واختلطت الأمور على كثير من الناس.

فعليك بتقوى الله ولا تقدّم رأيك أو استحسانك على أمر الله أو نهيه، ولتكن ثقتك بتقوى الله أعظم من ثقتك بحساباتك، فإن من يتق الله {يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات].

- الثبات وذكر الله كثيرا

الخصلة الثامنة: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، قال ابن كثير رحمه الله: "فأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم، فلا يفروا ولا ينكلوا ولا يجبنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال ولا ينسوه بل يستعينوا به ويتكلوا عليه، ويسألوه النصر على أعدائهم" [التفسير]، فهذا أمر بالثبات حين اللقاء، وقد مدح الله من ثبت وصبر في الجهاد وسماهم صادقين فقال تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة]، ونهى الله عن الفرار من الزحف فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} [الأنفال]، وإذا ثبت المؤمنون أيدهم الله بمدد من عنده، وأعجزوا عدوّهم ولو كان كثيرا، والأمثلة في هذا كثيرة، منها ثبات المؤمنين في معركة مؤتة التي كانوا فيها ثلاثة آلاف يواجهون مائتي ألف من النصارى، فقد كان ثباتهم -بعد فضل الله- سببا في عدم جرأة النصارى عليهم وانسحابهم بقوتهم، وكان ذلك فتحا كما سماه النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وذُكر في حروب الردة بين خالد وطليحة الأسدي قالوا: "فلما سمع طليحة الحركة عبأ أصحابه حتى إذا استوت الصفوف زحف بهم خالد حتى دنا من طليحة فأخرج طليحة أربعين غلاما جلدا فأقامهم في الميمنة وقال: اضربوا حتى تأتوا الميسرة فتضعضع الناس ولم يقتل أحد حتى أقامهم في الميسرة ففعلوا مثل ذلك وانهزم المسلمون فقال خالد: يا معشر المسلمين! الله الله واقتحم وسط القوم وكر معه أصحابه فاختلطت الصفوف ونادى يومئذ مناد من طيء عندما حمل أولئك الأربعون: يا خالد! عليك بسلمى وأجأ -جبلي طيء- فقال: بل إلى الله الملتجأ، ثم حمل فما رجع حتى لم يبق من الأربعين رجل واحد وترادّ الناس بعد الهزيمة" [مختصر سيرة الرسول]، فالتجأوا إلى الله وثبتوا ثم كروا على القوم وهزموهم.


- السمع والطاعة

الخصلة التاسعة: قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال]

وهذا أمر من الله سبحانه بلزوم الطاعة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- وطاعة الأمراء، فطاعتهم من غير معصية هي طاعة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- للحديث الذي رواه الإمام أحمد: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع الأمير فقد أطاعني)، وبهذا يستقيم الجهاد ويقوى صفّ المجاهدين وتُفلق هام الكافرين، وتتسارع عجلة الجهاد، وقد نهى الله عن التنازع وهو الاختلاف وكثرة الجدل وتقديم أطماع النفس ورغباتها، والمجاهد الصالح هو الذي أينما وُضع قَبِلَ ونَفَعَ قال -صلى الله عليه وسلم-: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة) [البخاري]، -والساقة أي: مؤخرة الجيش- وإن استعان المجاهد بالله على ما أُمر به هوّن الله عليه ما يتوقّع مشقته.

وثمرات السمع والطاعة عظيمة تظهر آثارها جلية في الجهاد، قال ابن كثير: "وقد كان للصحابة -رضي الله عنهم- في باب الشجاعة والائتمار بأمر الله، وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم؛ فإنهم ببركة الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم، من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر والحبوش وأصناف السودان والقبط، وطوائف بني آدم، قهروا الجميع حتى علت كلمة الله، وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، في أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم، إنه كريم وهاب". [التفسير]

وإن كان الأمير يتقي الله في أوامره وتقديراته فإن الله يلهمه الصواب ويسيّره للخير، ولذلك وجب الصبر على الأمراء فقال تعالى: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

- الولاء بين المهاجرين والأنصار

الخصلة العاشرة: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} وهذه صفة المجاهدين فالمجاهد إما أنصاري وإما مهاجر، فالمهاجر ترك داره وأهله لأجل الله ورسوله ونصرة دينه وجهاد أعدائه ولم يتشبّث بالتراب ولا حتى بالصحاب!، قال الله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر]، والأنصاري آوى أخاه الشريد بدينه وأحبّ أخاه في الدين وأعطاه مما عنده وضحّى بأرضه التي صارت هدفا لأعداء الدين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر]

وقد ضرب الصحابة رضي الله عنهم أمثلة عليا في الهجرة والصبر على مشقتها وفي النصرة ومواساة إخوانهم المهاجرين حتى كان الأنصاري ليتناصف مع أخيه المهاجر في ماله وأهله وكل شيء، ويطلّق إحدى زوجتيه ليتزوّجها أخاه المهاجر، كل ذلك حبا لدين الله وعرفانا لفضل من خرج في سبيل الله.

ولا يقوم الدين ويظهر الجهاد إلا بالمهاجرين والأنصار، ووصف الله هؤلاء بالمؤمنين حقا فقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال]، ويتأكد وجوب الهجرة والنصرة في زمن بداية قيام دار الإسلام، وزمن الغربة كما هو حالنا اليوم، فالمحروم من لم يكن مهاجرا ولا أنصاريا.

وقد بيّن الله أن الكفار يوالي بعضهم بعضا، وأن ذلك واجب بين المؤمنين، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال]، وهذا كله إتماما للولاء فإنه لا يكمل الإيمان حتى يحب المرء أخاه المسلم ويحب له ما يحب لنفسه، ويكون أخوه جزءًا من جسده، ليصلب بنيان الإسلام، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 366
السنة الرابعة عشرة - الخميس 30 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد

عملاً بوصية نبيكم -صلى الله عليه وسلم- نسمع ونرى اليوم ما آلت إليه الأوضاع في الجزيرة العربية ...

عملاً بوصية نبيكم -صلى الله عليه وسلم-


نسمع ونرى اليوم ما آلت إليه الأوضاع في الجزيرة العربية التي استباح حماها اليهود والنصارى يدنسونها وينشرون فيها شركهم وشرّهم بتواطؤ وتأييد من قبل حُكّام الجزيرة المرتدين، يستوي فيهم حكام قطر والسعودية والإمارات، مِن قبل كأس الغثاء ومِن بعد.

ولم يكن العجب من استضافة قطر لكأس الهوى واستقدامها لمئات الآلاف من النصارى واليهود وغيرهم إلى شرق الجزيرة العربية، بل العجب حقيقة ممّن تعجّب مِن حال قطر! وبدا كأنه لأول مرة يعرف حقيقة هذه الإمارة الطاغوتية التي تحارب الإسلام منذ كانت محميّة بريطانية!

فهل كان يلزم أن تستضيف قطر هذه الفعالية الخبيثة؛ ليتفطّن بعض "الإسلاميين" لدورها وخطرها على الإسلام بعد أن كانوا يرونها "صديقا" و"داعما" أو على الأقل "محايدا"!، فهل لم تكن قطر خطيرة يوم استضافت قاعدة العديد الأمريكية؟! وهل لم تكن خطيرة يوم روّضت الحركات المسلحة ونقلتها من الخنادق إلى الفنادق، ومن تجريم الخيانة إلى شرعنتها؟!

لقد منح الصليبيون قطر فرصة استضافة كأس الغثاء هذا بعد نحو عقدين من رعيها لحوار الأديان الذي يهدف إلى نشر الإباحية المطلقة! فلا حلال ولا حرام، ولا حق ولا باطل، بل "إنسانية" تساوي بين الخير والشر والإسلام والكفر والجنة والنار! هكذا كافأ النظام العالمي الجاهلي هذه الدويلة الوظيفية التي خدمت اليهود والنصارى أكثر من غيرها من دويلات الخليج.

وبعد رصدنا لعدد من الدعوات والخطابات التي تناولت هذا الحدث، وجدنا أنَّ أحدا لم يقدّم الحلَّ الشرعي لما يجري، كما لم يشخّص الداء كما ينبغي، وهو نفس الأمر الذي فعلوه عند حديثهم عن "الدور الإماراتي" في حرب الإسلام! فكل الذين ينتقدون الإمارات لولائها لليهود -مثلا- لم يحرِّضوا على استهداف طواغيتها حكومة وجيشا، وكذا كلّ الذين ينتقدون قطر اليوم لم يحرِّضوا على استهداف طواغيتها! بل دعا بعضهم -حرفيًا- إلى نفس ما دعت إليه قطر من استغلال موسم الغثاء هذا في الدعوة إلى الله!! ولا ندري هل يملك الدعاةُ إلى الله -حقًا- فرصة للدعوة في هذه المقام إلا إنْ كانوا دعاة على أبواب قطر!

إنّ دور قطر في الحرب على الإسلام ليس حديثا، وإنّ من التضليل للمسلمين أن تدقّ بعض الحركات المنحرفة نواقيس الخطر بعد هذا الحدث فقط؛ رغم سكوتها طيلة السنوات الماضية عن قطر وإعلامها ودعاتها ودورها المشبوه في محاربة الإسلام، ودورها العلني في "إعادة ضبط المصنع" للعديد من الحركات الإسلامية وفقًا للمواصفات العالمية للنظام الدولي الجاهلي، فكل ذلك لم يدفع هذه الحركات المهترئة إلى مهاجمة قطر ودورها إلا بعد أن استيقظوا على صراخ الغثاء في كأس الهوان! فهل هذه يقظة متأخرة! أم هي فرصة للتعبير عن شعورهم بالخذلان من قطر بعد أن قلبت لهم ظهر المجن فسلبت منهم "طالبان" وحوّلتها إلى حارس للمصالح الأمريكية! وسلّطت عليهم قنواتها الفضائية بعد أن كانت منبرا شبه رئيسي لهم على مدار عقود من الزمان!

وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة الإسلامية -أعزّها الله- تحذّر وتنذر المسلمين من خطر قطر كما الإمارات، ومن خطر تركيا كما السعودية؛ كانت هذه الحركات تتهم الدولة الإسلامية بالعمالة لكل هذه الأطراف مجتمعة! وهي وحدها التي كفّرت حكوماتهم مجتمعة، ولم تفرّق بين طاغوت وآخر كما فرّق هؤلاء، وهذا كله -بفضل الله تعالى- ثمرة الاتباع وترك فقه الرخويات والترهّل العقدي الذي اتبعته هذه الحركات التي حاولت أن تحافظ على بقائها بأي ثمن، بينما كانت الدولة الإسلامية حريصة على بقائها على منهاج النبوة حتى لو لم يبق منها جندي واحد، فظلت باقية بفضل الله تعالى وتدبيره والجزاء من جنس العمل.

لقد أصابت الدولة الإسلامية وما زالت تفعل، يوم أن وضعت كل هذه المحاور في خانة واحدة وقالت للمسلمين احذروهم على دينكم ودنياكم، ولا تفرقوا بينهم فهم سواء في الحكم والخطر، بل إنّ الدور القطري في الحرب على الإسلام أكثر عمقًا وأثرًا وخطرًا من دور طواغيت الإمارات والسعودية والحدث الأخير خير دليل على ذلك، فما فشلت السعودية في إدخاله إلى الجزيرة العربية من الإباحية والشذوذ نجحت قطر في إدخاله من نافذة كأس الهوى والهوان!!

كما كان من السخافة بمكان حالة الترويج الإعلامي الكبير الذي تولى كبره ليست الآلة الإعلامية القطرية فحسب، بل حتى دعاة السوء من الدجاجلة الصغار الذين جلبتهم قطر ليمارسوا دور قائدهم الدجال الأكبر، في التضليل والتلبيس على المسلمين! محاولين أن يصوّروا كأس الهوى الذي استحقته قطر بحربها على الإسلام؛ على أنه فرصة لنصرة الإسلام! وأن موسم الشذوذ هو موسم للدعوة!

وليس مصادفة أن يكون هذا السواد الأعظم من الغثاء؛ دعاة وإعلاميين وكتاب وغيرهم، هم نفسهم الذين تولوا كبر الحرب الإعلامية والفكرية ضد الدولة الإسلامية في أوج الحرب الصليبية على دار الخلافة في العراق والشام! فهي معركة واحدة بين أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين أتباع الدجّال الذين يريدون أن يلبسوا الحق بالباطل ويستروا الكفر بما يصف ويشف!

وهذه رسالة نوجهها إلى ضحايا فقه الأولويات والموازنات ممن لم يستبينوا الرشد إلا متأخرا، أنّ الأولوية دوماً للتوحيد والمفاصلة التامة مع الجاهلية بكل صورها، وأنه لا وزن للمرء تحت أديم السماء ما عطّل التوحيد وأمات الولاء والبراء، فما يجري اليوم من ذوبان وانصهار الناس في هذا التجمّع الجاهلي الكبير هو نتيجة هذا الفقه الأعوج الذي دشّنه عبيد المصالح ولسان حالهم أنهم أدرى بمصالح العباد من خالقهم سبحانه! القائل: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، فاللطيف الخبير هو من شرع الجهاد لضرب أعناق الكافرين والمرتدين، واللطيف الخبير -سبحانه- هو الذي فرض الولاء والبراء ومدح ذلك في كتابه ودعا نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى اتباعه فقال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}.

وهل اتضح لطلبة العلم الذين غرقوا في خلافات ومسائل "عهد الأمان"؛ أنّ طواغيت الجزيرة ودعاتهم لم يكونوا يقصدون هذه المسائل بحال، بل كانوا يقصدون صرف المسلمين عن قتال الصليبيين واليهود الذين أصبحوا اليوم من أهل الجزيرة العربية المقيمين! ولهم من الحقوق ما ليس لسكانها الأصليين؟!

أمة الإسلام.. قد بسطنا في هذا المقال الداء ولم يبق إلا الدواء وهو ليس من عندنا ولا من وحي خيالنا، بل هو وحي من عند الله تعالى، وعلى لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم- القائل في مرض وفاته: (أخرِجوا المشرِكينَ من جزيرةِ العربِ) [رواه الشيخان]، والقائل أيضا: (لأُخْرِجَنَّ اليَهُودَ، والنَّصارَى مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ حتَّى لا أدَعَ إلَّا مُسْلِمًا) [رواه مسلم]، فهذه وصية نبيكم -صلى الله عليه وسلم- ولا يشاورنَّ أحدٌ أحدًا في تنفيذها، فمن لهذه الوصية أيها المسلمون؟



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 366
السنة الرابعة عشرة - الخميس 30 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد

عملاً بوصية نبيكم -صلى الله عليه وسلم- نسمع ونرى اليوم ما آلت إليه الأوضاع في الجزيرة العربية ...

عملاً بوصية نبيكم -صلى الله عليه وسلم-


نسمع ونرى اليوم ما آلت إليه الأوضاع في الجزيرة العربية التي استباح حماها اليهود والنصارى يدنسونها وينشرون فيها شركهم وشرّهم بتواطؤ وتأييد من قبل حُكّام الجزيرة المرتدين، يستوي فيهم حكام قطر والسعودية والإمارات، مِن قبل كأس الغثاء ومِن بعد.

ولم يكن العجب من استضافة قطر لكأس الهوى واستقدامها لمئات الآلاف من النصارى واليهود وغيرهم إلى شرق الجزيرة العربية، بل العجب حقيقة ممّن تعجّب مِن حال قطر! وبدا كأنه لأول مرة يعرف حقيقة هذه الإمارة الطاغوتية التي تحارب الإسلام منذ كانت محميّة بريطانية!

فهل كان يلزم أن تستضيف قطر هذه الفعالية الخبيثة؛ ليتفطّن بعض "الإسلاميين" لدورها وخطرها على الإسلام بعد أن كانوا يرونها "صديقا" و"داعما" أو على الأقل "محايدا"!، فهل لم تكن قطر خطيرة يوم استضافت قاعدة العديد الأمريكية؟! وهل لم تكن خطيرة يوم روّضت الحركات المسلحة ونقلتها من الخنادق إلى الفنادق، ومن تجريم الخيانة إلى شرعنتها؟!

لقد منح الصليبيون قطر فرصة استضافة كأس الغثاء هذا بعد نحو عقدين من رعيها لحوار الأديان الذي يهدف إلى نشر الإباحية المطلقة! فلا حلال ولا حرام، ولا حق ولا باطل، بل "إنسانية" تساوي بين الخير والشر والإسلام والكفر والجنة والنار! هكذا كافأ النظام العالمي الجاهلي هذه الدويلة الوظيفية التي خدمت اليهود والنصارى أكثر من غيرها من دويلات الخليج.

وبعد رصدنا لعدد من الدعوات والخطابات التي تناولت هذا الحدث، وجدنا أنَّ أحدا لم يقدّم الحلَّ الشرعي لما يجري، كما لم يشخّص الداء كما ينبغي، وهو نفس الأمر الذي فعلوه عند حديثهم عن "الدور الإماراتي" في حرب الإسلام! فكل الذين ينتقدون الإمارات لولائها لليهود -مثلا- لم يحرِّضوا على استهداف طواغيتها حكومة وجيشا، وكذا كلّ الذين ينتقدون قطر اليوم لم يحرِّضوا على استهداف طواغيتها! بل دعا بعضهم -حرفيًا- إلى نفس ما دعت إليه قطر من استغلال موسم الغثاء هذا في الدعوة إلى الله!! ولا ندري هل يملك الدعاةُ إلى الله -حقًا- فرصة للدعوة في هذه المقام إلا إنْ كانوا دعاة على أبواب قطر!

إنّ دور قطر في الحرب على الإسلام ليس حديثا، وإنّ من التضليل للمسلمين أن تدقّ بعض الحركات المنحرفة نواقيس الخطر بعد هذا الحدث فقط؛ رغم سكوتها طيلة السنوات الماضية عن قطر وإعلامها ودعاتها ودورها المشبوه في محاربة الإسلام، ودورها العلني في "إعادة ضبط المصنع" للعديد من الحركات الإسلامية وفقًا للمواصفات العالمية للنظام الدولي الجاهلي، فكل ذلك لم يدفع هذه الحركات المهترئة إلى مهاجمة قطر ودورها إلا بعد أن استيقظوا على صراخ الغثاء في كأس الهوان! فهل هذه يقظة متأخرة! أم هي فرصة للتعبير عن شعورهم بالخذلان من قطر بعد أن قلبت لهم ظهر المجن فسلبت منهم "طالبان" وحوّلتها إلى حارس للمصالح الأمريكية! وسلّطت عليهم قنواتها الفضائية بعد أن كانت منبرا شبه رئيسي لهم على مدار عقود من الزمان!

وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة الإسلامية -أعزّها الله- تحذّر وتنذر المسلمين من خطر قطر كما الإمارات، ومن خطر تركيا كما السعودية؛ كانت هذه الحركات تتهم الدولة الإسلامية بالعمالة لكل هذه الأطراف مجتمعة! وهي وحدها التي كفّرت حكوماتهم مجتمعة، ولم تفرّق بين طاغوت وآخر كما فرّق هؤلاء، وهذا كله -بفضل الله تعالى- ثمرة الاتباع وترك فقه الرخويات والترهّل العقدي الذي اتبعته هذه الحركات التي حاولت أن تحافظ على بقائها بأي ثمن، بينما كانت الدولة الإسلامية حريصة على بقائها على منهاج النبوة حتى لو لم يبق منها جندي واحد، فظلت باقية بفضل الله تعالى وتدبيره والجزاء من جنس العمل.

لقد أصابت الدولة الإسلامية وما زالت تفعل، يوم أن وضعت كل هذه المحاور في خانة واحدة وقالت للمسلمين احذروهم على دينكم ودنياكم، ولا تفرقوا بينهم فهم سواء في الحكم والخطر، بل إنّ الدور القطري في الحرب على الإسلام أكثر عمقًا وأثرًا وخطرًا من دور طواغيت الإمارات والسعودية والحدث الأخير خير دليل على ذلك، فما فشلت السعودية في إدخاله إلى الجزيرة العربية من الإباحية والشذوذ نجحت قطر في إدخاله من نافذة كأس الهوى والهوان!!

كما كان من السخافة بمكان حالة الترويج الإعلامي الكبير الذي تولى كبره ليست الآلة الإعلامية القطرية فحسب، بل حتى دعاة السوء من الدجاجلة الصغار الذين جلبتهم قطر ليمارسوا دور قائدهم الدجال الأكبر، في التضليل والتلبيس على المسلمين! محاولين أن يصوّروا كأس الهوى الذي استحقته قطر بحربها على الإسلام؛ على أنه فرصة لنصرة الإسلام! وأن موسم الشذوذ هو موسم للدعوة!

وليس مصادفة أن يكون هذا السواد الأعظم من الغثاء؛ دعاة وإعلاميين وكتاب وغيرهم، هم نفسهم الذين تولوا كبر الحرب الإعلامية والفكرية ضد الدولة الإسلامية في أوج الحرب الصليبية على دار الخلافة في العراق والشام! فهي معركة واحدة بين أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين أتباع الدجّال الذين يريدون أن يلبسوا الحق بالباطل ويستروا الكفر بما يصف ويشف!

وهذه رسالة نوجهها إلى ضحايا فقه الأولويات والموازنات ممن لم يستبينوا الرشد إلا متأخرا، أنّ الأولوية دوماً للتوحيد والمفاصلة التامة مع الجاهلية بكل صورها، وأنه لا وزن للمرء تحت أديم السماء ما عطّل التوحيد وأمات الولاء والبراء، فما يجري اليوم من ذوبان وانصهار الناس في هذا التجمّع الجاهلي الكبير هو نتيجة هذا الفقه الأعوج الذي دشّنه عبيد المصالح ولسان حالهم أنهم أدرى بمصالح العباد من خالقهم سبحانه! القائل: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، فاللطيف الخبير هو من شرع الجهاد لضرب أعناق الكافرين والمرتدين، واللطيف الخبير -سبحانه- هو الذي فرض الولاء والبراء ومدح ذلك في كتابه ودعا نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى اتباعه فقال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}.

وهل اتضح لطلبة العلم الذين غرقوا في خلافات ومسائل "عهد الأمان"؛ أنّ طواغيت الجزيرة ودعاتهم لم يكونوا يقصدون هذه المسائل بحال، بل كانوا يقصدون صرف المسلمين عن قتال الصليبيين واليهود الذين أصبحوا اليوم من أهل الجزيرة العربية المقيمين! ولهم من الحقوق ما ليس لسكانها الأصليين؟!

أمة الإسلام.. قد بسطنا في هذا المقال الداء ولم يبق إلا الدواء وهو ليس من عندنا ولا من وحي خيالنا، بل هو وحي من عند الله تعالى، وعلى لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم- القائل في مرض وفاته: (أخرِجوا المشرِكينَ من جزيرةِ العربِ) [رواه الشيخان]، والقائل أيضا: (لأُخْرِجَنَّ اليَهُودَ، والنَّصارَى مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ حتَّى لا أدَعَ إلَّا مُسْلِمًا) [رواه مسلم]، فهذه وصية نبيكم -صلى الله عليه وسلم- ولا يشاورنَّ أحدٌ أحدًا في تنفيذها، فمن لهذه الوصية أيها المسلمون؟



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 366
السنة الرابعة عشرة - الخميس 30 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد

من ثِمار التقْوى قال الإمام ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: "تقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما ...

من ثِمار التقْوى


قال الإمام ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: "تقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه، وغضبه، وسخطه، وعقابه؛ وقاية تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته، واجتناب معاصيه". [جامع العلوم والحكم]


❖ نيل ولاية الله تعالى

قال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس]، قال الإمام أبو جعفر: "يقول تعالى ذكره: ألا إن أنصار الله لا خوف عليهم في الآخرة من عقاب الله، لأن الله رضي عنهم فآمنهم من عقابه، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا". [تفسير الطبري]


❖ التفريق بين الحق والباطل

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال]، قال الإمام أبو جعفر: "فرقان يفرق في قلوبهم بين الحق والباطل، حتى يعرفوه ويهتدوا بذلك الفرقان". [تفسير الطبري]


❖ الرزق من حيث لا يحتسب

قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}، قال ابن كثير: "ومن يتق الله فيما أمره به، وترك ما نهاه عنه يجعل له من أمره مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، أي: من جهة لا تخطر بباله". [تفسير ابن كثير]


❖ تكفير السيئات وزيادة الأجر

قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ}، قال أبو جعفر: "ومن يخف الله فيتقه باجتناب معاصيه، وأداء فرائضه، يمح الله عنه ذنوبه وسيئات أعماله، (وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا): يجزل له الثواب على عمله ذلك وتقواه، ومن إعظامه له الأجر عليه أن يُدخله جنته، فيخلده فيها". [تفسير الطبري]
...المزيد

من ثِمار التقْوى قال الإمام ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: "تقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما ...

من ثِمار التقْوى


قال الإمام ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: "تقوى العبد لربه أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه، وغضبه، وسخطه، وعقابه؛ وقاية تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته، واجتناب معاصيه". [جامع العلوم والحكم]


❖ نيل ولاية الله تعالى

قال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس]، قال الإمام أبو جعفر: "يقول تعالى ذكره: ألا إن أنصار الله لا خوف عليهم في الآخرة من عقاب الله، لأن الله رضي عنهم فآمنهم من عقابه، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا". [تفسير الطبري]


❖ التفريق بين الحق والباطل

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال]، قال الإمام أبو جعفر: "فرقان يفرق في قلوبهم بين الحق والباطل، حتى يعرفوه ويهتدوا بذلك الفرقان". [تفسير الطبري]


❖ الرزق من حيث لا يحتسب

قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}، قال ابن كثير: "ومن يتق الله فيما أمره به، وترك ما نهاه عنه يجعل له من أمره مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، أي: من جهة لا تخطر بباله". [تفسير ابن كثير]


❖ تكفير السيئات وزيادة الأجر

قال تعالى: {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ}، قال أبو جعفر: "ومن يخف الله فيتقه باجتناب معاصيه، وأداء فرائضه، يمح الله عنه ذنوبه وسيئات أعماله، (وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا): يجزل له الثواب على عمله ذلك وتقواه، ومن إعظامه له الأجر عليه أن يُدخله جنته، فيخلده فيها". [تفسير الطبري]
...المزيد

عن أنس بن مالكٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (اللهم إني أعوذ بك ...

عن أنس بن مالكٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الهمِّ والحَزَن، والعَجْزِ والكسل، والجُبن والبخل، وضَلَع الدَّيْن وغلبة الرِّجال). [رواه البخاري]


● فاستعاذ من ثمانية أشياء كلّ اثنين منها قرينان:


❖ فالهمّ والحَزنُ قرينان:

وهما من آلام الروح ومعذّباتها، والفرق بينهما: أن الهم توقّعُ الشر في المستقبل، والحزَن هو التألّم على حصول المكروه في الماضي، أو فوات المحبوب، وكلاهما تألمٌ وعذابٌ يرد على الروح، فإن تعلق بالماضي سُمّي حزَنا، وإن تعلق بالمستقبل سمّي همّا.


❖ والعَجزُ والكسلُ قرينان:

وهما من أسباب الألم؛ لأنهما يستلزمان فواتَ المحبوب، فالعجز يستلزم عدم القدرة، والكسل يستلزم عدم إرادته، فتتألم الروح لفواته بحسب تعلقها به، والتذاذها بإدراكه لو حصل.


❖ والجُبْن والبخلُ قرينان:

لأنهما عدم النفع بالمال والبدن، وهما من أسباب الألم؛ لأنّ الجبانَ تفوته محبوبات ومفرحات وملذوذات عظيمة، لا تُنال إلا بالبذل والشجاعة، والبخل يحول بينه وبينها، فهذان الخلقان من أعظم أسباب الآلام.


❖ وضَلَع الدَّيْن وقهرُ الرجال قرينان:

وهما مؤلمان للنفس معذبان لها، أحدهما: قهر بحق، وهو ضَلَعُ الدَّيْن، والثاني: قهر بباطل، وهو غلبةُ الرجال، وأيضا: فضلَع الدَّيْن قهر بسبب من العبد في الغالب، وغلبة الرجال قهر بغير اختياره.


[التفسير لابن القيم -رحمه الله-]
...المزيد

مِن أقوال علماء الملّة قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "وقوله تعالى: {إِلَّا ...

مِن أقوال علماء الملّة


قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-:

"وقوله تعالى: {إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ...} قد يكون العذاب من عندِه وقد يكون بأيدي العباد، فإذا ترك الناسُ الجهادَ في سبيل الله فقد يبتليهم بأن يوقع بينهم العداوةَ حتى تقع بينهم الفتنةُ كما هو الواقع؛ فإن الناسَ إذا اشتغلوا بالجهاد في سبيل الله جمع الله قلوبَهم وألّف بينهم وجعل بأسهم على عدو الله وعدوهم، وإذا لم ينفروا في سبيل الله عذبهم الله بأن يلبسَهم شِيعا ويذيقَ بعضَهم بأسَ بعض". [مجموع الفتاوى] ...المزيد

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن العبدَ ليتكلمُ بالكلمة من ...

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:

(إن العبدَ ليتكلمُ بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم). [رواه البخاري] ...المزيد

خصال المجاهدين 2 الحمد لله رب العالمين، ولي المتقين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين ...

خصال المجاهدين 2



الحمد لله رب العالمين، ولي المتقين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين وخاتم المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فإكمالا للخصال التي ذكرناها في المقال السابق استقاء من نصوص القرآن والسنة، والتي تُبين صفات هذا الصنف من الناس، الذين يحملون على عاتقهم ما تعجز عنه الجبال، وما تتهرب من تبعاته النفوس الخانعة، من مصاولة الكفر والصبر على ذلك، ليمكّنوا لحكم شريعة رب العالمين، فمَن وفقهم الله لهذه المراتب لهم سمات وخصال تُحدّثنا عنهم التوبة والأنفال وغيرها من سور الجهاد التي تبعث في نفس كل من تدبرها الاشتياق لساحات الجهاد، وتُذكّر كل مجاهد بما ينبغي أن يكون عليه ليكتمل جهاده ويكون من روّاده وفرسانه.

ونواصل في هذا المقال بسط هذه الخصال مستعينين بالله تعالى:


- حفظ الأمانة

الخصلة السادسة: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال]، وأورد الإمام السيوطي في تفسيره "عن ابن عباس رضي الله عنهما، فِي قَوْله {لَا تخونوا الله} قَالَ: بترك فَرَائِضه {وَالرَّسُول} بترك سنته وارتكاب مَعْصِيَته {وتخونوا أماناتكم} يَقُول: لَا تنقضوها وَالْأَمَانَة الَّتِي ائْتمن الله عَلَيْهَا الْعباد"، وقال: "وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله عنه في قوله: {لا تخونوا الله والرسول} هو الإخلال بالسلاح في المغازي". [الدر المنثور]

فالمجاهد حافظ للأمانة التي حُمِّلها وللمسؤولية التي كُلف بها، سواء كانت أفرادا أو سلاحا أو مالا أو معلومات أو غيرها، فكلها يجب عليه أن يكون أمينا فيها، ويدخل في الأمانة حفظ الأسرار وعدم إفشائها، جاء عن السدّي: "{لا تخونوا الله والرسول} الآية، قال: كانوا يسمعون من النبي -صلى الله عليه وسلم- الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين". [الطبري]، وهذا من الأمور المهمة في الجهاد، فإن حفظ أسرار المجاهدين وعدم التحدث بها لمن لا يحتاجها -ولو كان من أقرب الناس قرابة أو صُحبة- واجب على كل مجاهد، خصوصا مع حرص العدو على جلب كل معلومة تخص المجاهدين والتربص بهم، فإياك أخي المجاهد أن تعطي معلومة لمن لا يحتاجها في عمله أو تحرص على معلومات لا تفيدك في عملك، فذاك أنفع لك عاجلا وآجلا.


- تقوى الله تعالى

الخصلة السابعة: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال]، قال ابن كثير رحمه الله: "فإن من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره، وفق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا، وسعادته يوم القيامة" [التفسير]، فمتى ما اتقى المجاهد ربه وخافه في أعماله وأحكامه وتصرفاته، أعطاه الله فرقانا في قلبه يفرق به بين الحق والباطل، وما أشد الحاجة لذلك الفرقان في زمن كثرت فيه الشبهات واختلطت الأمور على كثير من الناس.

فعليك بتقوى الله ولا تقدّم رأيك أو استحسانك على أمر الله أو نهيه، ولتكن ثقتك بتقوى الله أعظم من ثقتك بحساباتك، فإن من يتق الله {يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات]. - الثبات وذكر الله كثيرا

الخصلة الثامنة: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، قال ابن كثير رحمه الله: "فأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم، فلا يفروا ولا ينكلوا ولا يجبنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال ولا ينسوه بل يستعينوا به ويتكلوا عليه، ويسألوه النصر على أعدائهم" [التفسير]، فهذا أمر بالثبات حين اللقاء، وقد مدح الله من ثبت وصبر في الجهاد وسماهم صادقين فقال تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة]، ونهى الله عن الفرار من الزحف فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} [الأنفال]، وإذا ثبت المؤمنون أيدهم الله بمدد من عنده، وأعجزوا عدوّهم ولو كان كثيرا، والأمثلة في هذا كثيرة، منها ثبات المؤمنين في معركة مؤتة التي كانوا فيها ثلاثة آلاف يواجهون مائتي ألف من النصارى، فقد كان ثباتهم -بعد فضل الله- سببا في عدم جرأة النصارى عليهم وانسحابهم بقوتهم، وكان ذلك فتحا كما سماه النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وذُكر في حروب الردة بين خالد وطليحة الأسدي قالوا: "فلما سمع طليحة الحركة عبأ أصحابه حتى إذا استوت الصفوف زحف بهم خالد حتى دنا من طليحة فأخرج طليحة أربعين غلاما جلدا فأقامهم في الميمنة وقال: اضربوا حتى تأتوا الميسرة فتضعضع الناس ولم يقتل أحد حتى أقامهم في الميسرة ففعلوا مثل ذلك وانهزم المسلمون فقال خالد: يا معشر المسلمين! الله الله واقتحم وسط القوم وكر معه أصحابه فاختلطت الصفوف ونادى يومئذ مناد من طيء عندما حمل أولئك الأربعون: يا خالد! عليك بسلمى وأجأ -جبلي طيء- فقال: بل إلى الله الملتجأ، ثم حمل فما رجع حتى لم يبق من الأربعين رجل واحد وترادّ الناس بعد الهزيمة" [مختصر سيرة الرسول]، فالتجأوا إلى الله وثبتوا ثم كروا على القوم وهزموهم.


- السمع والطاعة

الخصلة التاسعة: قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال]

وهذا أمر من الله سبحانه بلزوم الطاعة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- وطاعة الأمراء، فطاعتهم من غير معصية هي طاعة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- للحديث الذي رواه الإمام أحمد: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع الأمير فقد أطاعني)، وبهذا يستقيم الجهاد ويقوى صفّ المجاهدين وتُفلق هام الكافرين، وتتسارع عجلة الجهاد، وقد نهى الله عن التنازع وهو الاختلاف وكثرة الجدل وتقديم أطماع النفس ورغباتها، والمجاهد الصالح هو الذي أينما وُضع قَبِلَ ونَفَعَ قال -صلى الله عليه وسلم-: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة) [البخاري]، -والساقة أي: مؤخرة الجيش- وإن استعان المجاهد بالله على ما أُمر به هوّن الله عليه ما يتوقّع مشقته.

وثمرات السمع والطاعة عظيمة تظهر آثارها جلية في الجهاد، قال ابن كثير: "وقد كان للصحابة -رضي الله عنهم- في باب الشجاعة والائتمار بأمر الله، وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم؛ فإنهم ببركة الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم، من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر والحبوش وأصناف السودان والقبط، وطوائف بني آدم، قهروا الجميع حتى علت كلمة الله، وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، في أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم، إنه كريم وهاب". [التفسير]

وإن كان الأمير يتقي الله في أوامره وتقديراته فإن الله يلهمه الصواب ويسيّره للخير، ولذلك وجب الصبر على الأمراء فقال تعالى: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. - الولاء بين المهاجرين والأنصار

الخصلة العاشرة: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} وهذه صفة المجاهدين فالمجاهد إما أنصاري وإما مهاجر، فالمهاجر ترك داره وأهله لأجل الله ورسوله ونصرة دينه وجهاد أعدائه ولم يتشبّث بالتراب ولا حتى بالصحاب!، قال الله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر]، والأنصاري آوى أخاه الشريد بدينه وأحبّ أخاه في الدين وأعطاه مما عنده وضحّى بأرضه التي صارت هدفا لأعداء الدين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر]

وقد ضرب الصحابة رضي الله عنهم أمثلة عليا في الهجرة والصبر على مشقتها وفي النصرة ومواساة إخوانهم المهاجرين حتى كان الأنصاري ليتناصف مع أخيه المهاجر في ماله وأهله وكل شيء، ويطلّق إحدى زوجتيه ليتزوّجها أخاه المهاجر، كل ذلك حبا لدين الله وعرفانا لفضل من خرج في سبيل الله.

ولا يقوم الدين ويظهر الجهاد إلا بالمهاجرين والأنصار، ووصف الله هؤلاء بالمؤمنين حقا فقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال]، ويتأكد وجوب الهجرة والنصرة في زمن بداية قيام دار الإسلام، وزمن الغربة كما هو حالنا اليوم، فالمحروم من لم يكن مهاجرا ولا أنصاريا.

وقد بيّن الله أن الكفار يوالي بعضهم بعضا، وأن ذلك واجب بين المؤمنين، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال]، وهذا كله إتماما للولاء فإنه لا يكمل الإيمان حتى يحب المرء أخاه المسلم ويحب له ما يحب لنفسه، ويكون أخوه جزءًا من جسده، ليصلب بنيان الإسلام، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 366
السنة الرابعة عشرة - الخميس 30 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد

عملاً بوصية نبيكم -صلى الله عليه وسلم- نسمع ونرى اليوم ما آلت إليه الأوضاع في الجزيرة العربية ...

عملاً بوصية نبيكم -صلى الله عليه وسلم-


نسمع ونرى اليوم ما آلت إليه الأوضاع في الجزيرة العربية التي استباح حماها اليهود والنصارى يدنسونها وينشرون فيها شركهم وشرّهم بتواطؤ وتأييد من قبل حُكّام الجزيرة المرتدين، يستوي فيهم حكام قطر والسعودية والإمارات، مِن قبل كأس الغثاء ومِن بعد.

ولم يكن العجب من استضافة قطر لكأس الهوى واستقدامها لمئات الآلاف من النصارى واليهود وغيرهم إلى شرق الجزيرة العربية، بل العجب حقيقة ممّن تعجّب مِن حال قطر! وبدا كأنه لأول مرة يعرف حقيقة هذه الإمارة الطاغوتية التي تحارب الإسلام منذ كانت محميّة بريطانية!

فهل كان يلزم أن تستضيف قطر هذه الفعالية الخبيثة؛ ليتفطّن بعض "الإسلاميين" لدورها وخطرها على الإسلام بعد أن كانوا يرونها "صديقا" و"داعما" أو على الأقل "محايدا"!، فهل لم تكن قطر خطيرة يوم استضافت قاعدة العديد الأمريكية؟! وهل لم تكن خطيرة يوم روّضت الحركات المسلحة ونقلتها من الخنادق إلى الفنادق، ومن تجريم الخيانة إلى شرعنتها؟!

لقد منح الصليبيون قطر فرصة استضافة كأس الغثاء هذا بعد نحو عقدين من رعيها لحوار الأديان الذي يهدف إلى نشر الإباحية المطلقة! فلا حلال ولا حرام، ولا حق ولا باطل، بل "إنسانية" تساوي بين الخير والشر والإسلام والكفر والجنة والنار! هكذا كافأ النظام العالمي الجاهلي هذه الدويلة الوظيفية التي خدمت اليهود والنصارى أكثر من غيرها من دويلات الخليج.

وبعد رصدنا لعدد من الدعوات والخطابات التي تناولت هذا الحدث، وجدنا أنَّ أحدا لم يقدّم الحلَّ الشرعي لما يجري، كما لم يشخّص الداء كما ينبغي، وهو نفس الأمر الذي فعلوه عند حديثهم عن "الدور الإماراتي" في حرب الإسلام! فكل الذين ينتقدون الإمارات لولائها لليهود -مثلا- لم يحرِّضوا على استهداف طواغيتها حكومة وجيشا، وكذا كلّ الذين ينتقدون قطر اليوم لم يحرِّضوا على استهداف طواغيتها! بل دعا بعضهم -حرفيًا- إلى نفس ما دعت إليه قطر من استغلال موسم الغثاء هذا في الدعوة إلى الله!! ولا ندري هل يملك الدعاةُ إلى الله -حقًا- فرصة للدعوة في هذه المقام إلا إنْ كانوا دعاة على أبواب قطر!

إنّ دور قطر في الحرب على الإسلام ليس حديثا، وإنّ من التضليل للمسلمين أن تدقّ بعض الحركات المنحرفة نواقيس الخطر بعد هذا الحدث فقط؛ رغم سكوتها طيلة السنوات الماضية عن قطر وإعلامها ودعاتها ودورها المشبوه في محاربة الإسلام، ودورها العلني في "إعادة ضبط المصنع" للعديد من الحركات الإسلامية وفقًا للمواصفات العالمية للنظام الدولي الجاهلي، فكل ذلك لم يدفع هذه الحركات المهترئة إلى مهاجمة قطر ودورها إلا بعد أن استيقظوا على صراخ الغثاء في كأس الهوان! فهل هذه يقظة متأخرة! أم هي فرصة للتعبير عن شعورهم بالخذلان من قطر بعد أن قلبت لهم ظهر المجن فسلبت منهم "طالبان" وحوّلتها إلى حارس للمصالح الأمريكية! وسلّطت عليهم قنواتها الفضائية بعد أن كانت منبرا شبه رئيسي لهم على مدار عقود من الزمان!

وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة الإسلامية -أعزّها الله- تحذّر وتنذر المسلمين من خطر قطر كما الإمارات، ومن خطر تركيا كما السعودية؛ كانت هذه الحركات تتهم الدولة الإسلامية بالعمالة لكل هذه الأطراف مجتمعة! وهي وحدها التي كفّرت حكوماتهم مجتمعة، ولم تفرّق بين طاغوت وآخر كما فرّق هؤلاء، وهذا كله -بفضل الله تعالى- ثمرة الاتباع وترك فقه الرخويات والترهّل العقدي الذي اتبعته هذه الحركات التي حاولت أن تحافظ على بقائها بأي ثمن، بينما كانت الدولة الإسلامية حريصة على بقائها على منهاج النبوة حتى لو لم يبق منها جندي واحد، فظلت باقية بفضل الله تعالى وتدبيره والجزاء من جنس العمل.

لقد أصابت الدولة الإسلامية وما زالت تفعل، يوم أن وضعت كل هذه المحاور في خانة واحدة وقالت للمسلمين احذروهم على دينكم ودنياكم، ولا تفرقوا بينهم فهم سواء في الحكم والخطر، بل إنّ الدور القطري في الحرب على الإسلام أكثر عمقًا وأثرًا وخطرًا من دور طواغيت الإمارات والسعودية والحدث الأخير خير دليل على ذلك، فما فشلت السعودية في إدخاله إلى الجزيرة العربية من الإباحية والشذوذ نجحت قطر في إدخاله من نافذة كأس الهوى والهوان!!

كما كان من السخافة بمكان حالة الترويج الإعلامي الكبير الذي تولى كبره ليست الآلة الإعلامية القطرية فحسب، بل حتى دعاة السوء من الدجاجلة الصغار الذين جلبتهم قطر ليمارسوا دور قائدهم الدجال الأكبر، في التضليل والتلبيس على المسلمين! محاولين أن يصوّروا كأس الهوى الذي استحقته قطر بحربها على الإسلام؛ على أنه فرصة لنصرة الإسلام! وأن موسم الشذوذ هو موسم للدعوة! وليس مصادفة أن يكون هذا السواد الأعظم من الغثاء؛ دعاة وإعلاميين وكتاب وغيرهم، هم نفسهم الذين تولوا كبر الحرب الإعلامية والفكرية ضد الدولة الإسلامية في أوج الحرب الصليبية على دار الخلافة في العراق والشام! فهي معركة واحدة بين أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين أتباع الدجّال الذين يريدون أن يلبسوا الحق بالباطل ويستروا الكفر بما يصف ويشف!

وهذه رسالة نوجهها إلى ضحايا فقه الأولويات والموازنات ممن لم يستبينوا الرشد إلا متأخرا، أنّ الأولوية دوماً للتوحيد والمفاصلة التامة مع الجاهلية بكل صورها، وأنه لا وزن للمرء تحت أديم السماء ما عطّل التوحيد وأمات الولاء والبراء، فما يجري اليوم من ذوبان وانصهار الناس في هذا التجمّع الجاهلي الكبير هو نتيجة هذا الفقه الأعوج الذي دشّنه عبيد المصالح ولسان حالهم أنهم أدرى بمصالح العباد من خالقهم سبحانه! القائل: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}، فاللطيف الخبير هو من شرع الجهاد لضرب أعناق الكافرين والمرتدين، واللطيف الخبير -سبحانه- هو الذي فرض الولاء والبراء ومدح ذلك في كتابه ودعا نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى اتباعه فقال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا}.

وهل اتضح لطلبة العلم الذين غرقوا في خلافات ومسائل "عهد الأمان"؛ أنّ طواغيت الجزيرة ودعاتهم لم يكونوا يقصدون هذه المسائل بحال، بل كانوا يقصدون صرف المسلمين عن قتال الصليبيين واليهود الذين أصبحوا اليوم من أهل الجزيرة العربية المقيمين! ولهم من الحقوق ما ليس لسكانها الأصليين؟!

أمة الإسلام.. قد بسطنا في هذا المقال الداء ولم يبق إلا الدواء وهو ليس من عندنا ولا من وحي خيالنا، بل هو وحي من عند الله تعالى، وعلى لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم- القائل في مرض وفاته: (أخرِجوا المشرِكينَ من جزيرةِ العربِ) [رواه الشيخان]، والقائل أيضا: (لأُخْرِجَنَّ اليَهُودَ، والنَّصارَى مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ حتَّى لا أدَعَ إلَّا مُسْلِمًا) [رواه مسلم]، فهذه وصية نبيكم -صلى الله عليه وسلم- ولا يشاورنَّ أحدٌ أحدًا في تنفيذها، فمن لهذه الوصية أيها المسلمون؟



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 366
السنة الرابعة عشرة - الخميس 30 ربيع الآخر 1444 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
23 ذو القعدة 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً