خصال المجاهدين 2
الحمد لله رب العالمين، ولي المتقين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين وخاتم المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فإكمالا للخصال التي ذكرناها في المقال السابق استقاء من نصوص
القرآن والسنة، والتي تُبين صفات هذا الصنف من الناس، الذين يحملون على عاتقهم ما تعجز عنه الجبال، وما تتهرب من تبعاته النفوس الخانعة، من مصاولة الكفر والصبر على ذلك، ليمكّنوا لحكم شريعة رب العالمين، فمَن وفقهم الله لهذه المراتب لهم سمات وخصال تُحدّثنا عنهم التوبة والأنفال وغيرها من سور الجهاد التي تبعث في نفس كل من تدبرها الاشتياق لساحات الجهاد، وتُذكّر كل مجاهد بما ينبغي أن يكون عليه ليكتمل جهاده ويكون من روّاده وفرسانه.
ونواصل في هذا المقال بسط هذه الخصال مستعينين بالله تعالى:
- حفظ الأمانة
الخصلة السادسة: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال]، وأورد الإمام السيوطي في تفسيره "عن ابن عباس رضي الله عنهما، فِي قَوْله {لَا تخونوا الله} قَالَ: بترك فَرَائِضه {وَالرَّسُول} بترك سنته وارتكاب مَعْصِيَته {وتخونوا أماناتكم} يَقُول: لَا تنقضوها وَالْأَمَانَة الَّتِي ائْتمن الله عَلَيْهَا الْعباد"، وقال: "وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله عنه في قوله: {لا تخونوا الله والرسول} هو الإخلال بالسلاح في المغازي". [الدر المنثور]
فالمجاهد حافظ للأمانة التي حُمِّلها وللمسؤولية التي كُلف بها، سواء كانت أفرادا أو سلاحا أو مالا أو معلومات أو غيرها، فكلها يجب عليه أن يكون أمينا فيها، ويدخل في الأمانة حفظ الأسرار وعدم إفشائها، جاء عن السدّي: "{لا تخونوا الله والرسول} الآية، قال: كانوا يسمعون من النبي -صلى الله عليه وسلم- الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين". [الطبري]، وهذا من الأمور المهمة في الجهاد، فإن حفظ أسرار المجاهدين وعدم التحدث بها لمن لا يحتاجها -ولو كان من أقرب الناس قرابة أو صُحبة- واجب على كل مجاهد، خصوصا مع حرص العدو على جلب كل معلومة تخص المجاهدين والتربص بهم، فإياك أخي المجاهد أن تعطي معلومة لمن لا يحتاجها في عمله أو تحرص على معلومات لا تفيدك في عملك، فذاك أنفع لك عاجلا وآجلا.
- تقوى الله تعالى
الخصلة السابعة: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال]، قال ابن كثير رحمه الله: "فإن من اتقى الله بفعل أوامره وترك زواجره، وفق لمعرفة الحق من الباطل، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا، وسعادته يوم القيامة" [التفسير]، فمتى ما اتقى المجاهد ربه وخافه في أعماله وأحكامه وتصرفاته، أعطاه الله فرقانا في قلبه يفرق به بين الحق والباطل، وما أشد الحاجة لذلك الفرقان في زمن كثرت فيه الشبهات واختلطت الأمور على كثير من الناس.
فعليك بتقوى الله ولا تقدّم رأيك أو استحسانك على أمر الله أو نهيه، ولتكن ثقتك بتقوى الله أعظم من ثقتك بحساباتك، فإن من يتق الله {يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا}، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات].
- الثبات وذكر الله كثيرا
الخصلة الثامنة: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، قال ابن كثير رحمه الله: "فأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم، فلا يفروا ولا ينكلوا ولا يجبنوا، وأن يذكروا الله في تلك الحال ولا ينسوه بل يستعينوا به ويتكلوا عليه، ويسألوه النصر على أعدائهم" [التفسير]، فهذا أمر بالثبات حين اللقاء، وقد مدح الله من ثبت وصبر في الجهاد وسماهم صادقين فقال تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة]، ونهى الله عن الفرار من الزحف فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} [الأنفال]، وإذا ثبت المؤمنون أيدهم الله بمدد من عنده، وأعجزوا عدوّهم ولو كان كثيرا، والأمثلة في هذا كثيرة، منها ثبات المؤمنين في معركة مؤتة التي كانوا فيها ثلاثة آلاف يواجهون مائتي ألف من النصارى، فقد كان ثباتهم -بعد فضل الله- سببا في عدم جرأة النصارى عليهم وانسحابهم بقوتهم، وكان ذلك فتحا كما سماه النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وذُكر في حروب الردة بين خالد وطليحة الأسدي قالوا: "فلما سمع طليحة الحركة عبأ أصحابه حتى إذا استوت الصفوف زحف بهم خالد حتى دنا من طليحة فأخرج طليحة أربعين غلاما جلدا فأقامهم في الميمنة وقال: اضربوا حتى تأتوا الميسرة فتضعضع الناس ولم يقتل أحد حتى أقامهم في الميسرة ففعلوا مثل ذلك وانهزم المسلمون فقال خالد: يا معشر المسلمين! الله الله واقتحم وسط القوم وكر معه أصحابه فاختلطت الصفوف ونادى يومئذ مناد من طيء عندما حمل أولئك الأربعون: يا خالد! عليك بسلمى وأجأ -جبلي طيء- فقال: بل إلى الله الملتجأ، ثم حمل فما رجع حتى لم يبق من الأربعين رجل واحد وترادّ الناس بعد الهزيمة" [مختصر سيرة الرسول]، فالتجأوا إلى الله وثبتوا ثم كروا على القوم وهزموهم.
- السمع والطاعة
الخصلة التاسعة: قوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال]
وهذا أمر من الله سبحانه بلزوم الطاعة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- وطاعة الأمراء، فطاعتهم من غير معصية هي طاعة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- للحديث الذي رواه الإمام أحمد: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع الأمير فقد أطاعني)، وبهذا يستقيم الجهاد ويقوى صفّ المجاهدين وتُفلق هام الكافرين، وتتسارع عجلة الجهاد، وقد نهى الله عن التنازع وهو الاختلاف وكثرة الجدل وتقديم أطماع النفس ورغباتها، والمجاهد الصالح هو الذي أينما وُضع قَبِلَ ونَفَعَ قال -صلى الله عليه وسلم-: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة) [البخاري]، -والساقة أي: مؤخرة الجيش- وإن استعان المجاهد بالله على ما أُمر به هوّن الله عليه ما يتوقّع مشقته.
وثمرات السمع والطاعة عظيمة تظهر آثارها جلية في الجهاد، قال ابن كثير: "وقد كان للصحابة -رضي الله عنهم- في باب الشجاعة والائتمار بأمر الله، وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم؛ فإنهم ببركة الرسول، صلوات الله وسلامه عليه، وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقا وغربا في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم، من الروم والفرس والترك والصقالبة والبربر والحبوش وأصناف السودان والقبط، وطوائف بني آدم، قهروا الجميع حتى علت كلمة الله، وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، في أقل من ثلاثين سنة، فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وحشرنا في زمرتهم، إنه كريم وهاب". [التفسير]
وإن كان الأمير يتقي الله في أوامره وتقديراته فإن الله يلهمه الصواب ويسيّره للخير، ولذلك وجب الصبر على الأمراء فقال تعالى: {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}.
- الولاء بين المهاجرين والأنصار
الخصلة العاشرة: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} وهذه صفة المجاهدين فالمجاهد إما أنصاري وإما مهاجر، فالمهاجر ترك داره وأهله لأجل الله ورسوله ونصرة دينه وجهاد أعدائه ولم يتشبّث بالتراب ولا حتى بالصحاب!، قال الله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر]، والأنصاري آوى أخاه الشريد بدينه وأحبّ أخاه في الدين وأعطاه مما عنده وضحّى بأرضه التي صارت هدفا لأعداء الدين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر]
وقد ضرب الصحابة رضي الله عنهم أمثلة عليا في الهجرة والصبر على مشقتها وفي النصرة ومواساة إخوانهم المهاجرين حتى كان الأنصاري ليتناصف مع أخيه المهاجر في ماله وأهله وكل شيء، ويطلّق إحدى زوجتيه ليتزوّجها أخاه المهاجر، كل ذلك حبا لدين الله وعرفانا لفضل من خرج في سبيل الله.
ولا يقوم الدين ويظهر الجهاد إلا بالمهاجرين والأنصار، ووصف الله هؤلاء بالمؤمنين حقا فقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال]، ويتأكد وجوب الهجرة والنصرة في زمن بداية قيام دار الإسلام، وزمن الغربة كما هو حالنا اليوم، فالمحروم من لم يكن مهاجرا ولا أنصاريا.
وقد بيّن الله أن الكفار يوالي بعضهم بعضا، وأن ذلك واجب بين المؤمنين، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال]، وهذا كله إتماما للولاء فإنه لا يكمل الإيمان حتى يحب المرء أخاه المسلم ويحب له ما يحب لنفسه، ويكون أخوه جزءًا من جسده، ليصلب بنيان الإسلام، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 366
السنة الرابعة عشرة - الخميس 30 ربيع الآخر 1444 هـ ...المزيد