مقال: فلنُحيينّه حياة طيبة خلق اللهُ الإنسان روحًا وجسدًا، وجعل للأرواح غذاء كما للأجساد ...

مقال: فلنُحيينّه حياة طيبة


خلق اللهُ الإنسان روحًا وجسدًا، وجعل للأرواح غذاء كما للأجساد غذاء، فكما أن غذاء الأجساد الطعام والشراب، فقد جعل سبحانه غذاء الأرواح هو الإيمان به تعالى والتقرب إليه بالطاعات والقربات، فمَن أعرض عن هذا الغذاء الربّاني يحيى حياة الضنك والضيق النفسي، الذي أخطأ تشخيصه الأطباء والخبراء، فأخطأوا تبعًا لذلك توصيف العلاج، وراحوا يُطعمون الأجساد بشتى الملذات، ولم يدركوا أنهم كمن يشرب من ماء البحر الذي لا يزيد شاربه إلا عطشًا، أما المؤمنون فهم في حياة أخرى، حياة طيبة وعيشة هنية، عبّر عنها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "إنّ في الدنيا جنة من لم يدخلها، لم يدخل جنة الآخرة!".


• حياة طيبة

إنّ جزاء امتثال النفس لأمر خالقها بالعمل الصالح أنه تعالى يُحييها حياة طيبة في هذه الحياة الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً..} [النحل]، قال ابن القيم رحمه الله: "والصواب أنها حياة القلب، ونعيمه وبهجته وسروره بالإيمان ومعرفة الله ومحبته والإنابة إليه والتوكُّل عليه، فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنَّة" [مدارج السالكين]، فهي إذن حياة القلب ورضاه، واطمئنان النفس وسكونها، بالتوكل على ربها في كل أمر يصيبها، والرضى بأقداره عليها أيا كانت، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، و إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) [رواه مسلم]، وهكذا يعيش أهل الإيمان هذه الحياة الراضية الهنية، لا يبالون بما في الدنيا من متاع حصلوا عليه أو مُنعوا منه، فالدنيا خارج قلوبهم لا داخلها، إلى الحد الذي وصفه التابعي إبراهيم بن أدهم رحمه الله فقال: "لو عَلِم الملوكُ وأبناءُ الملوك ما نحن فيه -أي: من الراحة النفسية- لجالَدُونا عليه بالسيوف" [البداية والنهاية]، وهذه الراحة تتفاوت فيها النفوس بتفاوت الإيمان والعمل الصالح بينها، فكلما زاد إيمان العبد بربه زادت راحته النفسية واطمأن قلبه، ومعلوم أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.


• معيشة ضنكى!

في المقابل، نجد نفوسا قد أكلتها هموم الدنيا، ونخرت قلوبها حسرات فواتها، وصار متاعها أكبر همّها ومبلغ جهدها، دون انتباه لزاد النفس الذي لا يستقر نهمها إلا به، ولا تشبع من ملذات الدنيا بدونه، فالنفس تحتاج إلى الإيمان والعمل الصالح كي تعيش حياة مستقرة، يستقر معها الجسد وتُكبح شهواته، ويقنع منها بالقليل الحلال، فالإنسان معلوم أنه روح وجسد، ولا ينفع ملء الروح بملذات الجسد، وإلّا فلن يشبع الجسد ولا الروح، وقد أخطأ أكثر بني آدم هذا، فراحوا يُشبعون أجسادهم بشتى الملذات طلبا للراحة النفسية، التي لن يجدوها دون الإيمان بالله حق الإيمان، فأعقبهم معيشة ضنكى دفعت كثيرا من طلاب الدنيا إلى أن يُنهوا حياتهم بقتل أنفسهم! نسأل الله السلامة والعافية، وكل ذلك، بسبب إعراضهم عن ذكر الله والإيمان به، قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ} [طه]، قال ابن كثير رحمه الله:" أي: في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعّم ظاهره، ولبس ما شاء وأكل ما شاء!، وسكن حيث شاء!، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة".• نماذج من الحياة الطيبة

وقد حكى ابن القيم عن شيخه ابن تيمية رحمهما الله: "قال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنَّتي وبستاني في صدري، أين رُحتُ فهي معي لا تفارقني، إنَّ حبسي خلْوة، وقَتْلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، ولما دخل إلى القلعة (سجن القلعة)، وصار داخل سُورها نظر إليه، وقال: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد]، وعَلِم الله ما رأيتُ أحدًا أطيب عيشًا منه قطُّ، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسَرِّهم نفْسًا، تَلُوح نَضْرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منَّا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه فما هو إلَّا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كلُّه، وينقلب انشراحًا وقوَّة ويقينًا وطمأنينة، فسُبحان مَن أشهد عباده جنَّته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطِيبها ما استفرغ قُوَاهم لطلبها والمسابقة إليها" [الوابل الصيب]، وقال في مدراج السالكين: "قال بعض العارفين: إنه لَيَمرُّ بالقلب أوقات أقول: إنْ كان أهل الجنة في مثل هذا إنَّهم لَفِي عيش طيِّب!، وقال بعض المحبِّين: مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطْيَب ما فيها، قالوا: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبَّة الله والأُنْس به، والشوق إلى لقائه، والإقبال عليه، والإعراض عمَّا سواه".


• الجهاد يذهب الهم والغم

ذكرنا أن الله تعالى يُحيي من عمل صالحا من عباده حياة طيبة، ولما كان الجهاد ذروة سنام الأعمال الصالحة، كان للمجاهد من الحياة الطيبة والراحة النفسية ما ليس عند غيره، وكثيرا ما كنا نسمع المجاهدين وهم يرددون: "نحن في سعادة ما يعلم بها إلا الله عز وجل"، يقولون هذا، رغم ما يمرون به أحيانا من شظف العيش وقسوة الحال وتكالب الكفار عليهم، فالحال إذن كما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (جاهِدوا في سبيلِ الله، فإنَّ الجهادَ في سَبيلِ اللهِ بابٌ من أبوابِ الجنَّةِ، يُنجِّي اللهُ تباركَ وتعالى بهِ من الهمِّ والغمِّ) [الطبراني]، وفي ذلك وصية لكثير من شباب المسلمين الذين أكلت الهموم قلوبهم ومزقتهم الدنيا وشواغلها؛ أنْ هلمّوا إلى ساحات الجهاد والتحقوا بركب المجاهدين تسعدون في دنياكم وآخرتكم ويزل عنكم ما أنتم فيه من هموم وأكدار وضياع.

نسأل الله أن يجعلنا ممن آمن وعمل صالحا وجاهد في سبيله، إنه رحيم كريم مجيب.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 350
الخميس 6 محرم 1444 هـ
...المزيد

الشبيحة والهول! إن استغلال ورقة الهول ليس جديدا على الساحة، وهو قاسم مشترك استوت فيه الأطراف ...

الشبيحة والهول!


إن استغلال ورقة الهول ليس جديدا على الساحة، وهو قاسم مشترك استوت فيه الأطراف الكافرة الثلاثة؛ الإدارة الشيوعية والإدارة الثورية والحكومة الرافضية، فكل طرف يجذب هذه الورقة على النحو الذي يخدم مصالحه، فالإدارة الكردية استغلت الملف في تهديد خصومها واستجلاب الدعم الدولي لها، والنظام السوري استغل الملف لإثبات جدارته وتثبيت أوراق اعتماده في "مكافحة الإرهاب" لدى أسياده الصليبيين، أما الحكومة الرافضية فهي تستغل الملف بشكل خاص في تصفية حساباتها مع من مرّغوا أنفها في التراب وكشفوا للعالم سوءة جيشها الرافضي بغير غطاء الطيران الأمريكي.



• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ العدد "532"
"الشبيحة والهول!"
...المزيد

الرياء سارق الثواب [1] • الرياء... سارق الثواب ومُحبط الأعمال أخي المجاهد في سبيل ...

الرياء سارق الثواب [1]


• الرياء... سارق الثواب ومُحبط الأعمال


أخي المجاهد في سبيل الله..

يا من تُرخِصُ نفسَك في مَيدانِ الجهادِ؛ احذر خطرًا خفيًّا يُقال له "الرياء"، فإنه أدهى من سَهمٍ في الظلامِ، وأمرُّ من سُمًّ في زُلالٍ يُشرب.

الرياءُ هو أن تُقاتلَ لتُرى بطلًا، لا لِتكون عند اللهِ عبدًا صادقًا، أن ترفع السيفَ ليقولَ الناسُ "شجاع"، لا لتعلو كلمةُ اللهِ في الأرضِ شامخة،
أن تُصيبَ الغنيمةَ من وراءِ القتال لا أن تُصيبَ رضوانَ اللهِ عز وجل.

یا مجاهدًا تشقى في الليالي وتُتعبُ الجسد؛ إن خالطَ قلبَك ذرةٌ من رياءٍ ذهبَ عرقُك هباءً، وابتعدَ النصرُ، وأمسى عملُك كرمادٍ اشتدت به الريحُ في يومٍ عاصف، لأن اللهَ عز وجل لا يقبلُ من العملِ إلا ما كان خالصًا لوجهِه الكريم، قال تعالى:{ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [سورة الكهف 110].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم محذِّراً: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ». قيلَ: وما الشركُ الأصغر؟ قال: «الرياء». (رواه الإمامُ أحمدُ في المسند).الرياء سارق الثواب [2]


• الرياء... سارق الثواب ومُحبط الأعمال


الرياءُ يُضعفُ العزيمةَ ويوهِنُ القلوب، فإذا اشتدتِ الكرَّةُ وحُزبَ الأمرُ يتذكرُ المرائي مدحَ الناسِ لا ثوابَ الله، فيتزعزعُ إيمانُهُ وتخورُ قوتُه، ويُصبحُ كالجسدِ الخاوي من روحِ الإخلاص.

أما المخلصُ فإنه كالجبلُ الأشم، لا تزعزِعُه صعبةٌ ولا ترديْه نكبة، لأن سرَّ قوتِه من الله، وسلاحَه التوكلُ ودرعَه الإخلاص، يقاتلُ وقلبُه أشواقٌ إلى الجنة، ورؤيةُ وجهِ الكريم سلوى كلَّ تعب.

فيا أخا الإسلام طهر نيتَك قبل تطهير سيفِك، وأخلص لله قبلَ أن تَخلُصَ إلى المعركة، اجعل عينَ الغيبِ أعظمَ في قلبِك من عينِ الحاضرين، واعلم أن الله يراك حيثُما كنت فلا تُرائِهِ بما يراهُ منك، وتذكر دائمًا أن الجهادَ بالنيةِ أصلُه، وأن القليلَ المخلِصَ أعظمُ عند اللهِ من الكثيرِ المرائي، فلتكن نُصرةُ الدين همَّك، ولا تجعلْ للناسِ من عملك نصيبًا.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميعُ العليم، وتب علينا إنك أنت التوابُ
...المزيد

الباب السابع: وعيد من ترك الجهاد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهِ عَنْهُ قَالَ: قَالَ ...

الباب السابع: وعيد من ترك الجهاد


عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهِ عَنْهُ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: « مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقِ». رواه مسلم.

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الباهلي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ لَمْ يَغْرُ أَوْ يُجَهِّز غَازِيًا، أَوْ يَخْلُفْ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، أَصَابَهُ الله سُبْحَانَهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ». رواه أبو داود.

- من كتاب الأربعون في الجهاد والاستشهاد
...المزيد

المغزى من الحياة أخي المسلم؛ عِش لله، أحِبَّ الله واسع لإرضاء الله. إن المغزى من الحياة ليس ...

المغزى من الحياة

أخي المسلم؛ عِش لله، أحِبَّ الله واسع لإرضاء الله.

إن المغزى من الحياة ليس الاستمتاع والتلذذ بشهواتها، ولا قضاؤها غرقًا في زينة الدنيا؛ فإن الله عز وجل خلقنا لنذكره ونعبده، وليختبر إيماننا ويمتحننا؛ فعلى المتقي أن يعيش لله، فيجعل في كل شهيق تسبيحة، وفي كل زفير تهليلة، فلا يترك فراغًا من وقته إلا ملأه بالعبادات.

وإن المؤمن يحب الله أكثر من أي شيء آخر، ويضحي في سبيله بالغالي والنفيس فيمنحه ذلك إيمانًا راسخًا بقضاء الله وقدره، وشجاعةً تمكنه وتيسّر له المضي قدمًا؛ فيمضي للجهاد لا يدركه مدرك، ويفتح الله عليه ويرزقه من حيث لا يحتسب، ويكرمه ويزيده من فضله.

فعلى من أراد الهدى أن يسعى دائمًا وأبدًا لإرضاء الله دون غيره؛ فمحاولة إرضاء الناس أو النفس الطماعة هدف قاصر لا يبلغ الغاية، وإن السعي في سبيل الله برهان الهداية، لأنه في النهاية لن ينفع العبد إلا صالح أعماله، ولن يفيده رضا فلان أو رضا سلطان، وإنما رضا الواحد الأحد؛ فإن رضي عنه وأحبّه لم ير بعد ذلك إلا خيرًا بإذن الله.

فمن سلك الطريق الصحيح فليُكمل، ومن أخطأ فليتب وليبدأ صفحة جديدة، وليصدق النية ويتوكل على الله، فهو ولي التوفيق.معادلة لا تحابي


وبقدر ما يُرسّخ المسلم قواعد انطلاقه العقدية المنهجية ويُحكم وثاقها بحبل الله المتين؛ بقدر ما يثبت على هذا الطريق ويكون انحيازه لمعسكر التوحيد، وبقدر ما يفرّط في ذلك ويتهاون -ولو بالقليل-؛ بقدر ما يتردى في دركات الجاهلية بمرور الأيام حتى يجد نفسه في نهاية المطاف جنديا في معسكر الطاغوت، معادلة لا تخطئ ولا تحابي.


• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ العدد 530
"معضلة المشروع الكردي"
...المزيد

شبيحة الجولاني وحاليا تعكف جهات أمنية تابعة للنظام، عبر منصات غير رسمية على بث حالة من ...

شبيحة الجولاني



وحاليا تعكف جهات أمنية تابعة للنظام، عبر منصات غير رسمية على بث حالة من التضليل الإعلامي المتعمد، بهدف حجب أنظار الناس عن سلوك شبيحة الجولاني في التعامل مع مخيم الهول؛ من خلال تسليط الضوء على بعض السجون والمخيمات الخاضعة للحكومة الرافضية في هذا الوقت بالذات، ليس حبا بأسرى المسلمين هناك بل استغلالا لمعاناتهم في تخفيف الضغط الإعلامي عن نظامهم السوري!

فهؤلاء الكفرة الفجرة لم يكتفوا بالتورط في تأييد وتشييد النظام المرتد في حربه على الإسلام، بل تعدوا ذلك إلى المتاجرة بأعراض المسلمين واتخاذها ورقة لابتزاز المجاهدين تارة، وتارة أخرى لصرف الأنظار عن ممارسات نظامهم الهمجي الذي يُحكم قبضته على الأسر المكلومة في الهول.


• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ العدد "532"
"الشبيحة والهول!"
...المزيد

لِبَاسُ الرَّجْلِ المُسلِم (1) عدم التشبُّه بالكفار في اللباس والزينة: عَنِ ابْنِ عُمَرَ ...

لِبَاسُ الرَّجْلِ المُسلِم

(1) عدم التشبُّه بالكفار في اللباس والزينة:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : (بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَتِ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ) [أخرجه أحمد].

(2) عدم التشبُّه بالنساء في اللباس والزينة:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اللهِ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ) [أخرجه البخاري].

(3) عدم لبس لباس شُهرة:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : (مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا، أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والبيهقي].
وعَنْ أَبِي ذَرِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ، أَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى يَضَعَهُ مَتَى وَضَعَهُ)[أخرجه ابن ماجه والبيهقي، وفي إسناده العباس بن يزيد مختلف فيها].

ولباس الشهرة: هو الإفراط أو التفريط في اللباس من حيث البذاذة أو الشرف، فقد رُوي عن هارون بن كِنَانَة مُرْسَلًا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الشهرتين: أن تُلبس الثياب الحسنة التي يُنظر إليه فيها، أو الدنيئة أو الرثَّة التي يُنظر إليه فيها.

وقال عمرو بن الحارث: بلغني أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أَمْرًا بَيْنَ أَمْرَيْن وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطْهَا).

وعند الطبراني عن أبي يعفور قال: سمعتُ ابنَ عمر وسأله رجل: ما ألبس من الثياب؟ قال: "ما لا يَزْدَرِيكَ فيه السفهاء، ولا يعيبك به الحكماء"، قال ما هو؟ قال: "ما بين الخمسة دراهم إلى العشرين درهما".سلسلة الاجتهاد في الطاعات (5)

خامسًا: ورد القرآن

كتاب الله -عز وجل- هو منارة كل مهتدي، وبدونه يضيع المسلم ويغرق في شهوات الدنيا وملذاتها، فعلى المسلم أن يجعل لنفسه من القرآن وردًا، فهو غذاء روح كل مسلم ومسلمة، وهو رفيق الدرب، ومُجلي الأحزان ومُذهب الهموم، وشفاء كل مغموم، وهو شفيع قارئه يوم القيامة.

إن أهل القرآن هم أهل الله وخاصته؛ يتلون آياته ويعملون بها، فليس شيء أحب للمسلم من التقرب إلى الله عز وجل، والقرآن خير سبيل لذلك، وهو خيرٌ من علوم الدنيا وما فيها، قال تعالى: { إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا } [الإسراء: 9].
...المزيد

قيام الليل.. أجرٌ وعون إن لله عبادًا يسابقون في الخيرات، أنيسهم في ذكره، وراحتهم في قربه، ...

قيام الليل.. أجرٌ وعون


إن لله عبادًا يسابقون في الخيرات، أنيسهم في ذكره، وراحتهم في قربه، ولذتهم في مناجاته، إذا جنّ عليهم الليل، ونام الغافلون في هدأته، صفّوا أقدامهم وقاموا بين يدي مولاهم، فتراهم سُجّدًا وقيامًا، خوفًا من عذاب ربهم وطمعًا في جنته، تجافت جنوبهم عن مضاجعهم، فلا ينعمون بها وقد علموا أن ربهم -جلّ في علاه- ينزل كلّ ليلة إلى السماء الدنيا، ويقول: (من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرُني فأغفر له؟) [البخاري]، ففارق النومُ عيونَهم، وأسهروا ليلهم، تركوا الدنيا وهجروها، وابتعدوا عن اللذات وجانبوها، وطردوا الشهوات وفارقوها، جعلوا الليل ستارًا لهم يتقربون فيه إلى ربهم، فكانوا كما وصفهم سبحانه: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا}، قال ابن كثير: "يعني بذلك قيام الليل، وترك النوم والاضطجاع على الفرش الوطيئة".


• فضل قيام الليل في القرآن

إنّ لقيام الليل فضائل عظيمة قد ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز، ووصف المحافظين عليه، بأنهم من أهل العلم والألباب فقال سبحانه عنهم: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر]، وعدّ الله تعالى القيام مِن صفات عباد الرحمن فقال سبحانه: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}، قال الطبري: "والذين يبيتون لربهم يصلون لله، يراوحون بين سجود في صلاتهم وقيام".

ورغّب الله تعالى عباده المؤمنين في هذا الفضل العظيم، وشوّقهم إليه في آياته، ووصفهم بالمتقين المحسنين، فقال سبحانه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، قال مجاهد -رحمه الله-: "قليل ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون" [الطبري]، وقال تعالى واصفًا أحوالهم وما أعدّه لهم: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، فأي فضل هذا الذي يمتدح فيه العظيم الجليل سبحانه أهل القيام ليجزيهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.


• فضل قيام الليل في السُّنة

وقد جاء في السنة النبوية أحاديث كثيرة تدل على فضل هذه العبادة العظيمة، التي حثّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه عليها، وشحذ هممهم لكي ينالوا فضلها، ويظفروا بأجرها، ومن ذلك ما رواه سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل)، قال سالم: "فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً" [متفق عليه]، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قالَ لي رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (يا عبد الله، لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل، فترك قيام الليل!) [البخاري]، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أفضل الصيام، بعد رمضان، شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل) [مسلم]، بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحرص على هذه العبادة حتى وإن تعذّر ذلك في ليله، فيقضيه في النهار، لحديث عائشة -رضي الله عنها-: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا فاتتْه الصّلاة من اللّيل من وجع، أو غيره، صلّى من النّهار ثنتي عشرة ركعة" [مسلم].• حتى تتفطر قدماه!

إن الرفعة والعزة التي ينالها العبد في الدنيا لا تأتي بالتمني والخمول، بل لا بد من بذل الجهد وجهاد النفس وتقويمها وترويضها على طاعة الله سبحانه، ومصابرتها وأطرها على ذلك حتى تستطيع تحمل التكاليف والأوامر الربانية، لذلك أمر ربنا -تبارك وتعالى- نبيه -صلى الله عليه وسلم- بقيام الليل في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا}، قال ابن كثير في تفسيره: "يأمر تعالى رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يترك التّزمّل، وهو: التّغطّي في اللّيل، وينهض إلى القيام لربّه عزّ وجلّ، والمقصود أنّ قيام اللّيل هو أشدّ مواطأة بين القلب واللّسان، وأجمع على التّلاوة؛ ولهذا قال: {هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} أي: أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهّمها من قيام النّهار؛ لأنّه وقت انتشار النّاس ولغط الأصوات وأوقات المعاش".

وقد كانَ النبي -صلى الله عليه وسلم- یقوم من اللّيل حتّى تتفطّر قدماه، فقالت عائشة: "لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟" قال: (أفلا أحبّ أن أكون عبدا شكورا)" [البخاري]، فنال بذلك المنزلة العظيمة والمقام المحمود، لقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإسراء].


• طبقات السلف في قيام الليل

وذكر ابن الجوزي -رحمه الله- أحوال السلف في قيام الليل وطبقاتهم في ذلك فقال: "واعلم أنّ السّلف كانوا في قيام اللّيل على سبع طبقات؛ الطّبقة الأولى: كانوا يحيون كلّ اللّيل، وفيهم من كان يصلّي الصّبح بوضوء العشاء، الطّبقة الثّانية: كانوا يقومون شطر اللّيل، الطّبقة الثّالثة: كانوا يقومون ثلث اللّيل، وفي الصّحيحين من حديث عبد الله بن عمر عن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: (أحبّ الصّلاة إلى الله عزّ وجلّ صلاة داود، كان ينام نصف اللّيل ويقوم ثلثه، وينام سدسه)، الطّبقة الرّابعة: كانوا يقومون سدس اللّيل أو خمسه، الطّبقة الخامسة: كانوا لا يراعون التّقدير، وإنّما كان أحدهم يقوم إلى أن يغلبه النّوم فينام، فإذا انتبه قام، قال سفيان الثّوريّ: إنّما هي أوّل نومة فإذا انتبهت فلا أقيلها، الطّبقة السّادسة: قوم كانوا يصلّون من اللّيل أربع ركعات أو ركعتين، الطّبقة السّابعة: قوم يحيون ما بين العشاءين -يعني المغرب والعشاء- ويصلّون في السّحر، فيجمعون بين الطّرفين". [التبصرة]

فإذا عرفت أخي المجاهد فضل قيام الليل وشرفه، وحرص النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته عليه، وطبقات السلف وتنافسهم فيه، ورمتَ أن تكون مثلهم وتسلك دربهم، فانهل من معينهم وقمْ لربك كما قاموا، ودع عنك النوم والرقاد، واسجد واقترب، فهو عونك على نوائب الدهر، ونجاتك يوم العرض الأكبر، فهنيئا لمن اغتنم أوقاته بالقيام، وتقرب إلى ربه بالمناجاة في جنح الظلام، شوقا إليه سبحانه، ورغبة فيما عنده، والله الموفق والمستعان وعليه التكلان.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 352
الخميس 20 محرم 1444 هـ
...المزيد

قصة شهيد - أبو الزبير العسكري • أبو الزبير العسكري فارس الهيجاء عندما دخلت أمريكا ...

قصة شهيد - أبو الزبير العسكري



• أبو الزبير العسكري فارس الهيجاء

عندما دخلت أمريكا الصليبية أرض الرافدين، هبّ أبناء الإسلام لجهادها والتصدي لها، وأثبتوا للعالم أجمع أنّ لهذا الدين رجالاً يذودون عنه وينافحون عن بيضته، فمرّغوا أنوف الصليبيين في التراب، وسطّروا في كل بقعة ملحمة فداء، وفي كل منطقة قصة عطاء، وكان من أشهر المناطق التي انتشر فيها الجهاد انتشارا واسعا؛ مدينة الموصل بشمالها وجنوبها، وقد برز من هذه المناطق جنود وقادة شجعان، أذاقوا أعداء الله كؤوس الذلّ والهوان، ورسموا الطريق بدمائهم وأشلائهم لمن بعدهم؛ وكان من هؤلاء فارسنا المغوار أبو الزبير الأنصاري -تقبله الله تعالى-، علمٌ من أعلام ولاية دجلة، وأسدٌ من أُسود الإسلام فيها، حمل بين جوانبه معاني العزة والرجولة، ولمعت في عينيه عزة الجهاد.


• نشأته في بيئة جهادية

وُلد أبو الزبير في قرية (إمام غربي) جنوبي الموصل عام 1416 هـ، وتربّى في بيئة تحب الجهاد والمجاهدين، فوالده كان من السابقين إلى تلبية النداء، وهو ما أعان أبا الزبير على الالتحاق بركب الجهاد وهو لم يكن قد تجاوز الثانية عشر من عمره بعد، وحينها لم يُقبل في المعسكرات لصغر سنّه، لكن بعد إلحاحٍ شديد منه عرَضَه والده على أحد قادة المفارز الأمنية في منطقته، والذي رأى منه حرصا وفطنة تؤهله لبعض المهام، فقبله وأوكل إليه مهمة رصد بعض الأهداف وتصويرها، فبرع فيها على أكمل وجه، ولم يكن لأبي الزبير همّ سوى جهاد أعداء الملة والدين، فظلّ يقارعهم إلى أن ابتلاه الله بالأسر على أيديهم، فثبت داخل الأسر إلى أن فرّج الله عنه، ليعود إلى ميدان الجهاد مجددا ويستمر فيه حتى أُسر مرة أخرى، فمكث فيه مدة ثم خرج بفضل الله تعالى، وعندها قرر ترك الأهل والديار وأصبح مطاردا في سبيل الله، واستمر في ذلك حتى فتح الله لعباده المجاهدين في العراق.


• بعد الفتح المبين

وبعد أن منّ الله على الدولة الإسلامية بالفتح المبين، رجع إلى موطن صباه في ولاية دجلة، وبقي يتنقل فيها بين الدعوة والجهاد، مقاتلا لأعداء الله تارة، وداعية إلى الله تارة أخرى، حيث كان يطوف مع القوافل الدعوية لِما كان يمتلكه من صوت شجي، وكان دائما يحرض المسلمين على الجهاد ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فهدى الله على يديه ثلة من الشباب للالتحاق بالمجاهدين.

وبعد أن تزوج ورزقه الله بالزبير، لم يشغله ذلك عن مواصلة فريضة الجهاد، بل خاض بعدها غمار أشرس المعارك في (بيجي) وقرى (مخمور) و(النصر) و(خربردان) و(كديلة) و(الصلاحية) و(مهانة) و(كرمردي)، بل سجّل اسمه في مواكب النور لتنفيذ عملية استشهادية، وقد حاول أميره أن يردّ طلبه لحاجة إخوانه إليه في الميدان؛ لِما تمتع به من الحنكة العسكرية والشجاعة والخبرة في القتال، لكنّ أبا الزبير أصرّ على موقفه، وعندما تقدمت قوات الرافضة والبيشمركة نحو قرى (الحاج علي)، ركب أبو الزبير سيارته المحمّلة بالمتفجرات وانطلق بها نحو هدفه، وفي الطريق قدّر الله أن تتعطل السيارة وتتوقف عن السير؛ ليعود فارسُنا إلى إخوانه حزينا لعدم تمكنه من تنفيذ العملية، لكنه لم ييأس من طلب الموت في مظانه حيث التحق هذه المرة بكتيبة الانغماسيين، وقدر الله له أن يصاب ويذهب إلى مدينة الموصل للعلاج، وفي أثناء فترة علاجه قطع المرتدون الطريق بين ولاية كركوك وقسم من ولاية دجلة عن ولاية نينوى، وبعدها عاد أبو الزبير إلى ولاية دجلة وكُلّف بإنشاء مفرزة أمنية للعمل داخل القرى التي سيطر عليها المرتدون، وتحديدا قرية (إمام غربي) مسقط رأسه والقرى المجاورة لها.


• أبو الزبير في معركة (إمام غربي)

وبعد مدّة قصيرة من تأسيس المفرزة وتنفيذها عدة عمليات أمنية في المنطقة، بدأ أبو الزبير يخطط لغزو المرتدين في قرية (إمام غربي)، وكانت خطة الغزوة أن يتسلل هو برفقة مجموعة من المجاهدين إلى وسط القرية وينقسموا إلى قسمين: قسم يقوم بتفخيخ الطرقات، والقسم الآخر يدخل مسجدين في وسط القرية للتكبير وإعلان السيطرة لإرباك العدو، بينما تقوم مفرزة أخرى خارج القرية بالاشتباك مع ثكنات المرتدين، وبالفعل بدأت الاشتباكات وبعد مرور عشر دقائق، بدأ أبو الزبير ومن معه بالرمي وسط القرية والتكبير والإعلان عبر مكبرات المسجدين أنهم سيطروا على القرية ودعوا الأهالي إلى عدم الخروج لأن الطرق مفخخة، وعندها أسقط في أيدي المرتدين وظنوا أن جيوش المجاهدين قد داهمت القرية فولّوا هاربين وسيطر المجاهدون على القرية في نصف ساعة فقط بفضل الله تعالى، وحدثت مقتلة كبيرة في الجيش الرافضي والحشد العشائري، فهلك في هذه الغزوة أكثر من خمسين عنصرا من الجيش الرافضي والحشد العشائري، وأحرق المجاهدون عددا من آليات المرتدين وفجروا بعض بيوتهم قبل أن ينحازوا منها لاحقا، ليضطر المرتدون إلى تشديد التحصينات حول القرية وإضافة ثكنات أخرى، ومع ذلك تمكّن أبو الزبير من إدخال أحد الانغماسيين إلى القرية، ليفجّر سترته الناسفة داخل أكبر مقر للحشد العشائري فيها.• قائدا للواء (أبو موسى الأشعري)

انتقل أبو الزبير بعد ذلك إلى إخوانه في لواء (أبو موسى الأشعري) في ولاية دجلة؛ حيث شارك في أغلب معارك اللواء ضد المرتدين، وأهمها معركة (كنعوص)، التي كانت معركة طاحنة حاول فيها المرتدون التقدم نحو مواقع المجاهدين، فكان له دور كبير في صدّ الهجوم برفقة إخوانه، حيث كُلّف قائدا للمجاهدين في قريتي (كنعوص) و(شريعة)، وقام بتكثيف الغزوات على الثكنات في محيط (كنعوص) حتى أجبر المرتدين على الانسحاب من أطراف القرية، ثم كُلّف قائدا عسكريّا عامّا للواء (أبو موسى الأشعري)، فقاد الكثير من الغزوات في جبال (مكحول) و(الخانوكة)، وقاد غزوة (الشرقاط الثانية)، وشارك في غزوة قرية (الحورية) وغزوة قرية (الناهية) وغيرها.

معركة (إمام غربي) الثانية بعد حصار الموصل

وعندما اشتد الحصار الخانق على المسلمين في الموصل، واستخدم التحالف الصليبي مختلف أنواع الأسلحة لإبادة النساء والأطفال والشيوخ، ولم يبقَ إلا منطقة صغيرة في مدينة الموصل القديمة، قرر المجاهدون شنّ غزوة من عدة محاور على مواقع المرتدين غرب نهر دجلة، وكان الأخ أبو الزبير قائدا لهذه الغزوة، وقُسّمت المحاور والمهام، وقاد هو محور الهجوم على قرية (إمام غربي)، وقد نجحت مجموعة أبو الزبير في اختراق تحصينات العدو في القرية رغم كثرة الثكنات المنتشرة، والعدد والعدة القليلة لدى المجاهدين، فقد عبروا نهر دجلة نحو مواقع المرتدين بالأسلحة الخفيفة فقط، ودارت معركة طاحنة بين جنود الرحمن وجنود الشيطان، جُرح فيها العديد من رفقاء أبي الزبير، ولم يبق معه سوى ثلاثة عشر مجاهدا بينهم جرحى يتحصنون في ثلاثة بيوت بأطراف القرية.

تزامن ذلك مع وصول تعزيزات جديدة للمرتدين، واستمرت الاشتباكات بين الطرفين وواصل أبو الزبير وإخوانه الليل والنهار، ولم يفتّ ذلك في عضدهم رغم ما بهم من جراح، وعند غروب الشمس بدأ المرتدون بالتزعزع وخارت قواهم، فاستغل الفرصة القائد الهمام أبو الزبير وأمر بالهجوم على المرتدين الذين كانوا قبل قليل يحاصرونهم، حتى فتح الله القرية على يد هذه الثلة القليلة من المجاهدين، وتم قطع الطريق الرابط بين مدينتي (الشرقاط) و(القيارة) على المرتدين لأكثر من عشرين يوما، كان بطلنا الهمام خلالها يصول ويجول بين المحاور في أطراف القرية يقاتل أعداء الله، ثم حشد المرتدون حشودا كثيرة لاستعادة القرية، فهاجموا المجاهدين من أربعة محاور، وظلوا عاجزين عن دخول القرية حتى استعانوا بأسيادهم الصليبيين جوّا وبرّا، وقد خسر المرتدون في هذه الغزوة أكثر من 300 قتيل و 11 أسيرا، والكثير من آلياتهم.


• فداؤه لإخوانه المحاصرين 6 مدرعات مقابل 5 مجاهدين!

ومن المواقف الفريدة خلال هذه المعركة، والتي تدل على شجاعة أبي الزبير وفدائه لإخوانه، ما وقع عندما سيطر المرتدون على سلسلة جبال (نجمة) ونشروا القناصات عليها، ثم تقدّموا بدورية مكونة من ستّ مدرعات محمّلة بالجنود، وحاصروا خمسة مجاهدين كانوا يرابطون في بيوت قرب الجبال، وعندها اندلعت اشتباكات عنيفة حتى شارفت ذخيرة المجاهدين الخمسة على النفاد، ولم يستطيعوا الانسحاب كونهم محاصرين في منطقة مكشوفة، فطلبوا المعونة من إخوانهم عبر أجهزة اللاسلكي، فسمع الأسد أبو الزبير نداء إخوانه فتوجه إليهم فورا بعد أن أمر إخوانه الذين كانوا معه بعدم اللحاق به حفاظا عليهم، لأنها كانت مجازفة كبيرة في منطقة مكشوفة وساقطة ناريًا، فانغمس أبو الزبير في صفوف أعداء الله وانطلق مسرعا تحت أزيز الرصاص وقذائف الهاون حتى وصل إلى آليات المرتدين بالقرب من إخوانه المحاصرين وأمام أنظارهم، واشتبك مع المرتدين بمفرده مقابل ستّ مدرعات، فحرّكت هذه الشجاعة الروح القتالية لدى الإخوة المحاصرين فهاجموا آليات المرتدين واشتبكوا معهم بشراسة عالية فقتلوا وجرحوا عددا منهم، وأعطبوا عربة (همر) فاضطر المرتدون إلى الانسحاب من المكان، وأصيب أبو الزبير بطلقة في ساقه خلال الاشتباكات، ومع ذلك استطاع الانحياز بإخوانه إلى داخل القرية بسلام.


• مقبلا غير مدبر

وفي نفس القرية (إمام غربي) تقدم المرتدون من أحد المحاور تحت غطاء جوي كثيف من طائرات التحالف الصليبي، فانبرى لهم كالعادة أبو الزبير وإخوانه الأبطال، واشتبكوا مع قوات العدو وصدوا تقدمهم وأحرقوا ثلاث آليات لهم، لكن الله تعالى قدّر هذه المرة لهذا الفارس أن يترجل عن جواده، فقتل بغارة صليبية وهو يقارع المرتدين، مقبلا غير مدبر -نحسبه كذلك ولا نزكيه-، لتتناثر أشلاؤه على أرض هذه القرية التي كانت شاهدة على صولاته وجولاته؛ مجاهدا منكّلا بالمرتدين، مجاهدا آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، لتنتهي قصة هذا الهمام وتبقى العبرة والأثر والقدوة لكل السائرين على خطاه، فرحم الله أبا الزبير وإخوانه وأسكنهم الفردوس الأعلى.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 352
الخميس 20 محرم 1444 هـ
...المزيد

ويحكم أين يُذهب بعقولكم؟ في جزيرة العرب عصفت الردة فأوقعت بكثير منهم، ولمّا أُعملت سيوف ...

ويحكم أين يُذهب بعقولكم؟


في جزيرة العرب عصفت الردة فأوقعت بكثير منهم، ولمّا أُعملت سيوف التوحيد في رقاب أعداء الله المرتدين، عاد بعضهم إلى رشده، فقدمت منهم وفودٌ إلى الصدّيق -رضي الله عنه-، فسمع منهم بعض خرافات مسيلمة الكذّاب، فقال لهم موبّخا على ما أهلكوا أنفسهم به، واتبعوا رؤوس الردة: "ويحكم، أين كان يُذهب بعقولكم؟"، فقد أصاب عقولهم عَصْفُ الفتنة فاتبعوا مسيلمة وطليحة وسجاح وأشباههم، وتركوا وصية نبيهم -صلى الله عليه وسلم-، ودينه الذي لم يجفّ حبر تسطيره.

وتمر أزمان تشتد فيها عواصف الفتن حتى كان زماننا أشدها عصفا بترك حكم الله واتّباع أحكام الجاهلية، ويا عجبًا لمن ضلّ عن عظمة الشريعة، وعظمة من فرضها حكمًا بين عباده! لو دروا حكم مَن يأبون ويرفضون؟! إنه حكم الله العدل.

وحسبنا في هذه الشريعة أنها حكم الخالق سبحانه، أيُساوى حُكمه وقضاؤه بقضاء غيره من الطواغيت والأنداد؟! قد تعاظم سبحانه وعزّ، فما شيء إلا وهو خالقه ومُوجِده وقاهره، فتفرّد -وهو العليم- بالخلق، وتفرّد -وهو الخبير- بالأمر. إنه خلق آدم وبنيه فقال: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}، وأنزل لهم حكما ليحتكموا إليه فقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا}، فخلقه الأحسن، وحكمه الأحسن {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ}.

وحكمه سبحانه مِن علو وقهر قال جل وعلا: {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} يقول الطبري: "فالقضاء لله العلي على كل شيء، الكبير الذي كل شيء دونه متصاغرا له اليوم"، فمن تصاغر فليس مِن حقه التشريع، ومَن كان مخلوقا فليس من شأنه الحكم، {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}، إنهم يشرّعون من دون الله ابتغاء الحكمة، ويدَعون حكم خالق الحكمة سبحانه، وقد أُمر الناطق بالحكمة -صلى الله عليه وسلم- أن يقول: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا}، قال الطبري: "أي: قل: فليس لي أن أتعدَّى حكمه وأتجاوزه، لأنه لا حَكَم أعدل منه، ولا قائل أصدق منه {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} يعني القرآن، مبينًا فيه الحكم فيما تختصمون فيه من أمري وأمركم".

وإن صحّ عقل الإنسان فإنه لن يتخذ حكما إلا حكم الله، لقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، قال ابن كثير: "أي: ومَن أعدل من الله في حكمه لمن عَقل عن الله شرعه، وآمن به وأيقن وعلم أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء".

فكيف يطيب لفئام كثيرة تنتسب إلى الإسلام أن تظلّ تحت حكم البشر بالبرلمانات والمجالس الشركية، أو قرارات الطواغيت الخارجة عن حكم الشريعة؟!

إن تغيّر أحكام البشر وتعديلها بشكل مستمر، وعقد الجلسات للنظر في موادها، وتغيير المشرّعين الكافرين، كل فترة، دليل كافٍ على سفاهة هذه الأحكام والدساتير التي يحلفون على احترامها والقتال تحت رايتها.

قد كانت شرائع أخرى قبل هذه الشريعة الخاتمة، خيرا مِن هذه الأهواء والسخافات البشرية، ومع ذلك فلا يجوز الحكم بها، بعد إكرام البشرية بأحسن الشرائع وأيسرها.وأعطى الله الأنبياء السابقين شرائع لكنها مخصوصة بأقوامهم وأزمانهم، في حين جاءت شريعة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بما لم تأت به أي شريعة سابقة، فهي صالحة لكل الأقوام والأزمان، وفي أحكامها سعادة الروح والجسد، وهي التي لزمها أهل القرون المفضلة فصاروا بها سادة أعزة، دان لهم بها الشرق والغرب، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وكانوا مثالا عاليا للأمم، ولا يمكن أن يكون ذلك الحكم سببَ ضياع الناس، أو مصدر تراجع لهم، إنما هذه المزاعم هي من أباطيل الشياطين وأقاويل الجاحدين؛ لإضفاء الحُسن على قبيح شركهم وديمقراطيتهم ودساتيرهم العفنة.

وما مآل إقامة حكم الله وشريعته إلا العزة في الدنيا، وسلامة الدين والنجاة في الآخرة، وأما مآل حكم القوانين الكفرية، فالذلة وفساد الدين والدنيا، والهلاك في الآخرة.

إن بشرا يخطئ وينسى ويغفل وينام، لا يستحق أن يقف موقف المشرّع ليحلّل ويحرّم، أو يناقش في حكم مَن خلقه وسوّاه فعدله في أي صورة ما شاء ركّبه! فيساوي قولَه بقول خالقه، فضلا عن أن ينحّي حُكم الله ليأمر عباد الله بطاعة نفسه.

وما كان لمخلوق كان أعمى فبصّره الله، وأصما فأسْمعه الله، وجاهلا فعلّمه الله؛ أن يشرّع للناس شيئا ولا أن يرضى بتشريع أحد دون الله، قال الله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا} قال ابن كثير: "أي: أطلب ربا سواه، وهو رب كل شيء، يُرَبّنِي ويحفظني ويكلؤني ويدبر أمري، أي: لا أتوكل إلا عليه، ولا أنيب إلا إليه؛ لأنه رب كل شيء ومليكه، وله الخلق والأمر".

والحق كل الحق في حكم الله وقضائه، والعمل به والقتال في سبيله، والباطل فيما عداه، قال الله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، فأين العقول وأين يُذهب بها حين تختار الديمقراطية والوطنية والقومية وأحكام البشر وأهواءهم؟!

وقد عادت الشريعة وحكمها بقيام الدولة الإسلامية وسعيها المتواصل لإنقاذ الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام؛ ولتُلغى أحكام الدساتير وترهات السفهاء وقوانين الكفر من الصدور وتُمحى من الدور، ويعلو حكم الخالق سبحانه، ويظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 352
الخميس 20 محرم 1444 هـ
...المزيد

مقتطف من كلمة (هل أتاك حديث الرافضة) مقتطف من كلمة (هل أتاك حديث الرافضة) للشيخ المجاهد ...

مقتطف من كلمة (هل أتاك حديث الرافضة)



مقتطف من كلمة (هل أتاك حديث الرافضة)
للشيخ المجاهد أبي مصعب الزرقاوي -تقبله الله تعالى-


أولا: إنّ الرّفض دين يختلف تماما عن الإسلام الذي جاء به النّبي -صلّى الله عليه وسلّم-، ولا يمكن أن يلتقي معه في كثير من الفروع والأصول، كيف لا وكبار آياتهم وعلمائهم قد قعدوا لهم قاعدة في التّرجيح بين الأدلّة، إذا اختلفت عندهم أو تعارضت، بأنّ ما خالف قول أهل السّنة -ويسمّونهم العامّة-، هو القول الأقرب للصّواب، مستندين على روايات مكذوبة عندهم كأصل لهذه القاعدة التي تدلّ على مخالفة دينهم أصولا وفروعا لدين الإسلام من حيث منهج الحقّ.

ثانيا: إنّ دين الرّفض لم يقم أساسا ومنذ بداية ظهوره، وعلى مرّ الأزمان وحتّى أيّامنا هذه، إلا لغرض هدم الإسلام وبثّ الفتنة والفرقة بين المسلمين وتقويض دولة الإسلام، من خلال محاربة أهل السّنّة والجماعة، أعني بهم الجماعة الأولى التي استثناها الرّسول -صلى الله عليه وسلم- من الثّلاث والسّبعين فرقة بالنّجاة من النّار، ومن سار على نهجهم، وليس هذا كلاما مبالغا أو متوهّما، ولا هو منكرا من القول وزورا، بل هذا ما قرّره علماء السّلف والخلف.

فهو مخطّط دبّر بليل لم يقم من الأساس إلا لغرض هدم الدّين؛ من خلال أمرين هامّين:

الأوّل: التّشكيك في حقيقة هذا الدّين وزعزعة العقيدة، إمّا ببثّ الشبهات على مذهب أهل الحقّ والتي تشكّك في أصول هذا الدّين وتصدّ عنه بالكلّيّة، وإمّا بتحريف كثير من أصوله وفروعه ليكون دينا مسخا.

والأمر الثّاني: يتمثّل في الجانب السّياسيّ وذلك عن طريق زعزعة أركان الدّولة الإسلاميّة من الدّاخل والخارج على السّواء، فأمّا من الدّاخل فمن خلال استثارة الشّعب ولا سيّما ضعاف النّفوس وأصحاب المطامع وتحريضهم على الخروج على خليفة وإمام المسلمين، أو اغتياله بدعاوى وشبهات باطلة أو غير مسوّغة، وأمّا من الخارج فمن خلال التّعاون مع أعداء الدّين والتّحالف معهم، حتّى يتمكّنوا من إسقاط الدّولة الإسلاميّة.

وهذان الأمران هما المنهج والخطّة الأساسيّة التي قام عليهما دين الرّفض منذ بداية نشأته وتأسيسه على يد اليهوديّ المعروف عبد الله بن سبأ الذي لم يجد أفضل ولا أجدى من التّستّر بلباس التّشيّع، والتّشيّع بحبّ آل البيت بعد أن أظهر الإسلام وأبطن الكفر والدّسيسة لهذا الدّين.

ولما وجد أتباع هذا اليهوديّ أنّ هذا المنهج الذي رسمه ابن سبأ قد نجح في استقطاب أصحاب الهوى وتأليب الكثير من ضعاف النّفوس وأصحاب المطامع ضدّ أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وأرضاه، ولمّا وجدوه نجح في التّعاون مع أعداء الدّين من خارج عاصمة الخلافة وإثارة الفتن والشّبه حتى قتلوا الخليفة وفتنوا رعيّته.

ولما وجدوه نجح كذلك في التّفريق بين الصّحابة على أساس العصبيّة القبليّة التي جاء الدّين أساسا وقام على هدمها، يرومون فتنة آل البيت وفتنة النّاس بهم، وصدّ النّاس وتشكيكهم في مصداقيّة وأمانة نقلة الكتاب والسّنّة من الصّحابة رضوان الله عليهم، من خلال مناداتهم بموالاة بل بالمغالاة في آل البيت وإدّعاء العصمة فيهم، حتّى تطوّر الأمر فيهم إلى تأليه عليّ رضي الله عنه كما عند السّبأيّة!

أقول لما رأى أتباع ابن سبأ أنّه نجح في ذلك كلّه، استمرّ هؤلاء الأتباع في نفس السّيرة وعلى نفس المنهج الأوّل على مرّ الزّمان وإلى أيامنا هذه، ولقد أفاض علماء السّلف واستفاض في كتبهم بيان حقيقة الرّافضة وحقيقة دينهم.

ومن ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله في [منهاج السّنّة]: "والرّافضة ليس لهم سعي إلا في هدم الإسلام ونقض عراه وإفساد قواعده".

ثالثا: إنّ جمهرة من علماء السّلف رحمهم الله تعالى بيّنوا لنا القول الفصل في حكم الشّرع على الرّافضة، وهو القول بكفرهم ووجوب قتال من أظهر بدعته منهم خاصّة وإن كان بطائفة ممتنعة منهم، وفي تكفيرهم ووجوب قتالهم أدلّة من الكتاب والسّنّة.وممّا استفيض من أقوال السّلف في الحكم بكفرهم:

فممّا ورد عن الإمام أحمد رحمه الله، ما روى الخلال عن أبي بكر المروديّ، قال: "سألت أبا عبد الله عمّن يشتم أبا بكر وعمر وعائشة؟، قال: "ما أراه على الإسلام"، وقال الخلال: أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد، قال سمعت أبا عبد الله قال: "من شتم أخاف عليه الكفر مثل الرّوافض"، ثمّ قال: "من شتم أصحاب النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لا نأمن أن يكون قد مرق عن الدّين".

وجاء في كتاب [السّنّة] للإمام أحمد قوله عن الرّافضة، "هم الذين يتبرؤون من أصحاب محمّد -صلّى الله عليه وسلّم-، ويسبّونهم، وينتقصونهم، ويسبون الأئمّة إلا أربع، عليّا وعمّار والمقداد وسلمان، وليست الرّافضة من الإسلام في شيء".

وقال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في [خلق أفعال العباد]: "ما أبالي صلّيت خلف الجهميّ والرّافضيّ أم صلّيت خلف اليهود والنّصارى، ولا يسلّم عليهم، ولا يعادون، ولا يناكحون، ولا يشهّدون ولا تؤكل ذبائحهم".

وقال الإمام أحمد بن يونس، الذي قال عنه الإمام أحمد بن حنبل وهو يخاطب رجلا: "اخرج إلى أحمد بن يونس فإنّه شيخ الإسلام"، قال -أي الإمام أحمد بن يونس-: "لو أنّ يهوديّا ذبح شاة، وذبح رافضيّ لأكلت ذبيحة اليهوديّ، ولم آكل ذبيحة الرّافضيّ، لأنّه مرتدّ عن الإسلام".

وقال الإمام بن حزم رحمه الله تعالى في ردّه على النّصارى الذين يستدلّون بتحريف القرآن من أقوال الرّافضة: "وأمّا قولهم -يعني النّصارى- في دعوى الرّوافض تبديل القرآن، فإنّ الرّوافض ليسوا من المسلمين".

وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في الصّارم المسلول: "من زعم أنّ القرءان نقص منه آيات، أو كتمت، أو زعم أنّ له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة، فلا خلاف في كفرهم، ومن زعم أنّ الصّحابة ارتدّوا بعد رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر نفسا، أو أنّهم فسّقوا عامّتهم، فهذا لا ريب أيضا في كفره، لأنّه مكذّب لما نصّه القرءان في غير موضع من الرّضى عنهم، والثّناء عليهم. بل من يشكّ في كفر مثل هذا فإنّ كفره متعيّن، فإنّ مضمون هذه المقالة أنّ نقلة الكتاب والسّنّة كفّار أو فسّاق، وأنّ هذه الآية التي هي: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: ۱۱۰]، وخيرها هو القرن الأوّل كان عامّتهم كفّارا أو فسّاقا، ومضمونها أنّ هذه الأمّة شرّ الأمم، وأنّ سابقي هذه الأمّة هم شرارها، وكفر هذا ممّا يعلم بالاضطرار من دين الإسلام".

وقال أيضا عن الرّافضة: "إنّهم شرّ من عامّة أهل الأهواء، وأحقّ بالقتال من الخوارج".

وقال الإمام السّمعانيّ رحمه الله في الأنساب: "واجتمعت الأمّة على تكفير الإماميّة لأنّهم يعتقدون تضليل الصّحابة، وينكرون إجماعهم، وينسبونهم إلى ما لا يليق بهم".



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 351
الخميس 13 محرم 1444 هـ
...المزيد

حُسن العشرة بين المسلمين خلق اللهُ سبحانه وتعالى الخلْق مِن نفس واحدة هو آدم -عليه السلام-، ...

حُسن العشرة بين المسلمين


خلق اللهُ سبحانه وتعالى الخلْق مِن نفس واحدة هو آدم -عليه السلام-، وجعلهم على ملة واحدة هي الإسلام وأبطل ما سواه مِن الأديان، وحدّد الله تعالى للمسلمين شكل العلاقة فيما بينهم، فأمر أن تقوم على حسن المعاشرة والمعاملة، فهي مِن مكارم الأخلاق التي بُعث النبي -صلى الله عليه وسلم- لإتمامها، والتي لا بدّ للمسلم أن يتحلى بها في علاقاته ومعاملاته مع سائر إخوانه، فبها تلين قلوبهم، وتقوى علائقهم فيما بينهم، فتكون عونًا لهم على مواصلة طريق الإيمان، كما قال ابن حزم في رسائله: "مَن طلب الفضائل لم يساير إلا أهلها، ولم يرافق في تلك الطريق إلا أكرم صديق: مِن أهل المواساة والبر والصدق وكرم العشرة، والصبر والوفاء والأمانة والحلم، وصفاء الضمائر وصحة المودة".


• حثّ الإسلام على حسن العشرة

ولو تأملنا كتاب ربنا -سبحانه وتعالى- وسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم-، لوجدنا الكثير من الآيات والأحاديث التي تحث المسلمين على حسن العشرة فيما بينهم بالأقوال والأفعال، ومِن ذلك قوله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} [الإسراء]، قال ابن كثير: "يأمر تعالى رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة، فإنهم إذ لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة" [تفسير ابن كثير].

وشمل الخطاب بحسن العشرة بين المسلمين كل جوانب الحياة، الخاصة منها والعامة، وخصوصا الوالدين، فقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء].

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ ولا يحقره، التقوى ها هنا -وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَثَ مَرَّاتٍ-، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضِه).

بل إن الله تعالى أمر بحسن العشرة بين المسلمين في أدق تفاصيل حياتهم على صعيد البيت والأسرة، فأمر بحسن معاشرة الزوج لزوجته، فقال سبحانه: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء]، قال ابن كثير: "أَيْ: طيِّبُوا أَقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وحَسّنُوا أَفْعَالَكُمْ وَهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ، كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا، فَافْعَلْ أَنْتَ بِهَا مِثْلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُم لأهْلي)، وَكَانَ مِنْ أَخْلَاقِهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ جَمِيل العِشْرَة دَائِمُ البِشْرِ، يُداعِبُ أهلَه، ويَتَلَطَّفُ بِهِمْ، ويُوسِّعُهُم نَفَقَته، ويُضاحِك نساءَه" [تفسير ابن كثير].


• خُلق النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته

ولقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- مع علوّ قدره ورفعة منزلته عند الله تعالى؛ حسن العشرة مع أصحابه وأهله وسائر المسلمين، وقد مدحه الله على ذلك فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران]، قال أهل التفسير: "أي: برحمة الله لك ولأصحابك، منَّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك".

وقد أمرنا الله تعالى بالاقتداء به والتأسي بهديه -صلى الله عليه وسلم-، وكان من حسن عشرته ما قاله ابن القيم -رحمه الله- واصفا إيّاه: "كان -صلى الله عليه وسلم- يخصف نعله، ويرفع ثوبه، ويحلب الشاة لأهله، ويعلف البعير، ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى أيسر شيء!، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- هيّن المؤونة، لين الخلق، كريم الطبع، جميل المعاشرة، طلق الوجه، بسّاما متواضعا من غير ذلة، جوادا من غير سرف، رقيق القلب، رحيما بكل مسلم، خافض الجناح للمؤمنين، ليّن الجانب لهم" [مدارج السالكين].ولقد فقه الصحابة أهمية حسن العشرة بين المسلمين، دون ارتباط بنسب أو مال أو مصلحة، فضربوا أروع الأمثلة في ذلك، فهذا الصحابي الجليل سعد بن الربيع لمّا آخى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، كان مِن حسن عشرته مع أخيه عجبًا، إذْ قدّم له نصف ماله بل وأن يختار إحدى زوجتيه إنْ أراد ذلك، فعَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: "قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ، فَآخَى النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِك" [البخاري].


• ثمار حسن العشرة

وإن لحسن العشرة بين المسلمين فضائل وثمارا في الدنيا والآخرة، فهو من أسباب قوة المسلمين وترابطهم، لما يحققه ذلك من التئام الصف ووحدة الكلمة، فيصيرون بذلك صفا واحدا لا عداوة بينهم ولا بغضاء، ولا تدابر ولا شحناء، كما إنه مِن أسباب وضع القَبول للعبد بين الناس، فإن طبائع الناس تميل لمن كان حسن العشرة ليّن الجانب، وفي المقابل تنفر وتنفضّ ممن كان غليظا قاسيا سيئ المعاملة.

أما في الآخرة فإن حسن العشرة يكون سببًا في تجاوز الله عن العبد يوم القيامة، كما في الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى مُعسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه؛ لعلَّ الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه) [رواه البخاري]، ويكون سببًا في رحمة الله للعبد، كما في الحديث عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (رحِم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى).

فإذا أيقنت أخي المسلم ما تقدّم الحديث عنه، كان لزامًا عليك أن تسير على ما سار عليه الكرام الأولون، النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه والتابعون، فانهل من بحر أخلاقهم وطيب خصالهم، واحرص على حسن العشرة للمسلمين، واحفظ حقوقهم، فالدين إمّا حقوق لله تعالى، وإما حقوق لعباده، فعن أبي ذَرٍّ جُنْدُبِ بْنِ جُنَادةَ، وأبي عبْدِالرَّحْمنِ مُعاذِ بْنِ جبلٍ -رضيَ اللَّه عنهما- عنْ رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: (اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا، وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ) [رواهُ التِّرْمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ]، قَالَ ابن رجب -رحمه الله-: "وقوله -صلى الله عليه وسلم- (وخالق الناس بخلق حسن)، هذا من خصال التقوى، ولا تتم التقوى إلا به، وإنما أفرده -صلى الله عليه وسلم- بالذكر للحاجة إلى بيانه، فإن كثيرًا من الناس يظن أن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده!، فنصَّ -صلى الله عليه وسلم- له على الأمر بإحسان العشرة للناس". [جامع العلوم والحكم]

ولا شك أن ذلك في حقّ المجاهدين آكد، فإنه لا سبيل لإدراك المعالي إلا بالتواضع والتداني للمسلمين والإحسان إليهم، فبذلك تسوسهم وتقودهم إلى صلاح دينهم ودنياهم، وهو من أهم أسباب النصر والتوفيق، فائتوا منه ما استطعتم، وسلوا الله تعالى العون والصبر على ذلك، فإنه سبحانه خير معين، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 351
الخميس 13 محرم 1444 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
18 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً