🌃رسائل الفجر١٤٤٧/٩/٩🌃
عن ابن أبي الزناد، عن أبيه قال:
كنتُ أخرجُ من السَّحر إلى مسجد النبي ﷺ فلا أمرُّ ببيت إلا وفيه قارئ.
🔻 🔻 🔻
عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال:
كان تميم الداري إذا قام ...المزيد
مساعدة
الإبلاغ عن المادة
تعديل تدوينة
الذي خلق سماوات وارض ف ستة ايام ثم استوى على عرش واوحى ف كل سماء امرها
الذي خلق سماوات وارض ف ستة ايام ثم استوى على عرش واوحى ف كل سماء امرها
اما راجمة (كلاش اربيج الخ مداها ممدود اما تدمرية ثاني اوكسيدات اما هدهد سليمان ودعك من ...
اما راجمة (كلاش اربيج الخ مداها ممدود اما تدمرية ثاني اوكسيدات
اما هدهد سليمان ودعك من سنونو
ثم خطاب تعرج لها من اقصى خراسان
اما هدهد سليمان ودعك من سنونو
ثم خطاب تعرج لها من اقصى خراسان
لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
مؤسسة الفرقان / تفريغ كلمة صوتية تفريغ كلمة صوتية للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية الشيخ ...
مؤسسة الفرقان / تفريغ كلمة صوتية
تفريغ كلمة صوتية للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية الشيخ المجاهد أبي حذيفة الأنصاري -حفظه الله- بعنوان: قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
الحمد لله حمد الشاكرين الصابرين، حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، له الحمد في الأولى والآخرة، في السراء والضراء، في الشدة والرخاء، بنعمته تتم الصالحات، وبجوده تتنزل الرحمات، والصلاة والسلام على نبي المجاهدين المرابطين وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْغَدْوَةُ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا».
إلى إخواننا المسلمين وفي مقدمتهم جنود الخلافة الميامين نبلغكم سلام أمير المؤمنين الشيخ المجاهد أبي حفصٍ الهاشمي -حفظه الله تعالى-، ننقل إليكم تهنئته العطرة بحلول شهر المغفرة، ويحثكم فيه على الاجتهاد والتزود بخير الزاد، ويوصيكم باغتنامه ببذل الأموال والأنفس في سبيل الله وإحياء لياليه بالقيام على الثغور وفي المحاريب، فهي فرصة ثمينة للجمع بين هذين القيامين الشريفين في أشرف الأزمنة والميادين.
إخواني المسلمين، نخاطبكم بعد عامين مخضبين بالدماء والأشلاء خطاب الثابتين مع شدة اللأواء، خطاب الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، من بين ميادين الملحمة ودروب المراغمة، ولقد بلغتنا أشواق المحبين ولهفة المنتظرين، كما وصلتنا أوهام الكافرين وأماني المنافقين.
فللأحبة نقول: لم نغب عنكم ساعة من نهار، وإنما نصمت عندما يكون الصمت أنجى، ونتحدث عندما يكون القول أجدَى، وإن صمت الفرقان فلم تصمت مدافعه ولم تهدأ ملاحمه، وما انفك صداه ينبعث من فوهات بنادق المجاهدين وأحزمة الانغماسيين، يناديكم بحناجر المقاتلين المتأهبين، ويهمس في آذانكم عبر منابر الدعاة المشفقين، وما زال فرقانًا بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، بين الرشد والغي.
وللمنافقين والكافرين الذين شطحوا في تحليلاتهم وخلطوا أوهامهم بأمانيهم نقول ها هو صوت الفرقان يقرع مسامعكم وينغص عيشكم ويبدد أوهامكم، فموتوا بغيظكم، فلقد أبقاه الله تعالى حربًا لكم وفضحًا لغيكم وإزهاقًا لباطلكم.
أمة الإسلام، توالت المحن والأحداث على بلاد المسلمين، وكان من أبرزها وأبينها ما آلت إليه أحوال الشام الأسيرة بعد طرد النفوذ الإيراني منها، وما تبعه من سقوط الزعيم الصوري للنظام النصيري واستبداله سريعًا بنظام خاضع للنفوذ الأمريكي، عينوا له زعيمًا صوريًا جديدًا استهوته شياطين الترك والغرب وصيرته طاغوتًا صنوَ طواغيت العرب، وها قد تبين الرشد من الغي في أحداث الشام، وبان لأولي الأحلام أن خلافنا مع الجبهات والهيئات قبل سنوات كان في العقائد لا في السياسات، بين التوحيد والشرك، بين دولة الشريعة ودولة القانون، بل ليس في ديننا أصل أو فرع أو نقل أو عقل يقر الناكث المرتد على ما فعل من حربه لأهل الإيمان وتوليه لأهل الأوثان.
قال الحق تبارك وتعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 117].
ونقف هنيهة نستذكر فيها أولئك الذين تمالؤوا معه على حربنا وجرؤوه علينا وجعلوه حفيد الفاتحين ورمونا بالخوارج المارقين، وسنموه وسمنوه فكانوا أول من نهشهم، وتدبروا عدل الله فيهم كيف أمات ذكرهم كأن لم يكونوا من قبل.وأما دعاوى التحرير وإسقاط النظام في أيام ردع العدوان فتلك مسرحية تركية بإخراج أمريكي مفضوح، فالشام اليوم يحكمها الصليبيون بعد أن نصّبوا عليها دمية بلا روح يحركونها من أمام الستار لا من خلفه، وقد ظنوا بذلك أنهم طووا صفحة الجهاد في الشام، ولكن أنَّى لهم، فلقد دخلت الشام فصلًا جديدًا من فصول المدافعة، وستمضي قافلة الجهاد والمراغمة في شام الملحمة إلى قيام الساعة، ولن تحط رحالها إلا في دابق والمنارة البيضاء، ولن ينال الطاغوت الجديد رضى النصارى واليهود حتى يتبع ملتهم فيتنصر أو يتهود، وبغير ذلك فمهما تردى في مهاوي الردة فلن يكون مصيره أفضل حالًا من سلفه الكردي ولا سلفه النصيري، وقد حرس حدود اليهود لعقود ثم تخلصوا منه بين ليلة وضحاها.
إن النظام السوري الجديد بحكومته العلمانية وجيشه القومي كفرة مرتدون ليس أوجب بعد الإيمان من قتالهم لتخليص الشام من براثنهم، وعلى أجناد الشام السعي الحثيث لقتالهم وجعل ذلك أولويتهم وحشد كل طاقاتهم لذلك، وبهذا القتال تلفظ الشام خبثها وتمتاز صفوفها وتعود سيرتها الأولى.
أما أنتم يا بقايا الجماعات في الشام، لطالما نصحكم أمراء الدولة الإسلامية فأعرضتم، وصدقوكم فكذبتم، ولن تستفيقوا اليوم إلا وخناجر الغادر في خاصرتكم، وها نحن ندعوكم مجددًا معذرة إلى ربكم، فتوبوا إليه والحقوا بموكب النور البهي، فقد حصحص الحق وتبين الرشد من الغي، واعلموا أن الأحزاب والجماعات حائل دون الهدى في معظم الساحات، فتطهروا من رجس الحزبية تقطعوا نصف الطريق إلى الهداية.
وفي مقام النصح أيضًا نخاطب أهلنا المسلمين في الشام: يا قوم لقد عظمت تضحياتكم فلا تهدروها في سراب الوطنية، ولا تذروها في رياح الديمقراطية، ولا تقبلوا لها ثمنًا غير حكم الشريعة الربانية، يا قوم لا تجعلوا دماءكم جسرًا دوليًا لصناعة طواغيت جدد يعيدون فيكم حقبة الأسد، فتعظم خسارتكم وتطول حسرتكم، يا قوم {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [يوسف: 40]، فالذي تتوجهون بالعبادة إليه يأمركم بالاحتكام إليه لا إلى الدستور السوري، فاتبعوا دعوة الرسل لا عجل السامري، فالوحى الوحى، والنجاء النجاء، اللهم هل بلغنا، اللهم فاشهد.
ولقد تناهى إلى مسامعنا مزايدة من سفه نفسه من غلمان ترامب وأوليائه الكفار على الدولة الإسلامية بأسراها الأطهار، فيا للعجب أما يستحي من أكمل به التحالف الصليبي فرعه التسعين أن يعير الموحدين الصابرين؟ يا أذناب الصليبيين ورعاة خنازيرهم وكلاب حراستهم هذا أنتم فاعرفوا قدركم، أما مجاهدونا فهم من دوخوا التحالف العالمي وأرهقوه واستنزفوه وحيروه وأعيوه حتى لم يبق في جعبته حيلة لحربنا إلا تجنيدكم لقتالنا أيها الأنذال، فادفنوا رؤوسكم في الرمال وكفوا أقزامكم عن عمالقة الجبال.
أفعشت حتى عبتهم قل لي متى
توجت سرعة ما أرى يا بيدق
أما أنتم إخواننا الأسرى، فنعم أنتم تهابكم الدول وتخافكم الجيوش، الصليبي يحلق بطائراته ويستنفر قواته من أجلكم، الرافضي يحشد قطعانه على طول الحدود خشية فراركم، الطاغوت السوري ينافس الكردي على حصاركم، فمن أنتم؟ ما سر قوتكم؟ لماذا تكالب العالم عليكم وباتوا يرتعبون حتى من أطفالكم؟ يا فرائد عصركم ودرة زمانكم لقد نقموا منكم إيمانكم، نعم لقد نقموا منكم إيمانكم، فتوجهت كل سهام الباطل نحوكم واجتمع الأحمر والأسود على حربكم، ولو داهنتم أو فرطتم في عقيدتكم كما فعل غيركم لانتهت منذ عقد أزمتكم، ولكنه دين الله تعالى وسلعته الغالية، وعلى هذا بايعنا وبايعتم.
روى ابن إسحاق في السير قال: "لما اجتمعوا للبيعة -يعني العقبة الثانية- قال العباس بن عبادة: هَلْ تَدْرُونَ علامَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إِذَا نهَكَتْ أَمْوَالَكُمْ مُصِيبَة، وَأَشْرَافكُمْ قَتْلا أَسْلَمْتُمُوهُ، فَمِن الآنَ، فَهُوَ وَاللَّهِ إِنْ فَعَلْتُمْ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه عَلَى نَهْكَةِ الأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الأَشْرَافِ، فَخُذُوهُ، فَهُوَ وَاللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. قَالُوا: فَإنَّا نَأْخُذهُ على مُصِيبَة الْأَمْوَال وَقتل الْأَشْرَاف فما لنا بذلك يَا رَسُول الله إِن نَحن وَفّينَا. قَالَ: «الْجنَّة» قَالُوا ابْسُطْ يدك، فَبسط يده فَبَايعُوهُ".وتأملوا إخواننا خطاب الله للمؤمنين قبلكم ممن أصابهم ما أصابكم، ففيه سلوى وبشرى لنا ولكم: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران: 195].
وكلما اشتدت فصول الحرب والمحنة علينا سلقونا بألسنة حدادٍ أشحة علينا، وخاضوا في تقييم جهادنا بالورقة والقلم على أرائك الترف والوهم.
أفِي السِّلْمِ أعْياراً جَفاءً وغِلْظَةً
وَفِي الحرْبِ أشْباهَ النِّساءِ العوَارِكِ
فلهؤلاء وغيرهم نقول: لقد نجحت الدولة الإسلامية بفضل مولاها نجاحًا باهرًا، مقياسه الكتاب والسنة لا مقاييسكم وحساباتكم، لقد نجحت في تمدد الجهاد إلى أقطاب العالم وإيصاله إلى العرب والعجم وتسهيل سبله وهدم شروط تعطيله التي ابتدعها مشايخ الطاغوت ولحق بهم بعض أدعياء الجهاد ممن ملّوا الطريق وطال عليهم الأمد.
لقد نجحت في ميدان الدعوة على منهاج النبوة، فصار المجاهدون ينشرون الإسلام بالسنان والبرهان كما كان الحال في القرون المفضلة، فالهداية مع الجهاد، قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]، وانظروا حولكم هل انتشرت معالم التوحيد وملة إبراهيم والولاء والبراء والكفر بالطاغوت والشريعة والخلافة والبيعة والهجرة والجماعة والمفاصلة وبلغت ما بلغته اليوم في عهد الدولة الإسلامية؟
كما نجحت الدولة الإسلامية وسبقت إلى صون مسيرة الجهاد عن الانحرافات التي غزت الساحات، وليس من رقّع وخاط كمن ثوبه صحيح، ونذكر طرفًا من ذلك لمن لم يعاصرها منذ خفق في العراق عُقابها يوم أنار الله بصيرتها فحكمت في الرافضة حكم الإسلام في الوقت الذي كان فيه "الجهاديون" تحت التنظير والاستقطاب الرافضي.
كانت تبث للأمة منهاج المفاصلة، وغيرها يصدّر مناهج هلامية، أفرزت مسوخًا جاهلية بأصباغ جهادية كالإدارة العلمانية والإمارة الوطنية وأُخرُ متشابهات يسعين للغاية ذاتها.
وبعد عقدين من الحرب عليها منذ قامت في العراق الأبي، وأكثرَ من عقد على بدء الحرب عليها بقيادة التحالف التسعيني، ها هي دولة الإسلام ماضية باقية بفضل الله تعالى شوكة في حلوق الكافرين وسيفًا مصلتًا على رقابهم، تفضح باطلهم بالحجّة والبرهان وتصدّ عاديتهم بالسّيف والسّنان، وها هي تضرب في كل مكان بالطّريقة التي تناسب الحال والمقام، وكأني بفرسانها قد كتبوا على جدار الدهر دولة الإسلام مرت من هنا، ونقشوا على وجنة الجوزاء نحن لها نحن لها.
واسألوا جيف اليهود في سيدني، والنصارى في أورليانز، سلوا الروس في موسكو وأذنابهم في القوقاز، سلوا معابد الرّافضة في كرمان وعمان، وسلوهم في خراسان وباكستان، سلوا كل صقعٍ في هذا العالم عن بطولات أجنادنا وضربات آسادنا.
وهنا وقفة مع أبطال الهجمات العابرة للقارات؛ إخواننا، لقد ضربتم فأوجعتم، ورأيتم ثمرة صنيعكم وحجم الرعب والقلق والاستنفار الذي غزا دول الغرب الكافر خشية صولاتكم وجولاتكم، ويكفي للدلالة على ذلك الخسائر الكبيرة التي تكبدتها أوروبا الصليبية هذا العام لتأمين أعيادهم، وكيف تحولت شوارعهم إلى ساحات حرب كنتم أنتم أبطالها ومُسَعِّريهَا بنصالكم وطلقاتكم وحافلاتكم، فواصلوا أيها الأسد البواسل هجماتكم ضد الأهداف الصليبية واليهودية في كل مكان، واستعينوا عليها بالسّرية والكتمان، وأعدوا لها قوة الإيمان وقوة الأبدان، لا تفرطوا في أي منهما، واعلموا أن العهدة على الأولى.
ومما تسلقنا به الألسنة الحداد أننا لم نستفد من تجاربنا ولم نتعلم من أخطائنا، ومن قال لكم ذلك؟ لقد تعلمنا أنّه لا صواب يعدل صواب التّوحيد فأصررنا عليه، وتعلمنا أنّه لا رشد يعدل الشّريعة ولا غي مثل الديمقراطية فزدنا إيمانًا بالأولى وكفرًا بالثانية، وتعلمنا من تجاربنا أنّه لا سبيل لإنقاذ الأمة غير سبيل الجهاد لكنه محفوف بالمكاره والصعاب فسلكناه طوعًا واستعذبنا فيه العذاب، وتعلمنا من تجاربنا أنّ سبيل الحق واحدة وسبل الباطل كثيرة فاتّبعنا السبيل وتركنا السبل استجابة لوصية مولانا القائل: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].ولقد تعلمنا من تجاربنا أن الانحراف المنهجي يبدأ صغيرًا ويكبر مع الأيام، فحسمنا بوادره ولم نتهاون معه غلوًا كان أو إرجاءً، وأيقنا أن سلامة العقائد لا يعدلها شيء، فلتذهب الدنيا بأسرها ولتسلم لنا عقائدنا نلقى بها مولانا وتشفع لنا يوم تطيش السّجلات وتبدل الأرض غير الأرض والسّماوات.
ولقد عابوا علينا الصبر في مواطن الصبر وكرهوا آياته وملّوها، نعم ملّوها، عابوا علينا الثّبات في مواطن المحنة وقالوا محرقة، وعابوا علينا الإقدام في مواطن الهمّة وقالوا مهلكة، عيّرونا بالضّراء وحسدونا على السّراء، آمنوا بالفتح وكفروا بالخندق، إن حكمنا الأرض مغالبة وقهرًا قالوا مؤامرة، وإن ابتلينا بالأحزاب قالوا هزيمة، وإن تأسّينا بآيات الصبر قالوا يبررون، وإن بشّرنا بآيات النصر قالوا واهمون، إن صدحنا بالحق قالوا متشددون، وإن صمتنا قالوا غائبون، وهكذا هم المنافقون، ما سلك الجهاد فجًا إلا سلكوا فجًا نقيضه، كالشّيطان والفرقان لا يلتقيان.
وحاصل الأمر أن هؤلاء لا تعني لهم سلامة الدين شيئًا، فقد وزنوا الأمور بميزان المادة، فعدّوا كل فقد لها خسارة وكل ظفر بها فوزًا ولو على حساب دينهم، فما قدروا الهداية قدرها، هذه هي الحقيقة تنكرها ألسنتهم وتنطق بها أفعالهم.
وبعيدًا عن دروب المنافقين، هل أتاكم نبأ ملحمة الصومال محضن الرجال وقلعة الأبطال؟ أكثر من عام وهم يقارعون الحملة الصليبية بقيادة أمريكا والإمارات وجيوش بونتلاند على الأرض، فماذا كانت النتيجة بعد أن تخطت حملتهم جدولها الزمني؟ تشتَّتتْ صفوفهم وقُتل أبرز قادتهم والمئات من جنودهم، فغصّت جبال مسكاد بقتلاهم، وعصفت العبوات بأرتالهم، وصالت عليهم طلائع الانغماسيين ففرقت جموعهم، فاستعانوا عليهم بالطائرات فزادتهم رهقًا ولم تغن عنهم، واليوم باتوا بلا أفق، أيعلنون نهاية الحملة بهزيمة لا تخفى أم يواصلونها بخسارة أشد من الأولى؟
فبورك يا أجناد الصومال سعيكم، واشكروا المولى على فضله يزدكم.
ومن ملاحم شرق إفريقية إلى غربها، حيث محرقة المعسكرات التي اصطلى بها جيش نيجيريا ومُرّغ أنفه في التراب، وصار مُدافعًا طريدًا لفرسان الاقتحامات، فإن قرر الهجوم تلقّاه فرسان الشهادة بالمفخخات، فلا تسل عن رعبهم حينها، كأنهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة.
شُوسٌ إذَا خَفَقَتْ عُقابُ لوَائهِمْ
ظَلَّتْ قُلُوبُ المَوْتِ مِنْهم تَخْفِقُ
ولما رأى كواسر الساحل صنيع إخوانهم هبّوا وتسابقوا، فخرج الكماة البهاليل يطوون الأرض طيّا، ولم تقف جحافلهم إلا وسط قواعد الجيوش المالية والنيجرية، فأبادوا من فيها ولم يكتفوا وما قنعوا حتى أثلجوا الصدور بغزوة مطار نيامي يوم حبس طواغيت النيجر أنفاسهم، ولفرط صدمتهم ظنوه انقلابًا جديدًا، فلما أسفر الصبح عن الحقيقة طفقوا يخصفونها بالكذب فلم تسعفهم كل غرابيل إفريقية.
ولم يرضَ غرباء وسط إفريقية وموزمبيق بأقل من ذلك، فكثّفوا هجماتهم على الجيوش الصليبية فأحرقوا المعسكرات والثكنات وسلبوهم الأسلحة والمعدات في تطور ملحوظ وجهد ميداني محمود، تجاوز مذابح النصارى المحاربين إلى محارق جيوشهم الخائرين، وهكذا أينما قلبت ناظريك في الساحة الإفريقية رأيت صرح الإسلام يُشيّد وصروح الكفر تدكدك.
لقد جدد فوارس إفريقية الأمجاد وأعادوا سير أجدادهم عقبة وموسى وابن زياد، لقد صانت إفريقية أمانة الخلافة وحملت رايتها في أحلك الظروف وقارعت عنها جيوش الروم وأحباشهم، وغدت ملاذ الصادقين وقبلة المهاجرين، وصارت مصدر تشتيت واستنزاف للحملة الصليبية التي غزت العراق والشام، فتداعت لها إفريقية تنصر وتؤازر وتنافح عنها بالمهج والأرواح في صورة جلية للأخوة الإيمانية وثمرة يانعة من ثمار الجماعة، وكما أينعت ثمرة العراق والشام في إفريقية فليرتقب الصليبيون أين تينع الثمرة الإفريقية، واللهَ نسأل أن تكون في عقر أوروبا الصليبية.
فشدوا الهمم يا فرسان ليبيا والمغرب وتونس والجزائر، فليس من بادر كمن جاء في الصف الآخر.
أيها المسلمون، إن الإسلام لم ينتصر في الزمن الأول إلا بالهجرة والجهاد، ولن ينتصر في الزمن الآخر إلا بذلك، ولذا بشّر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنّ الهجرة والجهاد ماضيان إلى قيام الساعة فقال: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ»، وقال ابن كثير في قوله عز وجل: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]، قال: "هذا تحريضٌ على الهجرة وترغيب في مفارقة المشركين".
وعملًا بنصوص الوحي فإننا نحرّض شباب المسلمين على الهجرة إلى ولايات الدولة الإسلامية، فهلموا وسارعوا وابذلوا طاقاتكم في تشييد صرح الشّريعة بدلًا من إهدارها في صروح الطواغيت، فاتقوا اللّه في أنفسكم وامتثلوا أمر ربكم: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41].واعلموا أن الباحث عن الهجرة لن يبلغها بغير الصدق والدعاء، فهو يخترق حجب الأرض والسماء.
وفي هذا المقام نكشف للعالم أن المهاجرين كانوا رأس الحربة في ملاحم الصومال وبراة القوس في غزوة المطار، نعلن هذا تشجيعًا للمؤمنين وإغاظة للكافرين الذين يتحدّون وعد الله تعالى بمضي الهجرة إلى قيام الساعة، فموتوا بغيظكم، فالهجرة باقية والمهاجرون قادمون ولو كره الكافرون.
ولئن كانت أرض إفريقية تعيش بدرًا وفتحًا فإن أرض العراق والشام تعيش أُحدًا وخندقًا، وكما خاض أجناد إفريقية معارك الإثخان والنكاية يخوض أجناد العراق والشّام معارك المرابطة والمراغمة، تقبل الله جهادهم أجمعين.
وفي ميدان التضحية والشّهادة ننعى إلى أمة التّوحيد ثلة من أبطال وكوادر الجهاد قُتلوا بسلسلة إنزالات صليبية واشتباكات ملحمية على ثَرى العراق والشام خلال العامين الماضيين، الذَين انشغل فيهما التحالف الصليبي بكل شيء إلا عن ملاحقتهم ومطاردتهم، رحلوا ثابتين على الدّرب لم يبدلوا أو يتراجعوا، لم يستسلموا لعدوهم أو يُعطوا الدنية في دينهم.
أَبَوْا أَنْ يَفِروا وَالْقَنَا فِي نحورِهِمْ
ولم يَرْتَقُوا مِنْ خَشيةِ الْمَوتِ سُلَّمَا
وَلَوْ أَنَّهمْ فَرُوا لَكَانُوا أَعِزَّةً
وَلكِنْ رَأَوْا صَبْرًا عَلَى الْمَوْتِ أَكْرَمَا
ومضى على ذات الدرب نفر من فوارس الإعلام ورسل البلاغ، قضوا لله نحبهم وصدّقوا كلماتهم بدمائهم، رحلوا في صمت مهيب، عاشوا في كواليس الظل يزفون لأمة الإسلام كل خير وينذرونها كل شر، أنكروا ذواتهم ونذروا حياتهم وأوقاتهم وزهرة شبابهم نصرة للشريعة حتى مضوا والوقار يلفهم في حلة من الأنوار، ونشهد أنّهم وفّوا ببيعتهم وأدّوا ما عليهم وصانوا ميدان الإعلام وأداموه نبراس هداية إلى الحق ورحمة بالخلق، نحسبهم والله حسيبهم.
مُسْتَرْسِلِينَ إِلَى الحُتُوفِ كأنَّما
بينَ الحُتُوف وبَيْنَهُمْ أرْحامُ
فدونكم يا فوارس الإعلام ثغرهم، فاحملوا رايتهم وواصلوا دربهم وصونوا أمانتهم وأنفذوا وصيتهم واستلهموا الهمّة من دمائهم وتزودوا بالعزيمة من تضحياتهم وكونوا خير خلف لخير سلف.
وعطفًا على ذلك نخاطب إخواننا المناصرين في الإعلام المساند، نقول لهم إن التمحيص والغربلة والتمايز قدرُ الجهاد في كل ميادينه، ولقد طال التمحيص ميدان المناصرة وبرزت معادن الصادقين وتألقوا بين الصفوف على قلتهم في زمن دخن كثير، وقليل نقي خير من كثير شائب، فاحرصوا أن تكونوا من هذا القليل الذي فهم معنى البيعة وأنزلها منزلتها وبذل للتّوحيد أفضل أوقاته لا فضولها، وتدبروا طويلًا قوله تعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6].
فاجتهدوا في نصرة المجاهدين وكونوا لهم لا عليهم، وتجردوا من الحظوظ والأهواء، فأخروا الألقاب والتّشريفات وقدموا الهمم والعزمات، وقد كان المناصرون قبلكم أفعالًا لا أسماءً، فانصروا دولتكم وأوصلوا رسالتها دون تحريف أو تطفيف، فمن قبل بمنهاجها فليواصل، ومن أراد أن يخلطه بغيره من الأوهام والأهواء فدونه الجماعات الهلامية والمناهج المطاطية، فعندها طلبه.
فلم تبذل دولة الإسلام كل هذه التضحيات ولم تخض حروب المفاصلات لتجعل منهاجها رهن الأذواق والأمزجة، فمنهاجها منهاج النبوة، وقد تبين الرشد من الغي أكثر من أي وقت مضى.
وقبل الختام نخاطب جنود الخلافة بهذه الوصايا: أيها المجاهدون إننا اليوم في مخاضٍ عسير لا نخفيه ولا نقلل من شأنه، قد كتبه الله علينا لحكمة سطّرها في كتابه وسنة نبيه.
فاثبتوا على عبوديتكم في هذه المرحلة، فالأجر فيها على قدر المشقة، وهذه هي عبودية المراغمة التي عناها ابن القيم، وبيّن أمارتها فقال: "فَمَنْ تَعَبَّدَ اللَّهَ بِمُرَاغَمَةِ عَدُوِّهِ، فَقَدْ أَخَذَ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ بِسَهْمٍ وَافِرٍ، وَعَلَى قَدْرِ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَمُوَالَاتِهِ وَمُعَادَاتِهِ لِعَدُوِّهِ يَكُونُ نَصِيبُهُ مِنْ هَذِهِ الْمُرَاغَمَةِ".
فهي تبرز في مواطن الجهاد والهجرة والمفاصلة لقوله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]، واعلموا أيها المجاهدون أن الهمم والعزائم قد تفتر من تكرار النوائب وتتابع المصائب، لكن المؤمن يرممها ويعالجها باليقين والتّسليم بموعود الله لعباده وما أعده للصابرين في دار كرامته.
وآفة عصرنا ضعف اليقين، والمؤمنون يتفاوتون في مراتبه، وقمين بالمجاهد أن يحوز أعلاها، كما ينبغي للمجاهد أن يربي نفسه تربية أخلاقية تزيّن جهاده، فالمجاهدون أبرُّ الناس قلبا وأصدقهم لسانا وأحسنهم أخلاقا، فاحفظوا أيها المجاهدون أخلاقكم في زمن التفاهات، وحريّ بمن هو في الذروة ألا يجاري أهل المستنقعات.فترفّعوا من غير كبر، وتواضعوا في غير ذلة، واحتسوا مرارة أخلاق الناس، واسقوهم عذوبة أخلاقكم، والزموا في ذلك هدي نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، فإنّه بالمؤمنين رؤوف رحيم، ولا يحملنكم قسوة الظرف على قسوة الطبع، فالمؤمنون رحماء بينهم.
ونذكر المجاهدين بأهمية العلم في ميادين الجهاد، فبين العلم والجهاد نسب وصهر، ومتى اجتمعا اجتمعت أبواب الخير وفصول التوفيق، ومتى افترقا تخلّف التوفيق بقدر ذلك، وصار الجهاد على غير بصيرة، والعلماء العاملون صمام أمان للجهاد يقودونه نحو غاياته ويبلغونه مقاصده، قال ابن القيم: "فالفروسية فروسيتان: فروسية العلم والبيان، وفروسية الرمي والطعان، ولما كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أكمل الخلق في الفروسيتين فتحوا القلوب بالحجّة والبرهان، والبلاد بالسيف والسنان، وما الناس إلا هؤلاء الفريقان، ولا يعدل مداد العلماء إلا دم الشهداء"، كما تشتد الحاجة اليوم إلى التربية الأمنية، فأنت يا جندي الخلافة هدف لكل مخابرات الدنيا، وإن لم تتفطن لأساليبهم ومكرهم وقعت في فخاخهم، ومتى تخليت عن حذرك أو أرخيت دفاعاتك تخطفتك سهامهم.
ومما يتصل بالأمن قواعد التّوثيق والتّزكية، فحري بالمجاهدين مراجعتها والتأني كثيرا قبل إطلاقها على مستحقّيها، ومن ذلك التّزكية الافتراضية عبر العنكبوتية، فلا يُبنى عليها ولا تنفي الجهالة عن صاحبها، فسددوا وقاربوا.
ولا تتساهلوا في موازين الجرح والتعديل في زمن غلبة النفاق والخيانة، ومما ينبغي للمجاهد أن ينميه في شخصيته الشّجاعة والإقدام، فالشّجاعة وقاية والجبن مقتلة، فلا الإقدام يقدم الأجل ولا الجبن يؤخره، فاقتحموا غمار الموت، فإنّ أكثر النكاية في هذا الزمان لا تتحقق بغير الانغماس، فالانغماسيون درة التّاج في ميادين الجهاد.
وجامعة الوصايا في الأولى والآخرة تقوى الله تعالى في السرّ والعلن، والصّبر على الشدائد والمحن، وما اجتمعا فيكم إلا رد الله عنكم كيد الأعداء وثنّى لكم بالفتح والنصر، قال الحكيم الخبير: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120]، فأكثروا من ذكره تعالى وتجديد التّوبة إليه والانطراح على عتبته سبحانه، والإلحاح عليه بأسمائه وصفاته، ثم احتسبوا عند الله ما أنتم فيه من شدّة، واشكروه تعالى على ما حباكم من نعمة، فإنما هي أيام الصّبر وبعدها الفرج والظّفر بإذن الله تعالى، فانصروا الله ينصركم، وخافوا مقامه ووعيده يمنحكم أرض عدوكم، واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
تفريغ: مؤسسة صرح الخلافة - رمضان 1447 ...المزيد
تفريغ كلمة صوتية للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية الشيخ المجاهد أبي حذيفة الأنصاري -حفظه الله- بعنوان: قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
الحمد لله حمد الشاكرين الصابرين، حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، له الحمد في الأولى والآخرة، في السراء والضراء، في الشدة والرخاء، بنعمته تتم الصالحات، وبجوده تتنزل الرحمات، والصلاة والسلام على نبي المجاهدين المرابطين وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْغَدْوَةُ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا».
إلى إخواننا المسلمين وفي مقدمتهم جنود الخلافة الميامين نبلغكم سلام أمير المؤمنين الشيخ المجاهد أبي حفصٍ الهاشمي -حفظه الله تعالى-، ننقل إليكم تهنئته العطرة بحلول شهر المغفرة، ويحثكم فيه على الاجتهاد والتزود بخير الزاد، ويوصيكم باغتنامه ببذل الأموال والأنفس في سبيل الله وإحياء لياليه بالقيام على الثغور وفي المحاريب، فهي فرصة ثمينة للجمع بين هذين القيامين الشريفين في أشرف الأزمنة والميادين.
إخواني المسلمين، نخاطبكم بعد عامين مخضبين بالدماء والأشلاء خطاب الثابتين مع شدة اللأواء، خطاب الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، من بين ميادين الملحمة ودروب المراغمة، ولقد بلغتنا أشواق المحبين ولهفة المنتظرين، كما وصلتنا أوهام الكافرين وأماني المنافقين.
فللأحبة نقول: لم نغب عنكم ساعة من نهار، وإنما نصمت عندما يكون الصمت أنجى، ونتحدث عندما يكون القول أجدَى، وإن صمت الفرقان فلم تصمت مدافعه ولم تهدأ ملاحمه، وما انفك صداه ينبعث من فوهات بنادق المجاهدين وأحزمة الانغماسيين، يناديكم بحناجر المقاتلين المتأهبين، ويهمس في آذانكم عبر منابر الدعاة المشفقين، وما زال فرقانًا بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، بين الرشد والغي.
وللمنافقين والكافرين الذين شطحوا في تحليلاتهم وخلطوا أوهامهم بأمانيهم نقول ها هو صوت الفرقان يقرع مسامعكم وينغص عيشكم ويبدد أوهامكم، فموتوا بغيظكم، فلقد أبقاه الله تعالى حربًا لكم وفضحًا لغيكم وإزهاقًا لباطلكم.
أمة الإسلام، توالت المحن والأحداث على بلاد المسلمين، وكان من أبرزها وأبينها ما آلت إليه أحوال الشام الأسيرة بعد طرد النفوذ الإيراني منها، وما تبعه من سقوط الزعيم الصوري للنظام النصيري واستبداله سريعًا بنظام خاضع للنفوذ الأمريكي، عينوا له زعيمًا صوريًا جديدًا استهوته شياطين الترك والغرب وصيرته طاغوتًا صنوَ طواغيت العرب، وها قد تبين الرشد من الغي في أحداث الشام، وبان لأولي الأحلام أن خلافنا مع الجبهات والهيئات قبل سنوات كان في العقائد لا في السياسات، بين التوحيد والشرك، بين دولة الشريعة ودولة القانون، بل ليس في ديننا أصل أو فرع أو نقل أو عقل يقر الناكث المرتد على ما فعل من حربه لأهل الإيمان وتوليه لأهل الأوثان.
قال الحق تبارك وتعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 117].
ونقف هنيهة نستذكر فيها أولئك الذين تمالؤوا معه على حربنا وجرؤوه علينا وجعلوه حفيد الفاتحين ورمونا بالخوارج المارقين، وسنموه وسمنوه فكانوا أول من نهشهم، وتدبروا عدل الله فيهم كيف أمات ذكرهم كأن لم يكونوا من قبل.وأما دعاوى التحرير وإسقاط النظام في أيام ردع العدوان فتلك مسرحية تركية بإخراج أمريكي مفضوح، فالشام اليوم يحكمها الصليبيون بعد أن نصّبوا عليها دمية بلا روح يحركونها من أمام الستار لا من خلفه، وقد ظنوا بذلك أنهم طووا صفحة الجهاد في الشام، ولكن أنَّى لهم، فلقد دخلت الشام فصلًا جديدًا من فصول المدافعة، وستمضي قافلة الجهاد والمراغمة في شام الملحمة إلى قيام الساعة، ولن تحط رحالها إلا في دابق والمنارة البيضاء، ولن ينال الطاغوت الجديد رضى النصارى واليهود حتى يتبع ملتهم فيتنصر أو يتهود، وبغير ذلك فمهما تردى في مهاوي الردة فلن يكون مصيره أفضل حالًا من سلفه الكردي ولا سلفه النصيري، وقد حرس حدود اليهود لعقود ثم تخلصوا منه بين ليلة وضحاها.
إن النظام السوري الجديد بحكومته العلمانية وجيشه القومي كفرة مرتدون ليس أوجب بعد الإيمان من قتالهم لتخليص الشام من براثنهم، وعلى أجناد الشام السعي الحثيث لقتالهم وجعل ذلك أولويتهم وحشد كل طاقاتهم لذلك، وبهذا القتال تلفظ الشام خبثها وتمتاز صفوفها وتعود سيرتها الأولى.
أما أنتم يا بقايا الجماعات في الشام، لطالما نصحكم أمراء الدولة الإسلامية فأعرضتم، وصدقوكم فكذبتم، ولن تستفيقوا اليوم إلا وخناجر الغادر في خاصرتكم، وها نحن ندعوكم مجددًا معذرة إلى ربكم، فتوبوا إليه والحقوا بموكب النور البهي، فقد حصحص الحق وتبين الرشد من الغي، واعلموا أن الأحزاب والجماعات حائل دون الهدى في معظم الساحات، فتطهروا من رجس الحزبية تقطعوا نصف الطريق إلى الهداية.
وفي مقام النصح أيضًا نخاطب أهلنا المسلمين في الشام: يا قوم لقد عظمت تضحياتكم فلا تهدروها في سراب الوطنية، ولا تذروها في رياح الديمقراطية، ولا تقبلوا لها ثمنًا غير حكم الشريعة الربانية، يا قوم لا تجعلوا دماءكم جسرًا دوليًا لصناعة طواغيت جدد يعيدون فيكم حقبة الأسد، فتعظم خسارتكم وتطول حسرتكم، يا قوم {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [يوسف: 40]، فالذي تتوجهون بالعبادة إليه يأمركم بالاحتكام إليه لا إلى الدستور السوري، فاتبعوا دعوة الرسل لا عجل السامري، فالوحى الوحى، والنجاء النجاء، اللهم هل بلغنا، اللهم فاشهد.
ولقد تناهى إلى مسامعنا مزايدة من سفه نفسه من غلمان ترامب وأوليائه الكفار على الدولة الإسلامية بأسراها الأطهار، فيا للعجب أما يستحي من أكمل به التحالف الصليبي فرعه التسعين أن يعير الموحدين الصابرين؟ يا أذناب الصليبيين ورعاة خنازيرهم وكلاب حراستهم هذا أنتم فاعرفوا قدركم، أما مجاهدونا فهم من دوخوا التحالف العالمي وأرهقوه واستنزفوه وحيروه وأعيوه حتى لم يبق في جعبته حيلة لحربنا إلا تجنيدكم لقتالنا أيها الأنذال، فادفنوا رؤوسكم في الرمال وكفوا أقزامكم عن عمالقة الجبال.
أفعشت حتى عبتهم قل لي متى
توجت سرعة ما أرى يا بيدق
أما أنتم إخواننا الأسرى، فنعم أنتم تهابكم الدول وتخافكم الجيوش، الصليبي يحلق بطائراته ويستنفر قواته من أجلكم، الرافضي يحشد قطعانه على طول الحدود خشية فراركم، الطاغوت السوري ينافس الكردي على حصاركم، فمن أنتم؟ ما سر قوتكم؟ لماذا تكالب العالم عليكم وباتوا يرتعبون حتى من أطفالكم؟ يا فرائد عصركم ودرة زمانكم لقد نقموا منكم إيمانكم، نعم لقد نقموا منكم إيمانكم، فتوجهت كل سهام الباطل نحوكم واجتمع الأحمر والأسود على حربكم، ولو داهنتم أو فرطتم في عقيدتكم كما فعل غيركم لانتهت منذ عقد أزمتكم، ولكنه دين الله تعالى وسلعته الغالية، وعلى هذا بايعنا وبايعتم.
روى ابن إسحاق في السير قال: "لما اجتمعوا للبيعة -يعني العقبة الثانية- قال العباس بن عبادة: هَلْ تَدْرُونَ علامَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إِذَا نهَكَتْ أَمْوَالَكُمْ مُصِيبَة، وَأَشْرَافكُمْ قَتْلا أَسْلَمْتُمُوهُ، فَمِن الآنَ، فَهُوَ وَاللَّهِ إِنْ فَعَلْتُمْ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه عَلَى نَهْكَةِ الأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الأَشْرَافِ، فَخُذُوهُ، فَهُوَ وَاللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. قَالُوا: فَإنَّا نَأْخُذهُ على مُصِيبَة الْأَمْوَال وَقتل الْأَشْرَاف فما لنا بذلك يَا رَسُول الله إِن نَحن وَفّينَا. قَالَ: «الْجنَّة» قَالُوا ابْسُطْ يدك، فَبسط يده فَبَايعُوهُ".وتأملوا إخواننا خطاب الله للمؤمنين قبلكم ممن أصابهم ما أصابكم، ففيه سلوى وبشرى لنا ولكم: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران: 195].
وكلما اشتدت فصول الحرب والمحنة علينا سلقونا بألسنة حدادٍ أشحة علينا، وخاضوا في تقييم جهادنا بالورقة والقلم على أرائك الترف والوهم.
أفِي السِّلْمِ أعْياراً جَفاءً وغِلْظَةً
وَفِي الحرْبِ أشْباهَ النِّساءِ العوَارِكِ
فلهؤلاء وغيرهم نقول: لقد نجحت الدولة الإسلامية بفضل مولاها نجاحًا باهرًا، مقياسه الكتاب والسنة لا مقاييسكم وحساباتكم، لقد نجحت في تمدد الجهاد إلى أقطاب العالم وإيصاله إلى العرب والعجم وتسهيل سبله وهدم شروط تعطيله التي ابتدعها مشايخ الطاغوت ولحق بهم بعض أدعياء الجهاد ممن ملّوا الطريق وطال عليهم الأمد.
لقد نجحت في ميدان الدعوة على منهاج النبوة، فصار المجاهدون ينشرون الإسلام بالسنان والبرهان كما كان الحال في القرون المفضلة، فالهداية مع الجهاد، قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]، وانظروا حولكم هل انتشرت معالم التوحيد وملة إبراهيم والولاء والبراء والكفر بالطاغوت والشريعة والخلافة والبيعة والهجرة والجماعة والمفاصلة وبلغت ما بلغته اليوم في عهد الدولة الإسلامية؟
كما نجحت الدولة الإسلامية وسبقت إلى صون مسيرة الجهاد عن الانحرافات التي غزت الساحات، وليس من رقّع وخاط كمن ثوبه صحيح، ونذكر طرفًا من ذلك لمن لم يعاصرها منذ خفق في العراق عُقابها يوم أنار الله بصيرتها فحكمت في الرافضة حكم الإسلام في الوقت الذي كان فيه "الجهاديون" تحت التنظير والاستقطاب الرافضي.
كانت تبث للأمة منهاج المفاصلة، وغيرها يصدّر مناهج هلامية، أفرزت مسوخًا جاهلية بأصباغ جهادية كالإدارة العلمانية والإمارة الوطنية وأُخرُ متشابهات يسعين للغاية ذاتها.
وبعد عقدين من الحرب عليها منذ قامت في العراق الأبي، وأكثرَ من عقد على بدء الحرب عليها بقيادة التحالف التسعيني، ها هي دولة الإسلام ماضية باقية بفضل الله تعالى شوكة في حلوق الكافرين وسيفًا مصلتًا على رقابهم، تفضح باطلهم بالحجّة والبرهان وتصدّ عاديتهم بالسّيف والسّنان، وها هي تضرب في كل مكان بالطّريقة التي تناسب الحال والمقام، وكأني بفرسانها قد كتبوا على جدار الدهر دولة الإسلام مرت من هنا، ونقشوا على وجنة الجوزاء نحن لها نحن لها.
واسألوا جيف اليهود في سيدني، والنصارى في أورليانز، سلوا الروس في موسكو وأذنابهم في القوقاز، سلوا معابد الرّافضة في كرمان وعمان، وسلوهم في خراسان وباكستان، سلوا كل صقعٍ في هذا العالم عن بطولات أجنادنا وضربات آسادنا.
وهنا وقفة مع أبطال الهجمات العابرة للقارات؛ إخواننا، لقد ضربتم فأوجعتم، ورأيتم ثمرة صنيعكم وحجم الرعب والقلق والاستنفار الذي غزا دول الغرب الكافر خشية صولاتكم وجولاتكم، ويكفي للدلالة على ذلك الخسائر الكبيرة التي تكبدتها أوروبا الصليبية هذا العام لتأمين أعيادهم، وكيف تحولت شوارعهم إلى ساحات حرب كنتم أنتم أبطالها ومُسَعِّريهَا بنصالكم وطلقاتكم وحافلاتكم، فواصلوا أيها الأسد البواسل هجماتكم ضد الأهداف الصليبية واليهودية في كل مكان، واستعينوا عليها بالسّرية والكتمان، وأعدوا لها قوة الإيمان وقوة الأبدان، لا تفرطوا في أي منهما، واعلموا أن العهدة على الأولى.
ومما تسلقنا به الألسنة الحداد أننا لم نستفد من تجاربنا ولم نتعلم من أخطائنا، ومن قال لكم ذلك؟ لقد تعلمنا أنّه لا صواب يعدل صواب التّوحيد فأصررنا عليه، وتعلمنا أنّه لا رشد يعدل الشّريعة ولا غي مثل الديمقراطية فزدنا إيمانًا بالأولى وكفرًا بالثانية، وتعلمنا من تجاربنا أنّه لا سبيل لإنقاذ الأمة غير سبيل الجهاد لكنه محفوف بالمكاره والصعاب فسلكناه طوعًا واستعذبنا فيه العذاب، وتعلمنا من تجاربنا أنّ سبيل الحق واحدة وسبل الباطل كثيرة فاتّبعنا السبيل وتركنا السبل استجابة لوصية مولانا القائل: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].ولقد تعلمنا من تجاربنا أن الانحراف المنهجي يبدأ صغيرًا ويكبر مع الأيام، فحسمنا بوادره ولم نتهاون معه غلوًا كان أو إرجاءً، وأيقنا أن سلامة العقائد لا يعدلها شيء، فلتذهب الدنيا بأسرها ولتسلم لنا عقائدنا نلقى بها مولانا وتشفع لنا يوم تطيش السّجلات وتبدل الأرض غير الأرض والسّماوات.
ولقد عابوا علينا الصبر في مواطن الصبر وكرهوا آياته وملّوها، نعم ملّوها، عابوا علينا الثّبات في مواطن المحنة وقالوا محرقة، وعابوا علينا الإقدام في مواطن الهمّة وقالوا مهلكة، عيّرونا بالضّراء وحسدونا على السّراء، آمنوا بالفتح وكفروا بالخندق، إن حكمنا الأرض مغالبة وقهرًا قالوا مؤامرة، وإن ابتلينا بالأحزاب قالوا هزيمة، وإن تأسّينا بآيات الصبر قالوا يبررون، وإن بشّرنا بآيات النصر قالوا واهمون، إن صدحنا بالحق قالوا متشددون، وإن صمتنا قالوا غائبون، وهكذا هم المنافقون، ما سلك الجهاد فجًا إلا سلكوا فجًا نقيضه، كالشّيطان والفرقان لا يلتقيان.
وحاصل الأمر أن هؤلاء لا تعني لهم سلامة الدين شيئًا، فقد وزنوا الأمور بميزان المادة، فعدّوا كل فقد لها خسارة وكل ظفر بها فوزًا ولو على حساب دينهم، فما قدروا الهداية قدرها، هذه هي الحقيقة تنكرها ألسنتهم وتنطق بها أفعالهم.
وبعيدًا عن دروب المنافقين، هل أتاكم نبأ ملحمة الصومال محضن الرجال وقلعة الأبطال؟ أكثر من عام وهم يقارعون الحملة الصليبية بقيادة أمريكا والإمارات وجيوش بونتلاند على الأرض، فماذا كانت النتيجة بعد أن تخطت حملتهم جدولها الزمني؟ تشتَّتتْ صفوفهم وقُتل أبرز قادتهم والمئات من جنودهم، فغصّت جبال مسكاد بقتلاهم، وعصفت العبوات بأرتالهم، وصالت عليهم طلائع الانغماسيين ففرقت جموعهم، فاستعانوا عليهم بالطائرات فزادتهم رهقًا ولم تغن عنهم، واليوم باتوا بلا أفق، أيعلنون نهاية الحملة بهزيمة لا تخفى أم يواصلونها بخسارة أشد من الأولى؟
فبورك يا أجناد الصومال سعيكم، واشكروا المولى على فضله يزدكم.
ومن ملاحم شرق إفريقية إلى غربها، حيث محرقة المعسكرات التي اصطلى بها جيش نيجيريا ومُرّغ أنفه في التراب، وصار مُدافعًا طريدًا لفرسان الاقتحامات، فإن قرر الهجوم تلقّاه فرسان الشهادة بالمفخخات، فلا تسل عن رعبهم حينها، كأنهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة.
شُوسٌ إذَا خَفَقَتْ عُقابُ لوَائهِمْ
ظَلَّتْ قُلُوبُ المَوْتِ مِنْهم تَخْفِقُ
ولما رأى كواسر الساحل صنيع إخوانهم هبّوا وتسابقوا، فخرج الكماة البهاليل يطوون الأرض طيّا، ولم تقف جحافلهم إلا وسط قواعد الجيوش المالية والنيجرية، فأبادوا من فيها ولم يكتفوا وما قنعوا حتى أثلجوا الصدور بغزوة مطار نيامي يوم حبس طواغيت النيجر أنفاسهم، ولفرط صدمتهم ظنوه انقلابًا جديدًا، فلما أسفر الصبح عن الحقيقة طفقوا يخصفونها بالكذب فلم تسعفهم كل غرابيل إفريقية.
ولم يرضَ غرباء وسط إفريقية وموزمبيق بأقل من ذلك، فكثّفوا هجماتهم على الجيوش الصليبية فأحرقوا المعسكرات والثكنات وسلبوهم الأسلحة والمعدات في تطور ملحوظ وجهد ميداني محمود، تجاوز مذابح النصارى المحاربين إلى محارق جيوشهم الخائرين، وهكذا أينما قلبت ناظريك في الساحة الإفريقية رأيت صرح الإسلام يُشيّد وصروح الكفر تدكدك.
لقد جدد فوارس إفريقية الأمجاد وأعادوا سير أجدادهم عقبة وموسى وابن زياد، لقد صانت إفريقية أمانة الخلافة وحملت رايتها في أحلك الظروف وقارعت عنها جيوش الروم وأحباشهم، وغدت ملاذ الصادقين وقبلة المهاجرين، وصارت مصدر تشتيت واستنزاف للحملة الصليبية التي غزت العراق والشام، فتداعت لها إفريقية تنصر وتؤازر وتنافح عنها بالمهج والأرواح في صورة جلية للأخوة الإيمانية وثمرة يانعة من ثمار الجماعة، وكما أينعت ثمرة العراق والشام في إفريقية فليرتقب الصليبيون أين تينع الثمرة الإفريقية، واللهَ نسأل أن تكون في عقر أوروبا الصليبية.
فشدوا الهمم يا فرسان ليبيا والمغرب وتونس والجزائر، فليس من بادر كمن جاء في الصف الآخر.
أيها المسلمون، إن الإسلام لم ينتصر في الزمن الأول إلا بالهجرة والجهاد، ولن ينتصر في الزمن الآخر إلا بذلك، ولذا بشّر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنّ الهجرة والجهاد ماضيان إلى قيام الساعة فقال: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ»، وقال ابن كثير في قوله عز وجل: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]، قال: "هذا تحريضٌ على الهجرة وترغيب في مفارقة المشركين".
وعملًا بنصوص الوحي فإننا نحرّض شباب المسلمين على الهجرة إلى ولايات الدولة الإسلامية، فهلموا وسارعوا وابذلوا طاقاتكم في تشييد صرح الشّريعة بدلًا من إهدارها في صروح الطواغيت، فاتقوا اللّه في أنفسكم وامتثلوا أمر ربكم: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41].واعلموا أن الباحث عن الهجرة لن يبلغها بغير الصدق والدعاء، فهو يخترق حجب الأرض والسماء.
وفي هذا المقام نكشف للعالم أن المهاجرين كانوا رأس الحربة في ملاحم الصومال وبراة القوس في غزوة المطار، نعلن هذا تشجيعًا للمؤمنين وإغاظة للكافرين الذين يتحدّون وعد الله تعالى بمضي الهجرة إلى قيام الساعة، فموتوا بغيظكم، فالهجرة باقية والمهاجرون قادمون ولو كره الكافرون.
ولئن كانت أرض إفريقية تعيش بدرًا وفتحًا فإن أرض العراق والشام تعيش أُحدًا وخندقًا، وكما خاض أجناد إفريقية معارك الإثخان والنكاية يخوض أجناد العراق والشّام معارك المرابطة والمراغمة، تقبل الله جهادهم أجمعين.
وفي ميدان التضحية والشّهادة ننعى إلى أمة التّوحيد ثلة من أبطال وكوادر الجهاد قُتلوا بسلسلة إنزالات صليبية واشتباكات ملحمية على ثَرى العراق والشام خلال العامين الماضيين، الذَين انشغل فيهما التحالف الصليبي بكل شيء إلا عن ملاحقتهم ومطاردتهم، رحلوا ثابتين على الدّرب لم يبدلوا أو يتراجعوا، لم يستسلموا لعدوهم أو يُعطوا الدنية في دينهم.
أَبَوْا أَنْ يَفِروا وَالْقَنَا فِي نحورِهِمْ
ولم يَرْتَقُوا مِنْ خَشيةِ الْمَوتِ سُلَّمَا
وَلَوْ أَنَّهمْ فَرُوا لَكَانُوا أَعِزَّةً
وَلكِنْ رَأَوْا صَبْرًا عَلَى الْمَوْتِ أَكْرَمَا
ومضى على ذات الدرب نفر من فوارس الإعلام ورسل البلاغ، قضوا لله نحبهم وصدّقوا كلماتهم بدمائهم، رحلوا في صمت مهيب، عاشوا في كواليس الظل يزفون لأمة الإسلام كل خير وينذرونها كل شر، أنكروا ذواتهم ونذروا حياتهم وأوقاتهم وزهرة شبابهم نصرة للشريعة حتى مضوا والوقار يلفهم في حلة من الأنوار، ونشهد أنّهم وفّوا ببيعتهم وأدّوا ما عليهم وصانوا ميدان الإعلام وأداموه نبراس هداية إلى الحق ورحمة بالخلق، نحسبهم والله حسيبهم.
مُسْتَرْسِلِينَ إِلَى الحُتُوفِ كأنَّما
بينَ الحُتُوف وبَيْنَهُمْ أرْحامُ
فدونكم يا فوارس الإعلام ثغرهم، فاحملوا رايتهم وواصلوا دربهم وصونوا أمانتهم وأنفذوا وصيتهم واستلهموا الهمّة من دمائهم وتزودوا بالعزيمة من تضحياتهم وكونوا خير خلف لخير سلف.
وعطفًا على ذلك نخاطب إخواننا المناصرين في الإعلام المساند، نقول لهم إن التمحيص والغربلة والتمايز قدرُ الجهاد في كل ميادينه، ولقد طال التمحيص ميدان المناصرة وبرزت معادن الصادقين وتألقوا بين الصفوف على قلتهم في زمن دخن كثير، وقليل نقي خير من كثير شائب، فاحرصوا أن تكونوا من هذا القليل الذي فهم معنى البيعة وأنزلها منزلتها وبذل للتّوحيد أفضل أوقاته لا فضولها، وتدبروا طويلًا قوله تعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6].
فاجتهدوا في نصرة المجاهدين وكونوا لهم لا عليهم، وتجردوا من الحظوظ والأهواء، فأخروا الألقاب والتّشريفات وقدموا الهمم والعزمات، وقد كان المناصرون قبلكم أفعالًا لا أسماءً، فانصروا دولتكم وأوصلوا رسالتها دون تحريف أو تطفيف، فمن قبل بمنهاجها فليواصل، ومن أراد أن يخلطه بغيره من الأوهام والأهواء فدونه الجماعات الهلامية والمناهج المطاطية، فعندها طلبه.
فلم تبذل دولة الإسلام كل هذه التضحيات ولم تخض حروب المفاصلات لتجعل منهاجها رهن الأذواق والأمزجة، فمنهاجها منهاج النبوة، وقد تبين الرشد من الغي أكثر من أي وقت مضى.
وقبل الختام نخاطب جنود الخلافة بهذه الوصايا: أيها المجاهدون إننا اليوم في مخاضٍ عسير لا نخفيه ولا نقلل من شأنه، قد كتبه الله علينا لحكمة سطّرها في كتابه وسنة نبيه.
فاثبتوا على عبوديتكم في هذه المرحلة، فالأجر فيها على قدر المشقة، وهذه هي عبودية المراغمة التي عناها ابن القيم، وبيّن أمارتها فقال: "فَمَنْ تَعَبَّدَ اللَّهَ بِمُرَاغَمَةِ عَدُوِّهِ، فَقَدْ أَخَذَ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ بِسَهْمٍ وَافِرٍ، وَعَلَى قَدْرِ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَمُوَالَاتِهِ وَمُعَادَاتِهِ لِعَدُوِّهِ يَكُونُ نَصِيبُهُ مِنْ هَذِهِ الْمُرَاغَمَةِ".
فهي تبرز في مواطن الجهاد والهجرة والمفاصلة لقوله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]، واعلموا أيها المجاهدون أن الهمم والعزائم قد تفتر من تكرار النوائب وتتابع المصائب، لكن المؤمن يرممها ويعالجها باليقين والتّسليم بموعود الله لعباده وما أعده للصابرين في دار كرامته.
وآفة عصرنا ضعف اليقين، والمؤمنون يتفاوتون في مراتبه، وقمين بالمجاهد أن يحوز أعلاها، كما ينبغي للمجاهد أن يربي نفسه تربية أخلاقية تزيّن جهاده، فالمجاهدون أبرُّ الناس قلبا وأصدقهم لسانا وأحسنهم أخلاقا، فاحفظوا أيها المجاهدون أخلاقكم في زمن التفاهات، وحريّ بمن هو في الذروة ألا يجاري أهل المستنقعات.فترفّعوا من غير كبر، وتواضعوا في غير ذلة، واحتسوا مرارة أخلاق الناس، واسقوهم عذوبة أخلاقكم، والزموا في ذلك هدي نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، فإنّه بالمؤمنين رؤوف رحيم، ولا يحملنكم قسوة الظرف على قسوة الطبع، فالمؤمنون رحماء بينهم.
ونذكر المجاهدين بأهمية العلم في ميادين الجهاد، فبين العلم والجهاد نسب وصهر، ومتى اجتمعا اجتمعت أبواب الخير وفصول التوفيق، ومتى افترقا تخلّف التوفيق بقدر ذلك، وصار الجهاد على غير بصيرة، والعلماء العاملون صمام أمان للجهاد يقودونه نحو غاياته ويبلغونه مقاصده، قال ابن القيم: "فالفروسية فروسيتان: فروسية العلم والبيان، وفروسية الرمي والطعان، ولما كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أكمل الخلق في الفروسيتين فتحوا القلوب بالحجّة والبرهان، والبلاد بالسيف والسنان، وما الناس إلا هؤلاء الفريقان، ولا يعدل مداد العلماء إلا دم الشهداء"، كما تشتد الحاجة اليوم إلى التربية الأمنية، فأنت يا جندي الخلافة هدف لكل مخابرات الدنيا، وإن لم تتفطن لأساليبهم ومكرهم وقعت في فخاخهم، ومتى تخليت عن حذرك أو أرخيت دفاعاتك تخطفتك سهامهم.
ومما يتصل بالأمن قواعد التّوثيق والتّزكية، فحري بالمجاهدين مراجعتها والتأني كثيرا قبل إطلاقها على مستحقّيها، ومن ذلك التّزكية الافتراضية عبر العنكبوتية، فلا يُبنى عليها ولا تنفي الجهالة عن صاحبها، فسددوا وقاربوا.
ولا تتساهلوا في موازين الجرح والتعديل في زمن غلبة النفاق والخيانة، ومما ينبغي للمجاهد أن ينميه في شخصيته الشّجاعة والإقدام، فالشّجاعة وقاية والجبن مقتلة، فلا الإقدام يقدم الأجل ولا الجبن يؤخره، فاقتحموا غمار الموت، فإنّ أكثر النكاية في هذا الزمان لا تتحقق بغير الانغماس، فالانغماسيون درة التّاج في ميادين الجهاد.
وجامعة الوصايا في الأولى والآخرة تقوى الله تعالى في السرّ والعلن، والصّبر على الشدائد والمحن، وما اجتمعا فيكم إلا رد الله عنكم كيد الأعداء وثنّى لكم بالفتح والنصر، قال الحكيم الخبير: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120]، فأكثروا من ذكره تعالى وتجديد التّوبة إليه والانطراح على عتبته سبحانه، والإلحاح عليه بأسمائه وصفاته، ثم احتسبوا عند الله ما أنتم فيه من شدّة، واشكروه تعالى على ما حباكم من نعمة، فإنما هي أيام الصّبر وبعدها الفرج والظّفر بإذن الله تعالى، فانصروا الله ينصركم، وخافوا مقامه ووعيده يمنحكم أرض عدوكم، واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
تفريغ: مؤسسة صرح الخلافة - رمضان 1447 ...المزيد
مؤسسة الفرقان / تفريغ كلمة صوتية تفريغ كلمة صوتية للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية الشيخ ...
مؤسسة الفرقان / تفريغ كلمة صوتية
تفريغ كلمة صوتية للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية الشيخ المجاهد أبي حذيفة الأنصاري -حفظه الله- بعنوان: قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
الحمد لله حمد الشاكرين الصابرين، حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، له الحمد في الأولى والآخرة، في السراء والضراء، في الشدة والرخاء، بنعمته تتم الصالحات، وبجوده تتنزل الرحمات، والصلاة والسلام على نبي المجاهدين المرابطين وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْغَدْوَةُ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا».
إلى إخواننا المسلمين وفي مقدمتهم جنود الخلافة الميامين نبلغكم سلام أمير المؤمنين الشيخ المجاهد أبي حفصٍ الهاشمي -حفظه الله تعالى-، ننقل إليكم تهنئته العطرة بحلول شهر المغفرة، ويحثكم فيه على الاجتهاد والتزود بخير الزاد، ويوصيكم باغتنامه ببذل الأموال والأنفس في سبيل الله وإحياء لياليه بالقيام على الثغور وفي المحاريب، فهي فرصة ثمينة للجمع بين هذين القيامين الشريفين في أشرف الأزمنة والميادين.
إخواني المسلمين، نخاطبكم بعد عامين مخضبين بالدماء والأشلاء خطاب الثابتين مع شدة اللأواء، خطاب الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، من بين ميادين الملحمة ودروب المراغمة، ولقد بلغتنا أشواق المحبين ولهفة المنتظرين، كما وصلتنا أوهام الكافرين وأماني المنافقين.
فللأحبة نقول: لم نغب عنكم ساعة من نهار، وإنما نصمت عندما يكون الصمت أنجى، ونتحدث عندما يكون القول أجدَى، وإن صمت الفرقان فلم تصمت مدافعه ولم تهدأ ملاحمه، وما انفك صداه ينبعث من فوهات بنادق المجاهدين وأحزمة الانغماسيين، يناديكم بحناجر المقاتلين المتأهبين، ويهمس في آذانكم عبر منابر الدعاة المشفقين، وما زال فرقانًا بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، بين الرشد والغي.
وللمنافقين والكافرين الذين شطحوا في تحليلاتهم وخلطوا أوهامهم بأمانيهم نقول ها هو صوت الفرقان يقرع مسامعكم وينغص عيشكم ويبدد أوهامكم، فموتوا بغيظكم، فلقد أبقاه الله تعالى حربًا لكم وفضحًا لغيكم وإزهاقًا لباطلكم.
أمة الإسلام، توالت المحن والأحداث على بلاد المسلمين، وكان من أبرزها وأبينها ما آلت إليه أحوال الشام الأسيرة بعد طرد النفوذ الإيراني منها، وما تبعه من سقوط الزعيم الصوري للنظام النصيري واستبداله سريعًا بنظام خاضع للنفوذ الأمريكي، عينوا له زعيمًا صوريًا جديدًا استهوته شياطين الترك والغرب وصيرته طاغوتًا صنوَ طواغيت العرب، وها قد تبين الرشد من الغي في أحداث الشام، وبان لأولي الأحلام أن خلافنا مع الجبهات والهيئات قبل سنوات كان في العقائد لا في السياسات، بين التوحيد والشرك، بين دولة الشريعة ودولة القانون، بل ليس في ديننا أصل أو فرع أو نقل أو عقل يقر الناكث المرتد على ما فعل من حربه لأهل الإيمان وتوليه لأهل الأوثان.
قال الحق تبارك وتعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 117].
ونقف هنيهة نستذكر فيها أولئك الذين تمالؤوا معه على حربنا وجرؤوه علينا وجعلوه حفيد الفاتحين ورمونا بالخوارج المارقين، وسنموه وسمنوه فكانوا أول من نهشهم، وتدبروا عدل الله فيهم كيف أمات ذكرهم كأن لم يكونوا من قبل.وأما دعاوى التحرير وإسقاط النظام في أيام ردع العدوان فتلك مسرحية تركية بإخراج أمريكي مفضوح، فالشام اليوم يحكمها الصليبيون بعد أن نصّبوا عليها دمية بلا روح يحركونها من أمام الستار لا من خلفه، وقد ظنوا بذلك أنهم طووا صفحة الجهاد في الشام، ولكن أنَّى لهم، فلقد دخلت الشام فصلًا جديدًا من فصول المدافعة، وستمضي قافلة الجهاد والمراغمة في شام الملحمة إلى قيام الساعة، ولن تحط رحالها إلا في دابق والمنارة البيضاء، ولن ينال الطاغوت الجديد رضى النصارى واليهود حتى يتبع ملتهم فيتنصر أو يتهود، وبغير ذلك فمهما تردى في مهاوي الردة فلن يكون مصيره أفضل حالًا من سلفه الكردي ولا سلفه النصيري، وقد حرس حدود اليهود لعقود ثم تخلصوا منه بين ليلة وضحاها.
إن النظام السوري الجديد بحكومته العلمانية وجيشه القومي كفرة مرتدون ليس أوجب بعد الإيمان من قتالهم لتخليص الشام من براثنهم، وعلى أجناد الشام السعي الحثيث لقتالهم وجعل ذلك أولويتهم وحشد كل طاقاتهم لذلك، وبهذا القتال تلفظ الشام خبثها وتمتاز صفوفها وتعود سيرتها الأولى.
أما أنتم يا بقايا الجماعات في الشام، لطالما نصحكم أمراء الدولة الإسلامية فأعرضتم، وصدقوكم فكذبتم، ولن تستفيقوا اليوم إلا وخناجر الغادر في خاصرتكم، وها نحن ندعوكم مجددًا معذرة إلى ربكم، فتوبوا إليه والحقوا بموكب النور البهي، فقد حصحص الحق وتبين الرشد من الغي، واعلموا أن الأحزاب والجماعات حائل دون الهدى في معظم الساحات، فتطهروا من رجس الحزبية تقطعوا نصف الطريق إلى الهداية.
وفي مقام النصح أيضًا نخاطب أهلنا المسلمين في الشام: يا قوم لقد عظمت تضحياتكم فلا تهدروها في سراب الوطنية، ولا تذروها في رياح الديمقراطية، ولا تقبلوا لها ثمنًا غير حكم الشريعة الربانية، يا قوم لا تجعلوا دماءكم جسرًا دوليًا لصناعة طواغيت جدد يعيدون فيكم حقبة الأسد، فتعظم خسارتكم وتطول حسرتكم، يا قوم {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [يوسف: 40]، فالذي تتوجهون بالعبادة إليه يأمركم بالاحتكام إليه لا إلى الدستور السوري، فاتبعوا دعوة الرسل لا عجل السامري، فالوحى الوحى، والنجاء النجاء، اللهم هل بلغنا، اللهم فاشهد.
ولقد تناهى إلى مسامعنا مزايدة من سفه نفسه من غلمان ترامب وأوليائه الكفار على الدولة الإسلامية بأسراها الأطهار، فيا للعجب أما يستحي من أكمل به التحالف الصليبي فرعه التسعين أن يعير الموحدين الصابرين؟ يا أذناب الصليبيين ورعاة خنازيرهم وكلاب حراستهم هذا أنتم فاعرفوا قدركم، أما مجاهدونا فهم من دوخوا التحالف العالمي وأرهقوه واستنزفوه وحيروه وأعيوه حتى لم يبق في جعبته حيلة لحربنا إلا تجنيدكم لقتالنا أيها الأنذال، فادفنوا رؤوسكم في الرمال وكفوا أقزامكم عن عمالقة الجبال.
أفعشت حتى عبتهم قل لي متى
توجت سرعة ما أرى يا بيدق
أما أنتم إخواننا الأسرى، فنعم أنتم تهابكم الدول وتخافكم الجيوش، الصليبي يحلق بطائراته ويستنفر قواته من أجلكم، الرافضي يحشد قطعانه على طول الحدود خشية فراركم، الطاغوت السوري ينافس الكردي على حصاركم، فمن أنتم؟ ما سر قوتكم؟ لماذا تكالب العالم عليكم وباتوا يرتعبون حتى من أطفالكم؟ يا فرائد عصركم ودرة زمانكم لقد نقموا منكم إيمانكم، نعم لقد نقموا منكم إيمانكم، فتوجهت كل سهام الباطل نحوكم واجتمع الأحمر والأسود على حربكم، ولو داهنتم أو فرطتم في عقيدتكم كما فعل غيركم لانتهت منذ عقد أزمتكم، ولكنه دين الله تعالى وسلعته الغالية، وعلى هذا بايعنا وبايعتم.
روى ابن إسحاق في السير قال: "لما اجتمعوا للبيعة -يعني العقبة الثانية- قال العباس بن عبادة: هَلْ تَدْرُونَ علامَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إِذَا نهَكَتْ أَمْوَالَكُمْ مُصِيبَة، وَأَشْرَافكُمْ قَتْلا أَسْلَمْتُمُوهُ، فَمِن الآنَ، فَهُوَ وَاللَّهِ إِنْ فَعَلْتُمْ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه عَلَى نَهْكَةِ الأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الأَشْرَافِ، فَخُذُوهُ، فَهُوَ وَاللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. قَالُوا: فَإنَّا نَأْخُذهُ على مُصِيبَة الْأَمْوَال وَقتل الْأَشْرَاف فما لنا بذلك يَا رَسُول الله إِن نَحن وَفّينَا. قَالَ: «الْجنَّة» قَالُوا ابْسُطْ يدك، فَبسط يده فَبَايعُوهُ".وتأملوا إخواننا خطاب الله للمؤمنين قبلكم ممن أصابهم ما أصابكم، ففيه سلوى وبشرى لنا ولكم: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران: 195].
وكلما اشتدت فصول الحرب والمحنة علينا سلقونا بألسنة حدادٍ أشحة علينا، وخاضوا في تقييم جهادنا بالورقة والقلم على أرائك الترف والوهم.
أفِي السِّلْمِ أعْياراً جَفاءً وغِلْظَةً
وَفِي الحرْبِ أشْباهَ النِّساءِ العوَارِكِ
فلهؤلاء وغيرهم نقول: لقد نجحت الدولة الإسلامية بفضل مولاها نجاحًا باهرًا، مقياسه الكتاب والسنة لا مقاييسكم وحساباتكم، لقد نجحت في تمدد الجهاد إلى أقطاب العالم وإيصاله إلى العرب والعجم وتسهيل سبله وهدم شروط تعطيله التي ابتدعها مشايخ الطاغوت ولحق بهم بعض أدعياء الجهاد ممن ملّوا الطريق وطال عليهم الأمد.
لقد نجحت في ميدان الدعوة على منهاج النبوة، فصار المجاهدون ينشرون الإسلام بالسنان والبرهان كما كان الحال في القرون المفضلة، فالهداية مع الجهاد، قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]، وانظروا حولكم هل انتشرت معالم التوحيد وملة إبراهيم والولاء والبراء والكفر بالطاغوت والشريعة والخلافة والبيعة والهجرة والجماعة والمفاصلة وبلغت ما بلغته اليوم في عهد الدولة الإسلامية؟
كما نجحت الدولة الإسلامية وسبقت إلى صون مسيرة الجهاد عن الانحرافات التي غزت الساحات، وليس من رقّع وخاط كمن ثوبه صحيح، ونذكر طرفًا من ذلك لمن لم يعاصرها منذ خفق في العراق عُقابها يوم أنار الله بصيرتها فحكمت في الرافضة حكم الإسلام في الوقت الذي كان فيه "الجهاديون" تحت التنظير والاستقطاب الرافضي.
كانت تبث للأمة منهاج المفاصلة، وغيرها يصدّر مناهج هلامية، أفرزت مسوخًا جاهلية بأصباغ جهادية كالإدارة العلمانية والإمارة الوطنية وأُخرُ متشابهات يسعين للغاية ذاتها.
وبعد عقدين من الحرب عليها منذ قامت في العراق الأبي، وأكثرَ من عقد على بدء الحرب عليها بقيادة التحالف التسعيني، ها هي دولة الإسلام ماضية باقية بفضل الله تعالى شوكة في حلوق الكافرين وسيفًا مصلتًا على رقابهم، تفضح باطلهم بالحجّة والبرهان وتصدّ عاديتهم بالسّيف والسّنان، وها هي تضرب في كل مكان بالطّريقة التي تناسب الحال والمقام، وكأني بفرسانها قد كتبوا على جدار الدهر دولة الإسلام مرت من هنا، ونقشوا على وجنة الجوزاء نحن لها نحن لها.
واسألوا جيف اليهود في سيدني، والنصارى في أورليانز، سلوا الروس في موسكو وأذنابهم في القوقاز، سلوا معابد الرّافضة في كرمان وعمان، وسلوهم في خراسان وباكستان، سلوا كل صقعٍ في هذا العالم عن بطولات أجنادنا وضربات آسادنا.
وهنا وقفة مع أبطال الهجمات العابرة للقارات؛ إخواننا، لقد ضربتم فأوجعتم، ورأيتم ثمرة صنيعكم وحجم الرعب والقلق والاستنفار الذي غزا دول الغرب الكافر خشية صولاتكم وجولاتكم، ويكفي للدلالة على ذلك الخسائر الكبيرة التي تكبدتها أوروبا الصليبية هذا العام لتأمين أعيادهم، وكيف تحولت شوارعهم إلى ساحات حرب كنتم أنتم أبطالها ومُسَعِّريهَا بنصالكم وطلقاتكم وحافلاتكم، فواصلوا أيها الأسد البواسل هجماتكم ضد الأهداف الصليبية واليهودية في كل مكان، واستعينوا عليها بالسّرية والكتمان، وأعدوا لها قوة الإيمان وقوة الأبدان، لا تفرطوا في أي منهما، واعلموا أن العهدة على الأولى.
ومما تسلقنا به الألسنة الحداد أننا لم نستفد من تجاربنا ولم نتعلم من أخطائنا، ومن قال لكم ذلك؟ لقد تعلمنا أنّه لا صواب يعدل صواب التّوحيد فأصررنا عليه، وتعلمنا أنّه لا رشد يعدل الشّريعة ولا غي مثل الديمقراطية فزدنا إيمانًا بالأولى وكفرًا بالثانية، وتعلمنا من تجاربنا أنّه لا سبيل لإنقاذ الأمة غير سبيل الجهاد لكنه محفوف بالمكاره والصعاب فسلكناه طوعًا واستعذبنا فيه العذاب، وتعلمنا من تجاربنا أنّ سبيل الحق واحدة وسبل الباطل كثيرة فاتّبعنا السبيل وتركنا السبل استجابة لوصية مولانا القائل: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].ولقد تعلمنا من تجاربنا أن الانحراف المنهجي يبدأ صغيرًا ويكبر مع الأيام، فحسمنا بوادره ولم نتهاون معه غلوًا كان أو إرجاءً، وأيقنا أن سلامة العقائد لا يعدلها شيء، فلتذهب الدنيا بأسرها ولتسلم لنا عقائدنا نلقى بها مولانا وتشفع لنا يوم تطيش السّجلات وتبدل الأرض غير الأرض والسّماوات.
ولقد عابوا علينا الصبر في مواطن الصبر وكرهوا آياته وملّوها، نعم ملّوها، عابوا علينا الثّبات في مواطن المحنة وقالوا محرقة، وعابوا علينا الإقدام في مواطن الهمّة وقالوا مهلكة، عيّرونا بالضّراء وحسدونا على السّراء، آمنوا بالفتح وكفروا بالخندق، إن حكمنا الأرض مغالبة وقهرًا قالوا مؤامرة، وإن ابتلينا بالأحزاب قالوا هزيمة، وإن تأسّينا بآيات الصبر قالوا يبررون، وإن بشّرنا بآيات النصر قالوا واهمون، إن صدحنا بالحق قالوا متشددون، وإن صمتنا قالوا غائبون، وهكذا هم المنافقون، ما سلك الجهاد فجًا إلا سلكوا فجًا نقيضه، كالشّيطان والفرقان لا يلتقيان.
وحاصل الأمر أن هؤلاء لا تعني لهم سلامة الدين شيئًا، فقد وزنوا الأمور بميزان المادة، فعدّوا كل فقد لها خسارة وكل ظفر بها فوزًا ولو على حساب دينهم، فما قدروا الهداية قدرها، هذه هي الحقيقة تنكرها ألسنتهم وتنطق بها أفعالهم.
وبعيدًا عن دروب المنافقين، هل أتاكم نبأ ملحمة الصومال محضن الرجال وقلعة الأبطال؟ أكثر من عام وهم يقارعون الحملة الصليبية بقيادة أمريكا والإمارات وجيوش بونتلاند على الأرض، فماذا كانت النتيجة بعد أن تخطت حملتهم جدولها الزمني؟ تشتَّتتْ صفوفهم وقُتل أبرز قادتهم والمئات من جنودهم، فغصّت جبال مسكاد بقتلاهم، وعصفت العبوات بأرتالهم، وصالت عليهم طلائع الانغماسيين ففرقت جموعهم، فاستعانوا عليهم بالطائرات فزادتهم رهقًا ولم تغن عنهم، واليوم باتوا بلا أفق، أيعلنون نهاية الحملة بهزيمة لا تخفى أم يواصلونها بخسارة أشد من الأولى؟
فبورك يا أجناد الصومال سعيكم، واشكروا المولى على فضله يزدكم.
ومن ملاحم شرق إفريقية إلى غربها، حيث محرقة المعسكرات التي اصطلى بها جيش نيجيريا ومُرّغ أنفه في التراب، وصار مُدافعًا طريدًا لفرسان الاقتحامات، فإن قرر الهجوم تلقّاه فرسان الشهادة بالمفخخات، فلا تسل عن رعبهم حينها، كأنهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة.
شُوسٌ إذَا خَفَقَتْ عُقابُ لوَائهِمْ
ظَلَّتْ قُلُوبُ المَوْتِ مِنْهم تَخْفِقُ
ولما رأى كواسر الساحل صنيع إخوانهم هبّوا وتسابقوا، فخرج الكماة البهاليل يطوون الأرض طيّا، ولم تقف جحافلهم إلا وسط قواعد الجيوش المالية والنيجرية، فأبادوا من فيها ولم يكتفوا وما قنعوا حتى أثلجوا الصدور بغزوة مطار نيامي يوم حبس طواغيت النيجر أنفاسهم، ولفرط صدمتهم ظنوه انقلابًا جديدًا، فلما أسفر الصبح عن الحقيقة طفقوا يخصفونها بالكذب فلم تسعفهم كل غرابيل إفريقية.
ولم يرضَ غرباء وسط إفريقية وموزمبيق بأقل من ذلك، فكثّفوا هجماتهم على الجيوش الصليبية فأحرقوا المعسكرات والثكنات وسلبوهم الأسلحة والمعدات في تطور ملحوظ وجهد ميداني محمود، تجاوز مذابح النصارى المحاربين إلى محارق جيوشهم الخائرين، وهكذا أينما قلبت ناظريك في الساحة الإفريقية رأيت صرح الإسلام يُشيّد وصروح الكفر تدكدك.
لقد جدد فوارس إفريقية الأمجاد وأعادوا سير أجدادهم عقبة وموسى وابن زياد، لقد صانت إفريقية أمانة الخلافة وحملت رايتها في أحلك الظروف وقارعت عنها جيوش الروم وأحباشهم، وغدت ملاذ الصادقين وقبلة المهاجرين، وصارت مصدر تشتيت واستنزاف للحملة الصليبية التي غزت العراق والشام، فتداعت لها إفريقية تنصر وتؤازر وتنافح عنها بالمهج والأرواح في صورة جلية للأخوة الإيمانية وثمرة يانعة من ثمار الجماعة، وكما أينعت ثمرة العراق والشام في إفريقية فليرتقب الصليبيون أين تينع الثمرة الإفريقية، واللهَ نسأل أن تكون في عقر أوروبا الصليبية.
فشدوا الهمم يا فرسان ليبيا والمغرب وتونس والجزائر، فليس من بادر كمن جاء في الصف الآخر.
أيها المسلمون، إن الإسلام لم ينتصر في الزمن الأول إلا بالهجرة والجهاد، ولن ينتصر في الزمن الآخر إلا بذلك، ولذا بشّر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنّ الهجرة والجهاد ماضيان إلى قيام الساعة فقال: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ»، وقال ابن كثير في قوله عز وجل: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]، قال: "هذا تحريضٌ على الهجرة وترغيب في مفارقة المشركين".
وعملًا بنصوص الوحي فإننا نحرّض شباب المسلمين على الهجرة إلى ولايات الدولة الإسلامية، فهلموا وسارعوا وابذلوا طاقاتكم في تشييد صرح الشّريعة بدلًا من إهدارها في صروح الطواغيت، فاتقوا اللّه في أنفسكم وامتثلوا أمر ربكم: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41].واعلموا أن الباحث عن الهجرة لن يبلغها بغير الصدق والدعاء، فهو يخترق حجب الأرض والسماء.
وفي هذا المقام نكشف للعالم أن المهاجرين كانوا رأس الحربة في ملاحم الصومال وبراة القوس في غزوة المطار، نعلن هذا تشجيعًا للمؤمنين وإغاظة للكافرين الذين يتحدّون وعد الله تعالى بمضي الهجرة إلى قيام الساعة، فموتوا بغيظكم، فالهجرة باقية والمهاجرون قادمون ولو كره الكافرون.
ولئن كانت أرض إفريقية تعيش بدرًا وفتحًا فإن أرض العراق والشام تعيش أُحدًا وخندقًا، وكما خاض أجناد إفريقية معارك الإثخان والنكاية يخوض أجناد العراق والشّام معارك المرابطة والمراغمة، تقبل الله جهادهم أجمعين.
وفي ميدان التضحية والشّهادة ننعى إلى أمة التّوحيد ثلة من أبطال وكوادر الجهاد قُتلوا بسلسلة إنزالات صليبية واشتباكات ملحمية على ثَرى العراق والشام خلال العامين الماضيين، الذَين انشغل فيهما التحالف الصليبي بكل شيء إلا عن ملاحقتهم ومطاردتهم، رحلوا ثابتين على الدّرب لم يبدلوا أو يتراجعوا، لم يستسلموا لعدوهم أو يُعطوا الدنية في دينهم.
أَبَوْا أَنْ يَفِروا وَالْقَنَا فِي نحورِهِمْ
ولم يَرْتَقُوا مِنْ خَشيةِ الْمَوتِ سُلَّمَا
وَلَوْ أَنَّهمْ فَرُوا لَكَانُوا أَعِزَّةً
وَلكِنْ رَأَوْا صَبْرًا عَلَى الْمَوْتِ أَكْرَمَا
ومضى على ذات الدرب نفر من فوارس الإعلام ورسل البلاغ، قضوا لله نحبهم وصدّقوا كلماتهم بدمائهم، رحلوا في صمت مهيب، عاشوا في كواليس الظل يزفون لأمة الإسلام كل خير وينذرونها كل شر، أنكروا ذواتهم ونذروا حياتهم وأوقاتهم وزهرة شبابهم نصرة للشريعة حتى مضوا والوقار يلفهم في حلة من الأنوار، ونشهد أنّهم وفّوا ببيعتهم وأدّوا ما عليهم وصانوا ميدان الإعلام وأداموه نبراس هداية إلى الحق ورحمة بالخلق، نحسبهم والله حسيبهم.
مُسْتَرْسِلِينَ إِلَى الحُتُوفِ كأنَّما
بينَ الحُتُوف وبَيْنَهُمْ أرْحامُ
فدونكم يا فوارس الإعلام ثغرهم، فاحملوا رايتهم وواصلوا دربهم وصونوا أمانتهم وأنفذوا وصيتهم واستلهموا الهمّة من دمائهم وتزودوا بالعزيمة من تضحياتهم وكونوا خير خلف لخير سلف.
وعطفًا على ذلك نخاطب إخواننا المناصرين في الإعلام المساند، نقول لهم إن التمحيص والغربلة والتمايز قدرُ الجهاد في كل ميادينه، ولقد طال التمحيص ميدان المناصرة وبرزت معادن الصادقين وتألقوا بين الصفوف على قلتهم في زمن دخن كثير، وقليل نقي خير من كثير شائب، فاحرصوا أن تكونوا من هذا القليل الذي فهم معنى البيعة وأنزلها منزلتها وبذل للتّوحيد أفضل أوقاته لا فضولها، وتدبروا طويلًا قوله تعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6].
فاجتهدوا في نصرة المجاهدين وكونوا لهم لا عليهم، وتجردوا من الحظوظ والأهواء، فأخروا الألقاب والتّشريفات وقدموا الهمم والعزمات، وقد كان المناصرون قبلكم أفعالًا لا أسماءً، فانصروا دولتكم وأوصلوا رسالتها دون تحريف أو تطفيف، فمن قبل بمنهاجها فليواصل، ومن أراد أن يخلطه بغيره من الأوهام والأهواء فدونه الجماعات الهلامية والمناهج المطاطية، فعندها طلبه.
فلم تبذل دولة الإسلام كل هذه التضحيات ولم تخض حروب المفاصلات لتجعل منهاجها رهن الأذواق والأمزجة، فمنهاجها منهاج النبوة، وقد تبين الرشد من الغي أكثر من أي وقت مضى.
وقبل الختام نخاطب جنود الخلافة بهذه الوصايا: أيها المجاهدون إننا اليوم في مخاضٍ عسير لا نخفيه ولا نقلل من شأنه، قد كتبه الله علينا لحكمة سطّرها في كتابه وسنة نبيه.
فاثبتوا على عبوديتكم في هذه المرحلة، فالأجر فيها على قدر المشقة، وهذه هي عبودية المراغمة التي عناها ابن القيم، وبيّن أمارتها فقال: "فَمَنْ تَعَبَّدَ اللَّهَ بِمُرَاغَمَةِ عَدُوِّهِ، فَقَدْ أَخَذَ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ بِسَهْمٍ وَافِرٍ، وَعَلَى قَدْرِ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَمُوَالَاتِهِ وَمُعَادَاتِهِ لِعَدُوِّهِ يَكُونُ نَصِيبُهُ مِنْ هَذِهِ الْمُرَاغَمَةِ".
فهي تبرز في مواطن الجهاد والهجرة والمفاصلة لقوله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]، واعلموا أيها المجاهدون أن الهمم والعزائم قد تفتر من تكرار النوائب وتتابع المصائب، لكن المؤمن يرممها ويعالجها باليقين والتّسليم بموعود الله لعباده وما أعده للصابرين في دار كرامته.
وآفة عصرنا ضعف اليقين، والمؤمنون يتفاوتون في مراتبه، وقمين بالمجاهد أن يحوز أعلاها، كما ينبغي للمجاهد أن يربي نفسه تربية أخلاقية تزيّن جهاده، فالمجاهدون أبرُّ الناس قلبا وأصدقهم لسانا وأحسنهم أخلاقا، فاحفظوا أيها المجاهدون أخلاقكم في زمن التفاهات، وحريّ بمن هو في الذروة ألا يجاري أهل المستنقعات.فترفّعوا من غير كبر، وتواضعوا في غير ذلة، واحتسوا مرارة أخلاق الناس، واسقوهم عذوبة أخلاقكم، والزموا في ذلك هدي نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، فإنّه بالمؤمنين رؤوف رحيم، ولا يحملنكم قسوة الظرف على قسوة الطبع، فالمؤمنون رحماء بينهم.
ونذكر المجاهدين بأهمية العلم في ميادين الجهاد، فبين العلم والجهاد نسب وصهر، ومتى اجتمعا اجتمعت أبواب الخير وفصول التوفيق، ومتى افترقا تخلّف التوفيق بقدر ذلك، وصار الجهاد على غير بصيرة، والعلماء العاملون صمام أمان للجهاد يقودونه نحو غاياته ويبلغونه مقاصده، قال ابن القيم: "فالفروسية فروسيتان: فروسية العلم والبيان، وفروسية الرمي والطعان، ولما كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أكمل الخلق في الفروسيتين فتحوا القلوب بالحجّة والبرهان، والبلاد بالسيف والسنان، وما الناس إلا هؤلاء الفريقان، ولا يعدل مداد العلماء إلا دم الشهداء"، كما تشتد الحاجة اليوم إلى التربية الأمنية، فأنت يا جندي الخلافة هدف لكل مخابرات الدنيا، وإن لم تتفطن لأساليبهم ومكرهم وقعت في فخاخهم، ومتى تخليت عن حذرك أو أرخيت دفاعاتك تخطفتك سهامهم.
ومما يتصل بالأمن قواعد التّوثيق والتّزكية، فحري بالمجاهدين مراجعتها والتأني كثيرا قبل إطلاقها على مستحقّيها، ومن ذلك التّزكية الافتراضية عبر العنكبوتية، فلا يُبنى عليها ولا تنفي الجهالة عن صاحبها، فسددوا وقاربوا.
ولا تتساهلوا في موازين الجرح والتعديل في زمن غلبة النفاق والخيانة، ومما ينبغي للمجاهد أن ينميه في شخصيته الشّجاعة والإقدام، فالشّجاعة وقاية والجبن مقتلة، فلا الإقدام يقدم الأجل ولا الجبن يؤخره، فاقتحموا غمار الموت، فإنّ أكثر النكاية في هذا الزمان لا تتحقق بغير الانغماس، فالانغماسيون درة التّاج في ميادين الجهاد.
وجامعة الوصايا في الأولى والآخرة تقوى الله تعالى في السرّ والعلن، والصّبر على الشدائد والمحن، وما اجتمعا فيكم إلا رد الله عنكم كيد الأعداء وثنّى لكم بالفتح والنصر، قال الحكيم الخبير: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120]، فأكثروا من ذكره تعالى وتجديد التّوبة إليه والانطراح على عتبته سبحانه، والإلحاح عليه بأسمائه وصفاته، ثم احتسبوا عند الله ما أنتم فيه من شدّة، واشكروه تعالى على ما حباكم من نعمة، فإنما هي أيام الصّبر وبعدها الفرج والظّفر بإذن الله تعالى، فانصروا الله ينصركم، وخافوا مقامه ووعيده يمنحكم أرض عدوكم، واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
تفريغ: مؤسسة صرح الخلافة - رمضان 1447 ...المزيد
تفريغ كلمة صوتية للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية الشيخ المجاهد أبي حذيفة الأنصاري -حفظه الله- بعنوان: قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
الحمد لله حمد الشاكرين الصابرين، حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، له الحمد في الأولى والآخرة، في السراء والضراء، في الشدة والرخاء، بنعمته تتم الصالحات، وبجوده تتنزل الرحمات، والصلاة والسلام على نبي المجاهدين المرابطين وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْغَدْوَةُ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا».
إلى إخواننا المسلمين وفي مقدمتهم جنود الخلافة الميامين نبلغكم سلام أمير المؤمنين الشيخ المجاهد أبي حفصٍ الهاشمي -حفظه الله تعالى-، ننقل إليكم تهنئته العطرة بحلول شهر المغفرة، ويحثكم فيه على الاجتهاد والتزود بخير الزاد، ويوصيكم باغتنامه ببذل الأموال والأنفس في سبيل الله وإحياء لياليه بالقيام على الثغور وفي المحاريب، فهي فرصة ثمينة للجمع بين هذين القيامين الشريفين في أشرف الأزمنة والميادين.
إخواني المسلمين، نخاطبكم بعد عامين مخضبين بالدماء والأشلاء خطاب الثابتين مع شدة اللأواء، خطاب الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، من بين ميادين الملحمة ودروب المراغمة، ولقد بلغتنا أشواق المحبين ولهفة المنتظرين، كما وصلتنا أوهام الكافرين وأماني المنافقين.
فللأحبة نقول: لم نغب عنكم ساعة من نهار، وإنما نصمت عندما يكون الصمت أنجى، ونتحدث عندما يكون القول أجدَى، وإن صمت الفرقان فلم تصمت مدافعه ولم تهدأ ملاحمه، وما انفك صداه ينبعث من فوهات بنادق المجاهدين وأحزمة الانغماسيين، يناديكم بحناجر المقاتلين المتأهبين، ويهمس في آذانكم عبر منابر الدعاة المشفقين، وما زال فرقانًا بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، بين الرشد والغي.
وللمنافقين والكافرين الذين شطحوا في تحليلاتهم وخلطوا أوهامهم بأمانيهم نقول ها هو صوت الفرقان يقرع مسامعكم وينغص عيشكم ويبدد أوهامكم، فموتوا بغيظكم، فلقد أبقاه الله تعالى حربًا لكم وفضحًا لغيكم وإزهاقًا لباطلكم.
أمة الإسلام، توالت المحن والأحداث على بلاد المسلمين، وكان من أبرزها وأبينها ما آلت إليه أحوال الشام الأسيرة بعد طرد النفوذ الإيراني منها، وما تبعه من سقوط الزعيم الصوري للنظام النصيري واستبداله سريعًا بنظام خاضع للنفوذ الأمريكي، عينوا له زعيمًا صوريًا جديدًا استهوته شياطين الترك والغرب وصيرته طاغوتًا صنوَ طواغيت العرب، وها قد تبين الرشد من الغي في أحداث الشام، وبان لأولي الأحلام أن خلافنا مع الجبهات والهيئات قبل سنوات كان في العقائد لا في السياسات، بين التوحيد والشرك، بين دولة الشريعة ودولة القانون، بل ليس في ديننا أصل أو فرع أو نقل أو عقل يقر الناكث المرتد على ما فعل من حربه لأهل الإيمان وتوليه لأهل الأوثان.
قال الحق تبارك وتعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 117].
ونقف هنيهة نستذكر فيها أولئك الذين تمالؤوا معه على حربنا وجرؤوه علينا وجعلوه حفيد الفاتحين ورمونا بالخوارج المارقين، وسنموه وسمنوه فكانوا أول من نهشهم، وتدبروا عدل الله فيهم كيف أمات ذكرهم كأن لم يكونوا من قبل.وأما دعاوى التحرير وإسقاط النظام في أيام ردع العدوان فتلك مسرحية تركية بإخراج أمريكي مفضوح، فالشام اليوم يحكمها الصليبيون بعد أن نصّبوا عليها دمية بلا روح يحركونها من أمام الستار لا من خلفه، وقد ظنوا بذلك أنهم طووا صفحة الجهاد في الشام، ولكن أنَّى لهم، فلقد دخلت الشام فصلًا جديدًا من فصول المدافعة، وستمضي قافلة الجهاد والمراغمة في شام الملحمة إلى قيام الساعة، ولن تحط رحالها إلا في دابق والمنارة البيضاء، ولن ينال الطاغوت الجديد رضى النصارى واليهود حتى يتبع ملتهم فيتنصر أو يتهود، وبغير ذلك فمهما تردى في مهاوي الردة فلن يكون مصيره أفضل حالًا من سلفه الكردي ولا سلفه النصيري، وقد حرس حدود اليهود لعقود ثم تخلصوا منه بين ليلة وضحاها.
إن النظام السوري الجديد بحكومته العلمانية وجيشه القومي كفرة مرتدون ليس أوجب بعد الإيمان من قتالهم لتخليص الشام من براثنهم، وعلى أجناد الشام السعي الحثيث لقتالهم وجعل ذلك أولويتهم وحشد كل طاقاتهم لذلك، وبهذا القتال تلفظ الشام خبثها وتمتاز صفوفها وتعود سيرتها الأولى.
أما أنتم يا بقايا الجماعات في الشام، لطالما نصحكم أمراء الدولة الإسلامية فأعرضتم، وصدقوكم فكذبتم، ولن تستفيقوا اليوم إلا وخناجر الغادر في خاصرتكم، وها نحن ندعوكم مجددًا معذرة إلى ربكم، فتوبوا إليه والحقوا بموكب النور البهي، فقد حصحص الحق وتبين الرشد من الغي، واعلموا أن الأحزاب والجماعات حائل دون الهدى في معظم الساحات، فتطهروا من رجس الحزبية تقطعوا نصف الطريق إلى الهداية.
وفي مقام النصح أيضًا نخاطب أهلنا المسلمين في الشام: يا قوم لقد عظمت تضحياتكم فلا تهدروها في سراب الوطنية، ولا تذروها في رياح الديمقراطية، ولا تقبلوا لها ثمنًا غير حكم الشريعة الربانية، يا قوم لا تجعلوا دماءكم جسرًا دوليًا لصناعة طواغيت جدد يعيدون فيكم حقبة الأسد، فتعظم خسارتكم وتطول حسرتكم، يا قوم {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [يوسف: 40]، فالذي تتوجهون بالعبادة إليه يأمركم بالاحتكام إليه لا إلى الدستور السوري، فاتبعوا دعوة الرسل لا عجل السامري، فالوحى الوحى، والنجاء النجاء، اللهم هل بلغنا، اللهم فاشهد.
ولقد تناهى إلى مسامعنا مزايدة من سفه نفسه من غلمان ترامب وأوليائه الكفار على الدولة الإسلامية بأسراها الأطهار، فيا للعجب أما يستحي من أكمل به التحالف الصليبي فرعه التسعين أن يعير الموحدين الصابرين؟ يا أذناب الصليبيين ورعاة خنازيرهم وكلاب حراستهم هذا أنتم فاعرفوا قدركم، أما مجاهدونا فهم من دوخوا التحالف العالمي وأرهقوه واستنزفوه وحيروه وأعيوه حتى لم يبق في جعبته حيلة لحربنا إلا تجنيدكم لقتالنا أيها الأنذال، فادفنوا رؤوسكم في الرمال وكفوا أقزامكم عن عمالقة الجبال.
أفعشت حتى عبتهم قل لي متى
توجت سرعة ما أرى يا بيدق
أما أنتم إخواننا الأسرى، فنعم أنتم تهابكم الدول وتخافكم الجيوش، الصليبي يحلق بطائراته ويستنفر قواته من أجلكم، الرافضي يحشد قطعانه على طول الحدود خشية فراركم، الطاغوت السوري ينافس الكردي على حصاركم، فمن أنتم؟ ما سر قوتكم؟ لماذا تكالب العالم عليكم وباتوا يرتعبون حتى من أطفالكم؟ يا فرائد عصركم ودرة زمانكم لقد نقموا منكم إيمانكم، نعم لقد نقموا منكم إيمانكم، فتوجهت كل سهام الباطل نحوكم واجتمع الأحمر والأسود على حربكم، ولو داهنتم أو فرطتم في عقيدتكم كما فعل غيركم لانتهت منذ عقد أزمتكم، ولكنه دين الله تعالى وسلعته الغالية، وعلى هذا بايعنا وبايعتم.
روى ابن إسحاق في السير قال: "لما اجتمعوا للبيعة -يعني العقبة الثانية- قال العباس بن عبادة: هَلْ تَدْرُونَ علامَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إِذَا نهَكَتْ أَمْوَالَكُمْ مُصِيبَة، وَأَشْرَافكُمْ قَتْلا أَسْلَمْتُمُوهُ، فَمِن الآنَ، فَهُوَ وَاللَّهِ إِنْ فَعَلْتُمْ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه عَلَى نَهْكَةِ الأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الأَشْرَافِ، فَخُذُوهُ، فَهُوَ وَاللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. قَالُوا: فَإنَّا نَأْخُذهُ على مُصِيبَة الْأَمْوَال وَقتل الْأَشْرَاف فما لنا بذلك يَا رَسُول الله إِن نَحن وَفّينَا. قَالَ: «الْجنَّة» قَالُوا ابْسُطْ يدك، فَبسط يده فَبَايعُوهُ".وتأملوا إخواننا خطاب الله للمؤمنين قبلكم ممن أصابهم ما أصابكم، ففيه سلوى وبشرى لنا ولكم: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران: 195].
وكلما اشتدت فصول الحرب والمحنة علينا سلقونا بألسنة حدادٍ أشحة علينا، وخاضوا في تقييم جهادنا بالورقة والقلم على أرائك الترف والوهم.
أفِي السِّلْمِ أعْياراً جَفاءً وغِلْظَةً
وَفِي الحرْبِ أشْباهَ النِّساءِ العوَارِكِ
فلهؤلاء وغيرهم نقول: لقد نجحت الدولة الإسلامية بفضل مولاها نجاحًا باهرًا، مقياسه الكتاب والسنة لا مقاييسكم وحساباتكم، لقد نجحت في تمدد الجهاد إلى أقطاب العالم وإيصاله إلى العرب والعجم وتسهيل سبله وهدم شروط تعطيله التي ابتدعها مشايخ الطاغوت ولحق بهم بعض أدعياء الجهاد ممن ملّوا الطريق وطال عليهم الأمد.
لقد نجحت في ميدان الدعوة على منهاج النبوة، فصار المجاهدون ينشرون الإسلام بالسنان والبرهان كما كان الحال في القرون المفضلة، فالهداية مع الجهاد، قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]، وانظروا حولكم هل انتشرت معالم التوحيد وملة إبراهيم والولاء والبراء والكفر بالطاغوت والشريعة والخلافة والبيعة والهجرة والجماعة والمفاصلة وبلغت ما بلغته اليوم في عهد الدولة الإسلامية؟
كما نجحت الدولة الإسلامية وسبقت إلى صون مسيرة الجهاد عن الانحرافات التي غزت الساحات، وليس من رقّع وخاط كمن ثوبه صحيح، ونذكر طرفًا من ذلك لمن لم يعاصرها منذ خفق في العراق عُقابها يوم أنار الله بصيرتها فحكمت في الرافضة حكم الإسلام في الوقت الذي كان فيه "الجهاديون" تحت التنظير والاستقطاب الرافضي.
كانت تبث للأمة منهاج المفاصلة، وغيرها يصدّر مناهج هلامية، أفرزت مسوخًا جاهلية بأصباغ جهادية كالإدارة العلمانية والإمارة الوطنية وأُخرُ متشابهات يسعين للغاية ذاتها.
وبعد عقدين من الحرب عليها منذ قامت في العراق الأبي، وأكثرَ من عقد على بدء الحرب عليها بقيادة التحالف التسعيني، ها هي دولة الإسلام ماضية باقية بفضل الله تعالى شوكة في حلوق الكافرين وسيفًا مصلتًا على رقابهم، تفضح باطلهم بالحجّة والبرهان وتصدّ عاديتهم بالسّيف والسّنان، وها هي تضرب في كل مكان بالطّريقة التي تناسب الحال والمقام، وكأني بفرسانها قد كتبوا على جدار الدهر دولة الإسلام مرت من هنا، ونقشوا على وجنة الجوزاء نحن لها نحن لها.
واسألوا جيف اليهود في سيدني، والنصارى في أورليانز، سلوا الروس في موسكو وأذنابهم في القوقاز، سلوا معابد الرّافضة في كرمان وعمان، وسلوهم في خراسان وباكستان، سلوا كل صقعٍ في هذا العالم عن بطولات أجنادنا وضربات آسادنا.
وهنا وقفة مع أبطال الهجمات العابرة للقارات؛ إخواننا، لقد ضربتم فأوجعتم، ورأيتم ثمرة صنيعكم وحجم الرعب والقلق والاستنفار الذي غزا دول الغرب الكافر خشية صولاتكم وجولاتكم، ويكفي للدلالة على ذلك الخسائر الكبيرة التي تكبدتها أوروبا الصليبية هذا العام لتأمين أعيادهم، وكيف تحولت شوارعهم إلى ساحات حرب كنتم أنتم أبطالها ومُسَعِّريهَا بنصالكم وطلقاتكم وحافلاتكم، فواصلوا أيها الأسد البواسل هجماتكم ضد الأهداف الصليبية واليهودية في كل مكان، واستعينوا عليها بالسّرية والكتمان، وأعدوا لها قوة الإيمان وقوة الأبدان، لا تفرطوا في أي منهما، واعلموا أن العهدة على الأولى.
ومما تسلقنا به الألسنة الحداد أننا لم نستفد من تجاربنا ولم نتعلم من أخطائنا، ومن قال لكم ذلك؟ لقد تعلمنا أنّه لا صواب يعدل صواب التّوحيد فأصررنا عليه، وتعلمنا أنّه لا رشد يعدل الشّريعة ولا غي مثل الديمقراطية فزدنا إيمانًا بالأولى وكفرًا بالثانية، وتعلمنا من تجاربنا أنّه لا سبيل لإنقاذ الأمة غير سبيل الجهاد لكنه محفوف بالمكاره والصعاب فسلكناه طوعًا واستعذبنا فيه العذاب، وتعلمنا من تجاربنا أنّ سبيل الحق واحدة وسبل الباطل كثيرة فاتّبعنا السبيل وتركنا السبل استجابة لوصية مولانا القائل: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].ولقد تعلمنا من تجاربنا أن الانحراف المنهجي يبدأ صغيرًا ويكبر مع الأيام، فحسمنا بوادره ولم نتهاون معه غلوًا كان أو إرجاءً، وأيقنا أن سلامة العقائد لا يعدلها شيء، فلتذهب الدنيا بأسرها ولتسلم لنا عقائدنا نلقى بها مولانا وتشفع لنا يوم تطيش السّجلات وتبدل الأرض غير الأرض والسّماوات.
ولقد عابوا علينا الصبر في مواطن الصبر وكرهوا آياته وملّوها، نعم ملّوها، عابوا علينا الثّبات في مواطن المحنة وقالوا محرقة، وعابوا علينا الإقدام في مواطن الهمّة وقالوا مهلكة، عيّرونا بالضّراء وحسدونا على السّراء، آمنوا بالفتح وكفروا بالخندق، إن حكمنا الأرض مغالبة وقهرًا قالوا مؤامرة، وإن ابتلينا بالأحزاب قالوا هزيمة، وإن تأسّينا بآيات الصبر قالوا يبررون، وإن بشّرنا بآيات النصر قالوا واهمون، إن صدحنا بالحق قالوا متشددون، وإن صمتنا قالوا غائبون، وهكذا هم المنافقون، ما سلك الجهاد فجًا إلا سلكوا فجًا نقيضه، كالشّيطان والفرقان لا يلتقيان.
وحاصل الأمر أن هؤلاء لا تعني لهم سلامة الدين شيئًا، فقد وزنوا الأمور بميزان المادة، فعدّوا كل فقد لها خسارة وكل ظفر بها فوزًا ولو على حساب دينهم، فما قدروا الهداية قدرها، هذه هي الحقيقة تنكرها ألسنتهم وتنطق بها أفعالهم.
وبعيدًا عن دروب المنافقين، هل أتاكم نبأ ملحمة الصومال محضن الرجال وقلعة الأبطال؟ أكثر من عام وهم يقارعون الحملة الصليبية بقيادة أمريكا والإمارات وجيوش بونتلاند على الأرض، فماذا كانت النتيجة بعد أن تخطت حملتهم جدولها الزمني؟ تشتَّتتْ صفوفهم وقُتل أبرز قادتهم والمئات من جنودهم، فغصّت جبال مسكاد بقتلاهم، وعصفت العبوات بأرتالهم، وصالت عليهم طلائع الانغماسيين ففرقت جموعهم، فاستعانوا عليهم بالطائرات فزادتهم رهقًا ولم تغن عنهم، واليوم باتوا بلا أفق، أيعلنون نهاية الحملة بهزيمة لا تخفى أم يواصلونها بخسارة أشد من الأولى؟
فبورك يا أجناد الصومال سعيكم، واشكروا المولى على فضله يزدكم.
ومن ملاحم شرق إفريقية إلى غربها، حيث محرقة المعسكرات التي اصطلى بها جيش نيجيريا ومُرّغ أنفه في التراب، وصار مُدافعًا طريدًا لفرسان الاقتحامات، فإن قرر الهجوم تلقّاه فرسان الشهادة بالمفخخات، فلا تسل عن رعبهم حينها، كأنهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة.
شُوسٌ إذَا خَفَقَتْ عُقابُ لوَائهِمْ
ظَلَّتْ قُلُوبُ المَوْتِ مِنْهم تَخْفِقُ
ولما رأى كواسر الساحل صنيع إخوانهم هبّوا وتسابقوا، فخرج الكماة البهاليل يطوون الأرض طيّا، ولم تقف جحافلهم إلا وسط قواعد الجيوش المالية والنيجرية، فأبادوا من فيها ولم يكتفوا وما قنعوا حتى أثلجوا الصدور بغزوة مطار نيامي يوم حبس طواغيت النيجر أنفاسهم، ولفرط صدمتهم ظنوه انقلابًا جديدًا، فلما أسفر الصبح عن الحقيقة طفقوا يخصفونها بالكذب فلم تسعفهم كل غرابيل إفريقية.
ولم يرضَ غرباء وسط إفريقية وموزمبيق بأقل من ذلك، فكثّفوا هجماتهم على الجيوش الصليبية فأحرقوا المعسكرات والثكنات وسلبوهم الأسلحة والمعدات في تطور ملحوظ وجهد ميداني محمود، تجاوز مذابح النصارى المحاربين إلى محارق جيوشهم الخائرين، وهكذا أينما قلبت ناظريك في الساحة الإفريقية رأيت صرح الإسلام يُشيّد وصروح الكفر تدكدك.
لقد جدد فوارس إفريقية الأمجاد وأعادوا سير أجدادهم عقبة وموسى وابن زياد، لقد صانت إفريقية أمانة الخلافة وحملت رايتها في أحلك الظروف وقارعت عنها جيوش الروم وأحباشهم، وغدت ملاذ الصادقين وقبلة المهاجرين، وصارت مصدر تشتيت واستنزاف للحملة الصليبية التي غزت العراق والشام، فتداعت لها إفريقية تنصر وتؤازر وتنافح عنها بالمهج والأرواح في صورة جلية للأخوة الإيمانية وثمرة يانعة من ثمار الجماعة، وكما أينعت ثمرة العراق والشام في إفريقية فليرتقب الصليبيون أين تينع الثمرة الإفريقية، واللهَ نسأل أن تكون في عقر أوروبا الصليبية.
فشدوا الهمم يا فرسان ليبيا والمغرب وتونس والجزائر، فليس من بادر كمن جاء في الصف الآخر.
أيها المسلمون، إن الإسلام لم ينتصر في الزمن الأول إلا بالهجرة والجهاد، ولن ينتصر في الزمن الآخر إلا بذلك، ولذا بشّر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنّ الهجرة والجهاد ماضيان إلى قيام الساعة فقال: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ»، وقال ابن كثير في قوله عز وجل: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]، قال: "هذا تحريضٌ على الهجرة وترغيب في مفارقة المشركين".
وعملًا بنصوص الوحي فإننا نحرّض شباب المسلمين على الهجرة إلى ولايات الدولة الإسلامية، فهلموا وسارعوا وابذلوا طاقاتكم في تشييد صرح الشّريعة بدلًا من إهدارها في صروح الطواغيت، فاتقوا اللّه في أنفسكم وامتثلوا أمر ربكم: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41].واعلموا أن الباحث عن الهجرة لن يبلغها بغير الصدق والدعاء، فهو يخترق حجب الأرض والسماء.
وفي هذا المقام نكشف للعالم أن المهاجرين كانوا رأس الحربة في ملاحم الصومال وبراة القوس في غزوة المطار، نعلن هذا تشجيعًا للمؤمنين وإغاظة للكافرين الذين يتحدّون وعد الله تعالى بمضي الهجرة إلى قيام الساعة، فموتوا بغيظكم، فالهجرة باقية والمهاجرون قادمون ولو كره الكافرون.
ولئن كانت أرض إفريقية تعيش بدرًا وفتحًا فإن أرض العراق والشام تعيش أُحدًا وخندقًا، وكما خاض أجناد إفريقية معارك الإثخان والنكاية يخوض أجناد العراق والشّام معارك المرابطة والمراغمة، تقبل الله جهادهم أجمعين.
وفي ميدان التضحية والشّهادة ننعى إلى أمة التّوحيد ثلة من أبطال وكوادر الجهاد قُتلوا بسلسلة إنزالات صليبية واشتباكات ملحمية على ثَرى العراق والشام خلال العامين الماضيين، الذَين انشغل فيهما التحالف الصليبي بكل شيء إلا عن ملاحقتهم ومطاردتهم، رحلوا ثابتين على الدّرب لم يبدلوا أو يتراجعوا، لم يستسلموا لعدوهم أو يُعطوا الدنية في دينهم.
أَبَوْا أَنْ يَفِروا وَالْقَنَا فِي نحورِهِمْ
ولم يَرْتَقُوا مِنْ خَشيةِ الْمَوتِ سُلَّمَا
وَلَوْ أَنَّهمْ فَرُوا لَكَانُوا أَعِزَّةً
وَلكِنْ رَأَوْا صَبْرًا عَلَى الْمَوْتِ أَكْرَمَا
ومضى على ذات الدرب نفر من فوارس الإعلام ورسل البلاغ، قضوا لله نحبهم وصدّقوا كلماتهم بدمائهم، رحلوا في صمت مهيب، عاشوا في كواليس الظل يزفون لأمة الإسلام كل خير وينذرونها كل شر، أنكروا ذواتهم ونذروا حياتهم وأوقاتهم وزهرة شبابهم نصرة للشريعة حتى مضوا والوقار يلفهم في حلة من الأنوار، ونشهد أنّهم وفّوا ببيعتهم وأدّوا ما عليهم وصانوا ميدان الإعلام وأداموه نبراس هداية إلى الحق ورحمة بالخلق، نحسبهم والله حسيبهم.
مُسْتَرْسِلِينَ إِلَى الحُتُوفِ كأنَّما
بينَ الحُتُوف وبَيْنَهُمْ أرْحامُ
فدونكم يا فوارس الإعلام ثغرهم، فاحملوا رايتهم وواصلوا دربهم وصونوا أمانتهم وأنفذوا وصيتهم واستلهموا الهمّة من دمائهم وتزودوا بالعزيمة من تضحياتهم وكونوا خير خلف لخير سلف.
وعطفًا على ذلك نخاطب إخواننا المناصرين في الإعلام المساند، نقول لهم إن التمحيص والغربلة والتمايز قدرُ الجهاد في كل ميادينه، ولقد طال التمحيص ميدان المناصرة وبرزت معادن الصادقين وتألقوا بين الصفوف على قلتهم في زمن دخن كثير، وقليل نقي خير من كثير شائب، فاحرصوا أن تكونوا من هذا القليل الذي فهم معنى البيعة وأنزلها منزلتها وبذل للتّوحيد أفضل أوقاته لا فضولها، وتدبروا طويلًا قوله تعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6].
فاجتهدوا في نصرة المجاهدين وكونوا لهم لا عليهم، وتجردوا من الحظوظ والأهواء، فأخروا الألقاب والتّشريفات وقدموا الهمم والعزمات، وقد كان المناصرون قبلكم أفعالًا لا أسماءً، فانصروا دولتكم وأوصلوا رسالتها دون تحريف أو تطفيف، فمن قبل بمنهاجها فليواصل، ومن أراد أن يخلطه بغيره من الأوهام والأهواء فدونه الجماعات الهلامية والمناهج المطاطية، فعندها طلبه.
فلم تبذل دولة الإسلام كل هذه التضحيات ولم تخض حروب المفاصلات لتجعل منهاجها رهن الأذواق والأمزجة، فمنهاجها منهاج النبوة، وقد تبين الرشد من الغي أكثر من أي وقت مضى.
وقبل الختام نخاطب جنود الخلافة بهذه الوصايا: أيها المجاهدون إننا اليوم في مخاضٍ عسير لا نخفيه ولا نقلل من شأنه، قد كتبه الله علينا لحكمة سطّرها في كتابه وسنة نبيه.
فاثبتوا على عبوديتكم في هذه المرحلة، فالأجر فيها على قدر المشقة، وهذه هي عبودية المراغمة التي عناها ابن القيم، وبيّن أمارتها فقال: "فَمَنْ تَعَبَّدَ اللَّهَ بِمُرَاغَمَةِ عَدُوِّهِ، فَقَدْ أَخَذَ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ بِسَهْمٍ وَافِرٍ، وَعَلَى قَدْرِ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَمُوَالَاتِهِ وَمُعَادَاتِهِ لِعَدُوِّهِ يَكُونُ نَصِيبُهُ مِنْ هَذِهِ الْمُرَاغَمَةِ".
فهي تبرز في مواطن الجهاد والهجرة والمفاصلة لقوله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]، واعلموا أيها المجاهدون أن الهمم والعزائم قد تفتر من تكرار النوائب وتتابع المصائب، لكن المؤمن يرممها ويعالجها باليقين والتّسليم بموعود الله لعباده وما أعده للصابرين في دار كرامته.
وآفة عصرنا ضعف اليقين، والمؤمنون يتفاوتون في مراتبه، وقمين بالمجاهد أن يحوز أعلاها، كما ينبغي للمجاهد أن يربي نفسه تربية أخلاقية تزيّن جهاده، فالمجاهدون أبرُّ الناس قلبا وأصدقهم لسانا وأحسنهم أخلاقا، فاحفظوا أيها المجاهدون أخلاقكم في زمن التفاهات، وحريّ بمن هو في الذروة ألا يجاري أهل المستنقعات.فترفّعوا من غير كبر، وتواضعوا في غير ذلة، واحتسوا مرارة أخلاق الناس، واسقوهم عذوبة أخلاقكم، والزموا في ذلك هدي نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، فإنّه بالمؤمنين رؤوف رحيم، ولا يحملنكم قسوة الظرف على قسوة الطبع، فالمؤمنون رحماء بينهم.
ونذكر المجاهدين بأهمية العلم في ميادين الجهاد، فبين العلم والجهاد نسب وصهر، ومتى اجتمعا اجتمعت أبواب الخير وفصول التوفيق، ومتى افترقا تخلّف التوفيق بقدر ذلك، وصار الجهاد على غير بصيرة، والعلماء العاملون صمام أمان للجهاد يقودونه نحو غاياته ويبلغونه مقاصده، قال ابن القيم: "فالفروسية فروسيتان: فروسية العلم والبيان، وفروسية الرمي والطعان، ولما كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أكمل الخلق في الفروسيتين فتحوا القلوب بالحجّة والبرهان، والبلاد بالسيف والسنان، وما الناس إلا هؤلاء الفريقان، ولا يعدل مداد العلماء إلا دم الشهداء"، كما تشتد الحاجة اليوم إلى التربية الأمنية، فأنت يا جندي الخلافة هدف لكل مخابرات الدنيا، وإن لم تتفطن لأساليبهم ومكرهم وقعت في فخاخهم، ومتى تخليت عن حذرك أو أرخيت دفاعاتك تخطفتك سهامهم.
ومما يتصل بالأمن قواعد التّوثيق والتّزكية، فحري بالمجاهدين مراجعتها والتأني كثيرا قبل إطلاقها على مستحقّيها، ومن ذلك التّزكية الافتراضية عبر العنكبوتية، فلا يُبنى عليها ولا تنفي الجهالة عن صاحبها، فسددوا وقاربوا.
ولا تتساهلوا في موازين الجرح والتعديل في زمن غلبة النفاق والخيانة، ومما ينبغي للمجاهد أن ينميه في شخصيته الشّجاعة والإقدام، فالشّجاعة وقاية والجبن مقتلة، فلا الإقدام يقدم الأجل ولا الجبن يؤخره، فاقتحموا غمار الموت، فإنّ أكثر النكاية في هذا الزمان لا تتحقق بغير الانغماس، فالانغماسيون درة التّاج في ميادين الجهاد.
وجامعة الوصايا في الأولى والآخرة تقوى الله تعالى في السرّ والعلن، والصّبر على الشدائد والمحن، وما اجتمعا فيكم إلا رد الله عنكم كيد الأعداء وثنّى لكم بالفتح والنصر، قال الحكيم الخبير: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120]، فأكثروا من ذكره تعالى وتجديد التّوبة إليه والانطراح على عتبته سبحانه، والإلحاح عليه بأسمائه وصفاته، ثم احتسبوا عند الله ما أنتم فيه من شدّة، واشكروه تعالى على ما حباكم من نعمة، فإنما هي أيام الصّبر وبعدها الفرج والظّفر بإذن الله تعالى، فانصروا الله ينصركم، وخافوا مقامه ووعيده يمنحكم أرض عدوكم، واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
تفريغ: مؤسسة صرح الخلافة - رمضان 1447 ...المزيد
مؤسسة الفرقان / تفريغ كلمة صوتية تفريغ كلمة صوتية للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية الشيخ ...
مؤسسة الفرقان / تفريغ كلمة صوتية
تفريغ كلمة صوتية للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية الشيخ المجاهد أبي حذيفة الأنصاري -حفظه الله- بعنوان: قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
الحمد لله حمد الشاكرين الصابرين، حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، له الحمد في الأولى والآخرة، في السراء والضراء، في الشدة والرخاء، بنعمته تتم الصالحات، وبجوده تتنزل الرحمات، والصلاة والسلام على نبي المجاهدين المرابطين وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْغَدْوَةُ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا».
إلى إخواننا المسلمين وفي مقدمتهم جنود الخلافة الميامين نبلغكم سلام أمير المؤمنين الشيخ المجاهد أبي حفصٍ الهاشمي -حفظه الله تعالى-، ننقل إليكم تهنئته العطرة بحلول شهر المغفرة، ويحثكم فيه على الاجتهاد والتزود بخير الزاد، ويوصيكم باغتنامه ببذل الأموال والأنفس في سبيل الله وإحياء لياليه بالقيام على الثغور وفي المحاريب، فهي فرصة ثمينة للجمع بين هذين القيامين الشريفين في أشرف الأزمنة والميادين.
إخواني المسلمين، نخاطبكم بعد عامين مخضبين بالدماء والأشلاء خطاب الثابتين مع شدة اللأواء، خطاب الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، من بين ميادين الملحمة ودروب المراغمة، ولقد بلغتنا أشواق المحبين ولهفة المنتظرين، كما وصلتنا أوهام الكافرين وأماني المنافقين.
فللأحبة نقول: لم نغب عنكم ساعة من نهار، وإنما نصمت عندما يكون الصمت أنجى، ونتحدث عندما يكون القول أجدَى، وإن صمت الفرقان فلم تصمت مدافعه ولم تهدأ ملاحمه، وما انفك صداه ينبعث من فوهات بنادق المجاهدين وأحزمة الانغماسيين، يناديكم بحناجر المقاتلين المتأهبين، ويهمس في آذانكم عبر منابر الدعاة المشفقين، وما زال فرقانًا بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، بين الرشد والغي.
وللمنافقين والكافرين الذين شطحوا في تحليلاتهم وخلطوا أوهامهم بأمانيهم نقول ها هو صوت الفرقان يقرع مسامعكم وينغص عيشكم ويبدد أوهامكم، فموتوا بغيظكم، فلقد أبقاه الله تعالى حربًا لكم وفضحًا لغيكم وإزهاقًا لباطلكم.
أمة الإسلام، توالت المحن والأحداث على بلاد المسلمين، وكان من أبرزها وأبينها ما آلت إليه أحوال الشام الأسيرة بعد طرد النفوذ الإيراني منها، وما تبعه من سقوط الزعيم الصوري للنظام النصيري واستبداله سريعًا بنظام خاضع للنفوذ الأمريكي، عينوا له زعيمًا صوريًا جديدًا استهوته شياطين الترك والغرب وصيرته طاغوتًا صنوَ طواغيت العرب، وها قد تبين الرشد من الغي في أحداث الشام، وبان لأولي الأحلام أن خلافنا مع الجبهات والهيئات قبل سنوات كان في العقائد لا في السياسات، بين التوحيد والشرك، بين دولة الشريعة ودولة القانون، بل ليس في ديننا أصل أو فرع أو نقل أو عقل يقر الناكث المرتد على ما فعل من حربه لأهل الإيمان وتوليه لأهل الأوثان.
قال الحق تبارك وتعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 117].
ونقف هنيهة نستذكر فيها أولئك الذين تمالؤوا معه على حربنا وجرؤوه علينا وجعلوه حفيد الفاتحين ورمونا بالخوارج المارقين، وسنموه وسمنوه فكانوا أول من نهشهم، وتدبروا عدل الله فيهم كيف أمات ذكرهم كأن لم يكونوا من قبل.وأما دعاوى التحرير وإسقاط النظام في أيام ردع العدوان فتلك مسرحية تركية بإخراج أمريكي مفضوح، فالشام اليوم يحكمها الصليبيون بعد أن نصّبوا عليها دمية بلا روح يحركونها من أمام الستار لا من خلفه، وقد ظنوا بذلك أنهم طووا صفحة الجهاد في الشام، ولكن أنَّى لهم، فلقد دخلت الشام فصلًا جديدًا من فصول المدافعة، وستمضي قافلة الجهاد والمراغمة في شام الملحمة إلى قيام الساعة، ولن تحط رحالها إلا في دابق والمنارة البيضاء، ولن ينال الطاغوت الجديد رضى النصارى واليهود حتى يتبع ملتهم فيتنصر أو يتهود، وبغير ذلك فمهما تردى في مهاوي الردة فلن يكون مصيره أفضل حالًا من سلفه الكردي ولا سلفه النصيري، وقد حرس حدود اليهود لعقود ثم تخلصوا منه بين ليلة وضحاها.
إن النظام السوري الجديد بحكومته العلمانية وجيشه القومي كفرة مرتدون ليس أوجب بعد الإيمان من قتالهم لتخليص الشام من براثنهم، وعلى أجناد الشام السعي الحثيث لقتالهم وجعل ذلك أولويتهم وحشد كل طاقاتهم لذلك، وبهذا القتال تلفظ الشام خبثها وتمتاز صفوفها وتعود سيرتها الأولى.
أما أنتم يا بقايا الجماعات في الشام، لطالما نصحكم أمراء الدولة الإسلامية فأعرضتم، وصدقوكم فكذبتم، ولن تستفيقوا اليوم إلا وخناجر الغادر في خاصرتكم، وها نحن ندعوكم مجددًا معذرة إلى ربكم، فتوبوا إليه والحقوا بموكب النور البهي، فقد حصحص الحق وتبين الرشد من الغي، واعلموا أن الأحزاب والجماعات حائل دون الهدى في معظم الساحات، فتطهروا من رجس الحزبية تقطعوا نصف الطريق إلى الهداية.
وفي مقام النصح أيضًا نخاطب أهلنا المسلمين في الشام: يا قوم لقد عظمت تضحياتكم فلا تهدروها في سراب الوطنية، ولا تذروها في رياح الديمقراطية، ولا تقبلوا لها ثمنًا غير حكم الشريعة الربانية، يا قوم لا تجعلوا دماءكم جسرًا دوليًا لصناعة طواغيت جدد يعيدون فيكم حقبة الأسد، فتعظم خسارتكم وتطول حسرتكم، يا قوم {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [يوسف: 40]، فالذي تتوجهون بالعبادة إليه يأمركم بالاحتكام إليه لا إلى الدستور السوري، فاتبعوا دعوة الرسل لا عجل السامري، فالوحى الوحى، والنجاء النجاء، اللهم هل بلغنا، اللهم فاشهد.
ولقد تناهى إلى مسامعنا مزايدة من سفه نفسه من غلمان ترامب وأوليائه الكفار على الدولة الإسلامية بأسراها الأطهار، فيا للعجب أما يستحي من أكمل به التحالف الصليبي فرعه التسعين أن يعير الموحدين الصابرين؟ يا أذناب الصليبيين ورعاة خنازيرهم وكلاب حراستهم هذا أنتم فاعرفوا قدركم، أما مجاهدونا فهم من دوخوا التحالف العالمي وأرهقوه واستنزفوه وحيروه وأعيوه حتى لم يبق في جعبته حيلة لحربنا إلا تجنيدكم لقتالنا أيها الأنذال، فادفنوا رؤوسكم في الرمال وكفوا أقزامكم عن عمالقة الجبال.
أفعشت حتى عبتهم قل لي متى
توجت سرعة ما أرى يا بيدق
أما أنتم إخواننا الأسرى، فنعم أنتم تهابكم الدول وتخافكم الجيوش، الصليبي يحلق بطائراته ويستنفر قواته من أجلكم، الرافضي يحشد قطعانه على طول الحدود خشية فراركم، الطاغوت السوري ينافس الكردي على حصاركم، فمن أنتم؟ ما سر قوتكم؟ لماذا تكالب العالم عليكم وباتوا يرتعبون حتى من أطفالكم؟ يا فرائد عصركم ودرة زمانكم لقد نقموا منكم إيمانكم، نعم لقد نقموا منكم إيمانكم، فتوجهت كل سهام الباطل نحوكم واجتمع الأحمر والأسود على حربكم، ولو داهنتم أو فرطتم في عقيدتكم كما فعل غيركم لانتهت منذ عقد أزمتكم، ولكنه دين الله تعالى وسلعته الغالية، وعلى هذا بايعنا وبايعتم.
روى ابن إسحاق في السير قال: "لما اجتمعوا للبيعة -يعني العقبة الثانية- قال العباس بن عبادة: هَلْ تَدْرُونَ علامَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إِذَا نهَكَتْ أَمْوَالَكُمْ مُصِيبَة، وَأَشْرَافكُمْ قَتْلا أَسْلَمْتُمُوهُ، فَمِن الآنَ، فَهُوَ وَاللَّهِ إِنْ فَعَلْتُمْ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه عَلَى نَهْكَةِ الأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الأَشْرَافِ، فَخُذُوهُ، فَهُوَ وَاللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. قَالُوا: فَإنَّا نَأْخُذهُ على مُصِيبَة الْأَمْوَال وَقتل الْأَشْرَاف فما لنا بذلك يَا رَسُول الله إِن نَحن وَفّينَا. قَالَ: «الْجنَّة» قَالُوا ابْسُطْ يدك، فَبسط يده فَبَايعُوهُ".وتأملوا إخواننا خطاب الله للمؤمنين قبلكم ممن أصابهم ما أصابكم، ففيه سلوى وبشرى لنا ولكم: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران: 195].
وكلما اشتدت فصول الحرب والمحنة علينا سلقونا بألسنة حدادٍ أشحة علينا، وخاضوا في تقييم جهادنا بالورقة والقلم على أرائك الترف والوهم.
أفِي السِّلْمِ أعْياراً جَفاءً وغِلْظَةً
وَفِي الحرْبِ أشْباهَ النِّساءِ العوَارِكِ
فلهؤلاء وغيرهم نقول: لقد نجحت الدولة الإسلامية بفضل مولاها نجاحًا باهرًا، مقياسه الكتاب والسنة لا مقاييسكم وحساباتكم، لقد نجحت في تمدد الجهاد إلى أقطاب العالم وإيصاله إلى العرب والعجم وتسهيل سبله وهدم شروط تعطيله التي ابتدعها مشايخ الطاغوت ولحق بهم بعض أدعياء الجهاد ممن ملّوا الطريق وطال عليهم الأمد.
لقد نجحت في ميدان الدعوة على منهاج النبوة، فصار المجاهدون ينشرون الإسلام بالسنان والبرهان كما كان الحال في القرون المفضلة، فالهداية مع الجهاد، قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]، وانظروا حولكم هل انتشرت معالم التوحيد وملة إبراهيم والولاء والبراء والكفر بالطاغوت والشريعة والخلافة والبيعة والهجرة والجماعة والمفاصلة وبلغت ما بلغته اليوم في عهد الدولة الإسلامية؟
كما نجحت الدولة الإسلامية وسبقت إلى صون مسيرة الجهاد عن الانحرافات التي غزت الساحات، وليس من رقّع وخاط كمن ثوبه صحيح، ونذكر طرفًا من ذلك لمن لم يعاصرها منذ خفق في العراق عُقابها يوم أنار الله بصيرتها فحكمت في الرافضة حكم الإسلام في الوقت الذي كان فيه "الجهاديون" تحت التنظير والاستقطاب الرافضي.
كانت تبث للأمة منهاج المفاصلة، وغيرها يصدّر مناهج هلامية، أفرزت مسوخًا جاهلية بأصباغ جهادية كالإدارة العلمانية والإمارة الوطنية وأُخرُ متشابهات يسعين للغاية ذاتها.
وبعد عقدين من الحرب عليها منذ قامت في العراق الأبي، وأكثرَ من عقد على بدء الحرب عليها بقيادة التحالف التسعيني، ها هي دولة الإسلام ماضية باقية بفضل الله تعالى شوكة في حلوق الكافرين وسيفًا مصلتًا على رقابهم، تفضح باطلهم بالحجّة والبرهان وتصدّ عاديتهم بالسّيف والسّنان، وها هي تضرب في كل مكان بالطّريقة التي تناسب الحال والمقام، وكأني بفرسانها قد كتبوا على جدار الدهر دولة الإسلام مرت من هنا، ونقشوا على وجنة الجوزاء نحن لها نحن لها.
واسألوا جيف اليهود في سيدني، والنصارى في أورليانز، سلوا الروس في موسكو وأذنابهم في القوقاز، سلوا معابد الرّافضة في كرمان وعمان، وسلوهم في خراسان وباكستان، سلوا كل صقعٍ في هذا العالم عن بطولات أجنادنا وضربات آسادنا.
وهنا وقفة مع أبطال الهجمات العابرة للقارات؛ إخواننا، لقد ضربتم فأوجعتم، ورأيتم ثمرة صنيعكم وحجم الرعب والقلق والاستنفار الذي غزا دول الغرب الكافر خشية صولاتكم وجولاتكم، ويكفي للدلالة على ذلك الخسائر الكبيرة التي تكبدتها أوروبا الصليبية هذا العام لتأمين أعيادهم، وكيف تحولت شوارعهم إلى ساحات حرب كنتم أنتم أبطالها ومُسَعِّريهَا بنصالكم وطلقاتكم وحافلاتكم، فواصلوا أيها الأسد البواسل هجماتكم ضد الأهداف الصليبية واليهودية في كل مكان، واستعينوا عليها بالسّرية والكتمان، وأعدوا لها قوة الإيمان وقوة الأبدان، لا تفرطوا في أي منهما، واعلموا أن العهدة على الأولى.
ومما تسلقنا به الألسنة الحداد أننا لم نستفد من تجاربنا ولم نتعلم من أخطائنا، ومن قال لكم ذلك؟ لقد تعلمنا أنّه لا صواب يعدل صواب التّوحيد فأصررنا عليه، وتعلمنا أنّه لا رشد يعدل الشّريعة ولا غي مثل الديمقراطية فزدنا إيمانًا بالأولى وكفرًا بالثانية، وتعلمنا من تجاربنا أنّه لا سبيل لإنقاذ الأمة غير سبيل الجهاد لكنه محفوف بالمكاره والصعاب فسلكناه طوعًا واستعذبنا فيه العذاب، وتعلمنا من تجاربنا أنّ سبيل الحق واحدة وسبل الباطل كثيرة فاتّبعنا السبيل وتركنا السبل استجابة لوصية مولانا القائل: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].ولقد تعلمنا من تجاربنا أن الانحراف المنهجي يبدأ صغيرًا ويكبر مع الأيام، فحسمنا بوادره ولم نتهاون معه غلوًا كان أو إرجاءً، وأيقنا أن سلامة العقائد لا يعدلها شيء، فلتذهب الدنيا بأسرها ولتسلم لنا عقائدنا نلقى بها مولانا وتشفع لنا يوم تطيش السّجلات وتبدل الأرض غير الأرض والسّماوات.
ولقد عابوا علينا الصبر في مواطن الصبر وكرهوا آياته وملّوها، نعم ملّوها، عابوا علينا الثّبات في مواطن المحنة وقالوا محرقة، وعابوا علينا الإقدام في مواطن الهمّة وقالوا مهلكة، عيّرونا بالضّراء وحسدونا على السّراء، آمنوا بالفتح وكفروا بالخندق، إن حكمنا الأرض مغالبة وقهرًا قالوا مؤامرة، وإن ابتلينا بالأحزاب قالوا هزيمة، وإن تأسّينا بآيات الصبر قالوا يبررون، وإن بشّرنا بآيات النصر قالوا واهمون، إن صدحنا بالحق قالوا متشددون، وإن صمتنا قالوا غائبون، وهكذا هم المنافقون، ما سلك الجهاد فجًا إلا سلكوا فجًا نقيضه، كالشّيطان والفرقان لا يلتقيان.
وحاصل الأمر أن هؤلاء لا تعني لهم سلامة الدين شيئًا، فقد وزنوا الأمور بميزان المادة، فعدّوا كل فقد لها خسارة وكل ظفر بها فوزًا ولو على حساب دينهم، فما قدروا الهداية قدرها، هذه هي الحقيقة تنكرها ألسنتهم وتنطق بها أفعالهم.
وبعيدًا عن دروب المنافقين، هل أتاكم نبأ ملحمة الصومال محضن الرجال وقلعة الأبطال؟ أكثر من عام وهم يقارعون الحملة الصليبية بقيادة أمريكا والإمارات وجيوش بونتلاند على الأرض، فماذا كانت النتيجة بعد أن تخطت حملتهم جدولها الزمني؟ تشتَّتتْ صفوفهم وقُتل أبرز قادتهم والمئات من جنودهم، فغصّت جبال مسكاد بقتلاهم، وعصفت العبوات بأرتالهم، وصالت عليهم طلائع الانغماسيين ففرقت جموعهم، فاستعانوا عليهم بالطائرات فزادتهم رهقًا ولم تغن عنهم، واليوم باتوا بلا أفق، أيعلنون نهاية الحملة بهزيمة لا تخفى أم يواصلونها بخسارة أشد من الأولى؟
فبورك يا أجناد الصومال سعيكم، واشكروا المولى على فضله يزدكم.
ومن ملاحم شرق إفريقية إلى غربها، حيث محرقة المعسكرات التي اصطلى بها جيش نيجيريا ومُرّغ أنفه في التراب، وصار مُدافعًا طريدًا لفرسان الاقتحامات، فإن قرر الهجوم تلقّاه فرسان الشهادة بالمفخخات، فلا تسل عن رعبهم حينها، كأنهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة.
شُوسٌ إذَا خَفَقَتْ عُقابُ لوَائهِمْ
ظَلَّتْ قُلُوبُ المَوْتِ مِنْهم تَخْفِقُ
ولما رأى كواسر الساحل صنيع إخوانهم هبّوا وتسابقوا، فخرج الكماة البهاليل يطوون الأرض طيّا، ولم تقف جحافلهم إلا وسط قواعد الجيوش المالية والنيجرية، فأبادوا من فيها ولم يكتفوا وما قنعوا حتى أثلجوا الصدور بغزوة مطار نيامي يوم حبس طواغيت النيجر أنفاسهم، ولفرط صدمتهم ظنوه انقلابًا جديدًا، فلما أسفر الصبح عن الحقيقة طفقوا يخصفونها بالكذب فلم تسعفهم كل غرابيل إفريقية.
ولم يرضَ غرباء وسط إفريقية وموزمبيق بأقل من ذلك، فكثّفوا هجماتهم على الجيوش الصليبية فأحرقوا المعسكرات والثكنات وسلبوهم الأسلحة والمعدات في تطور ملحوظ وجهد ميداني محمود، تجاوز مذابح النصارى المحاربين إلى محارق جيوشهم الخائرين، وهكذا أينما قلبت ناظريك في الساحة الإفريقية رأيت صرح الإسلام يُشيّد وصروح الكفر تدكدك.
لقد جدد فوارس إفريقية الأمجاد وأعادوا سير أجدادهم عقبة وموسى وابن زياد، لقد صانت إفريقية أمانة الخلافة وحملت رايتها في أحلك الظروف وقارعت عنها جيوش الروم وأحباشهم، وغدت ملاذ الصادقين وقبلة المهاجرين، وصارت مصدر تشتيت واستنزاف للحملة الصليبية التي غزت العراق والشام، فتداعت لها إفريقية تنصر وتؤازر وتنافح عنها بالمهج والأرواح في صورة جلية للأخوة الإيمانية وثمرة يانعة من ثمار الجماعة، وكما أينعت ثمرة العراق والشام في إفريقية فليرتقب الصليبيون أين تينع الثمرة الإفريقية، واللهَ نسأل أن تكون في عقر أوروبا الصليبية.
فشدوا الهمم يا فرسان ليبيا والمغرب وتونس والجزائر، فليس من بادر كمن جاء في الصف الآخر.
أيها المسلمون، إن الإسلام لم ينتصر في الزمن الأول إلا بالهجرة والجهاد، ولن ينتصر في الزمن الآخر إلا بذلك، ولذا بشّر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنّ الهجرة والجهاد ماضيان إلى قيام الساعة فقال: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ»، وقال ابن كثير في قوله عز وجل: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]، قال: "هذا تحريضٌ على الهجرة وترغيب في مفارقة المشركين".
وعملًا بنصوص الوحي فإننا نحرّض شباب المسلمين على الهجرة إلى ولايات الدولة الإسلامية، فهلموا وسارعوا وابذلوا طاقاتكم في تشييد صرح الشّريعة بدلًا من إهدارها في صروح الطواغيت، فاتقوا اللّه في أنفسكم وامتثلوا أمر ربكم: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41].واعلموا أن الباحث عن الهجرة لن يبلغها بغير الصدق والدعاء، فهو يخترق حجب الأرض والسماء.
وفي هذا المقام نكشف للعالم أن المهاجرين كانوا رأس الحربة في ملاحم الصومال وبراة القوس في غزوة المطار، نعلن هذا تشجيعًا للمؤمنين وإغاظة للكافرين الذين يتحدّون وعد الله تعالى بمضي الهجرة إلى قيام الساعة، فموتوا بغيظكم، فالهجرة باقية والمهاجرون قادمون ولو كره الكافرون.
ولئن كانت أرض إفريقية تعيش بدرًا وفتحًا فإن أرض العراق والشام تعيش أُحدًا وخندقًا، وكما خاض أجناد إفريقية معارك الإثخان والنكاية يخوض أجناد العراق والشّام معارك المرابطة والمراغمة، تقبل الله جهادهم أجمعين.
وفي ميدان التضحية والشّهادة ننعى إلى أمة التّوحيد ثلة من أبطال وكوادر الجهاد قُتلوا بسلسلة إنزالات صليبية واشتباكات ملحمية على ثَرى العراق والشام خلال العامين الماضيين، الذَين انشغل فيهما التحالف الصليبي بكل شيء إلا عن ملاحقتهم ومطاردتهم، رحلوا ثابتين على الدّرب لم يبدلوا أو يتراجعوا، لم يستسلموا لعدوهم أو يُعطوا الدنية في دينهم.
أَبَوْا أَنْ يَفِروا وَالْقَنَا فِي نحورِهِمْ
ولم يَرْتَقُوا مِنْ خَشيةِ الْمَوتِ سُلَّمَا
وَلَوْ أَنَّهمْ فَرُوا لَكَانُوا أَعِزَّةً
وَلكِنْ رَأَوْا صَبْرًا عَلَى الْمَوْتِ أَكْرَمَا
ومضى على ذات الدرب نفر من فوارس الإعلام ورسل البلاغ، قضوا لله نحبهم وصدّقوا كلماتهم بدمائهم، رحلوا في صمت مهيب، عاشوا في كواليس الظل يزفون لأمة الإسلام كل خير وينذرونها كل شر، أنكروا ذواتهم ونذروا حياتهم وأوقاتهم وزهرة شبابهم نصرة للشريعة حتى مضوا والوقار يلفهم في حلة من الأنوار، ونشهد أنّهم وفّوا ببيعتهم وأدّوا ما عليهم وصانوا ميدان الإعلام وأداموه نبراس هداية إلى الحق ورحمة بالخلق، نحسبهم والله حسيبهم.
مُسْتَرْسِلِينَ إِلَى الحُتُوفِ كأنَّما
بينَ الحُتُوف وبَيْنَهُمْ أرْحامُ
فدونكم يا فوارس الإعلام ثغرهم، فاحملوا رايتهم وواصلوا دربهم وصونوا أمانتهم وأنفذوا وصيتهم واستلهموا الهمّة من دمائهم وتزودوا بالعزيمة من تضحياتهم وكونوا خير خلف لخير سلف.
وعطفًا على ذلك نخاطب إخواننا المناصرين في الإعلام المساند، نقول لهم إن التمحيص والغربلة والتمايز قدرُ الجهاد في كل ميادينه، ولقد طال التمحيص ميدان المناصرة وبرزت معادن الصادقين وتألقوا بين الصفوف على قلتهم في زمن دخن كثير، وقليل نقي خير من كثير شائب، فاحرصوا أن تكونوا من هذا القليل الذي فهم معنى البيعة وأنزلها منزلتها وبذل للتّوحيد أفضل أوقاته لا فضولها، وتدبروا طويلًا قوله تعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6].
فاجتهدوا في نصرة المجاهدين وكونوا لهم لا عليهم، وتجردوا من الحظوظ والأهواء، فأخروا الألقاب والتّشريفات وقدموا الهمم والعزمات، وقد كان المناصرون قبلكم أفعالًا لا أسماءً، فانصروا دولتكم وأوصلوا رسالتها دون تحريف أو تطفيف، فمن قبل بمنهاجها فليواصل، ومن أراد أن يخلطه بغيره من الأوهام والأهواء فدونه الجماعات الهلامية والمناهج المطاطية، فعندها طلبه.
فلم تبذل دولة الإسلام كل هذه التضحيات ولم تخض حروب المفاصلات لتجعل منهاجها رهن الأذواق والأمزجة، فمنهاجها منهاج النبوة، وقد تبين الرشد من الغي أكثر من أي وقت مضى.
وقبل الختام نخاطب جنود الخلافة بهذه الوصايا: أيها المجاهدون إننا اليوم في مخاضٍ عسير لا نخفيه ولا نقلل من شأنه، قد كتبه الله علينا لحكمة سطّرها في كتابه وسنة نبيه.
فاثبتوا على عبوديتكم في هذه المرحلة، فالأجر فيها على قدر المشقة، وهذه هي عبودية المراغمة التي عناها ابن القيم، وبيّن أمارتها فقال: "فَمَنْ تَعَبَّدَ اللَّهَ بِمُرَاغَمَةِ عَدُوِّهِ، فَقَدْ أَخَذَ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ بِسَهْمٍ وَافِرٍ، وَعَلَى قَدْرِ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَمُوَالَاتِهِ وَمُعَادَاتِهِ لِعَدُوِّهِ يَكُونُ نَصِيبُهُ مِنْ هَذِهِ الْمُرَاغَمَةِ".
فهي تبرز في مواطن الجهاد والهجرة والمفاصلة لقوله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]، واعلموا أيها المجاهدون أن الهمم والعزائم قد تفتر من تكرار النوائب وتتابع المصائب، لكن المؤمن يرممها ويعالجها باليقين والتّسليم بموعود الله لعباده وما أعده للصابرين في دار كرامته.
وآفة عصرنا ضعف اليقين، والمؤمنون يتفاوتون في مراتبه، وقمين بالمجاهد أن يحوز أعلاها، كما ينبغي للمجاهد أن يربي نفسه تربية أخلاقية تزيّن جهاده، فالمجاهدون أبرُّ الناس قلبا وأصدقهم لسانا وأحسنهم أخلاقا، فاحفظوا أيها المجاهدون أخلاقكم في زمن التفاهات، وحريّ بمن هو في الذروة ألا يجاري أهل المستنقعات.فترفّعوا من غير كبر، وتواضعوا في غير ذلة، واحتسوا مرارة أخلاق الناس، واسقوهم عذوبة أخلاقكم، والزموا في ذلك هدي نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، فإنّه بالمؤمنين رؤوف رحيم، ولا يحملنكم قسوة الظرف على قسوة الطبع، فالمؤمنون رحماء بينهم.
ونذكر المجاهدين بأهمية العلم في ميادين الجهاد، فبين العلم والجهاد نسب وصهر، ومتى اجتمعا اجتمعت أبواب الخير وفصول التوفيق، ومتى افترقا تخلّف التوفيق بقدر ذلك، وصار الجهاد على غير بصيرة، والعلماء العاملون صمام أمان للجهاد يقودونه نحو غاياته ويبلغونه مقاصده، قال ابن القيم: "فالفروسية فروسيتان: فروسية العلم والبيان، وفروسية الرمي والطعان، ولما كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أكمل الخلق في الفروسيتين فتحوا القلوب بالحجّة والبرهان، والبلاد بالسيف والسنان، وما الناس إلا هؤلاء الفريقان، ولا يعدل مداد العلماء إلا دم الشهداء"، كما تشتد الحاجة اليوم إلى التربية الأمنية، فأنت يا جندي الخلافة هدف لكل مخابرات الدنيا، وإن لم تتفطن لأساليبهم ومكرهم وقعت في فخاخهم، ومتى تخليت عن حذرك أو أرخيت دفاعاتك تخطفتك سهامهم.
ومما يتصل بالأمن قواعد التّوثيق والتّزكية، فحري بالمجاهدين مراجعتها والتأني كثيرا قبل إطلاقها على مستحقّيها، ومن ذلك التّزكية الافتراضية عبر العنكبوتية، فلا يُبنى عليها ولا تنفي الجهالة عن صاحبها، فسددوا وقاربوا.
ولا تتساهلوا في موازين الجرح والتعديل في زمن غلبة النفاق والخيانة، ومما ينبغي للمجاهد أن ينميه في شخصيته الشّجاعة والإقدام، فالشّجاعة وقاية والجبن مقتلة، فلا الإقدام يقدم الأجل ولا الجبن يؤخره، فاقتحموا غمار الموت، فإنّ أكثر النكاية في هذا الزمان لا تتحقق بغير الانغماس، فالانغماسيون درة التّاج في ميادين الجهاد.
وجامعة الوصايا في الأولى والآخرة تقوى الله تعالى في السرّ والعلن، والصّبر على الشدائد والمحن، وما اجتمعا فيكم إلا رد الله عنكم كيد الأعداء وثنّى لكم بالفتح والنصر، قال الحكيم الخبير: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120]، فأكثروا من ذكره تعالى وتجديد التّوبة إليه والانطراح على عتبته سبحانه، والإلحاح عليه بأسمائه وصفاته، ثم احتسبوا عند الله ما أنتم فيه من شدّة، واشكروه تعالى على ما حباكم من نعمة، فإنما هي أيام الصّبر وبعدها الفرج والظّفر بإذن الله تعالى، فانصروا الله ينصركم، وخافوا مقامه ووعيده يمنحكم أرض عدوكم، واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
تفريغ: مؤسسة صرح الخلافة - رمضان 1447 ...المزيد
تفريغ كلمة صوتية للمتحدث الرسمي للدولة الإسلامية الشيخ المجاهد أبي حذيفة الأنصاري -حفظه الله- بعنوان: قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ
الحمد لله حمد الشاكرين الصابرين، حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، له الحمد في الأولى والآخرة، في السراء والضراء، في الشدة والرخاء، بنعمته تتم الصالحات، وبجوده تتنزل الرحمات، والصلاة والسلام على نبي المجاهدين المرابطين وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ الْغَدْوَةُ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا».
إلى إخواننا المسلمين وفي مقدمتهم جنود الخلافة الميامين نبلغكم سلام أمير المؤمنين الشيخ المجاهد أبي حفصٍ الهاشمي -حفظه الله تعالى-، ننقل إليكم تهنئته العطرة بحلول شهر المغفرة، ويحثكم فيه على الاجتهاد والتزود بخير الزاد، ويوصيكم باغتنامه ببذل الأموال والأنفس في سبيل الله وإحياء لياليه بالقيام على الثغور وفي المحاريب، فهي فرصة ثمينة للجمع بين هذين القيامين الشريفين في أشرف الأزمنة والميادين.
إخواني المسلمين، نخاطبكم بعد عامين مخضبين بالدماء والأشلاء خطاب الثابتين مع شدة اللأواء، خطاب الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، من بين ميادين الملحمة ودروب المراغمة، ولقد بلغتنا أشواق المحبين ولهفة المنتظرين، كما وصلتنا أوهام الكافرين وأماني المنافقين.
فللأحبة نقول: لم نغب عنكم ساعة من نهار، وإنما نصمت عندما يكون الصمت أنجى، ونتحدث عندما يكون القول أجدَى، وإن صمت الفرقان فلم تصمت مدافعه ولم تهدأ ملاحمه، وما انفك صداه ينبعث من فوهات بنادق المجاهدين وأحزمة الانغماسيين، يناديكم بحناجر المقاتلين المتأهبين، ويهمس في آذانكم عبر منابر الدعاة المشفقين، وما زال فرقانًا بين الحق والباطل، بين الهدى والضلال، بين الرشد والغي.
وللمنافقين والكافرين الذين شطحوا في تحليلاتهم وخلطوا أوهامهم بأمانيهم نقول ها هو صوت الفرقان يقرع مسامعكم وينغص عيشكم ويبدد أوهامكم، فموتوا بغيظكم، فلقد أبقاه الله تعالى حربًا لكم وفضحًا لغيكم وإزهاقًا لباطلكم.
أمة الإسلام، توالت المحن والأحداث على بلاد المسلمين، وكان من أبرزها وأبينها ما آلت إليه أحوال الشام الأسيرة بعد طرد النفوذ الإيراني منها، وما تبعه من سقوط الزعيم الصوري للنظام النصيري واستبداله سريعًا بنظام خاضع للنفوذ الأمريكي، عينوا له زعيمًا صوريًا جديدًا استهوته شياطين الترك والغرب وصيرته طاغوتًا صنوَ طواغيت العرب، وها قد تبين الرشد من الغي في أحداث الشام، وبان لأولي الأحلام أن خلافنا مع الجبهات والهيئات قبل سنوات كان في العقائد لا في السياسات، بين التوحيد والشرك، بين دولة الشريعة ودولة القانون، بل ليس في ديننا أصل أو فرع أو نقل أو عقل يقر الناكث المرتد على ما فعل من حربه لأهل الإيمان وتوليه لأهل الأوثان.
قال الحق تبارك وتعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، وقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 117].
ونقف هنيهة نستذكر فيها أولئك الذين تمالؤوا معه على حربنا وجرؤوه علينا وجعلوه حفيد الفاتحين ورمونا بالخوارج المارقين، وسنموه وسمنوه فكانوا أول من نهشهم، وتدبروا عدل الله فيهم كيف أمات ذكرهم كأن لم يكونوا من قبل.وأما دعاوى التحرير وإسقاط النظام في أيام ردع العدوان فتلك مسرحية تركية بإخراج أمريكي مفضوح، فالشام اليوم يحكمها الصليبيون بعد أن نصّبوا عليها دمية بلا روح يحركونها من أمام الستار لا من خلفه، وقد ظنوا بذلك أنهم طووا صفحة الجهاد في الشام، ولكن أنَّى لهم، فلقد دخلت الشام فصلًا جديدًا من فصول المدافعة، وستمضي قافلة الجهاد والمراغمة في شام الملحمة إلى قيام الساعة، ولن تحط رحالها إلا في دابق والمنارة البيضاء، ولن ينال الطاغوت الجديد رضى النصارى واليهود حتى يتبع ملتهم فيتنصر أو يتهود، وبغير ذلك فمهما تردى في مهاوي الردة فلن يكون مصيره أفضل حالًا من سلفه الكردي ولا سلفه النصيري، وقد حرس حدود اليهود لعقود ثم تخلصوا منه بين ليلة وضحاها.
إن النظام السوري الجديد بحكومته العلمانية وجيشه القومي كفرة مرتدون ليس أوجب بعد الإيمان من قتالهم لتخليص الشام من براثنهم، وعلى أجناد الشام السعي الحثيث لقتالهم وجعل ذلك أولويتهم وحشد كل طاقاتهم لذلك، وبهذا القتال تلفظ الشام خبثها وتمتاز صفوفها وتعود سيرتها الأولى.
أما أنتم يا بقايا الجماعات في الشام، لطالما نصحكم أمراء الدولة الإسلامية فأعرضتم، وصدقوكم فكذبتم، ولن تستفيقوا اليوم إلا وخناجر الغادر في خاصرتكم، وها نحن ندعوكم مجددًا معذرة إلى ربكم، فتوبوا إليه والحقوا بموكب النور البهي، فقد حصحص الحق وتبين الرشد من الغي، واعلموا أن الأحزاب والجماعات حائل دون الهدى في معظم الساحات، فتطهروا من رجس الحزبية تقطعوا نصف الطريق إلى الهداية.
وفي مقام النصح أيضًا نخاطب أهلنا المسلمين في الشام: يا قوم لقد عظمت تضحياتكم فلا تهدروها في سراب الوطنية، ولا تذروها في رياح الديمقراطية، ولا تقبلوا لها ثمنًا غير حكم الشريعة الربانية، يا قوم لا تجعلوا دماءكم جسرًا دوليًا لصناعة طواغيت جدد يعيدون فيكم حقبة الأسد، فتعظم خسارتكم وتطول حسرتكم، يا قوم {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [يوسف: 40]، فالذي تتوجهون بالعبادة إليه يأمركم بالاحتكام إليه لا إلى الدستور السوري، فاتبعوا دعوة الرسل لا عجل السامري، فالوحى الوحى، والنجاء النجاء، اللهم هل بلغنا، اللهم فاشهد.
ولقد تناهى إلى مسامعنا مزايدة من سفه نفسه من غلمان ترامب وأوليائه الكفار على الدولة الإسلامية بأسراها الأطهار، فيا للعجب أما يستحي من أكمل به التحالف الصليبي فرعه التسعين أن يعير الموحدين الصابرين؟ يا أذناب الصليبيين ورعاة خنازيرهم وكلاب حراستهم هذا أنتم فاعرفوا قدركم، أما مجاهدونا فهم من دوخوا التحالف العالمي وأرهقوه واستنزفوه وحيروه وأعيوه حتى لم يبق في جعبته حيلة لحربنا إلا تجنيدكم لقتالنا أيها الأنذال، فادفنوا رؤوسكم في الرمال وكفوا أقزامكم عن عمالقة الجبال.
أفعشت حتى عبتهم قل لي متى
توجت سرعة ما أرى يا بيدق
أما أنتم إخواننا الأسرى، فنعم أنتم تهابكم الدول وتخافكم الجيوش، الصليبي يحلق بطائراته ويستنفر قواته من أجلكم، الرافضي يحشد قطعانه على طول الحدود خشية فراركم، الطاغوت السوري ينافس الكردي على حصاركم، فمن أنتم؟ ما سر قوتكم؟ لماذا تكالب العالم عليكم وباتوا يرتعبون حتى من أطفالكم؟ يا فرائد عصركم ودرة زمانكم لقد نقموا منكم إيمانكم، نعم لقد نقموا منكم إيمانكم، فتوجهت كل سهام الباطل نحوكم واجتمع الأحمر والأسود على حربكم، ولو داهنتم أو فرطتم في عقيدتكم كما فعل غيركم لانتهت منذ عقد أزمتكم، ولكنه دين الله تعالى وسلعته الغالية، وعلى هذا بايعنا وبايعتم.
روى ابن إسحاق في السير قال: "لما اجتمعوا للبيعة -يعني العقبة الثانية- قال العباس بن عبادة: هَلْ تَدْرُونَ علامَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إِذَا نهَكَتْ أَمْوَالَكُمْ مُصِيبَة، وَأَشْرَافكُمْ قَتْلا أَسْلَمْتُمُوهُ، فَمِن الآنَ، فَهُوَ وَاللَّهِ إِنْ فَعَلْتُمْ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه عَلَى نَهْكَةِ الأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الأَشْرَافِ، فَخُذُوهُ، فَهُوَ وَاللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. قَالُوا: فَإنَّا نَأْخُذهُ على مُصِيبَة الْأَمْوَال وَقتل الْأَشْرَاف فما لنا بذلك يَا رَسُول الله إِن نَحن وَفّينَا. قَالَ: «الْجنَّة» قَالُوا ابْسُطْ يدك، فَبسط يده فَبَايعُوهُ".وتأملوا إخواننا خطاب الله للمؤمنين قبلكم ممن أصابهم ما أصابكم، ففيه سلوى وبشرى لنا ولكم: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران: 195].
وكلما اشتدت فصول الحرب والمحنة علينا سلقونا بألسنة حدادٍ أشحة علينا، وخاضوا في تقييم جهادنا بالورقة والقلم على أرائك الترف والوهم.
أفِي السِّلْمِ أعْياراً جَفاءً وغِلْظَةً
وَفِي الحرْبِ أشْباهَ النِّساءِ العوَارِكِ
فلهؤلاء وغيرهم نقول: لقد نجحت الدولة الإسلامية بفضل مولاها نجاحًا باهرًا، مقياسه الكتاب والسنة لا مقاييسكم وحساباتكم، لقد نجحت في تمدد الجهاد إلى أقطاب العالم وإيصاله إلى العرب والعجم وتسهيل سبله وهدم شروط تعطيله التي ابتدعها مشايخ الطاغوت ولحق بهم بعض أدعياء الجهاد ممن ملّوا الطريق وطال عليهم الأمد.
لقد نجحت في ميدان الدعوة على منهاج النبوة، فصار المجاهدون ينشرون الإسلام بالسنان والبرهان كما كان الحال في القرون المفضلة، فالهداية مع الجهاد، قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]، وانظروا حولكم هل انتشرت معالم التوحيد وملة إبراهيم والولاء والبراء والكفر بالطاغوت والشريعة والخلافة والبيعة والهجرة والجماعة والمفاصلة وبلغت ما بلغته اليوم في عهد الدولة الإسلامية؟
كما نجحت الدولة الإسلامية وسبقت إلى صون مسيرة الجهاد عن الانحرافات التي غزت الساحات، وليس من رقّع وخاط كمن ثوبه صحيح، ونذكر طرفًا من ذلك لمن لم يعاصرها منذ خفق في العراق عُقابها يوم أنار الله بصيرتها فحكمت في الرافضة حكم الإسلام في الوقت الذي كان فيه "الجهاديون" تحت التنظير والاستقطاب الرافضي.
كانت تبث للأمة منهاج المفاصلة، وغيرها يصدّر مناهج هلامية، أفرزت مسوخًا جاهلية بأصباغ جهادية كالإدارة العلمانية والإمارة الوطنية وأُخرُ متشابهات يسعين للغاية ذاتها.
وبعد عقدين من الحرب عليها منذ قامت في العراق الأبي، وأكثرَ من عقد على بدء الحرب عليها بقيادة التحالف التسعيني، ها هي دولة الإسلام ماضية باقية بفضل الله تعالى شوكة في حلوق الكافرين وسيفًا مصلتًا على رقابهم، تفضح باطلهم بالحجّة والبرهان وتصدّ عاديتهم بالسّيف والسّنان، وها هي تضرب في كل مكان بالطّريقة التي تناسب الحال والمقام، وكأني بفرسانها قد كتبوا على جدار الدهر دولة الإسلام مرت من هنا، ونقشوا على وجنة الجوزاء نحن لها نحن لها.
واسألوا جيف اليهود في سيدني، والنصارى في أورليانز، سلوا الروس في موسكو وأذنابهم في القوقاز، سلوا معابد الرّافضة في كرمان وعمان، وسلوهم في خراسان وباكستان، سلوا كل صقعٍ في هذا العالم عن بطولات أجنادنا وضربات آسادنا.
وهنا وقفة مع أبطال الهجمات العابرة للقارات؛ إخواننا، لقد ضربتم فأوجعتم، ورأيتم ثمرة صنيعكم وحجم الرعب والقلق والاستنفار الذي غزا دول الغرب الكافر خشية صولاتكم وجولاتكم، ويكفي للدلالة على ذلك الخسائر الكبيرة التي تكبدتها أوروبا الصليبية هذا العام لتأمين أعيادهم، وكيف تحولت شوارعهم إلى ساحات حرب كنتم أنتم أبطالها ومُسَعِّريهَا بنصالكم وطلقاتكم وحافلاتكم، فواصلوا أيها الأسد البواسل هجماتكم ضد الأهداف الصليبية واليهودية في كل مكان، واستعينوا عليها بالسّرية والكتمان، وأعدوا لها قوة الإيمان وقوة الأبدان، لا تفرطوا في أي منهما، واعلموا أن العهدة على الأولى.
ومما تسلقنا به الألسنة الحداد أننا لم نستفد من تجاربنا ولم نتعلم من أخطائنا، ومن قال لكم ذلك؟ لقد تعلمنا أنّه لا صواب يعدل صواب التّوحيد فأصررنا عليه، وتعلمنا أنّه لا رشد يعدل الشّريعة ولا غي مثل الديمقراطية فزدنا إيمانًا بالأولى وكفرًا بالثانية، وتعلمنا من تجاربنا أنّه لا سبيل لإنقاذ الأمة غير سبيل الجهاد لكنه محفوف بالمكاره والصعاب فسلكناه طوعًا واستعذبنا فيه العذاب، وتعلمنا من تجاربنا أنّ سبيل الحق واحدة وسبل الباطل كثيرة فاتّبعنا السبيل وتركنا السبل استجابة لوصية مولانا القائل: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].ولقد تعلمنا من تجاربنا أن الانحراف المنهجي يبدأ صغيرًا ويكبر مع الأيام، فحسمنا بوادره ولم نتهاون معه غلوًا كان أو إرجاءً، وأيقنا أن سلامة العقائد لا يعدلها شيء، فلتذهب الدنيا بأسرها ولتسلم لنا عقائدنا نلقى بها مولانا وتشفع لنا يوم تطيش السّجلات وتبدل الأرض غير الأرض والسّماوات.
ولقد عابوا علينا الصبر في مواطن الصبر وكرهوا آياته وملّوها، نعم ملّوها، عابوا علينا الثّبات في مواطن المحنة وقالوا محرقة، وعابوا علينا الإقدام في مواطن الهمّة وقالوا مهلكة، عيّرونا بالضّراء وحسدونا على السّراء، آمنوا بالفتح وكفروا بالخندق، إن حكمنا الأرض مغالبة وقهرًا قالوا مؤامرة، وإن ابتلينا بالأحزاب قالوا هزيمة، وإن تأسّينا بآيات الصبر قالوا يبررون، وإن بشّرنا بآيات النصر قالوا واهمون، إن صدحنا بالحق قالوا متشددون، وإن صمتنا قالوا غائبون، وهكذا هم المنافقون، ما سلك الجهاد فجًا إلا سلكوا فجًا نقيضه، كالشّيطان والفرقان لا يلتقيان.
وحاصل الأمر أن هؤلاء لا تعني لهم سلامة الدين شيئًا، فقد وزنوا الأمور بميزان المادة، فعدّوا كل فقد لها خسارة وكل ظفر بها فوزًا ولو على حساب دينهم، فما قدروا الهداية قدرها، هذه هي الحقيقة تنكرها ألسنتهم وتنطق بها أفعالهم.
وبعيدًا عن دروب المنافقين، هل أتاكم نبأ ملحمة الصومال محضن الرجال وقلعة الأبطال؟ أكثر من عام وهم يقارعون الحملة الصليبية بقيادة أمريكا والإمارات وجيوش بونتلاند على الأرض، فماذا كانت النتيجة بعد أن تخطت حملتهم جدولها الزمني؟ تشتَّتتْ صفوفهم وقُتل أبرز قادتهم والمئات من جنودهم، فغصّت جبال مسكاد بقتلاهم، وعصفت العبوات بأرتالهم، وصالت عليهم طلائع الانغماسيين ففرقت جموعهم، فاستعانوا عليهم بالطائرات فزادتهم رهقًا ولم تغن عنهم، واليوم باتوا بلا أفق، أيعلنون نهاية الحملة بهزيمة لا تخفى أم يواصلونها بخسارة أشد من الأولى؟
فبورك يا أجناد الصومال سعيكم، واشكروا المولى على فضله يزدكم.
ومن ملاحم شرق إفريقية إلى غربها، حيث محرقة المعسكرات التي اصطلى بها جيش نيجيريا ومُرّغ أنفه في التراب، وصار مُدافعًا طريدًا لفرسان الاقتحامات، فإن قرر الهجوم تلقّاه فرسان الشهادة بالمفخخات، فلا تسل عن رعبهم حينها، كأنهم حمر مستنفرة فرّت من قسورة.
شُوسٌ إذَا خَفَقَتْ عُقابُ لوَائهِمْ
ظَلَّتْ قُلُوبُ المَوْتِ مِنْهم تَخْفِقُ
ولما رأى كواسر الساحل صنيع إخوانهم هبّوا وتسابقوا، فخرج الكماة البهاليل يطوون الأرض طيّا، ولم تقف جحافلهم إلا وسط قواعد الجيوش المالية والنيجرية، فأبادوا من فيها ولم يكتفوا وما قنعوا حتى أثلجوا الصدور بغزوة مطار نيامي يوم حبس طواغيت النيجر أنفاسهم، ولفرط صدمتهم ظنوه انقلابًا جديدًا، فلما أسفر الصبح عن الحقيقة طفقوا يخصفونها بالكذب فلم تسعفهم كل غرابيل إفريقية.
ولم يرضَ غرباء وسط إفريقية وموزمبيق بأقل من ذلك، فكثّفوا هجماتهم على الجيوش الصليبية فأحرقوا المعسكرات والثكنات وسلبوهم الأسلحة والمعدات في تطور ملحوظ وجهد ميداني محمود، تجاوز مذابح النصارى المحاربين إلى محارق جيوشهم الخائرين، وهكذا أينما قلبت ناظريك في الساحة الإفريقية رأيت صرح الإسلام يُشيّد وصروح الكفر تدكدك.
لقد جدد فوارس إفريقية الأمجاد وأعادوا سير أجدادهم عقبة وموسى وابن زياد، لقد صانت إفريقية أمانة الخلافة وحملت رايتها في أحلك الظروف وقارعت عنها جيوش الروم وأحباشهم، وغدت ملاذ الصادقين وقبلة المهاجرين، وصارت مصدر تشتيت واستنزاف للحملة الصليبية التي غزت العراق والشام، فتداعت لها إفريقية تنصر وتؤازر وتنافح عنها بالمهج والأرواح في صورة جلية للأخوة الإيمانية وثمرة يانعة من ثمار الجماعة، وكما أينعت ثمرة العراق والشام في إفريقية فليرتقب الصليبيون أين تينع الثمرة الإفريقية، واللهَ نسأل أن تكون في عقر أوروبا الصليبية.
فشدوا الهمم يا فرسان ليبيا والمغرب وتونس والجزائر، فليس من بادر كمن جاء في الصف الآخر.
أيها المسلمون، إن الإسلام لم ينتصر في الزمن الأول إلا بالهجرة والجهاد، ولن ينتصر في الزمن الآخر إلا بذلك، ولذا بشّر النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنّ الهجرة والجهاد ماضيان إلى قيام الساعة فقال: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الْكُفَّارُ»، وقال ابن كثير في قوله عز وجل: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]، قال: "هذا تحريضٌ على الهجرة وترغيب في مفارقة المشركين".
وعملًا بنصوص الوحي فإننا نحرّض شباب المسلمين على الهجرة إلى ولايات الدولة الإسلامية، فهلموا وسارعوا وابذلوا طاقاتكم في تشييد صرح الشّريعة بدلًا من إهدارها في صروح الطواغيت، فاتقوا اللّه في أنفسكم وامتثلوا أمر ربكم: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41].واعلموا أن الباحث عن الهجرة لن يبلغها بغير الصدق والدعاء، فهو يخترق حجب الأرض والسماء.
وفي هذا المقام نكشف للعالم أن المهاجرين كانوا رأس الحربة في ملاحم الصومال وبراة القوس في غزوة المطار، نعلن هذا تشجيعًا للمؤمنين وإغاظة للكافرين الذين يتحدّون وعد الله تعالى بمضي الهجرة إلى قيام الساعة، فموتوا بغيظكم، فالهجرة باقية والمهاجرون قادمون ولو كره الكافرون.
ولئن كانت أرض إفريقية تعيش بدرًا وفتحًا فإن أرض العراق والشام تعيش أُحدًا وخندقًا، وكما خاض أجناد إفريقية معارك الإثخان والنكاية يخوض أجناد العراق والشّام معارك المرابطة والمراغمة، تقبل الله جهادهم أجمعين.
وفي ميدان التضحية والشّهادة ننعى إلى أمة التّوحيد ثلة من أبطال وكوادر الجهاد قُتلوا بسلسلة إنزالات صليبية واشتباكات ملحمية على ثَرى العراق والشام خلال العامين الماضيين، الذَين انشغل فيهما التحالف الصليبي بكل شيء إلا عن ملاحقتهم ومطاردتهم، رحلوا ثابتين على الدّرب لم يبدلوا أو يتراجعوا، لم يستسلموا لعدوهم أو يُعطوا الدنية في دينهم.
أَبَوْا أَنْ يَفِروا وَالْقَنَا فِي نحورِهِمْ
ولم يَرْتَقُوا مِنْ خَشيةِ الْمَوتِ سُلَّمَا
وَلَوْ أَنَّهمْ فَرُوا لَكَانُوا أَعِزَّةً
وَلكِنْ رَأَوْا صَبْرًا عَلَى الْمَوْتِ أَكْرَمَا
ومضى على ذات الدرب نفر من فوارس الإعلام ورسل البلاغ، قضوا لله نحبهم وصدّقوا كلماتهم بدمائهم، رحلوا في صمت مهيب، عاشوا في كواليس الظل يزفون لأمة الإسلام كل خير وينذرونها كل شر، أنكروا ذواتهم ونذروا حياتهم وأوقاتهم وزهرة شبابهم نصرة للشريعة حتى مضوا والوقار يلفهم في حلة من الأنوار، ونشهد أنّهم وفّوا ببيعتهم وأدّوا ما عليهم وصانوا ميدان الإعلام وأداموه نبراس هداية إلى الحق ورحمة بالخلق، نحسبهم والله حسيبهم.
مُسْتَرْسِلِينَ إِلَى الحُتُوفِ كأنَّما
بينَ الحُتُوف وبَيْنَهُمْ أرْحامُ
فدونكم يا فوارس الإعلام ثغرهم، فاحملوا رايتهم وواصلوا دربهم وصونوا أمانتهم وأنفذوا وصيتهم واستلهموا الهمّة من دمائهم وتزودوا بالعزيمة من تضحياتهم وكونوا خير خلف لخير سلف.
وعطفًا على ذلك نخاطب إخواننا المناصرين في الإعلام المساند، نقول لهم إن التمحيص والغربلة والتمايز قدرُ الجهاد في كل ميادينه، ولقد طال التمحيص ميدان المناصرة وبرزت معادن الصادقين وتألقوا بين الصفوف على قلتهم في زمن دخن كثير، وقليل نقي خير من كثير شائب، فاحرصوا أن تكونوا من هذا القليل الذي فهم معنى البيعة وأنزلها منزلتها وبذل للتّوحيد أفضل أوقاته لا فضولها، وتدبروا طويلًا قوله تعالى: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 6].
فاجتهدوا في نصرة المجاهدين وكونوا لهم لا عليهم، وتجردوا من الحظوظ والأهواء، فأخروا الألقاب والتّشريفات وقدموا الهمم والعزمات، وقد كان المناصرون قبلكم أفعالًا لا أسماءً، فانصروا دولتكم وأوصلوا رسالتها دون تحريف أو تطفيف، فمن قبل بمنهاجها فليواصل، ومن أراد أن يخلطه بغيره من الأوهام والأهواء فدونه الجماعات الهلامية والمناهج المطاطية، فعندها طلبه.
فلم تبذل دولة الإسلام كل هذه التضحيات ولم تخض حروب المفاصلات لتجعل منهاجها رهن الأذواق والأمزجة، فمنهاجها منهاج النبوة، وقد تبين الرشد من الغي أكثر من أي وقت مضى.
وقبل الختام نخاطب جنود الخلافة بهذه الوصايا: أيها المجاهدون إننا اليوم في مخاضٍ عسير لا نخفيه ولا نقلل من شأنه، قد كتبه الله علينا لحكمة سطّرها في كتابه وسنة نبيه.
فاثبتوا على عبوديتكم في هذه المرحلة، فالأجر فيها على قدر المشقة، وهذه هي عبودية المراغمة التي عناها ابن القيم، وبيّن أمارتها فقال: "فَمَنْ تَعَبَّدَ اللَّهَ بِمُرَاغَمَةِ عَدُوِّهِ، فَقَدْ أَخَذَ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ بِسَهْمٍ وَافِرٍ، وَعَلَى قَدْرِ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَمُوَالَاتِهِ وَمُعَادَاتِهِ لِعَدُوِّهِ يَكُونُ نَصِيبُهُ مِنْ هَذِهِ الْمُرَاغَمَةِ".
فهي تبرز في مواطن الجهاد والهجرة والمفاصلة لقوله تعالى: {وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]، واعلموا أيها المجاهدون أن الهمم والعزائم قد تفتر من تكرار النوائب وتتابع المصائب، لكن المؤمن يرممها ويعالجها باليقين والتّسليم بموعود الله لعباده وما أعده للصابرين في دار كرامته.
وآفة عصرنا ضعف اليقين، والمؤمنون يتفاوتون في مراتبه، وقمين بالمجاهد أن يحوز أعلاها، كما ينبغي للمجاهد أن يربي نفسه تربية أخلاقية تزيّن جهاده، فالمجاهدون أبرُّ الناس قلبا وأصدقهم لسانا وأحسنهم أخلاقا، فاحفظوا أيها المجاهدون أخلاقكم في زمن التفاهات، وحريّ بمن هو في الذروة ألا يجاري أهل المستنقعات.فترفّعوا من غير كبر، وتواضعوا في غير ذلة، واحتسوا مرارة أخلاق الناس، واسقوهم عذوبة أخلاقكم، والزموا في ذلك هدي نبيكم -صلى الله عليه وسلم-، فإنّه بالمؤمنين رؤوف رحيم، ولا يحملنكم قسوة الظرف على قسوة الطبع، فالمؤمنون رحماء بينهم.
ونذكر المجاهدين بأهمية العلم في ميادين الجهاد، فبين العلم والجهاد نسب وصهر، ومتى اجتمعا اجتمعت أبواب الخير وفصول التوفيق، ومتى افترقا تخلّف التوفيق بقدر ذلك، وصار الجهاد على غير بصيرة، والعلماء العاملون صمام أمان للجهاد يقودونه نحو غاياته ويبلغونه مقاصده، قال ابن القيم: "فالفروسية فروسيتان: فروسية العلم والبيان، وفروسية الرمي والطعان، ولما كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أكمل الخلق في الفروسيتين فتحوا القلوب بالحجّة والبرهان، والبلاد بالسيف والسنان، وما الناس إلا هؤلاء الفريقان، ولا يعدل مداد العلماء إلا دم الشهداء"، كما تشتد الحاجة اليوم إلى التربية الأمنية، فأنت يا جندي الخلافة هدف لكل مخابرات الدنيا، وإن لم تتفطن لأساليبهم ومكرهم وقعت في فخاخهم، ومتى تخليت عن حذرك أو أرخيت دفاعاتك تخطفتك سهامهم.
ومما يتصل بالأمن قواعد التّوثيق والتّزكية، فحري بالمجاهدين مراجعتها والتأني كثيرا قبل إطلاقها على مستحقّيها، ومن ذلك التّزكية الافتراضية عبر العنكبوتية، فلا يُبنى عليها ولا تنفي الجهالة عن صاحبها، فسددوا وقاربوا.
ولا تتساهلوا في موازين الجرح والتعديل في زمن غلبة النفاق والخيانة، ومما ينبغي للمجاهد أن ينميه في شخصيته الشّجاعة والإقدام، فالشّجاعة وقاية والجبن مقتلة، فلا الإقدام يقدم الأجل ولا الجبن يؤخره، فاقتحموا غمار الموت، فإنّ أكثر النكاية في هذا الزمان لا تتحقق بغير الانغماس، فالانغماسيون درة التّاج في ميادين الجهاد.
وجامعة الوصايا في الأولى والآخرة تقوى الله تعالى في السرّ والعلن، والصّبر على الشدائد والمحن، وما اجتمعا فيكم إلا رد الله عنكم كيد الأعداء وثنّى لكم بالفتح والنصر، قال الحكيم الخبير: {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120]، فأكثروا من ذكره تعالى وتجديد التّوبة إليه والانطراح على عتبته سبحانه، والإلحاح عليه بأسمائه وصفاته، ثم احتسبوا عند الله ما أنتم فيه من شدّة، واشكروه تعالى على ما حباكم من نعمة، فإنما هي أيام الصّبر وبعدها الفرج والظّفر بإذن الله تعالى، فانصروا الله ينصركم، وخافوا مقامه ووعيده يمنحكم أرض عدوكم، واصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
تفريغ: مؤسسة صرح الخلافة - رمضان 1447 ...المزيد
بقلم: المفكر الإسلامى حازم محمود ...... عندما اقرأ قوله تعالى فبعث الله غرابا يبحث فى الأرض ...
بقلم: المفكر الإسلامى
حازم محمود
...... عندما اقرأ قوله تعالى فبعث الله غرابا
يبحث فى الأرض ليريه كيف يوارى سوءة أخيه
يتبادر إلى ذهنى وكأن الله بعث ما نسميه حانوتى بلفظنا الدارج حاليا أو المتعهد بتغسيل وتكفين الموتى ودفنهم، ولكنه كان من أمة الطير بمعنى من يقوم بوظيفة الحانوتى من الغربان،،،،،،، لذلك يجب أن نتدبر الآتى
الفرق بين لفظ بعث وارسل فى القرآن يستخدم بعناية إلهيه فائقه.
لماذا قال الله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ ولم يقل: فأرسل الله غرابًا؟
لمسة بلاغية تكشف عمق الاختيار القرآني
من دقائق البيان القرآني التي لا تُدرك من القراءة السطحية، اختيار الألفاظ بما يناسب المقام أدق مناسبة. ومن ذلك قوله تعالى في قصة ابني آدم:
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: 31]
فلماذا بعث، ولم يقل: أرسل؟
البعث: إثارةٌ بعد تمحيص، لا حركةٌ عابرة
الفرق بين البعث والإرسال ليس فرق ترادف، بل فرق دلالة ومقام.
فالإرسال يدل على توجيهٍ عام قد يقع من غير تخصيص، أما البعث فيفيد:
إثارة بعد خفاء
إقامة بعد سكون
اختيارًا وتعيينًا بعد تمحيص
ولهذا استُعمل البعث في القرآن في مواضع التخصيص والانتقاء:
﴿وَبَعَثْنَا فِيهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾
غرابٌ مُعيَّن لمهمةٍ مخصوصة
الغراب في الآية ليس أي غراب مرّ مصادفة، ولا حركة طائر عادية، بل مخلوق مُختار لوظيفة بعينها:
﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾
والبحث هنا نبشٌ وتقليبٌ وتنقيب، وهي مهارة فطرية اشتهر بها الغراب.
فالمشهد ليس “إرسال طائر”، بل بعث صاحب خبرة فطرية ليؤدي مهمة دقيقة: تعليم أول قاتل في التاريخ كيف يواري سوءة أخيه.
كأنه “مسؤول مراسم الدفن” في عالم الطيور
من حيث المعنى البلاغي، لا التشبيه الحرفي، يمكن القول:
كأن الله بعث غرابًا مختصًّا بأمر الدفن، كما يُستدعى صاحب الخبرة لأداء مهمة لا يحسنها غيره.
وهذا المعنى لا يؤديه لفظ أرسل، لأن الإرسال لا يفيد التخصيص ولا التعيين، بينما البعث يفيد أن هذا الغراب مُنتقى للمقام.
توبيخ الإنسان بالبعث لا بالإرسال
بهذا الاختيار اللفظي يشتدّ التوبيخ:
إنسانٌ قتل أخاه، ثم عجز عن أبسط تصرّف إنساني، حتى بُعث له طائر مختص ليوقظه من موته المعنوي.
ولهذا جاءت صرخته الموجعة:
﴿قَالَ يَا وَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ﴾
استُعمل لفظ “بعث” لأن المقام مقامُ تمحيصٍ وتخصيصٍ وتعيين، لا مجرد إرسال.
فكان الغراب مبعوثًا بخصيصة، لا مرسَلًا بحركة.
وهكذا تتجلّى بلاغة القرآن: لا كلمة فيه تقوم مقام أختها، ولا لفظ يُستبدل بغيره دون أن يختلّ المعنى. ...المزيد
حازم محمود
...... عندما اقرأ قوله تعالى فبعث الله غرابا
يبحث فى الأرض ليريه كيف يوارى سوءة أخيه
يتبادر إلى ذهنى وكأن الله بعث ما نسميه حانوتى بلفظنا الدارج حاليا أو المتعهد بتغسيل وتكفين الموتى ودفنهم، ولكنه كان من أمة الطير بمعنى من يقوم بوظيفة الحانوتى من الغربان،،،،،،، لذلك يجب أن نتدبر الآتى
الفرق بين لفظ بعث وارسل فى القرآن يستخدم بعناية إلهيه فائقه.
لماذا قال الله: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾ ولم يقل: فأرسل الله غرابًا؟
لمسة بلاغية تكشف عمق الاختيار القرآني
من دقائق البيان القرآني التي لا تُدرك من القراءة السطحية، اختيار الألفاظ بما يناسب المقام أدق مناسبة. ومن ذلك قوله تعالى في قصة ابني آدم:
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: 31]
فلماذا بعث، ولم يقل: أرسل؟
البعث: إثارةٌ بعد تمحيص، لا حركةٌ عابرة
الفرق بين البعث والإرسال ليس فرق ترادف، بل فرق دلالة ومقام.
فالإرسال يدل على توجيهٍ عام قد يقع من غير تخصيص، أما البعث فيفيد:
إثارة بعد خفاء
إقامة بعد سكون
اختيارًا وتعيينًا بعد تمحيص
ولهذا استُعمل البعث في القرآن في مواضع التخصيص والانتقاء:
﴿وَبَعَثْنَا فِيهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾
غرابٌ مُعيَّن لمهمةٍ مخصوصة
الغراب في الآية ليس أي غراب مرّ مصادفة، ولا حركة طائر عادية، بل مخلوق مُختار لوظيفة بعينها:
﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾
والبحث هنا نبشٌ وتقليبٌ وتنقيب، وهي مهارة فطرية اشتهر بها الغراب.
فالمشهد ليس “إرسال طائر”، بل بعث صاحب خبرة فطرية ليؤدي مهمة دقيقة: تعليم أول قاتل في التاريخ كيف يواري سوءة أخيه.
كأنه “مسؤول مراسم الدفن” في عالم الطيور
من حيث المعنى البلاغي، لا التشبيه الحرفي، يمكن القول:
كأن الله بعث غرابًا مختصًّا بأمر الدفن، كما يُستدعى صاحب الخبرة لأداء مهمة لا يحسنها غيره.
وهذا المعنى لا يؤديه لفظ أرسل، لأن الإرسال لا يفيد التخصيص ولا التعيين، بينما البعث يفيد أن هذا الغراب مُنتقى للمقام.
توبيخ الإنسان بالبعث لا بالإرسال
بهذا الاختيار اللفظي يشتدّ التوبيخ:
إنسانٌ قتل أخاه، ثم عجز عن أبسط تصرّف إنساني، حتى بُعث له طائر مختص ليوقظه من موته المعنوي.
ولهذا جاءت صرخته الموجعة:
﴿قَالَ يَا وَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ﴾
استُعمل لفظ “بعث” لأن المقام مقامُ تمحيصٍ وتخصيصٍ وتعيين، لا مجرد إرسال.
فكان الغراب مبعوثًا بخصيصة، لا مرسَلًا بحركة.
وهكذا تتجلّى بلاغة القرآن: لا كلمة فيه تقوم مقام أختها، ولا لفظ يُستبدل بغيره دون أن يختلّ المعنى. ...المزيد
غربان عل زوبيا درع .ونقلبهم ذات يمين وذات شمال. لا اكل ف64 اكل ف محروسة وغرابيا قالت لو ...
غربان عل زوبيا درع .ونقلبهم ذات يمين وذات شمال.
لا اكل ف64 اكل ف محروسة وغرابيا قالت لو قطعت برا لقطعته معك
المستلقين .قطعت مركبة سحاب اسلامبورت نقطع
لا اكل ف64 اكل ف محروسة وغرابيا قالت لو قطعت برا لقطعته معك
المستلقين .قطعت مركبة سحاب اسلامبورت نقطع
وكن من شاكرين بلبل وارض مسطوحة
وكن من شاكرين بلبل وارض مسطوحة
ثم تذكر طابلة دخان والذي نفسه بيده لتشهدن مدينة البوابة للفضا
ثم تذكر طابلة دخان
والذي نفسه بيده لتشهدن مدينة البوابة للفضا
والذي نفسه بيده لتشهدن مدينة البوابة للفضا
اما كوثر في (سحاب رسوم) وف مركبة سحاب ما زلنا عل ارض تعب ولم نقم
اما كوثر في (سحاب رسوم) وف مركبة سحاب
ما زلنا عل ارض تعب ولم نقم
ما زلنا عل ارض تعب ولم نقم
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00
يتبقى على
9
رمضان
1447
| الفجر 00:00 | الظهر 00:00 | العصر 00:00 | المغرب 00:00 | العشاء 00:00 |