رمَضان • الفرح والتبشير به قال ابن رجب: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبشر أصحابه بقدوم ...

رمَضان


• الفرح والتبشير به
قال ابن رجب: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبشر أصحابه بقدوم رمضان، كما أخرج أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبشر أصحابه يقول: (قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه..)" [جامع العلوم].


• ثبوت دخول الشهر
يثبت دخول الشهر بأحد أمرين: رؤية هلال رمضان أو إكمال شعبان ثلاثين يوما، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) [متفق عليه].


• تعلم أحكامه
عملا بالقاعدة الشرعية "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، فيجب على كل مسلم أن يتعلم ما يتعلق بأحكام رمضان قبل دخوله، حتى لا يقع في شيء يفسد عليه عبادته، وإن أشكل عليه شيء فينبغي أن يسأل عنه.


• تبييت نية صيامه
قال -صلى الله عليه وسلم-: (من لم يبيت الصيام قبل الفجر، فلا صيام له) [النسائي]، وهذا في صيام الفرض، أما صيام النفل فمباح أن ينويه خلال النهار إذا لم يأت شيئا من المفطرات، ويكفي لرمضان نية واحدة في بداية الشهر ما لم ينقطع الصيام بعذر.


• كثرة التلاوة والتدبّر
قال ابن رجب بعد أن ذكر نماذج من اهتمام السلف بتلاوة القرآن: "فأما في الأوقات المفضلة -كشهر رمضان خصوصا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر-.. فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن؛ اغتناما للزمان" [جامع العلوم].


• الاعتدال في الأكل والشرب
لأن كثرة الأكل والشرب يقترن به غالبا التقصير في الطاعة والتكاسل عنها، قال -صلى الله عليه وسلم-: (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) [الترمذي].



• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 534
السنة السابعة عشرة - الخميس 24 شعبان 1447 هـ
...المزيد

مِن أقوال علماء الملّة قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "إن من سلم لله واستسلم له، وعلم ...

مِن أقوال علماء الملّة



قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-:

"إن من سلم لله واستسلم له، وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له؛ لم يبق لخوف المخلوقين في قلبه موضع.. فإن نفسه التي يخاف عليها قد سلمها إلى وليها ومولاها، وعلم أنه لا يصيبها إلا ما كتب لها، وأن ما كتب لها لا بد أن يصيبها؛ فلا معنى للخوف من غير الله بوجه". [مدارج السالكين] ...المزيد

حديث نبوي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أمرت أن أقاتل ...

حديث نبوي


عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:

(أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله). [رواه مسلم] ...المزيد

حربٌ دينيةٌ عقديةٌ مقدّسة إنّ حرب أهل السنة مع الروافض ليست حربًا طائفية كما ينعق الناعقون، ...

حربٌ دينيةٌ عقديةٌ مقدّسة


إنّ حرب أهل السنة مع الروافض ليست حربًا طائفية كما ينعق الناعقون، فالطائفة جزءٌ من جزء والرافضة لا يمتون للإسلام بصلة، لهم دينهم ولنا دين، وإنما حرب أهل السنة مع الروافض حربٌ دينيةٌ عقديةٌ مقدّسة، حرب إيمانٍ وكفر، حرب شركٍ وتوحيد، لا مناص عنها ولا محيد.


مقتطفات نفيسة (64)
من كلام الشيخ المجاهد أبي محمد العدناني -تقبله الله تعالى-
...المزيد

مقال: شهر الخير أيام قلائل ويهلّ علينا زائر كريم وموسم خير كبير، يحمل في طياته كنوزا لا تقدر ...

مقال: شهر الخير


أيام قلائل ويهلّ علينا زائر كريم وموسم خير كبير، يحمل في طياته كنوزا لا تقدر بثمن، من ظفر بها واغتنمها كان من الرابحين السعداء، ومن غفل عنها وفاتته أثمانها كان من الخاسرين الأشقياء، فهلم بنا نتذاكر كيف نستقبل هذا الضيف بقلوب مستعدة ونفوس متشوقة لنظفر بخيره وننعم ببركاته.


• موسم التجارة الرابحة

شهر مبارك وأيام معدودات لكن في طياتها بركات وخيرات، زائر يأتي مسرعا حاملا معه صفقات رابحة وبضاعة نفيسة، قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفِّدت الشياطين ومردة الجن، وغلِّقت أبواب النار فلم يُفتح منها باب، وفتِّحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة) [الترمذي].

وجاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه)، فهل بعد هذا الفضل من فضل؟!

فإلى كل من ألمّت به الهموم والغموم وأحاطت به الخطوب؛ ها قد أقبل شهر تستجاب فيه الدعوات تفرج فيها الكربات، وتنزل فيه الرحمات من رب الأرض والسماوات، وإلى من يريد أن يتقدم ويجوز، لكنه ما يلبث أن يقع في حبائل الذنوب؛ ها قد أقبل شهر العتق من النيران، وشهر الانتصار على الشهوات والشيطان، وإلى المجاهدين الذين ينتظرون فجر النصر؛ ها هو شهر الغزوات والانتصارات والفتوحات، ألا إنها أيامٌ الخاسر فيها من ضيعها، أرأيتم لو أُهدي لأحد الفقراء جرة ذهب أكان طارحها؟ فكيف بنا نحن الفقراء المحتاجون إلى الحسنات والمغفرة، إلى عفو الله ورضاه، وقد أنهكتنا الدنيا وصرعتنا وألهتنا، فنحتاج إلى ملاذ نأوي إليه، تستجم فيه النفوس وتختلي فيه بالملك القدوس، هذا المأوى هو رمضان.

لو عددنا فضائله ما أحصيناها؛ تغلق فيه أبواب النيران، وتفتح أبواب الجنان، وتصفّد فيه الشياطين، ولله في كل ليلة عتقاء، فيه ليلة خير من ألف شهر، كنوز نحن بأمس الحاجة إليها لمن كان له قلب، فحري بمن عرف فضل الزائر أن يستعد لاستقباله فلربما لا يكتب له لقاء معه، فكم هم الذين منّوا أنفسهم بصيامه غطاهم الثرى قبل إدراكه!


• ردوني عليهم

"باع قوم من السلف جارية، فلما قرب شهر رمضان رأتهم يتأهبون له ويستعدون بالأطعمة وغيرها، فسألتهم فقالوا: نتهيأ لصيام رمضان، فقالت: وأنتم لا تصومون إلا رمضان؟ لقد كنت عند قوم كل زمانهم رمضان، ردوني عليهم" [لطائف المعارف]، هكذا حال الصالحين النجباء الذين يعرفون أن العمر فرص وأن الموت يأتي بغتة، فكما يكدح أهل الدنيا في طلبها فكذا يكدح الصالحون في طلب الآخرة، ويرون أن الدنيا محطة وقود يتزودون منها فقط ليكملوا المشوار إلى دار الخلود.

لقد كان حال سلفنا في استقبال شهر الخير مغايرا تماما لواقع أمتنا المرير! فانظروا كيف كان استقبالهم وكيف هو استقبالنا، فهذا سيد الخلق صلى الله عليه وسلم كان يكثر من صيام شعبان استعدادا لرمضان، أما الصحابة رضوان الله عليهم فقد روي أنهم كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان -وإذا دخل تفرغوا للعبادة وقراءة القرآن والاتجار مع الله- ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم.

أما عن استعداد أهل زماننا له فلا تسل عن المأكولات حين تُخزن وكأنه شهر الجوع، ولا تسل عن التنافس على الملبوسات والمشتريات، يضيعون الصلوات من أجل شراء حاجيات رمضان في الأسواق، مشاحنات وصراعات على أتفه الأسباب، وكأنّ الشيطان قبل أن يصفّد ينال منهم وينهلون منه، فعلى هذه الحال يبكي القلب دما وتذرف العين دمعا، فلو كان عرضا من الدنيا لتهافتوا عليه تهافت الأنعام الجائعة، ولكن هي وربي قلوب غشيتها الغفلة، وأهلكها حب الدنيا، فتعالوا نمحو الغبار عن القلوب، ونتعلم كيف نستقبل رمضان.

• لن يسبقني إلى الله أحد

الزم أخي المسلم هذا الشعار فيما بقي من شهر شعبان فهو شهر يغفل عنه الناس، فاتخذه وقودا لك لتكمل المسير وتلتقي بشهر الخير، وإليك أخي المسلم بعض الخطوات نذكرك بها لتعينك على حسن استقبال شهر الخير.

أولا: اشكر المولى سبحانه على نعمة رمضان فهو فضل كبير من رب جواد كريم، قال تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}.

ثانيا: لا يمكن بحال من الأحوال أن تتحلى قبل أن تتخلى، فتخلَّ عن ذنوبك وتب منها من الآن، جدد نيتك على عدم الرجوع إليها كبيرها وصغيرها، ولتكن توبة صادقة تستقبل بها هذا الضيف العزيز، فالذنوب عوائق في الطريق لن تدعك تكمل الطريق، فكم من محروم حُرم لذة العبادة بسببها.

ثالثا: أصلح ما بينك وبين الناس وتحلل من المظالم ورد الحقوق إلى أصحابها، فرب دعوة مقهور بسببك منعتك البركة والتوفيق، فإياك أن يأتي رمضان وبينك وبين إخوانك عداوة وشحناء.
رابعا: امسك مصحفك من الآن، وابدأ في تلاوته وتدبر معانيه، وأكثر من التلاوة أضعاف ما كنت قبل، فشهر رمضان شهر القرآن.

خامسا: اعزم على النفقة في سبل الخير وخاصة الأسرى والذراري، وساهم في إفطار الصائمين ولو باليسير، خصص مبلغا من الآن ولا تتعذر باحتياجك وتذكر، {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} فأنت تتعامل مع الكريم.

سادسا: اشرع وسارع في تعلم أحكام الصيام، لكي تعبد الله على بصيرة ويصح صيامك وتسلم عبادتك.

سابعا: أكثر من الدعاء أن يعينك الله تعالى على العبادة، وقد كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم كما روى أبو داود والنسائي من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أَخَذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: (يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ)، فَقَالَ: (أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ).

فأحسن أخي المسلم الاستعداد لرمضان، فهو فرصة من فرص العمر وغنيمة لا يفوز بها إلا من وفقه الله، فأرِ مولاك منك عزيمة وصدقا، واحرص أن يكتب اسمك من العتقاء، فتسعد سعادة لا تشقى بعدها أبدا، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 534
السنة السابعة عشرة - الخميس 24 شعبان 1447 هـ
...المزيد

البرهان الشافي في التوحيد "وإذا تأملت القرآن وتدبرته، وأعرته فكرا وافيا، اطّلعت فيه من أسرار ...

البرهان الشافي في التوحيد


"وإذا تأملت القرآن وتدبرته، وأعرته فكرا وافيا، اطّلعت فيه من أسرار المناظرات، وتقرير الحجج الصحيحة، وإبطال الشُّبه الفاسدة، وذكر النقض والفرق، والمعارضة والمنع، على ما يشفي ويكفي لمن بصّره الله، وأنعم عليه بفهم كتابه.

ومن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} إلى قوله تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}، فهذا استدلال في غاية الظهور ونهاية البيان على جميع مطالب أصول الدين من إثبات الصانع وصفات كماله من قدرته وعلمه وإرادته وحياته وحكمته وأفعاله وحدوث العالم وإثبات نوعي توحيده تعالى؛ توحيد الربوبية المتضمن أنه وحده الرب الخالق الفاطر، وتوحيد الإلهية المتضمن أنه وحده الإله المعبود المحبوب الذي لا تصلح العبادة والذل والخضوع والحب إلا له.

ثم قرر تعالى بعد ذلك إثبات نبوة رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- أبلغ تقرير وأحسنه وأتمه وأبعده عن المعارض، فثبت بذلك صدق رسوله في كل ما يقوله، وقد أخبر عن المعاد والجنة والنار فثبت صحة ذلك ضرورة، فقررت هذه الآيات هذه المطالب كلها على أحسن وجه، فصدّرها تعالى بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}، وهذا خطاب لجميع بني آدم يشتركون كلهم في تعلقه بهم.

ثم قال: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} فأمرهم بعبادة ربهم، وفي ضمن هذه الكلمة البرهان القطعي على وجوب عبادته؛ لأنه إذا كان ربنا الذي يربينا بنعمه وإحسانه، وهو مالك ذواتنا ورقابنا وأنفسنا، وكل ذرة من العبد فمملوكة له ملكا خالصا حقيقيا، وقد رباه بإحسانه إليه وإنعامه عليه، فعبادته له وشكره إياه واجب عليه، ولهذا قال: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}، ولم يقل: إلهكم. والرب هو: السيد والمالك والمنعم والمربي والمصلح، والله تعالى هو الرب بهذه الاعتبارات كلها، فلا شيء أوجب في العقول والفِطر من عبادة من هذا شأنه وحده لا شريك له.

ثم قال: {الَّذِي خَلَقَكُمْ} فنبه بهذا أيضا على وجوب عبادته وحده، وهو كونه أخرجهم من العدم إلى الوجود، وأنشأهم واخترعهم وحده بلا شريك باعترافهم وإقرارهم، كما قال في غير موضع من القرآن: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف]، فإذا كان هو وحده الخالق، فكيف لا يكون وحده المعبود؟! وكيف يجعلون معه شريكا في العبادة! وأنتم مقرون بأنه لا شريك له في الخلق، وهذه طريقة القرآن يستدل بتوحيد الربوبية على توحيد الإلهية.

ثم قال: {وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}، فنبه بذلك على أنه وحده الخالق لكم ولآبائكم ومن تقدمكم، وأنه لم يشركه أحد في خلق من قبلكم ولا في خلقكم، وخلقه تعالى لهم متضمن لكمال قدرته وإرادته وعلمه وحكمته وحياته، وذلك يستلزم لسائر صفات كماله ونعوت جلاله، فتضمن ذلك إثبات صفاته وأفعاله، ووحدانيته في صفاته، فلا شبيه له فيها، ولا في أفعاله فلا شريك له فيها.

ثم ذكر المطلوب من خلقهم، وهو: أن يتقوه فيطيعوه ولا يعصوه، ويذكروه فلا ينسوه، ويشكروه ولا يكفروه، فهذه حقيقة تقواه.

وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} قيل: إنه تعليل للأمر، وقيل: تعليل للخلق، وقيل: المعنى اعبدوه لتتقوه بعبادته، وقيل: المعنى خلقكم لتتقوه، وهو أظهر لوجوه:
أحدها: أن التقوى هي العبادة، والشيء لا يكون علة لنفسه.
الثاني: أن نظيره قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات].
والثالث: أن الخلق أقرب في اللفظ إلى قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} من الأمر.

ولمن نصر الأول أن يقول: لا يمتنع أن يكون قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تعليلا للأمر بالعبادة، ونظيره قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة]، فهذا تعليل لكتب الصيام، ولا يمتنع أن يكون تعليلا للأمرين معا، وهذا هو الأليق بالآية، والله أعلم.

ثم قال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ}، فذكر تعالى دليلا آخر متضمنا للاستدلال بحكمته في مخلوقاته.
فالأول: متضمن لأصل الخلق والإيجاد، ويسمى: "دليل الاختراع والإنشاء".
والثاني: متضمن للحكم المشهودة في خلقه، ويسمى: "دليل العناية والحكمة"، وهو تعالى كثيرا ما يكرر هذين النوعين من الاستدلال في القرآن.

ونظيره قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [إبراهيم]، فذكر خلق السماوات والأرض، ثم ذكر منافع المخلوقات وحكمها...

ونظير ذلك أيضا قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة]، وهذا كثير في القرآن لمن تأمله.

وذكر سبحانه في آية (البقرة) قرار العالم وهو: الأرض، وسقفه وهو: السماء، وأصول منافع العباد وهو: الماء الذي أنزله من السماء، فذكر المسكن والساكن وما يحتاج إليه من مصالحه، ونبه تعالى بجعله للأرض فراشا على تمام حكمته في أن هيأها لاستقرار الحيوان عليها، فجعلها فراشا ومهادا وبساطا وقرارا، وجعل سقفها بناء محكما مستويا لا فطور فيه ولا تفاوت ولا عيب.

ثم قال: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} فتأمل هذه النتيجة وشدة لزومها لتلك المقدمات قبلها، وظفر العقل بها بأول وهلة وخلوصها من كل شبهة وريب وقادح، وأن كل متكلم ومستدل ومحجاج إذا بالغ في تقرير ما يقرره وأطاله، وأعرض القول فيه فغايته -إن صح ما يذكره- أن ينتهي إلى بعض ما في القرآن فتأمل ما تحت هذه الألفاظ من البرهان الشافي في التوحيد، أي: إذا كان الله وحده هو الذي فعل هذه الأفعال فكيف يجعلون له أندادا!؟ وقد علمتم أنه لا ند له يشاركه في فعله.

فلما قرر نوعي التوحيد أتم تقرير انتقل إلى تقرير النبوة فقال: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} إن حصل لكم ريب في القرآن وصدق من جاء به، وقلتم: إنه مفتعل؛ فأتوا ولو بسورة واحدة تشبهه، وهذا خطاب لأهل الأرض أجمعهم، ومن المحال أن يأتي واحد منهم بكلام يفتعله ويختلقه من تلقاء نفسه، ثم يطالب أهل الأرض بأجمعهم أن يعارضوه في أيسر جزء منه، يكون مقداره ثلاث آيات من عدة ألوف، ثم تعجز الخلائق كلهم عن ذلك، حتى إن الذين راموا معارضته كان ما عارضوه من أقوى الأدلة على صدقه، فإنهم أتوا بشيء يستحيي العقلاء من سماعه، ويحكمون بسماجته، وقبح ركاكته وخسته، فهو كمن أظهر طيبا لم يشم أحد مثل ريحه قط، وتحدى الخلائق ملوكهم وسوقتهم بأن يأتوا بذرة طيب مثله، فاستحى العقلاء وعرفوا عجزهم، وجاء الحمقان بعذرة منتنة خبيثة، وقالوا: قد جئنا بمثل ما جئت به، فهل يزيد هذا ما جاء به إلا قوة وبرهانا وعظمة وجلالة؟!.

وأكد تعالى هذا التوبيخ والتقريع والتعجيز بأن قال: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، كما يقول المعجز لمن يدعي مقاومته: اجهد علي بكل من تقدر عليه من أصحابك وأعوانك وأوليائك، ولا تبق منهم أحدا حتى تستعين به، فهذا لا يقدم عليه إلا أجهل العالم وأحمقه وأسخفه عقلا، إن كان غير واثق بصحة ما يدعيه، أو أكملهم وأفضلهم وأصدقهم وأوثقهم بما يقوله..

فاشتملت الآيات على تقرير مهمات أصول الدين؛ من إثبات خالق العالم وصفاته ووحدانيته، ورسالة رسوله، والمعاد الأكبر". [بدائع الفوائد/ابن القيم].



• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 534
السنة السابعة عشرة - الخميس 24 شعبان 1447 هـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ (534) • اللواء تسعون! تضافرت الأحاديث في الصحاح والسنن ...

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ (534)



• اللواء تسعون!

تضافرت الأحاديث في الصحاح والسنن والمسانيد بذكر الطائفة المنصورة وبيان صفاتها بما لا يُبقي عذرا للتخلّف عن ركبها، وجاءت بروايات عديدة وعبارات وألفاظ واضحة صريحة تقطع بثبوتها، ولكن ليست رواياتها هي موضع الاختلاف بين المتمسحين بها من أهل القبلة على اختلاف مشاربهم؛ إنما الاختلاف والتمايز في الامتثال لصفاتها والثبات والموافاة عليها.

وقد أخرج الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً)، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي) وفي لفظ: (وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ) زَادَ ابْنُ يَحْيَى وَعَمْرٌو فِي حَدِيثَيْهِمَا: (وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ لِصَاحِبِهِ -وَقَالَ عَمْرٌو: الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ- لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ).

إذًا، فالفرقة الناجية المنصورة هي التي تسير على ما سار عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم-، والموافِقة لجماعة الصحابة -رضوان الله عليهم-، الآخذة بعقائدهم والمتمسكة بآرائهم، وهي تسير على ذلك المسار النبوي معتصمة متكاتفة، لا ترضى بتقاسم الأهواء ولا تفرق دينها شيعا، بل تلتزم الجماعة وتوحّد الأمة وتجعلها يدا واحدة على من سواها، عملا بقول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة).

والطائفة المنصورة راسخة العقيدة يتقدم توحيدُ الله الخالص كل أولوياتها، فهو الأصل والأساس، توحيد صاف لا تشوبه موالاة كفرية، ولا تصادمه ديمقراطية أو علمانية أو وطنية، توحيد توالي فيه وتعادي عليه، وتنذر من كل الشرك والمشركين وتكفّر من فعله، ولا تبتدع في دين الله أو تُحدث ما ليس منه، بل تتبع الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، أهل القرون المفضلة.

ومن صفات الطائفة المنصورة، القيام بأمر الله تعالى كلّ أمره، توحيده وحكمه وشريعته، ولا تُفرق أو تتدرّج أو تداهن فيه، ولا تقبل في ذلك التنازلات أو ترضى بأنصاف الحلول والمساومات، بل تجعل نحورها دونه، ومهجها سربالا له، تقيه من كل تحريف وتنقيص وتعطيل.

والطائفة المنصورة تسعى لبسط سلطان الإسلام ونفوذه في كل أرجاء البسيطة، بالسيف الناصر إلى جنب الكتاب الهادي، ليحكُم الدين ويسود، ومن أبرز صفاتها وهي التي تشتد الغربة فيها، أنه لا يضرها حشود المخالفين، ولا تعثُّر المتساقطين المخذلين، ولا تكذيب الهاذرين الهاذين، وإنما يستنير خلَفُها بنور دماء سلفها المُقتبس من صبرٍ ويقينٍ؛ أثمرا ثباتا على دربها إلى أن جاء الكتاب وحلّت المنية.

تلك أهم صفات الطائفة المنصورة يلخصها حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس)، وعلى هذا تتلاحق أجيالها جيلا بعد جيل، حتى يكون آخرهم جندا كماة في جيش عيسى -عليه السلام- في المعركة الأخيرة مع الأعور الدجال.

ورغم وضوح وبروز معاني ومدلولات هذه النصوص النبوية الصريحة؛ إلا أن الكثيرين من أهل القبلة انخدعوا بهذه الرايات الجاهلية، وانطلى عليهم أنها متمسحة بالطائفة المنصورة ليست منها؛ مع أن انتحال هؤلاء لها بيّن، وتشبّعهم بها ظاهر، وبينها وبينهم بعد ما بين المشرقين؛ {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.

ونضرب مثالا ليتضح المقال؛ الدولة التسعون في التحالف الدولي الصليبي، رغم ترديها في متاهات العلمانية، وضياعها بين غياهب الديمقراطية، وتيهها في دياجير الموالاة الكفرية، وانخسافها وتجلجلها في حمأة الردة البينة الجلية، وسوخها وارتطامها في وحل الوطَنيّة العفنة والقومية القذِرة المذِرة؛ رغم كل هذه النواقض والمكفرات المجتمعات، ترى الغوغاء والهمج الرعاع يتبعون رايتها ويصححون مذهبها، بل ويرون فيها طائفة منصورة!! مع أن الحقيقة الجلية أن مخالفة هذه الراية ومفارقتها والبراء منها هو من لوازم صفات الطائفة المنصورة، فالبراءة منهم صارت عَلَما على موافقة الحق.

ومن شؤم مسلك هؤلاء أن ضررهم وعاديتهم على جناب التوحيد متعدية إلى من سواهم، فهم سلخوا الناس عن عقيدة التوحيد؛ بعد أن انسلخوا منها انسلاخ الحية من قشرها، وصالت ضباعهم على حياض الشريعة كصولة الكافر الأصلي أو أشد صولة، فما أسوأ جريرتهم، وليحملن أوزارهم وأوزارا مع أوزارهم.

إذًا فالطائفة المنصورة من هذا الصنف بريئة، بل لا سبيل لإصابة دربها إلا بالبراءة من هذه الطائفة المخذولة وأخواتها، قال -صلى الله عليه وسلم-: (ومنِ ادَّعَى دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ جُثَا جَهَنَّمَ)، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ؟ قَالَ: (وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ، فَادْعُوا بِدَعْوَى اللَّهِ الَّذِي سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ، عِبَادَ اللَّهِ). [الترمذي]
وفي مقام الاعتبار، تأملوا كيف أنّ الذين اتهموا الدولة الإسلامية بالخارجية وأشاعوا ذلك في البرية؛ صاروا اليوم جنودا محضرين تحت قبة التحالف الصليبي بلواء كفر وغدر رقم (تسعين) ولكل غادر لواء يوم القيامة.

أما أنتم أيها المجاهدون الأبرار، يا من قبضتم على جمر العقيدة تتجلدون حرارتها، وأمسكتم أعنّة خيولكم ومقابض سيوفكم على ذلك تروحون وتغدون جهادا في سبيل الله، يا جنود الخلافة الذين لم تغيّر سنوات الابتلاء طريقهم، ولم تحرف أعاصير الفتن مسارهم، امضوا في طريقكم فكل ما يجري يفصح وينطق بلسان الحال قبل المقال أنكم على الجادة إن شاء الله فواصلوا المسير ولا تلتفتوا، ولينصرن الله من ينصره.



• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 534
السنة السابعة عشرة - الخميس 24 شعبان 1447 هـ
المقال الافتتاحي
...المزيد

مقال: النُذر الإلهية والغفلة العالمية لا يكاد سمع المرء يخلو من أخبار هنا أو هناك عن خسوفات ...

مقال: النُذر الإلهية والغفلة العالمية


لا يكاد سمع المرء يخلو من أخبار هنا أو هناك عن خسوفات وكسوفات، عن فيضانات تُغرق مدنا كبرى، وعواصف مطرية أو نارية تأكل الأخضر واليابس، زلازل تتكاثر وأراض تنهار، جفاف يغزو بقعا وسيول تُغرق أخرى، وآيات تزداد وتتوالى حينا بعد حين، تُنذرنا وتخوّفنا، وتُذكّرنا بضعفنا والغاية من خلقنا.


• {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}

إن من حكم إرسال الآيات على الناس تخويفهم ليعودوا ويتوبوا، لقوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}، قال الإمام ابن كثير: "قال قتادة: إن الله خوّف الناس بما يشاء من آياته لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون، ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود فقال: يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه".

فعلى مر العصور كانت الآيات تأتي تذكيرا وتخويفا للناس، وإيقاظا لهم من سباتهم خصوصا عند شيوع الغفلة، فمنهم من يتذكر ويتوب، وأكثرهم يعرض ويصر على غفلته، ويرى هذه الآيات المؤدِّبات أحداثا بيئية عادية كحال الكثيرين في هذا الزمان، الذي تتابعت فيه النذر وتكاثرت وما تزال في ازدياد شديد، تقابلها غفلة عالمية عارمة؛ فتجد الناس مثلا عند حدوث آية الكسوف أو الخسوف، بدل أن يصطفوا لله مصلّين وجلين قانتين؛ يصطفون خلف الشاشات والمناظير لاهين عابثين محلّقين في "الظاهرة الفلكية" غافلين عن الآيات الإلهية، وكذا تسمعهم عند حدوث أي فيضان أو إعصار مدمر، يقولون إن ذلك ناجم عن "التطرف المناخي" أو "هشاشة البنية التحتية" متغافلين متعامين عن قدرة الله تعالى، وعن حقيقة أن الدول التي كانت تفتخر بقوتها وتطورها، لم تصمد أمام جنود الله القاهرة من زلازل وبراكين مدمرة، وسيول جارفة ورياح عاصفة، وأعاصير مغرِقة وأخرى محرقة، وهكذا تراهم مع كل آية يرسلها الله تذكرة ونذيرا؛ يزداد إعراضهم وطغيانهم كما وصفهم سبحانه إذ يقول: {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا}.


• {مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}

كانت عاد تتبجح بقوتها فعاثت فسادا وطغت وتجبرت، فأرسل الله عليهم ريحا عاتية اجتثتهم عن بكرة أبيهم فما أغنت عنهم قوتهم شيئا أمام جندي واحد من جنود الله، وبعدها ثمود ما اتعظوا بأسلافهم فأهلكهم الله كما فعل بمن قبلهم، وتعاقبت خلفهم أمم وأقوام كثيرة أتتهم النذر فما استجابوا لربهم وما أقلعوا عن غيّهم، فقلع الله مساكنهم وأبنيتهم وخرّت عليهم سقوفهم من فوقهم وأتاهم الموت من كل مكان، وذاك فرعون كم طغى وبغى وتجبر، واستضعف الخلق واستباح دمهم واستكبر، فأنذره الله بالرسل وخوّفه بالآيات، فما زاده ذلك إلا غيا، حتى جاءت القاضية فغرق في لجج البحر وصار لمن بعده آية.

وفي عصرنا أبت عاد وأخواتها إلا أن تترك أحفادا أشرّ منها، قد تعلموا في مدرستها ثم تتلمذوا على يد فراعنتها، فصاروا في الغي والبغي سيان، بل تفوقوا عليهم وغدوا معلمين لا متعلمين!، دول وأقوام صاروا للكفر رأسا وللباطل أصلا، طغوا وبغوا واستباحوا الحُرم والدم ولسان حالهم اليوم كحال أسلافهم بالأمس: من أشد منا قوة؟، فجاءتهم نذر العقاب والغضب، من غزو الأعاصير المدمرة التي تشل قواهم البحرية والجوية، والعواصف الثلجية التي تحبسهم في دورهم وتعطل حياتهم، والسيول التي تغرق طرقهم وتجرف منازلهم وآلياتهم، والزلازل التي تضربهم وتشردهم وتثقل اقتصادهم، حتى باتوا يقرون بأن ما يجري في العالم "ليس عاديا" وأنها "تغيرات غير مسبوقة" إلى غيرها من عبارات واعترافات العجز أمام قوة الله تعالى التي يصفونها جحودا وإلحادا بـ "قوة الطبيعة"، فأين هي إذًا قوتهم التي يتبجحون أنهم "طوّعوا" الطبيعة بها؟ وأين ترساناتهم التي يفتخرون بها؟ أين بُناهم التحتية وحصونهم الأرضية التي يحتمون بها؟ وأين قلاعهم العاجية التي يتطاولون بها؟ وغيرها الكثير من الآيات والنذر الإلهية، التي تتتابع وتشتد عليهم يوما بعد يوم، وما زال حال أكثرهم اليوم كحال أكثرهم بالأمس كما أخبر تعالى: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ}.

• {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ}

وما يزال أهل الكفر وأربابه يمكرون السيئات، ويتربصون بالمؤمنين الدوائر، فينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، ويبثون سمومهم من شهوات وشبهات لإغواء الخلق وإضلالهم، يفسدون في الأرض ولا يصلحون يحاربون الإسلام وهم في غيهم يعمهون، وتمادى بهم الطغيان حتى ظنوا أنهم على الأرض قادرون، وأمنوا على أنفسهم من مكر الله القائل: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ}.

وما يزال سبحانه ينذرهم ويخوّفهم بآيات بيّنات مُحرقات مُغرقات عاصفات ناسفات لا يجحدها أو ينكرها إلا مستكبر جحود، سيول تجرف عمرانا وأعاصير تجتاح حصونا، بلدان يغزوها عسكر الجفاف وأخرى تدكها جيوش الزلازل والبراكين، الأرض صارت تنتفض! والسماء تضطرب! ولا تكاد النذر تتوقف! والجحود والغفلة العالمية في ازدياد.

ومن معالم هذا الجحود بين أهل هذا الزمان، إصرارهم على رد الأمر إلى الأسباب المادية البحتة المجردة عن الإيمان بالخالق وقوته وجبروته وغضبه وعقابه، فيبررون ما يجري بـ "الاحتباس الحراري" و "النمو السكاني" وغير ذلك من المبررات والتفسيرات الصماء، ونسوا أن الله أرسل على أسلافهم من الأمم الغابرة -مِن أمثال هذه الآيات- ما أبادهم وجعلهم أحاديث ومزقهم كل ممزق؛ ولكن قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة.

ولا يخفى على كل ذي لب أن معاصي الأمم السالفة قاطبة، قد اجتمعت في هذا العصر من كفر وشرك وفسوق وشذوذ، وربا وتطفيف، بل ظهر في عصرنا من الذنوب والفواحش المصادمة للفطرة البشرية ما لم تعرفه الجاهلية الأولى، ومع ذلك ما زال الناس في سكرة مطبقة وفي أمن رهيب من بأس الله وعقابه يوشك أن يحل بهم ويأخذهم على حين غرة كما فُعل بأشياعهم، قال تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}.


• اركب معنا

أمام طوفان الكفر الجارف وعواصف الذنوب المهلكة، كان لا بد من سبيل للنجاة من غضب الجبار سبحانه، فرارا منه إليه جل شأنه، وكان لزاما على كل مسلم البحث عن سفينة نجاة توصله إلى بر الأمان، سفينة شراعها التوحيد ووقودها الجهاد، يركبها المؤمنون فيأمنون وينجون.

فيا أيها المسلمون القابعون في ديار الكفر، قد رأيتم ما رأيتم من علو الطغاة وفشو الخبث بين ظهرانيكم، ووصلكم من النذر الإلهية ما يقرع الأسماع ويقتلع القلوب، فما الذي يمنعكم عن اللحاق بركب النجاة؟ ألم يطرق مسامعكم ما أجاب به نبيكم -صلى الله عليه وسلم- زينب -رضي الله عنها- حينما سألته: "أنهلك وفينا الصالحون؟". قال: (نعم إذا كثر الخبث) [البخاري]، فإن تعذّر بعضكم بالدعوة والإصلاح، نقول لكم: حتى الإصلاح في الأوساط الجاهلية اليوم لا سبيل إليه بغير قوة وشوكة، ولا سبيل إليه دون الأسر والقتال والصدام مع الطواغيت وعسكرهم ودعاتهم! وقد جربناه قبل النفير إلى ميادين الهداية والرشاد، وهل يترك الطغاة داعيا إلى الحق حرا معافا؟!

ولو كان ما يمنعكم عن اللحاق بإخوانكم حب الدنيا وزهرتها وكراهية الموت، فالموت إذا جاء لن يرده عنكم أحد وهو قريب منكم حيث أنتم على أسرّتكم وبين أهليكم، فاتقوا الله، ولا تأمنوا مكره، واعلموا أنكم تخلفتم عن فريضة من أعظم فرائض العصر، وركنتم إلى الفانية، وعرّضتم أنفسكم لسخط الله ووعيده لمن قعد عن سبيله وتخلف عن تلبية ندائه، فانفضوا عن أنفسكم غبار القعود والتخلف عن ركب الهدى، والتحقوا بسفينة الإيمان لعلكم تنجون، {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ}.


• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 532
الخميس 10 شعبان 1447هـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - مقال صحيفة النبأ 532 • الشبيحة والهول! ما تزال أحداث شرق الفرات تلقي ...

الدولة الإسلامية - مقال صحيفة النبأ 532


• الشبيحة والهول!


ما تزال أحداث شرق الفرات تلقي بظلالها على المشهد السوري، وفي القلب منه قضية أسرى المجاهدين الذين تتنافس اليوم الحكومات والميليشيات والإدارات الكافرة على مسك ملفهم وإحكام قيدهم، خدمةً لعيون أمريكا الصليبية.

وبعد خروج هذا الملف من أيدي الإدارة الكردية الشيوعية واستقراره في أيدي الحكومة السورية المرتدة، ها هي الحكومة العراقية الرافضية تستعد هي الأخرى لتأخذ دورا إضافيا في منظومة الحرب على أسرى المجاهدين وعوائلهم وأطفالهم في أكبر عملية أسر جماعي للأطفال والنساء بمباركة وتحريض طواغيت العالم وحكوماتهم وشيوخهم وإعلامييهم ومفكريهم ومؤسسات إنسانيتهم العوراء.

تُذكّرنا هذه الأحداث بقضية سجن صيدنايا الذي ذرف عليه الثوار دموع التماسيح وحوّلوه متحفا لالتقاط الصور التذكارية، بينما جفّت دموعهم وتبلّدت مشاعرهم اليوم أمام صيدنايا الجولاني في مخيم الهول، بل تورطوا في الجريمة ذاتها بالتكتم عليها والسعي لإخفاء ملابساتها وقلب حقائقها وصرف الأنظار عنها، مقابل تحسين صورة المجرم الذي يستأسد على النساء والأطفال، وتصويره على أنه حارسهم! في تناقض فجّ لا تجتمع أركانه إلا في مخيلات عبدة الطاغوت.

وحاليا تعكف جهات أمنية تابعة للنظام، عبر منصات غير رسمية على بث حالة من التضليل الإعلامي المتعمد، بهدف حجب أنظار الناس عن سلوك شبيحة الجولاني في التعامل مع مخيم الهول؛ من خلال تسليط الضوء على بعض السجون والمخيمات الخاضعة للحكومة الرافضية في هذا الوقت بالذات، ليس حبا بأسرى المسلمين هناك بل استغلالا لمعاناتهم في تخفيف الضغط الإعلامي عن نظامهم السوري!

فهؤلاء الكفرة الفجرة لم يكتفوا بالتورط في تأييد وتشييد النظام المرتد في حربه على الإسلام، بل تعدوا ذلك إلى المتاجرة بأعراض المسلمين واتخاذها ورقة لابتزاز المجاهدين تارة، وتارة أخرى لصرف الأنظار عن ممارسات نظامهم الهمجي الذي يُحكم قبضته على الأسر المكلومة في الهول.

إن استغلال ورقة الهول ليس جديدا على الساحة، وهو قاسم مشترك استوت فيه الأطراف الكافرة الثلاثة؛ الإدارة الشيوعية والإدارة الثورية والحكومة الرافضية، فكل طرف يجذب هذه الورقة على النحو الذي يخدم مصالحه، فالإدارة الكردية استغلت الملف في تهديد خصومها واستجلاب الدعم الدولي لها، والنظام السوري استغل الملف لإثبات جدارته وتثبيت أوراق اعتماده في "مكافحة الإرهاب" لدى أسياده الصليبيين، أما الحكومة الرافضية فهي تستغل الملف بشكل خاص في تصفية حساباتها مع من مرّغوا أنفها في التراب وكشفوا للعالم سوءة جيشها الرافضي بغير غطاء الطيران الأمريكي.

وقد أُسقط في أيدي بعض المفتونين بالنظام الجديد، بعد أن رأوا جنود الجولاني يُطْبقون الحصار على مخيم الهول من جميع الجهات وينتشرون كالجراد على بواباته وينشرون القناصات على أبراجه، خشية فرار طفل أو أمّ من هذه الأهوال! في صورة أعادت للأذهان سريعا ما كان عليه الحال قبل أسابيع قليلة فقط، يوم كان الهول تحت سيطرة شبيحة "قنديل" قبل أن يستلمه شبيحة الجولاني.

كما انصدم بعض الواهمين بالنظام، بعدما انتشرت الأخبار عن قتل جنود النظام لأحد زملائهم السابقين بتهمة تهريب عدد من عوائل مخيمات الأهوال، حيث لم تشفع له سابقته ولا صلته عند جلاوزة النظام وزنادقة الثورة الذين حققوا المفاصلة التامة مع معسكر الإيمان في وقت قياسي تفوّقوا فيه -كفرا وردة- على كثير من الجيوش العربية التي شابت في الكفر!

ودعونا نتوقف قليلا عند هذا الحدث الذي تغافل عنه الإعلام الثوري ولم يلق تفاعلا من قبل نشطاء الثورة وشاهدي زورها الذين فاقوا نشطاء النظام النصيري انحطاطًا ووضاعةً كأنّ شخصياتهم ذابت في شخصيات النظام القديم، فأنبتت لنا مسوخا بشرية، أخذت من رجس النظام السابق والحالي بحظ وافر، فتضلّعت خسةً ودناءةً فاقت كل وصف، ولا عجب إنها شنشنة الطواغيت وحاشيتهم، ومهما تغيّرت قشورها وجلودها فالأصل واحد.

لكن الأمر الذي نحتاج أن نتوقف عنده طويلا، هو ماهية العقيدة العسكرية التي يعتنقها جنود "الجيش العربي السوري" الذين نفّذوا المهمة القذرة بدم بارد مع سبق إصرار وترصد! وبأوامر صريحة من "وزارة داخليتهم" التي يديرها "شبيح" أمني ضالع في العديد من الجرائم والمهام السرية القذرة بحق المجاهدين وعوائلهم كأنه تخرّج من أحد أفرع مخابرات النظام لا الثورة!

متى وأين وكيف وصل جنود الثورة -جنود النظام الجديد- إلى هذه الحالة من الدناءة والانحطاط والافتقار لأدنى درجات المروءة التي تمكث جيوش الطواغيت العربية سنوات حتى توصل أفرادها إلى هذه الحالة الهمجية الفريدة في الانحدار والتخلي عن كل القيم إلى الحد الذي يدفعهم لقتل أحد زملائهم بتهمة شريفة؛ كان جنود الإدارة الشيوعية يغضون الطرف عنها أحيانا مقابل بعض الفتات!

لم تتسع صدور جنود الإدارة السورية لجندي سابق في صفوفهم جريرته المساهمة في تهريب بعض المسلمات من الأهوال، بينما اتسعت لجميع الطوائف الكافرة من الدروز والعلوية والرافضة والنصارى، فما هذه العقيدة القتالية التي جعلتهم يطلقون النار على زميلهم دون تردد؟! بينما يقفون صفا واحدا كالخُشب المُسندة حمايةً لشجرة التثليث أو حمايةً لمعبدٍ رافضي يُسب فيه صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

نحن نخبركم أي عقيدة قتالية هذه، إنها عقيدة الجيوش العلمانية الكافرة، الذين تخرّجوا من المدارس العسكرية الغربية، التي تتقن صناعة الطواغيت وتحوّلهم إلى عبدة للطاغوت بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

يقول أحد إخواننا التائبين من إحدى الجيوش العربية المرتدة: كان الجيش في تدريباته يأمرهم بسب الذات الإلهية مرارا بصوت عال -والعياذ بالله- ويجبرهم على تصرفات قذرة غير بشرية خلال الدورات العسكرية "المتقدمة" ليقطعوا أي صلة بين هذا الجندي وبين أي نزعة دينية أو خلقية أو بشرية مستقيمة قد تقف حاجزا بينه وبين بعض المهام الأمنية القذرة، هذه بعض طرق الجيوش العلمانية في صناعة جنودها الكفرة.

لكن ما هي طريقة "الجيش العربي السوري" في صناعة جنوده وإيصالهم إلى هذا المستوى المتقدم في الكفر والعربدة؟! ثم إنْ كان هذا سلوك جنود جيش الجولاني بعد أول عام لهم في الحكم، فليبشر أهل سوريا بنظام أسوأ من سابقه، لن يلبث جنوده طويلا حتى يُخرجوا "الشبيحَ" الحقير الذي بداخلهم، ومن لم يُخرجه منهم، سيخرجونه من صفوفهم كما فعلوا بآخرين.

ختاما، هذه رسالة لكل الغيارى من شباب المسلمين في الشام ممن يرون ويسمعون ما يحل بالحرائر في سجون شبيحة الجولاني في الهول وغيره، نقول لكم إن الموت على عتبات السجون ذودا عن هذه الحرمات، ميتة يحبها الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وهي والله دأب أولي العزمات من السابقين الأولين من المجاهدين الذين غيّبتهم القبور والسجون، والحر تكفيه الإشارة.


• المصدر:
صحيفة النبأ العدد 532
الخميس 10 شعبان 1447هـ
...المزيد

مقال: العشر الأوائل أيام عبادة وأجور مِن رحمة الله بعباده، أنْ أتاح لهم فرصًا لمضاعفة ...

مقال: العشر الأوائل أيام عبادة وأجور


مِن رحمة الله بعباده، أنْ أتاح لهم فرصًا لمضاعفة الأعمال والأجور، فخصص بعض الأمكنة والأزمنة يكون العمل فيها أضعاف غيرها، ومِن الأزمنة المباركة التي يتضاعف فيها العمل الصالح، هي الأيام العشرة الأولى من ذي الحجة، فهي أفضل أيام العام كلها، وهي الأيام المعلومات التي أمرنا الله تعالى أن نذكره فيها، وقد كان السلف الصالح يدركون أهمية هذه الأيام ويعملون على استغلالها، ويتفرغون للطاعات فيها، والموفّق مَن وفّقه الله لاغتنامها، لزيادة رصيده من الأعمال الصالحة، لليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا مَن أتى الله بقلب سليم.


• أفضل أيام العام

أخرج البخاري من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحبّ إلى الله من هذه الأيام -يعني أيام العشر- قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء)، ولعظيم فضلها أقسم ربنا سبحانه بها فقال: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} "قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: إنها عشر ذي الحجة قال ابن كثير: وهو الصحيح" [تفسير ابن كثير].

وفيها يوم عرفة الذي أكمل الله تعالى فيه الدين وأتمّ به النعمة على المؤمنين، بقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة]، والذي صيامه يكفّر سنتين كما جاء في الحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفّر السّنة الّتي قبله، والسّنة الّتي بعده) [مسلم].

ويغفل كثير من المسلمين عن أهمية هذه الأيام المباركة، فتراهم يجتهدون في الطاعات أيام رمضان، ويغفلون عن عشر ذي الحجة، وقد "سُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية: عن عشر ذي الحجّة والعشر الأواخر من رمضان، أيّهما أفضل؟ فأجاب: أيّام عشر ذي الحجّة أفضل من أيّام العشر من رمضان، واللّيالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجّة" [مجموع الفتاوى]، وعلّق ابن القيّم على ذلك فقال: "وإذا تأمّل الفاضل اللّبيب هذا الجواب، وجده شافيا كافيا، فإنه ليس من أيّام العمل فيها أحبّ إلى الله من أيّام عشر ذي الحجّة، وفيها: يوم عرفة ويوم النّحر ويوم التّروية، وأمّا ليالي عشر رمضان فهي ليالي الإحياء التي كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحييها كلّها، وفيها ليلة خير من ألف شهر، فمن أجاب بغير هذا التّفصيل لم يمكنه أن يدلي بحجّة صحيحة". [بدائع الفوائد]


• حال السلف الصالح

وكان السلف الصالح يجتهدون في عشر ذي الحجة لا كما يجتهدون في غيرها، فيكثرون ذكر الله آناء الليل وأطراف النهار، ويصومون هذه الأيام ويعتكفون فيها، وينقطعون للعبادة استغلالا لأوقاتها، فقد كان محمد بن سيرين وغيره من أئمة التابعين يصومون أيام العشر، وكان سعيد بن جبير يقول: "لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر" حثّا منه على قيام لياليها، وكانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير فيها، كما قال الإمام البخاري -رحمه الله-: "وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السّوق في أيّام العشر يكبّران ويكبّر النّاس بتكبيرهما"، وكان بعض الأئمة يوقفون الدروس تفرّغا للعبادة في هذه الأيام المباركة، قال الأثرم -تلميذ الإمام أحمد-: "أتينا أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- في عشر الأضحى فقال: قال أبو عوانة: كنا نأتي سعيد الجريري في العشر فيقول: "هذه أيام شغل وللناس حاجات، وابن آدم إلى الملال ما هو"، وكأن الإمام أحمد أعجبه هذا الفعل وأراد التأسي به في ترك الدروس والانقطاع للعبادة.

• والعقاب يُضاعف!

وكما أن أجر الطاعة يضاعف في الأوقات الفاضلة فإن المعصية فيها هي انتهاك لحرمتها، والذنب فيها أشد من غيرها، قال الله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ...} [التوبة]، قال القرطبي رحمه الله: "لا تظلموا فيهن أنفسكم بارتكاب الذنوب، لأن الله سبحانه إذا عظَّم شيئاً من جهةٍ واحدةٍ صارت له حرمةٌ واحدة، وإذا عظّمه من جهتين أو جهاتٍ صارت حرمتُه متعددةً فيضاعف فيها العقاب بالعمل السيئ، كما يضاعف الثواب بالعمل الصالح، فإن من أطاع الله في الشهر الحرام في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام، ومن أطاعه في الشهر الحلال في البلد الحرام ليس ثوابه ثواب من أطاعه في شهر حلال في بلد حلال" [الجامع لأحكام القرآن]، ولذلك كان بعض الأئمة يتجنبون ما قد يؤخذ عليهم في أيام العشر من ذي الحجة تعظيما لها، لأنها في الأشهر الحُرم التي نهى الله تعالى المسلمين أن يظلموا فيها أنفسهم، فهذا الإمام أبو زرعة الرازي -رحمه الله- روى أحد تلاميذه أنه سأله عن حديث ابن أبي هالة في صفة النبي -صلى الله عليه وسلم- في عَشْرِ ذي الحجة، قال: فأبى -يعني أبا زرعة- أن يقرأه علي، وقال لي: فيه كلامٌ أخاف أن لا يصحّ، فلما ألححت عليه، قال: فأخِّرْه حتى تخرج العشر، فإني أكره أن أُحَدِّثَ بمثل هذا في العَشْر".


• الجهاد في هذه الأيام

وقد تقدّم أن أيام العشر من ذي الحجة أفضل أيام العام، وأن العمل الصالح فيها أفضل من الجهاد في سبيل الله، إلا إنْ خرج المسلمُ بنفسه وماله ولم يرجع بشيء من ذلك، كما جاء في الحديث، والمتأمل للحديث يجد أنه جاء بلفظ "العمل الصالح" ليشمل كل الأعمال الصالحة التي يستطيعها المسلم، ومن تلك الأعمال الصالحة بل على رأسها هو الجهاد في سبيل الله تعالى، فالمقصود من الحديث هو عمل الصالحات من غير الجهاد في هذه الأيام هو أفضل من الجهاد في غيرها، أما إن كان الجهاد فيها فهو بلا شك أفضل القربات وأجل الطاعات، قال ابن القيم -رحمه الله-: "والأفضل في أيام عشر ذي الحجة الإكثار من التعبّد، لاسيما التكبير والتهليل والتحميد، فهو أفضل من الجهاد غير المتعين" [مدارج السالكين]، فالجهاد المتعيّن أفضل من سائر الأعمال الصالحة في هذه الأيام وغيرها، وقال -رحمه الله-: "إن أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد؛ وإنْ آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض، كما في حالة الأمن"[مدارج السالكين]، فعلى المجاهدين اليوم أن يشكروا الله تعالى على ما وفقهم إليه من هذه العبادة العظيمة في هذه الأيام العظيمة، وأن يبادروا لزيادة الأجر واغتنام الفرصة في التقرب إلى الله تعالى في هذه الأيام بأعمال سوى جهادهم في سبيل الله، فيُكثروا من التكبير والتحميد والتهليل وقراءة القرآن وقيام الليل وصيام النهار والاستغفار، وأن يستشعروا أنهم إنما يقاتلون عدوهم بالأعمال الصالحة، فكلما زاد رصيدهم منها اقتربوا من النصر على عدوهم، وزادهم الله قوة وثباتا.

نسأل الله أن يعيننا على اغتنام مواسم الطاعة، وأن يتقبل منا صالح الأعمال، وألا يكلنا لأنفسنا طرفة عين، وأن يدخلنا برحمته في عباده الصالحين، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 345
الخميس 1 ذو الحجة 1443 هـ
...المزيد

سجون الحرمين صبرا يزداد شرُّ طواغيت آل سلول في بلاد الحرمين يومًا بعد يوم، فهم لم يكتفوا ...

سجون الحرمين صبرا


يزداد شرُّ طواغيت آل سلول في بلاد الحرمين يومًا بعد يوم، فهم لم يكتفوا بمحاربة الشريعة، وموالاة اليهود والنصارى، ونشر الفساد في أرض الوحي؛ بل زادوا على ذلك بأن تسلّطوا على العباد بالبطش والتعذيب، فزجّوا في سجونهم النساء والرجال، والصغار والكبار، وملؤوا الأرض المقدسة جورا وظلما لن يوقفه غير الجهاد في سبيل الله تعالى، وهو ما يحتّم على المسلمين الذين تهوي أفئدتهم إلى بلاد الوحي ويأتونها من كل فج عميق، أنْ ينتصروا لها وينزلوها منزلتها ويناصروا المستضعفين فيها، شأنها شأن سائر ديار المسلمين التي ترزح تحت ظلم طواغيت العرب والعجم.

ولقد تواترت أخبار جرائم جنود الطاغوت في هذه السجون، حيث التعذيب الجسدي والنفسي إلى الحد الذي يستحيي المرء مِن ذكره وبسط القول فيه، والذي لا يستحي هؤلاء المرتدون مِن ارتكابه، وكيف يستحون وقد شهد عليهم مَن كان تحت أيديهم أنهم يسبّون الله العظيم! ودينه القويم! ورسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم-!، فلا عجب إذن من تعذيبهم الرجال واجترائهم على النساء وانتهاك حرماتهن، ومعاملتهن معاملة أسيادهم الصليبيين لنساء المسلمين في سجونهم، فليس بعد الكفر بالله ذنب ولا جرم.

وكثير من هذه السجون أنشأها طواغيت آل سلول نيابة عن أسيادهم الصليبيين لمحاربة المسلمين، فلا يسمعون بمجاهد غار على دينه وأراد أن يتحرك لنصرته، إلا سارعوا إلى الإيقاع به بشتى الطرق ليأسروه ويرموه في غياهب سجونهم، نصرة لأسيادهم وإبقاءً -في المحصلة- على ملكهم.

ومن حكمة الله تعالى، أنْ خرجت أخبار هذه السجون إلى العلن لتكون حجة أخرى على من يجادل عن هؤلاء الطواغيت وجنودهم، ويصبغ عليهم صفة الإسلام، مِن بلاعمة العصر المضلين، الذين ينبشون صغار السيئات في الناس ويتعامون عن الكفر الصراح عند أوليائهم! فتراهم يرقّعون لجنود الطاغوت؛ بالجهل تارة، وبالتأويل تارة، وبلقمة العيش تارة أخرى، دون أي اعتبار لدين الله تعالى، ودماء العباد وأعراضهم وأموالهم!، متجاهلين أنّ جنود الطاغوت هم يده ورجله وعينه، وحكمهم حكمه سواء بسواء، لقوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}.

ومن أقدار الله وحكمته أيضا، أنّ أيديهم طالت في الآونة الأخيرة كثيرًا من دعاة الضلالة الذين كانوا يبايعونهم "ولاةَ أمر للمسلمين"، ويحرّمون الخروج عليهم، ويفتون بقتل المجاهدين ويسفّهون جهادهم، ويتقربون بذلك لآل سلول، حتى إذا طال عليهم الأمد، أوقعهم الله في شرّ أفعالهم، وأراهم "ولاة أمرهم" على حقيقتهم، فباتوا اليوم في السجون جنبًا إلى جنب مع مَن كانوا بالأمس يحاربونهم ويفتون بخارجيتهم، مع الفارق الكبير بين الفريقين.

ولقد دلت نصوص الكتاب والسنة على وجوب القتال لاستنقاذ المستضعفين من المسلمين، قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ..}، والأسرى من المستضعفين، كما أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بفكاك الأسرى بقوله: (فُكُّوا العانِيَ) [رواه البخاري]، لأن السجن فتنة وعذاب، وبُعد عن الأهل والأحباب، وقد قال يوسف -عليه السلام- بعد أن خرج من الأسر: {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} [يوسف]، وقال نبينا -صلى الله عليه وسلم-: (ولو لَبِثْتُ في السِّجْنِ طُولَ ما لَبِثَ يُوسُفُ، لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ) [البخاري] وفيه إشارة إلى مدى المحنة والصبر الذي بذله يوسف -عليه السلام- داخل السجن.

ولذلك، فعلى المسلمين في بلاد الحرمين وخارجها، أنْ يدركوا أنّ إخوانًا لهم خلف قضبان سجون آل سلول؛ يستنصرونهم ليفكّوا قيودهم، ويحرروهم من عذابات الأسر ومرارته، ويخلّصوهم من ظلم طواغيت آل سلول المجرمين، فما تسلط هؤلاء الطواغيت على رقاب المسلمين إلا لأنهم لم يجدوا مَن يردعهم، ويجاهدهم في الله حق الجهاد، فالطريق الصحيح في هذا الزمان قد بدأه إخوانهم قبل سنين قليلة، حين قتل أحد أبطال الإسلام في بلاد الحرمين خاله (العقيد) المرتد واغتنم سيارته وتوجّه بها صوب (سجن الحائر)، وفجّر حزامه الناسف عند أسوار السجن على عساكر الطاغوت، ليرسم البداية كما رسمها من قبله الشيخ أبو أنس الشامي -رحمه الله- على أسوار (سجن أبي غريب)، ليُكمل المسير إخوانه بعد سنين قليلة ويتموا استنقاذ إخوانهم من الأسر في ملاحم بطولية سطّرها التاريخ.

وفي هذا المقام، نذكّر برسالة الخليفة أبي بكر البغدادي -رحمه الله- التي خاطب بها أهل الجزيرة قائلا: "يا أهل السنة في جزيرة محمد -صلى الله عليه وسلم- أين أحفاد الصحابة فيكم؟ أين غيرتكم على دينكم وأمتكم؟ أين مروءتكم وشهامتكم؟… ثبوا من رقادكم وسكرتكم، وانفضوا غبار الذل عنكم، فما عاد طغيان وكفر دولة آل سلول -قبّحهم الله- بخاف حتى على صبيانكم! وقد عزموا على تغريبكم وعلمنتكم في حملة ممنهجة، سعيًا لإكفاركم وتدمير منهج أهل السنة والجماعة على أرضكم".

وقال ابن عقيل -رحمه الله-: "إذا أردتَ أنْ تعلم محلّ الإسلام مِن أهل الزمان؛ فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بـ(لبيك)!، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة". فعلى المسلمين في بلاد الحرمين والوافدين إليها من كل حدب وصوب، أن يضعوا هذا الكلام نصب أعينهم، وأن يدركوا أن مقياس حبهم للإسلام هو نصرتهم لهذا الدين العظيم ومعاداتهم ومجاهدتهم لأعداء الله تعالى، وطواغيت آل سلول اليوم هم من ألدّ أعداء الله تعالى، وحربهم على دينه لا تخفى على أحد، وموالاتهم لليهود والنصارى صارت حديث الساعة، وقد طغوا وبغوا وفعلوا ببلاد الحرمين وأهلها ما لم يفعله طاغوت قبلهم.

أما إخواننا الأسرى في سجون بلاد الحرمين، فنذكرهم بأنهم في الأسر يُبتلون على قدر إيمانهم، وأنّ الله تعالى إذا أحب عبدا ابتلاه، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة، فنوصيهم بالاحتساب والصبر فهم أهله، وأن يعلّقوا قلوبهم بالله تعالى، وأن يُدركوا أنه ما عاداهم وأسرَهم الطواغيت إلا لأنهم كفروا بهم كما أمرهم ربُّهم، فهم في السجون في سبيل الله تعالى كما إخوانهم يجاهدون الطواغيت في سبيل الله، فهي طريق واحدة وغاية واحدة، وليكونوا على يقين بأن فرج الله تعالى قريب، وأن الله تعالى لن يضيع أعمالهم وجهادهم بل هو سبحانه يهيؤهم لقادم الأيام، وأن الله تعالى سيرغم آل سلول وجنودهم وأحبارهم المرتدين، طال الزمان أم قصر، على أيدي عباد الله المجاهدين الذين عملوا بما علموا، وستعود بلاد الحرمين منارا لدين الله كما يرضاه الله، وما ذلك على الله بعزيز.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 345
الخميس 1 ذو الحجة 1443 هـ
...المزيد

الانتصار للنبي المختار -صلى الله عليه وسلم- عندما يُغمد سيف العزة يتجرأ أرذل الخلق ليتطاولوا على ...

الانتصار للنبي المختار -صلى الله عليه وسلم-

عندما يُغمد سيف العزة يتجرأ أرذل الخلق ليتطاولوا على جناب سيد ولد آدم وأفضل خلق الله طُرا عليه الصلاة والسلام، وما ضرّوه فإن الله كفاه المستهزئين، وقد حقّت عليهم لعنة من الجبّار سبحانه لتدركنّهم إلى قبورهم، لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا} [الأحزاب: 57]، فالعذاب واقع عليهم لا مناص منه في الدنيا قبل الآخرة.

وقد أمرنا الله أن نعذّب بأيدينا من آذى نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فقال تعالى: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [التوبة: 13]، فإيذاؤهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- بإخراجه من أرضه يوجب قتلهم وقتالهم، وكذا الطعن في عرضه -صلى الله عليه وسلم- بل هو أشد!

وإن ربنا سبحانه وتعالى يعلّمنا كيف نرد على من تطاول على دينه ونبيه -صلى الله عليه وسلم- فقد بيّن في كتابه السبيل الأنجع للرد على هؤلاء الكافرين فقال تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} [التوبة: 14] فكان الحل الأمثل هو القتال، فبه يُردع الكافرون ويُذلّون، وبه يُعز المسلمون وينتصرون، فإن الله تعالى عزيزٌ كتب العزة لنفسه ولرسوله وللمؤمنين، ولا عزة للمسلمين اليوم بغير الجهاد والقتال في سبيل الله تعالى.

ولمّا ترك الناس سبيل الجهاد، أصبحوا يشغلون أنفسهم بـ"الاحتجاجات السلمية" و"الاستنكارات الإلكترونية" وغيرها من ضروب السراب التي لا تسترد حقًا ولا تدفع ظالما ولا ترفع ظلما، وكل ذلك لأن الوهن أصاب الناس فآثروا حبّ الدنيا على الموت في سبيل الله، وألِفوا الذلّ واستمرأوه وفضّلوه على حياة العز أو موت الكرامة.

إن أمة لا تحمل السلاح وتجاهد في سبيل دينها وتنتصر لنبيها وقائدها ومنقذها والحريص عليها -صلى الله عليه وسلم-؛ لم تصدق في محبّته -صلى الله عليه وسلم-، فإن أقواما من هؤلاء يوم القيامة سيطردون عن حوضه -صلى الله عليه وسلم- ويقول لهم النبي: (سُحْقًا سُحْقًا لِمَن بَدَّلَ بَعْدِي) [البخاري]، وذلك لأنهم بدّلوا بعده وخالفوا هديه.

فما تجرأ عبّاد الصليب بالأمس وعباد البقر اليوم على الإساءة إلى مقام نبينا -صلى الله عليه وسلم-، إلا بعد أن علموا أن إساءتهم ستمرّ كما مرّت غيرها؛ اعتصامات واستنكارات سرعان ما تنتهي وتُطوى كما طويت التي قبلها وهكذا دواليك، فابتدع هؤلاء طرقًا لنصرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بكل شيء إلا الجهاد والقتال الذي فرضه الله علينا، بل ليتهم توقفوا عند هذا الحد، بل كانوا أول من يسارع إلى الطعن بالمجاهدين وتخوينهم عند أي هجوم يستهدف حكومات أو رعايا الدول التي تورطت بالإساءة إلى نبينا -صلى الله عليه وسلم-، وإن تعجب فهناك الأعجب! صارت الهجمات المباركة التي يشنها الغيارى من أبناء الإسلام "مؤامرة مخابراتية" لإفساد حملات المقاطعة التي صارت دثار القاعدين المترخّصين! إنه مربع القعود ودائرة التيه وداء الوهن الذي شخّصه النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أكثر من ألف وأربعمئة عام.

ولقد تفحّصنا سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام، فوجدناهم قد انتصروا لنبيهم -صلى الله عليه وسلم- بالقتل والنحر وفلق الهام لا بالأقوال والكلام، وأخبارهم في الصحاح و كتب السير المعتبرة معروفة، فهذا محمد بن مسلمة ومن معه -رضي الله عنهم- أغاروا على كعب بن الأشرف حتى اختلفت فيه أسيافهم فخرّ صريعا، وطار بعدها عبد الله بن عتيك -رضي الله عنه- لينكي بأبي رافع فيقتله وسط داره ويضع السيف في بطنه حتى سمع صوت عظامه!، وهذا معاذ ومعوذ ابنا عفراء يقول كل منهما لعبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنهم- يوم بدر في أبي جهل: "أخبرت أنه يسبّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا" فشدا عليه وضرباه حتى قتلاه.

وأخرج أبو داود في سننه تحت "باب: الحكم فيمن سبَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-" عن ابن عباس رضي اللّه عنهما: أنّ أعمى كانت له أمّ ولد تشتم النبي -صلى الله عليه وسلم- وتقع فيه، فنهاها فلا تنتهي، فلما كان ذات ليلة جعلت تقع في النبي -صلى الله عليه وسلم- وتشتمه، فأخذ المِعْول فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها! فأهدر النبي -صلى الله عليه وسلم- دمها"… هكذا انتصر الصحابة لنبيّهم قديما وهم ألصق بعصره وأعلم بهديه وسنته وطريقته، وعلى إثرهم سار مجاهدو الدولة الإسلامية اليوم فهاجموا الوثنيين الهندوس في معبدهم وقتلوهم مع حُماتهم المرتدين الذين صيّرتهم "أمريكا وقطر" مِن طلاب شريعة إلى حراس معابد وأوثان!

فالواجب على المسلمين في كل مكان أن ينتصروا لنبيهم -صلى الله عليه وسلم- كما ينبغي، انتصارا كانتصار محمد بن مسلمة، وانتصار ابن عتيك وغيرهم -رضي الله عنهم-، انتصارا يليق بمقامه الشريف -صلى الله عليه وسلم-، على طريق النبي وأصحابه لا طرائق الوهن والقعود والغثاء، فمن عجز عن ذلك، فلا أقلّ مِن أنْ يكف لسانه عمّن قدّم دمه وروحه فداء لنبيه -صلى الله عليه وسلم-، وقد قيل: ليت الذي لم يكن بالحق مُقتنعا، يُخْلي الطريق ولا يؤذي مَن اقتنعَ.

وتجدر الإشارة إلى أن ما تفوه به الهندوس الوثنيون مؤخرا يصدر مثله وأغلظ عن الرافضة وأشياعهم، ومع ذلك لم نسمع أحدا يطالب بمقاطعتهم! بل ما زال الناس ينتقدون قتال المجاهدين للرافضة ويعتبرون ذلك "إرهابا" و"تطرفا" و"خارجية"! فكيف ينتصر هؤلاء لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهم لمّا يعرفوا صديقهم من عدوهم؟!

وبالمحصلة، فإن على كل مسلم أن يسعى لاتخاذ خطوات عملية لنصرة الإسلام ونبيه -صلى الله عليه وسلم- وأولى تلك الخطوات -بلا ريب- هي البراءة من الكافرين كافة ومعاداتهم، ثم السعي الجاد في جهادهم وقتالهم، فهو الحل القرآني لكل ما تمرّ به الأمة اليوم، ومهما بحث الباحثون واقترح المقترحون طرقا للدفاع عن الإسلام غير الجهاد فلن يجدوا أنجع وأنفع منه، فهو قدر المسلمين ومصدر قوتهم وعزتهم، به سادوا بالأمس وبغيره لن يسودوا اليوم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 344
الخميس 23 ذو القعدة 1443 هـ
...المزيد

معلومات

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً