ربيع القلوب

منذ 2014-06-16

ولما كانت حياة الإنسان الظاهرة متعلقةً بحياة القلب يا عباد الله: فإن الإنسان لا يمكن أن يعيش على حال سوي إلا بسلامة قلبه، فحياة القلب لها تعلقٌ وثيقٌ مؤثر على أفعاله وتصرفاته المعنوية، وكذا ما يسمى بالأمراض القلبية، فالقلب محل الإيمان والتقوى، أو الكفر والنفاق والشرك وما إلى ذلك

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102].

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء:1].

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب:70-71].

أما بعد:
فإن خير الحديث كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.

أيها المسلمون عباد الله: إن الأرض إذا أجدبت وانقطع عنها الغيث من السماء هلكت الأموال وأصبحت الأرض قاحلة، منظرها كئيب، والعيش فيها صعيب، فإذا نزل عليها الغيث في وقت الربيع أخرجت العشب والكلاء وأنبتت الزرع والثمر وتفجرت العيون بالماء المنهمر، فيصبح الإنسان في عيش رغيد وفي جوٍ يكسوه خضرة ونعيم، وإن القلوب يا عباد الله مثل هذه الأرض فإذا ذكر الله تبارك وتعالى العبد وحافظ على ذكره، فشغل نفسه بذكر ربه تبارك وتعالى اطمأن قلبه قال الله تبارك وتعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28]، وذكر الله تبارك وتعالى يسقل القلوب ويجعلها صافية نقية، عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإذا هو نزع واستغفر وتاب سقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14]» (رواه الترمذي برقم (3334) وقال: هذا حديث حسن صحيح؛ وحسنه الألباني في صحيح أبي داود برقم (2654)).

أيها المسلمون عباد الله: وسمي القلب بالفؤاد لكثرة تفؤده، أي كثرة توقده بالخواطر والإرادات والأفكار، والإنسان قد يستطيع أن يُصِّم أذنه فلا يسمع شيئاً البتة، وقد يستطيع أن يغمض عينه فلا يبصر شيئاً، ولكنه لا يستطيع أن يمنع قلبه من التفكر والنظر في الخواطر الواردة عليه، فهي تعرض له شاء صاحبها أم أبى، ولهذا قيل له فؤاد قال الله تبارك وتعالى مخبراً إن العبد مسئول عن فؤاده: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء:36].

قال الشاعر:

ما سمي القلب إلا من تقلبه *** والرأي يصرف بالإنسان أطواراً

ولما كانت حياة الإنسان الظاهرة متعلقةً بحياة القلب يا عباد الله: فإن الإنسان لا يمكن أن يعيش على حال سوي إلا بسلامة قلبه، فحياة القلب لها تعلقٌ وثيقٌ مؤثر على أفعاله وتصرفاته المعنوية، وكذا ما يسمى بالأمراض القلبية، فالقلب محل الإيمان والتقوى، أو الكفر والنفاق والشرك وما إلى ذلك.

أيها المسلمون عباد الله: كلكم يعلم أن القلب ملك الجوارح وسيدها، وهو كما يقول العز بن عبد السلام رحمه الله: "مبدأ التكاليف كلها، وهو مصدرها، وصلاح الأجساد موقوف على صلاحه، وفساد الأجساد موقوف على فساده، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (رواه البخاري برقم (52)، ومسلم برقم (1599) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه)، أي إذا صلحت بالمعارف ومحاسن الأحوال والأعمال صلح الجسد كله بالطاعة والإذعان، وإذا فسدت بالجهالات ومساوئ الأحوال والأعمال فسد الجسد كله بالفسوق والعصيان، وطاعة الأبدان بالأقوال والأعمال نافعة بجلبها لمصالح الدارين أو إحداهما وبدرئها لمفاسد الدارين أو إحداهما" (قواعد الأحكام في مصالح الأنام (1/213))، ويقول الإمام الحافظ ابن رجب رحمه الله في شرح هذا الحديث: "فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه واجتنابه للمحرمات واتقاءه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه، فإن كان قلبه سليماً ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله وخشية الله، وخشية الوقوع فيما يكرهه؛ صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوقي الشبهات حذراً من الوقوع في المحرمات، وإذا كان القلب فاسداً قد استولى عليه اتباع هواه، وطلب ما يحبه ولو كرهه الله؛ فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات، بحسب اتباع الهوى هوى القلب، ولهذا يقال: "القلبُ مَلِكُ الأعضاء، وبقيَّةُ الأعضاءِ جنودُه"، وهم مع هذا جنودٌ طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيءٍ من ذلك، فإنْ كان الملكُ صالحاً كانت هذه الجنود صالحةً، وإنْ كان فاسداً كانت جنودُه بهذه المثابَةِ فاسدةً، ولا ينفع عند الله إلاّ القلبُ السليم" (جامع العلوم والحكم (صـ 24)).

ويقول الحسن البصري رحمه الله: "داو قلبك، فإن حاجة الله إلى عباده صلاح قلوبهم" (حلية الأولياء (2/154)) وهذا معنى صحيح، وذلك لأن الله تبارك وتعالى لا ينظر إلى الأجسام والصور ولكن ينظر إلى القلوب كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (رواه مسلم برقم (2564))، فالقلوب يا عباد الله هي محل نظر الله تبارك وتعالى، فإذا صلح قلب العبد صلحت أعماله، وكان مقبولاً عند الله تبارك وتعالى وإذا كان القلب فاسداً، فلربما ركع صاحبه وسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الدرك الأسفل من النار كحال عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه من المنافقين، يخرجون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزوات، ولربما قدموا شيئاً من أموالهم دفعاً للتهمة عنهم أو حياءً من الناس، فيقاتلون بل وربما يقتلون، ومع ذلك لم تزكُ نفوسهم، ولم تصلح قلوبهم، ولا أحوالهم ولا أعمالهم؛ لأن قلوبهم قد انطوت على معنى سيء فأفسدها، على نجاسةٍ كبرى لا تطهرها مياه البحار، وهي الشرك بالله تبارك وتعالى والنفاق.

كان الحسن البصري رحمه الله يجلس في مجلس خاصٍ في منزله لا يتكلم فيه عن شيء إلا في معاني الزهد والنسك والرقاق والقضايا المتعلقة بالأعمال القلبية، فإن سئل سؤالاً يتعلق بغيرها في ذلك المجلس تبرم، وقال: "إنما خلونا مع إخواننا نتذاكر" (سير أعلام النبلاء (4/579))، وهذا يدل على أن الإنسان ينبغي ألا يغفل وألا يكون شارداً في زحمة الأعمال، ينبغي أن يكون له مجالس يتذاكر فيها مع إخوانه، ترقق قلبه، وتصلح ما فسد من هذا القلب في زحمة الأشغال كزيارة القبور وذكر الموت، وما إلى ذلك من الأمور.

أيها المسلمون عباد الله: إن هناك أموراً يتم بها صلاح القلوب، ومن أعظم هذه الأمور التي تصلح القلب وتحييه المجاهدة المستمرة، يقول ابن المنكدر رحمه الله وهو من علماء التابعين: "كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامت لي" (سير أعلام النبلاء (5/355)) ، ونحن يا عباد الله نحتاج إلى كثير من المجاهدة لإصلاح هذه القلوب، ويقول أبو حفص النيسابوري رحمه الله: "حرست قلبي عشرين سنة ثم حرسني عشرين سنة، ثم وردت علي وعليه حالة صرنا محروسين جميعا" (سير أعلام النبلاء (12/511))، إذا استقام القلب يا عباد الله؛ استقامت أعمال الإنسان وجوارحه، فإذا جاءه الشيطان بخاطرة من الخواطر قبل أن يستقيم قلبه ويثبت على الطاعة؛ فإن القلب يحتاج إلى مدافعة عظيمة لهذه الخواطر، فإذا صار في القلب قوة وصلابة في الإيمان، واستقام القلب لصاحبه وروضه على طاعة الرحمن تبارك وتعالى والإقبال عليه؛ فإنه يحرس صاحبه.

ومما يصلح القلب أيها المؤمنون: كثرة ذكر الموت وزيارة القبور ورؤية المحتضرين الذين هم في السكرات: إنها اللحظات التي يخرج الإنسان فيها من الدنيا ويفارق سائر الشهوات واللذات، ويفارق الأهل والأولاد والمال الذي أتعب نفسه في جمعه في لحظة ينكسر فيها الجبارون، ويندم المفرطون على تفريطهم.

ومما يحيي القلوب عباد الله: مجالسة الصالحين الذين يذكرون الله تبارك وتعالى ويُذكِّرون الناس بالله جل وعلا.

أيها المسلمون عباد الله: ومما يصلح القلب: أن يكون القلب معلقاً بربه تبارك وتعالى، خالقه ورازقه، ومما يصلح القلب: الأعمال الصالحة بجميع أنواعها، كما أن المعاصي والسيئات تميت القلب وتمرضه لحديث حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه» (رواه مسلم برقم (144)).

ومما يصلح القلب يا عباد الله: أن نستعمل القلب فيما خلق له، هذا القلب خلق ليكون عبداً لله، خلق ليعمل أعمالاً جليلة هي الأعمال القلبية الصالحة، فإذا أشغل القلب بغيرها تكدر وفسد، وإن من أعظم الأعمال الصالحة التي تصلح القلب وتجعله حي: ذكر الله تبارك وتعالى وقراءة القرآن. والحديث عن هذا متشعب ويطول، ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال:2]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "قال بعض الحكماء المتقدمين: الذكر للقلب بمنزلة الغذاء للجسد فكما لا يجد الجسد لذة الطعام مع السقم فكذلك القلب لا يجد حلاوة الذكر مع حب الدنيا أو كما" (الفتاوى الكبرى (5/48)).

وقد أحسن من قال:

دواء قلبك خمسٌ عند قسوته *** فأذهب عليها تفز بالخير والظفرِ
خلاء بطنٍ وقرآنٌ تدبره *** كذا تضرع باكٍ ساعة السحرِ
ثم التهجد جنح الليل أوسطه *** وأن تجالس أهل الخير والخبرِ

أيها المسلمون عباد الله: إن القلوب إذا صلحتْ صلحت أعمالنا، وصلحت أحوالنا، وحُل الكثير من مشكلاتنا، وإذا فسدت هذه القلوب التي هي القائدة للأبدان والجوارح فسدت أعمال العبد، واضطربت عليه أحواله، ولم يعد يتصرف التصرف اللائق الذي يرضي ربه تبارك وتعالى؛ فخسر الدنيا والآخرة وأعظم بها من خسارة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (رواه البخاري برقم (52)، ومسلم برقم (1599) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه)، والله تبارك وتعالى يقول: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور} [الحج:46]، والقلب ما سمي قلب إلا لكثرة تقلبه، فهو كثير التقلب بالخواطر والأفكار والعقائد، ويتقلب كثيراً على صاحبه كثير من الأوقات، كما أنه كثير التقلب من حالٍ إلى حال، يتقلب من هدى إلى ضلال، ومن إيمان إلى كفر أو نفاق والعياذ بالله، ولهذا كَانَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» (رواه الترمذي برقم (2140) من حديث أنس رضي الله عنه؛ وبرقم (3522) من حديث أم سلمة رضي الله عنها؛ وأحمد في المسند برقم (12128) وقال محققوه: إسناده قوي على شرط مسلم؛ والحاكم في المستدرك من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه برقم (1926) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه. وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم (2792)؛ وفي صحيح الجامع برقم (7988)).

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا . وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب:41-42]، وقال: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف:205]، بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعني وإياكم بما فيهما من الآيات والحكمة، قلت ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه فيا فوز المستغفرين.

الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي جعل ذكره سببا للفوز بدار السلام، ومكفراً للذنوب والآثام، وجعل الإعراض عنه سبباً للخسارة والحرمان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله الأطهار وأصحابه الكرام وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

أيها المسلمون عباد الله: اتقوا الله حق التقوى فهي وصية الله للأولين والآخرين، قال الله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ} [النساء:131]، واعلموا أن في ذكر الله تبارك وتعالى حياة القلوب والقرب من الرب علام الغيوب، وفي ذكره سبحانه كشف الغموم وتفريج الكروب وفي ذكره سبحانه زوال المكروه، وحصول المطلوب، في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» (رواه البخاري برقم (6970)، ومسلم برقم (2675))، وذكر الله تبارك وتعالى يا عباد الله محله القلب واللسان والجوارح، فذكر الله تبارك وتعالى بالقلب معناه أن يكون ذكر الله دائماً في قلبه، يفكر في أسماء الله الحسنى ومعاني صفاته العليا، وأفعاله التي بهرت العقول وأحكامه التي بلغت من الحكمة غايتها القصوى، قال الله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11]، لا تخفى عليه خافيه، سمعه سبحانه وسع الأصوات ولا تختلف عليه اللغات، لا يحجب عن بصره شيء فلا إله إلا الله ما أعظمه وأكرمه، وهو سبحانه الواحد الأحد الخالق الرازق المعز المذل المحيي المميت، الفعال لما يريد، فينطلق اللسان بذكره سبحانه وتعالى، وذكر الله باللسان معناه أن ينطق بذكر ربه تبارك وتعالى بذكر أسمائه وصفاته وأحكامه، فالتهليل والتكبير والتسبيح والحمد والثناء من كل ذلك ذكر الله تبارك وتعالى، وتعليم الناس الخير والقرآن وتعلم ذلك من ذكره سبحانه باللسان، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من ذكره سبحانه، وأما ذكر الجوارح لله تبارك وتعالى يا عباد الله: فإن كل فعل تفعله متقرباً إلى الله متبعاً فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو من ذكر الله تبارك وتعالى.

أيها المؤمنون عباد الله: اذكروا ربكم قياماً وقعوداً، وعلى جنوبكم، قال الله: {فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ} [النساء:103]، فإن ذلك هو الحياة الحقيقية للقلب، وعليكم بالأذكار الواردة عن النبي المختار صلى الله عليه وسلم، واعملوا بها، وعلموها فإنها خير وبركة، وسوف نذكركم ببعض منها تذكيراً لكم أيها الناس فمن ذلك حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته» (رواه البخاري برقم (1103))، وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على شيء قدير، في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك» (رواه البخاري برقم (3119)، ومسلم برقم (2691)) ، وزاد مسلم: «ومن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر» ، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا غفر له ذنبه» (رواه مسلم برقم (386))، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وحمد الله ثلاثا وثلاثين وكبر الله ثلاثا وثلاثين فتلك تسعة وتسعون وقال تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» (رواه مسلم برقم (597))، وعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده» (رواه البخاري برقم (6043)، ومسلم برقم (2694))، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إلي مما طلعت عليه الشمس» (رواه مسلم برقم (2695))، وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "إن كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم" (رواه أبو داود برقم (1516)، والترمذي برقم (3434) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب؛ وأحمد في المسند برقم (4726) وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين؛ وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم (1342)، وفي صحيح الترمذي برقم (2731)؛ وفي السلسلة الصحيحة برقم (2603)).

أيها المسلمون عباد الله: فعلى كل إنسان منا أن يعمل جاهداً في طاعة الرحمن، وعليه أن يحافظ على وقته بأن يستغل كل دقيقة في الخير، إن كان في الطريق ذكر الله، وإن كان في البيت فهو تالٍ لكتاب ربه تبارك وتعالى مرشداً أهله إلى الخير، هذا وصلوا وسلموا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين فقد أمركم الله بالصلاة والسلام عليه في قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56]، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً» (رواه مسلم برقم (384)).

 اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم نسألك قلوباً حية عامرة بالإيمان، ونعوذ بك من موت القلوب، ومن الكفر والفسوق والعصيان، ونعوذ بك من الهوى والطغيان، يا أكرم الأكرمين ويا رب العالمين، اللهم غفر لنا ورحمنا، وتجاوز عنا يا أرحم الرحمين، اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك اللهم من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إن أجسادنا ضعيفة لا تقوى على النار وأنت الغفور الرحيم، اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار يا عزيز يا غفار، {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف:23]، {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر:10]، {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة:201]، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: موقع إمام المسجد
  • 2
  • 1
  • 9,523

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً