وَأَحْسِنُوا

منذ 2014-06-18

ينفرد الإسلام في بنائه القيمي بالحرص على تحقيق الانسجام التام بين الإنسان وباقي عناصر الكون.

فالموجودات.. وإن كانت خادمة للحياة الإنسانية ومسخرة لتأثيث فضائها بكل لوازم الإعمار والاستخلاف، إلا أن النص القرآني يحث على تهذيب السلوك إزاءها، واعتماد الوسطية والتوازن في الانتفاع بها وتسخيرها. وحين نستعرض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحصي وجوه الإحسان وتثني على الساعين لبلوغ منزلته، فإننا نقف على الخيط الناظم لعلاقة الإنسان بالآخر، سواءً كان هذا "الآخر" بشرًا أو حيوانًا أو حتى جمادًا! هذا الخيط الناظم هو الحب والرفق والأداء المصحوب بالمشاعرالإنسانية الدافئة.

إن الإنسان جزء من منظومة التسبيح الكوني لله وإفراده بالعبودية، يقول تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء من الآية:44]. غير أنه لا يتذوق حلاوة الاندراج في هذه المنظومة إلا حين يكون الحب هو بوصلته الهادية في علاقته بسائر المخلوقات حتى الحجارة الصماء.

ولنا في دلائل نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم ومعجزاته ما يحيل على نبل الآصرة التي يجدر بالمسلم أن يعقدها مع من حوله.. وما حوله!

فقد كان بمكة حجر يُسلِّم عليه، فحمل الرسول الأكرم ذكراه في قلبه وحدث أصحابه يومًا عن تعلُّق الحجر به: «إني لأعرف حجرًا بمكة كان يُسلِّم علي قبل أن أُبعَث» (حديث صحيح رواه مسلم)..

يقول محمد الصوياني تعليقًا على هذا الحديث: "إن للكون الصامت حولنا من التراتيل والصلوات بقدر ما نشهده من صمتٍ وسكون.. لكن الكون يريد قلبًا.. يريد عقلًا ليكشف ذلك المعبد فيه. وهب الله ذلك الحجر لغة الإنسان فكلَّم محمدًا.. أم وهب محمدًا إدراكًا ليفهم لغة الحجر، فكان ذلك السلام.. وكان ذلك الحب الذي بدأ بين محمد ومكة" (محمد الصوياني: السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة، مكتبة العبيكان، الرياض 2004م، ص: [53])..

هذا الحب يستشعره المسلم في الكم الهائل من التوجيهات العملية التي حض النبي صلى الله عليه وسلم على مراعاتها في تسخير الكائنات لخدمة الوجود الإنساني. وهي توجيهات ووصايا جسدها المسلمون في واقعهم العملي محتكمين إلى منظومة فقهية بلغت في تفصيل الأحكام مبلغًا لم يُسبق إليه. ويكفي أن يطالع المرء بعض ما ورد في كتاب النفقات من مصنفات الفقه ليقف على تفصيل عجيب لما يلزم المسلم من الرعاية والنفقة نحو الكلاب والطير والنبات وغيرها. إنه تفصيل لا تُحرِّكه المنفعة المادية أو المصلحة الاجتماعية بقدر ما يتصل بدافع أخلاقي محض قوامه رفع الضرر والظلم والأذى عن كل ذي كبد رطبة" (د. يوسف القرضاوي: رعاية البيئة في شريعة الإسلام، دار الشروق، القاهرة 2001م، ص: [131] وما بعدها).

في قوله تعالى: {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص من الآية:77] يبرز الإحسان كأرفع حلية للإنسان المتدين.

فالمبالغة في العطاء والإتقان في الأداء لا يصدران إلا عن نفس تاقت لمبادلة العطاء الرباني بالشكر، واستجابت لداعي الإنفاق طوعًا على الغير، سواءً كان بالمال أو إجادة العمل أو حتى إراحة الشاة عند الذبح!

والمُتأمِّل في آيات وأحاديث الإحسان يقف على أنواع شتى من القربات والأعمال التي لو تحرَّكت الهِمَم صوبها، وعمل الناس بها لعمَّ الأمن والخير والسكينة. فالمعاملة الحسنة وخفض الجناح للوالدين إحسان {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء:23-24].

والصبر إحسان: {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود:115].

والعفو والصفح إحسان: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة من الآية:14].

والاتباع الصادق لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم إحسان: {وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ . لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ} [الزمر:32-33].

وجهاد النفس والمال إحسان: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69].

وسدَّ حاجة القريب والجار والسائل والمحروم إحسان: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء من الآية:36].

والرفق بالحيوان حتى وإن كان يُساق إلى الذبح إحسان: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» (رواه مسلم من حديث أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه).

بل وتتسع دائرة الإحسان لتشمل كل قربة أو طاعة ترتقي بالعبد من إسلام الجوارح وإيمان القلب إلى الاستشعار الدائم لحضور الله ومراقبته إِيَّاه، فيبلغ المقام الذي عبَّر عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (رواه مسلم من حديثٍ طويل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه).

وحين تصطبر النفس في سعيها لبلوغ الإحسان، وتثبت أمام جور الزمان وصنوف الابتلاء التي يمتحن الله بها عباده المؤمنين، فإن قبسة من نور الله وفيضه الغامر تضيء بين جوانحها. فلا يملك من رآها وجالسها وجاذبها أطراف الحديث إلا أن يحبها. وتلك ثمرة لا يتذوقها إلا من اصطفاه الله مع المحسنين..

يقول الأستاذ محمد قطب رحمه الله: "تُحِسُّ على الفور حين تلقى أحدًا منهم أنك أمام إنسان. إنسان بهذا المعنى الذي كرَّمه خالقه وفضَّله على كثير ممن خلق. إنسان تأنَس إليه وتستريح عنده، تستريح في تعاملك معه وفي علاقاتك. تستريح إلى الاستقامة النظيفة التي لا عوج فيها ولا التواء.. وتُحِبُّه.. لا تملك إلا أن تُحِبُّه ولو خالفك في أفكارك وأعمالك ومشاعرك واتجاهاتك. تُحِبُّه لأن فيه قبسة من نور الله.. وتحاول -إن استطعت- أن تقفو خطاه" (محمد قطب: قبسات من الرسول، دار الشروق، القاهرة 2003م، ص: [94]).

إن آيات الإحسان في القرآن تشهد بأننا أمام تكريم للحياة الإنسانية لم يسبق إليه مذهب أخلاقي أو ديني. وأمام قاعدة عظيمة ينهض عليها الإسلام برمته. وما أعظمها بشارة تلك التي أعلنها القرآن الكريم لمن عنوا بتقويم النفوس وتجويد الأعمال، بشارة مفادها المحبة والمعية، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل من الآية:128].

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

حميد بن خيبش

كاتب إسلامي

  • 0
  • 0
  • 1,456

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً