خواطر قرآنية (سورة السجدة) - الحلقة العاشرة

منذ 2014-08-19

الكفار عندما أنكروا إمكانية عودتهم خلقًا جديدًا، كأنهم لم ينظروا إلى أول خلقهم من العدم! فينبغي على الإنسان إذا ما ارتقى في المجتمع واكتسب مكانة مرموقة، أن لا ينسى أصله وأهله وناسه! وأن لا يتعالى ولا يترفع أو يتكبر!

الحمد لله منزلَ الكتاب، ومجريَ السحاب، ومعلمَ العلوم والآداب، خالقَ الناس من تراب، ناصر المؤمنين العزيزِ الوهاب، والصلاة والسلام على خير من صلى وتاب، وجميع الآل والأصحاب ومن تبعهم إلى يوم المئاب، وبعد:

الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر أصل عظيم وهو الرسالة بقوله:  {تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} [السجدة:2]، ثم أتبعها بذكر أصل هام آخر وهو الوحدانية بقوله {اللَّـهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} [السجدة:4]، أتبعها هنا بذكر الأصل الثالث وهو المعاد والحشر بنقل قول الكفار:  {وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۚ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} [السجدة:10].

لما قال: {قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} [السجدة من الآية:9] بَيَّنَ عَدَمَ شُكْرِهِمْ بِإِتْيَانِهِمْ بِضِدِّهِ وَهُوَ الْكُفْرُ وَإِنْكَارُ قُدْرَتِهِ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى.

يقول تعالى ذكره: وقال المشركون بالله، المُكذّبون بالبعث: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} [السجدة من الآية:10] أي: صارت لحومنا وعظامنا ترابًا في الأرض، وغبنا فيها واندثرت ذراتنا، وبلينا وتمزقنا وتفرقنا في المواضع التي لا تعلم.

وإنما عنى هؤلاء المشركون بقولهم: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} [السجدة من الآية:10] أي: إذا هلكت أجسادنا في الأرض؛ لأن كلّ شيء غلب عليه غيره حتى خفي فيما غلب، فإنه قد ضلّ فيه.

وقال تعالى في سورة الإسراء نقلا عن الكفار قولهم:  {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} [الإسراء:49].

الْوَاوُ لِلْعَطْفِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ قَالُوا مُحَمَّدٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ وَاللَّهُ لَيْسَ بِوَاحِدٍ وَقَالُوا الْحَشْرُ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ.

{أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [السجدة من الآية:10] وَهَذَا اسْتِفْهَامٌ عَلَى إِنْكَارٍ؛ أَيْ: إِنَّا لَا نُبْعَثُ بَعْدَ الْمَوْتِ.

{بَلْ هُم بِلَقَاء رَبّهِمْ كافرون} [السجدة من الآية:10] إضرابٌ وانتقالٌ منِ بيانِ كفرِهم بالبعثِ إلى بيانِ ما هُو أبلغُ وأشنعُ منه وهو كفرُهم بالوصولِ إلى العاقبةِ وما يلقَونه فيها من الأحوالِ والأهوالِ جميعاً.

يقول ربنا سبحانه لنبيه عليه الصلاة والسلام "بل اترك كلامهم وأعرض عنهم صفحًا، فهذا كلام لا يقوله عاقل، ولا تسمعه فلا يستحق الاستماع، وهذا حال كلام أهل الباطل.

ويكفيهم، أنهم معهم علم أنهم قد ابتدئوا من العدم، فالإعادة أسهل من الابتداء، وكذلك الأرض الميتة، ينزل الله عليها المطر، فتحيا بعد موتها، وينبت به متفرق بذورها.

لَيْسَ إِنْكَارُهُمُ الْبَعْثَ لِلِاسْتِبْعَادِ وَالِاسْتِحَالَةِ لِأَنَّ دَلَائِلَ إِمْكَانِهِ وَاضِحَةٌ لِكُلِّ مُتَأَمِّلٍ وَلَكِنَّ الْبَاعِثَ عَلَى إِنْكَارِهِمْ إِيَّاهُ هُوَ كُفْرُهُمْ بِلِقَاءِ اللَّهِ، أَيْ كُفْرُهُمُ الَّذِي تَلَقَّوْهُ عَنْ أَئِمَّتِهِمْ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ.

وَالْإِتْيَانُ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإِفَادَةِ الدَّوَامِ عَلَى كُفْرِهِمْ والثبات عَلَيْهِ.

إذن: تكذيبهم ليس للبعث في حَدِّ ذاته، إنما للقاء الله وللحساب، لكنهم ينكرون البعث؛ لأنه يؤدي إلى لقاء الله، وهم يكرهون لقاء الله، فينكرون المسألة من بدايتها.

قال عليه الصلاة والسلام: «إنَّ في الإنسانِ عظمًا لا تأكلُه الأرضُ أبدًا فيه يُركَّبُ يومَ القيامةِ» قالوا: "أيُّ عظمٍ هوَ؟ يا رسولَ اللهِ!" قال: «عَجْبُ الذَّنَبِ».

عجب الذنب: هي عظمة صغيرة جدا بقدر حبة العدس في آخر السلسلة الفقرية وتسمى"العصعص".

الطبيب الأمريكي أنطوني جوستين اكتشف، أن الخلايا الجذعية في عظم عجب الذنب فيها ذرات تنتج الهيكل العظمي للجسم كاملاً، كما أن في كل عظم خلايا جذعية يمكن أن يتولد منها عظم مشابه له! فصدق الله إذ يقول: {كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف من الآية:29].

من فوائد وهداية الآية:

الكفار عندما أنكروا إمكانية عودتهم خلقًا جديدًا، كأنهم لم ينظروا إلى أول خلقهم من العدم! فينبغي على الإنسان إذا ما ارتقى في المجتمع واكتسب مكانة مرموقة، أن لا ينسى أصله وأهله وناسه! وأن لا يتعالى ولا يترفع أو يتكبر!

الإنسان لما ينسى الحساب يفعل ما يشاء في الدنيا، فيرتكب المحرمات ويظلم الناس ويأكل الأموال بالباطل، فالله سبحانه يذكر الخلق بيوم القيامة ليجازيكم على أعمالكم.

اليقين بحقيقة اليوم الآخر تدفع المؤمن إلى الخوف من الله سبحانه، وبذل وسعه لفعل كل خير.

الكفار قاسوا إنكارهم إمكانية إعادة الخلق مرة أخرى، بعقولهم المحدودة، وعليه ينبغي أن لا نطلق العنان لعقولنا لتتدخل بكل شيء، إنما لها حدود بحسب الإدراك لا يحسن بها تجاوزه.

الحق أبلج والباطل لجلج، لا يستحق الإصغاء ولا الاستماع له، فلا تسمع لأهل الباطل كل ما يقولون وليكن لديك يقين ببطلان ما يعتقدون.

اللهم انفعنا بالقرآن، وارفعنا بالقرآن، واجعله شفيعنا يوم نلقاك.

10- رمضان-1435هـ 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

أيمن الشعبان

داعية إسلامي، ومدير جمعية بيت المقدس، وخطيب واعظ في إدارة الأوقاف السنية بمملكة البحرين.

  • 2
  • 1
  • 3,693
المقال السابق
الحلقة التاسعة
المقال التالي
الحلقة الحادية عشرة

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً