قضايا الحاكمية تأصيل وتوثيق - (29) كيف يُحكَى الإجماعُ على وجوب طاعة الحاكم المُتغلِّب؟! ‬

منذ 2014-10-25

أفيجوزُ تقطيعُ العلم والنصوص، والانتقاء منها حسَب الأهواء والرغبات؟! بل وربما زادُوا نُصوصًا أخرى عن بعض الأئمة، في تقرير ولاية الجائر، والسمع له والطاعة.. وربما حكَوا إجماعَ النَّووي رحمه الله على ذلك وأنزلوا هذه النصوص على المُتغلِّب! وهذا خلْطٌ واضح، وغلَطٌ بيِّن..

بيان حقيقة الإجماع المَحكِي على وجوب طاعة الحاكم المُتغلِّب!
إذا تقرَّر ما أسلفنا ذِكرَه؛ من كون التغلُّب في عمومه فِسقًا وظلمًا وجَورًا وزُورًا.. 
وكيف أن الجائر والمُتغلِّب -باعتبار ما ذكرنا فيهما- لا يَصلحان للإمامة، ولَيسا من أهلها.. 
وكيف أن العلماء، قرَّروا وجوبَ دفْع الجائر -ولو أدَّى لاقتتاله-، وجوَّزوا الخروج عليه متى قُدِر عليه..

إذا تقرَّر هذا.. فكيف يُحكَى الإجماعُ على وجوب طاعة المُتغلِّب، وحُرمة الخروج عليه؟! 
فضلًا عن كون المُعاصرين؛ يستدلُّون بهذا الإجماع على تقرير ولاية المُتسلطين الحاليين، دون مُراعاة الشروط التي نصَّ عليها، مَن نقلُوا هذا الإجماع في المُتغلِّب المذكور في لسانهم! 

إذًا فلنناقش هذا الإجماع، ولنتأمله بعين النَّظر والتمحيص والتدقيق، ولنا مع حكاية هذا الإجماع وقفتان..
الأولى: النظر في من حَكى هذا الإجماع! فبالتَّتبُّع والاستقراء لحكاية هذا الإجماع فإننا نجدُ الآتي: 
أن هذا الإجماعَ أوَّلُ مَن حكاه هو: (ابنُ بطَّال المالكي رحمه الله)، والمُتوفَّى (449هـ)، وهو أحد شُرَّاح البُخاري، ولم يَحكِه أحدٌ قبله، وعنه نقلَه (ابنُ حجر رحمه الله)، المُتوفَّى (852هـ)، في فتح الباري.

وليس هناك مَن حَكى هذا الإجماع قبل ابن بطال، ولا حَكاهُ أحدٌ قبل ابن حجر، إلَّا ما كان من (ابن الوزير اليماني رحمه الله)، المُتوفَّى (840هـ)، فقد ذكرَه مُنتقدًا، غير مُقِرّ -كما سيأتي-، ثم تناقله المتأخرون بعد ابن حجر، مثل (الشوكاني رحمه الله) وغيرُه، حتى تناقله المُعاصرون، إلَّا أنَّ بعضَهم ربما عزاهُ إلى ابن حجر، وليس إلى ابن بطال، وقد وقع في هذا كثيرٌ منهم، مع نصِّ ابن حجر نفسه، على أنه مِن قول ابن بطال!

وقد دَرج المُعاصرون على سَبْك هذا الإجماع وتقويتِه بذِكر بعض النصوص عن بعض علماء أهل السُّنة، في مُبايعة المُتغلِّب، والسَّمع له والطَّاعة، كما ذُكر هذا عن (الإمام أحمد، وابن قُدامة رحمهما الله)، وهي مجرد أقوالٍ، لا تَرقى إلى أن تكون إجماعًا!

فضلًا عن شروطهم المُعتبرة في ما هية هذا الحاكم المُتغلِّب، والتي أهملها الذاكرون لنصوص هؤلاء الأئمة. 
إمَّا جهلًا بها، وإمَّا تناسيًا! وقد سبقَ أن أشرنا إليها، وهي وقفتُنا الثانية، في منشورنا التالي..

أفيجوزُ تقطيعُ العلم والنصوص، والانتقاء منها حسَب الأهواء والرغبات؟!
بل وربما زادُوا نُصوصًا أخرى عن بعض الأئمة، في تقرير ولاية الجائر، والسمع له والطاعة.. 
وربما حكَوا إجماعَ النَّووي رحمه الله على ذلك وأنزلوا هذه النصوص على المُتغلِّب! وهذا خلْطٌ واضح، وغلَطٌ بيِّن..

إذ إن باب طاعة الجائر ليس هو باب المُتغلِّب -وإن كان كلاهما ظالمًا!- فأصل ولاية الجائر بَيعَةٌ واختيار، ثم طرأ عليه الجَورُ والظُّلم بعدُ، بخلاف المُتغلِّب فلم تَجْرِ له بيعةٌ ابتداءً، ولم تكن ولايتُه باختيار! 

فكيف يُلبِسُون هذا ثيابَ ذاك، ويجعلون بابهما واحدًا لا افتراق؟!
والأنْكى والأعجَب، والأدهَش والأغرب! أن يُنزِلُوا هذا العلمَ وتيك النصوص على حِفنة المُعاصرين اللصوص..
سبحانك! هذا بُهتانٌ عَظيم..

تابعوا يا أحبَّة؛ البقيَّة والوقفة الثانية في المنشور التالي (30). 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

أبو فهر المسلم

باحث شرعي و أحد طلاب الشيخ سليمان العلوان حفظه الله

  • 7
  • 1
  • 12,670
المقال السابق
(28) حالات التَّغلُّب وطرائقُه
المقال التالي
(30) بيان حقيقة الإجماع على وجوب طاعة الحاكم المُتغلِّب

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً