أَعُلماء عَلمانيون؟! - (16) سيد قطب وفقهاء الأرائيت!

منذ 2015-02-13

هؤلاء الأرايتيون الذين يبحثون في الأنظمة الإسلامية الفقهية تحت أنظمة غير إسلامية، هم الذين يبحثون في فراغ، لأن أنظمة الإسلامية الفرعية لا تسمح بها أنظمة الحكم القائمة بالتطبيق، بل تعرقلها وتحاربها، ففيم البحث إذن؟! وفقههم سوف يبقى فقها في الأوراق لا يجد الواقع الذي يُطبَّق فيه ويعيش فيه. لقد أنكرها السلف رحمهم الله حين كانت أرأيتيات فردية، فكيف بها وهي أرأيتيات مؤسساتية؟!

بيَّنا في المقالة السابقة المعنى الأول لفقه الأوراق الذي يقصده سيد قطب، وهو يقصد أولئك الذين يجمعون الفقه في السطور والصدور، ولا يتحركون به في واقع الحياة ودنيا الناس، وأن الإسلام لمراعاته للجانب الحركي لم ينزل جملة واحدة، وإنما نزل مُنجَّمًا على وفقه الأحداث الواقعية ليجمع بين النظري التطبيق، وبين والوقع والمثال.. وفي هذا المقال سنبين المعنى الثاني الذي يقصده سيد قطب بفقه الورق، والذي كان يرفضه ويُخطِّئ أهله، وأنهم يزرعون في الهواء، لأن الأرض التي ينبت فيها هذا النوع من الفقه لم توجد بعدُ..

فقه السلطات التنفيذية

إن سيد قطب يقصد بـ "فقه الأوراق" فقهًا محدّدًا، وليس كل فقه بحثه الفقهاء، والذي يحاول البعض إيهام الناس بأن سيدًا يقول به هو الدعوة إلى إلغاء أو تأجيل الفقه الإسلامي بصفة عامة، فيفهم الناس أنَّ سيدًا يقول لا صلاة لا زكاة لا صيام لا تحريم ربا ولا تحريم زنا ولا خمر!!

لم يقل سيد قطب بهذا الذي يتهمونه به، ولا بحرف منه، بل يقول بخلافه تمامًا كما سيأتيك قريبًا في نهاية النقل عنه، وإنما الذي يقصده هو ما يسميه "بفقه الأوراق" وهو الذي يقصد به فقه الأنظمة التي تحتاج في تنفيذها إلى سلطة وإلى قيام "دولة إسلامية" وبالمصطلح المعروف "دار إسلام" وهو ما يصطلح عليه هو بـ"مجتمع مسلم" والذي قاعدة التشريع فيه تقوم على التسليم الفعلي بحاكمية الله سبحانه، أو بتعبير مختصر: يقصد الفقه الذي يحتاج في تنفيذه إلى سلطة الدولة وتنفيذ الحكومة، لا الفقه الذي يلتزم به الأفراد.

أي: فقه نظام التقاعد والمعاش، وفقه نظام البنوك، وفقه نظام التأمينات وفقه قسم الغنائم وفقه تولية واختيار أهل الحل والعقد وعلاقتها برئيس الدولة بالشكل المعاصر، وما إلى ذلك من أنواع الفقه التي تحتاج إلى سلطة تنفيذية تسهر على متابعتها وتنفيذها، وفي دولة تنطلق أساسًا من تحكيم الشريعة الإسلامية.

هذا هو فقه الأوراق الذي قصده سيد قطب، ولا يقصد به فقه الكتاب والسنة، ولا أنه يُقدم فقه الحركة على فقه الكتاب والسنة! لأن فقه الحركة أيضًا مضبوط بفقه الكتاب والسنة، ومن فقه الكتاب والسنة التدرج في الدعوة والتربية، بحيث تتماشى وطاقة الناس، والارتفاع بهم شيئا فشيئا إلى قمة الإسلام السامقة، ولذلك نزل القرآن مفرَّقا مُنجَّمًا حسب الوقائع والأحداث، وحسب مستوى الأمة الإيماني والذهني والمادي الواقعي، وهذا هو الذي غاب عن كثير من الدعاة والمتفقهين في الدين اليوم، وانطلقوا من أن الناس لا ينقصهم إلا التثقيف الديني والتفقيه الشرعي حتى يَحسُن إسلامُهم.

فقه الأوراق.. فقه الأرائيت!

هؤلاء الأرايتيون الذين يبحثون في الأنظمة الإسلامية تحت أنظمة غير إسلامية، هم الذين يبحثون في فراغ، لأن الأنظمة الإسلامية الفرعية لا تسمح بتطبيقها أنظمةُ الحكم العَلمانية القائمة، بل تعرقلها وتحاربها، ولا تسمح منها إلا لما يخدمها أو يُعَمِّي على الناس جاهليتها... ففيم البحث إذن؟! وفقههم سوف يبقى فقهًا في الأوراق لا يجد الواقع الذي يُطبَّق فيه ويعيش فيه.

لقد أنكرها السلف رحمهم الله حين كانت أرأيتيات فردية، فكيف بها وهي أرأيتيات مؤسساتية؟!

فسيد قطب يقرر منهج الإسلام في دعوته، وفي إقامة شريعته، ويستدل بأقوال السلف الصالح رحمهم الله، وهاك تمتَّع بقوله هذا:

يقول سيد قطب في هذا: "وأما الأحكام الشرعية فتُطلب ويُسأل عنها عند وقوع الأقضية التي تتطلب هذه الأحكام.. وهذا هو منهج الإسلام.. ففي طوال العهد المكي لم يتنزل حكم شرعي تنفيذي- وإن تنزلت الأوامر والنواهي عن أشياء وأعمال- ولكن الأحكام التنفيذية كالحدود والتعازير والكفارات لم تتنزل إلا بعد قيام الدولة المسلمة التي تتولى تنفيذ هذه الأحكام. ووعى الصدر الأول هذا المنهج واتجاهه فلم يكونوا يفتون في مسألة إلا إذا كانت قد وقعت بالفعل وفي حدود القضية المعروضة دون تفصيص للنصوص، ليكون للسؤال والفتوى جديتهما وتَمَشِّيهما كذلك مع ذلك المنهج التربوي الرباني: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلعن من سأل عما لم يكن.. ذكره الدارميّ في مسنده.. وذكر عن الزهري قال: بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم قد كان، حدث فيه بالذي يعلم. وإن قالوا: لم يكن، قال: فذروه حتى يكون. وأسند عن عمار بن ياسر -وقد سئل عن مسألة- فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا. قال. دعونا حتى يكون، فإذا كان تجشمناها لكم...

إنه منهج واقعي جاد. يواجه وقائع الحياة بالأحكام، المشتقة لها من أصول شريعة الله، مواجهة عملية واقعية.. مواجهة تقدر المشكلة بحجمها وشكلها وظروفها كاملة وملابساتها، ثم تقضي فيها بالحكم الذي يقابلها ويغطيها ويشملها وينطبق عليها انطباقًا كاملًا دقيقًا.. فأما الاستفتاء عن مسائل لم تقع، فهو استفتاء عن فرض غير محدد. وما دام غير واقع فإن تحديده غير مستطاع. والفتوى عليه حينئذ لا تطابقه لأنه فرض غير محدد. والسؤال والجواب عندئذ يحملان معنى الاستهتار بجدية الشريعة كما يحملان مخالفة للمنهج الإسلامي القويم.... ومثله تلك الدراسات النظرية المجردة لفقه الفروع وأحكامه في الجوانب غير المطبقة.. إنها دراسة للتلهية! لمجرد الإيهام بأن لهذا الفقه مكانًا في هذه الأرض التي تدرسه في معاهدها ولا تطبقه في محاكم.... لم يجىء هذا الدين ليكون مجرد شارة أو شعار. ولا لتكون شريعته موضوع دراسة نظرية لا علاقة لها بواقع الحياة. ولا لتعيش مع الفروض التي لم تقع، وتضع لهذه الفروض الطائرة أحكامًا فقهية في الهواء! هذا هو جد الإسلام. وهذا هو منهج الإسلام. فمن شاء من (علماء) هذا الدين أن يتبع منهجه بهذا الجد فليطلب تحكيم شريعة الله في واقع الحياة...... (مقتطفات من الظلال: 2/ 986- 988).

كُتَّاب وباحثون في متاهة!

وإليك بعض المقتطفات السريعة لبيان قصده، لمن شاء أن تبرأ ذمته من اتهام المسلمين بما هم براء منه، أو حرمان الأمة من فتوحات فقهية ومنهجية منَّ الله بها على هذا الرجل، فكان مجدِّدا لها في زماننا هذا. 

يقول سيد: "إن الذين يفكرون في النظام الإسلامي اليوم وتشكيلاته -أو يكتبون- يدخلون في متاهة! ذلك أنهم يحاولون تطبيق قواعد النظام الإسلامي وأحكامه الفقهية المدونة في فراغ!..." فهو يقصد فقه الأنظمة لا فقه الأفراد.

ويقول: "هؤلاء الكاتبون الباحثون عن حل لتطبيق قواعد النظام وتشكيلاته وأحكامه الفقهية يحيرهم -أول ما يحيرهم- طريقة اختيار أهل الحل والعقد -أو أهل الشورى- من غير ترشيح من أنفسهم ولا تزكية! كيف يمكن هذا في مثل هذه المجتمعات التي نعيش فيها والناس لا يعرف بعضهم بعضًا ولا يَزِنُون كذلك بموازين الكفاية والنزاهة والأمانة! كذلك تحيرهم طريقة اختيار الإمام؟ أيكون الاختيار من عامة الشعب أم يكون من ترشيح أهل الحل والعقد؟ وإذا كان الإمام سيختار أهل الحل والعقد -متابعة لعدم تزكيتهم لأنفسهم أو ترشيحها- فكيف يعودون هم فيختارون الإمام؟ ألا يؤثر هذا في ميزانهم؟ ثم إذا كانوا هم الذين سيعودون فيرشحون الإمام؟ ألا تكون لهم ولاية عليه وهو الإمام الأعظم؟ ثم ألا يجعله هذا يختار أشخاصًا يضمن ولاءهم له، ويكون هذا هو العنصر الأول في اعتباره؟ وأسئلة أخرى كثيرة لا يجدون لها جوابا في هذه المتاهة! 

ويقول: "ومثل قضية التزكية وطلب الإمارة، واختيار الإمام، واختيار أهل الشورى... وما إليها... قضايا كثيرة تثار، ويطرقها الباحثون في الإسلام.. في الفراغ.. في هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه.. بتركيبه العضوي المختلف تماما عن التركيب العضوي للمجتمع المسلم.. وبقيمه وموازينه واعتباراته وأخلاقه ومشاعره وتصوراته المختلفة تمامًا عن قيم المجتمع المسلم وموازينه واعتباراته وأخلاقه ومشاعره وتصوراته.

أعمال البنوك وأساسها الربوي.. شركات التأمين وقاعدتها الربوية.. تحديد النسل وما أدري ماذا؟! إلى آخر هذه "المشكلات" التي يشغل "الباحثون" بها أنفسهم أو يجيبون فيها عن استفتاءات توجه إليهم.. إنهم جميعًا -مع الأسف- يبدأون من نقطة البدء في المتاهة! يبدؤون من افتراض أن قواعد النظام الإسلامي وأحكامه سيجاء بها لتطبق على هذه المجتمعات الجاهلية الحاضرة بتركيبها العضوي الحاضر؛ فتنتقل هذه المجتمعات إذن -متى طبقت عليها أحكام الإسلام- إلى الإسلام!..."

وهل تكون هكذا حين يقوم مجتمع الشريعة؟

يقول سيد: "ومن ذا الذي يدرينا اليوم مثلاً أن يكون الناس في مجتمع مسلم تجبى فيه الزكاة وتنفق في مصارفها، ويقوم فيه التراحم والتكافل بين أهل كل محلة، ثم بين كل أفراد الأمة، وتقوم حياة الناس فيه على غير السرف والترف والمخيلة والتكاثر.. إلى آخر مقومات الحياة الإسلامية.. من يدرينا أن مجتمعا كهذا سيكون في حاجة إلى شركات تأمين أصلاً؟! وعنده كل تلك التأمينات والضمانات مع تلك الملابسات والقيم والتصورات؟! وإذا احتاج إلى نوع من التأمين فمن يدرينا أنه سيكون هو هذا النوع المعروف في المجتمع الجاهلي، المنبثق من حاجات هذا المجتمع الجاهلي وملابساته وقيمه وتصوراته؟! وكذلك من يدرينا أن المجتمع المسلم المتحرك المجاهد سيكون في حاجة إلى تحديد النسل مثلا.. وهكذا.. وإذا كنا لا نملك افتراض أصل حاجات المجتمع حين يكون مسلمًا ولا حجم هذه الحاجات أو شكلها، بسبب اختلاف تركيبه العضوي عن تركيب المجتمع الجاهلي، واختلاف تصوراته ومشاعره وقيمه وموازينه.. فما هذا الضَّنَى في محاولة تحوير وتطوير وتغيير الأحكام المدونة لكي تطابق حاجات هي في ضمير الغيب، شأنها شأن وجود المجتمع المسلم ذاته! ..."

الفقه الإسلامي لا يُزكي الأنظمة الجاهلية

إلى أن قال: "ونحسب أنه قد آن للإسلام أن يستعلي في نفوس دعاته، فلا يجعلوه مجرد خادم للأوضاع الجاهلية، والمجتمعات الجاهلية، والحاجات الجاهلية. وأن يقولوا للناس -وللذين يستفتونهم بوجه خاص- تعالوا أنتم أولاً إلى الإسلام، وأعلنوا خضوعكم سلفًا لأحكامه.. أو بعبارة أخرى.. تعالوا أنتم أولا فادخلوا في دين الله، وأعلنوا عبوديتكم لله وحده، واشهدوا أن لا إله إلا الله بمدلولها الذي لا يقوم الإيمان والإسلام إلا به. وهو إفراد الله بألوهيته في الأرض كإفراده بالألوهية في السماء وتقرير ربوبيته -أي حاكميته وسلطانه- وحده في حياة الناس بجملتها. وتنحية ربوبية العباد للعباد، بتنحية حاكمية العباد للعباد، وتشريع العباد للعباد...".

هل سيد قطب يقدم فقه الواقع والحركة على فقه القرآن والسنة؟

سبق وأن ذكرنا قول الشيخ صالح آل الشيخ أن سيد قطب يُقدِّم فقه الحكة على فقه الكتاب والسنة، ورغم أنه لم يقدم دليلا واحدا يثبت هذا، ومع ذلك ندع سيد قطب يتكلم بنفسه موقفه ومنهجه في العمل بالقرآن:

يقول: "ومنهجنا في استلهام القرآن الكريم، ألا نواجهه بمقررات سابقة إطلاقًا. لا مقررات عقلية ولا مقررات شعورية -من رواسب الثقافات التي لم نستقها من القرآن ذاته- نحاكم إليها نصوصه، أو نستلهم معاني هذه النصوص وفق تلك المقررات السابقة. لقد جاء النص القرآني -ابتداء- لينشئ المقررات الصحيحة التي يريد الله أن تقوم عليها تصورات البشر، وأن تقوم عليها حياتهم. وأقل ما يستحقه هذا التفضل من العلي الكبير، وهذه الرعاية من الله ذي الجلال -هو الغني عن العالمين- أن يتلقوها وقد فرّغوا لها قلوبهم وعقولهم من كل غبش دخيل، ليقوم تصورهم الجديد نظيفًا من كل رواسب الجاهليات – قديمها وحديثها على السواء- مستمدًّا من تعليم الله وحده. لا من ظنون البشر، التي لا تغني من الحق شيئًا! ليست هناك إذن مقررات سابقة نحاكم إليها كتاب الله تعالى. إنما نحن نستمد مقرراتنا من هذا الكتاب ابتداء، ونقيم على هذه المقررات تصوراتنا ومقرراتنا! وهذا – وحده- هو المنهج الصحيح، في مواجهة القرآن الكريم، وفي استلهامه خصائص التصور الإسلامي ومقوّماته" (سيد قطب؛ خصائص التصور الإسلامي، [15-16]).

ويقول سيد: "إن الطريق الأمثل في فهم القرآن وتفسيره، وفي التصور الإسلامي وتكوينه.. أن يَنفُضَ الإنسان من ذهنه كل تصور سابق، وأن يواجه القرآن بغير مقررات تصورية أو عقلية أو شعورية سابقة، وأن يبني مقرراته كلها حسبما يصور القرآن والحديث حقائق هذا الوجود. ومن ثم لا يحاكم القرآن والحديث لغير القرآن. ولا ينفي شيئًا يثبته القرآن ولا يؤوله! ولا يثبت شيئًا ينفيه القرآن أو يبطله. وما عدا المثبت والمنفي في القرآن، فله أن يقول فيه ما يهديه إليه عقله وتجربته" (الظلال: [7/3730-3731]).

هل سيد قطب يُعَطِّل الفقه أو يُلغيه؟!

يقول سيد قطب: "إن هذا لا يعني -بحال- أن الأحكام الشرعية المنصوص عليها في الكتاب والسنة ليست قائمة الآن فعلا من الوجهة الشرعية. ولكنه يعني فقط أن المجتمع الذي شرعت هذه الأحكام له، والذي لا تطبق هذه الأحكام إلا فيه -بل الذي لا تعيش هذه الأحكام إلا به - ليس قائمًا الآن فعلاً. ومن ثم يصبح وجودها الفعلي معلقًا بقيام ذلك المجتمع.. ويبقى الالتزام بها قائمًا في عنق كل من يسلم من ذلك المجتمع الجاهلي ويتحرك في وجه الجاهلية لإقامة النظام الإسلامي؛ ويتعرض لما يتعرض له من يتحرك بهذا الدين في وجه الجاهلية وطواغيتها المتألهة وجماهيرها الخاضعة للطواغيت الراضية بالشرك في الربوبية" (مقتطفات من الظلال: [2009-2014] وانظر أيضًا -إن شئت-: في ظلال القرآن: [1743-1744] و[2121-2122]).

وأخيرًا في تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ، إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [الأعراف: 170]. يقول سيد قطب: "وهو تعريض بالذين أخذ عليهم ميثاق الكتاب ودرسوا ما فيه ثم هم لا يتمسكون بالكتاب الذي درسوه، ولا يعملون به، ولا يحكمونه في تصوراتهم وحركاتهم ولا في سلوكهم وحياتهم.. غير أن الآية تبقى -من وراء ذلك التعريض- مطلقة، تعطي مدلولها كاملاً، لكل جيل ولكل حالة.

إن الصيغة اللفظية: {يُمَسِّكُونَ} تصور مدلولاً يكاد يحس ويرى.. إنها صورة القبض على الكتاب بقوة وجد وصرامة.. الصورة التي يحب الله أن يؤخذ بها كتابه وما فيه.. في غير تعنت ولا تنطع ولا تزمت..

فالجد والقوة والصرامة شيء والتعنت والتنطع والتزمت شيء آخر.. إن الجد والقوة والصرامة لا تنافي اليسر ولكنها تنافي التميع! ولا تنافي سعة الأفق ولكنها تنافي الاستهتار! ولا تنافي مراعاة الواقع ولكنها تنافي أن يكون (الواقع) هو الحكم في شريعة الله! فهو الذي يجب أن يظل محكوماً بشريعة الله! والتمسك بالكتاب في جد وقوة وصرامة وإقامة الصلاة- أي شعائر العبادة- هما طرفا المنهج الرباني لصلاح الحياة.. والتمسك بالكتاب في هذه العبارة مقروناً إلى الشعائر يعني مدلولاً معيناً. إذ يعني تحكيم هذا الكتاب في حياة الناس لإصلاح هذه الحياة، مع إقامة شعائر العبادة لإصلاح قلوب الناس. فهما طرفان للمنهج الذي تصلح به الحياة والنفوس، ولا تصلح بسواه.. والإشارة إلى الإصلاح في الآية: {إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ}.

فأين قول الشيخ صال آل الشيخ بأن سيد قطب "قدّم معرفة فقه الواقع على ما سماه بفقه الأوراق؛ وذلك أنه قال: إن فقه الأوراق -وهو فقه الكتاب والسنة- أنه يحتاج إليه إذا قامت الدولة المسلمة"؟! بل وأين أن فقه الأوراق هو فقه الكتاب والسنة؟!

تأويل العلمِ العملُ، والفقهُ نتاجُ الحركة

بل إن أصل منهج الإسلام في تربية الأمة ليس هو ملء أدمغتها بالكلام عن الله سبحانه وعن صفاته ونحو ذلك، بل تحويل كل ذلك إلى منهج حياة يضبط السلوك والشعور، وينظم الحياة والخُلُق، فهو كالبناء يصعد شيئاً فشيئًا، ولابنة لبنة، ولا يوضع مقدار من اللَّبِن حتى يجف الذي قبله، ليصبح قادرًا على التحمل، وإلا سقط البناء كله.. وليس هذا خاصًّا بالماديات المحسوسات، بل يتعداه إلى المعنويات أيضًا.

وفي هذا يقول سيد قطب رحمه الله: "إن التصور الإسلامي للألوهية وللوجود الكوني وللحياة وللإنسان، تصور شامل كامل. ولكنه كذلك تصور واقعي إيجابي. وهو يكره -بطبيعته- أن يتمثل في مجرد تصور ذهني معرفي. لأن هذا يخالف طبيعته وغايته. ويجب أن يتمثل في أناسي، وفي تنظيم حي، وفي حركة واقعية.. وطريقته في التكون أن ينمو من خلال الأناسي والتنظيم الحي والحركة الواقعية حتى يكتمل نظريا في نفس الوقت الذي يكتمل فيه واقعيا ولا ينفصل في صورة نظرية بل يظل ممثلا في الصورة الواقعية.. وكل نموٍّ نظريٍّ يسبق النموَّ الحركي الواقعي، ولا يتمثل من خلاله، هو خطأ وخطر كذلك بالقياس إلى طبيعة هذا الدين، وغايته، وطريقة تركيبه الذاتي. والله سبحانه يقول: {وَقُرْآناً فَرَقْناهُ، لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ، وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا}.. فالفرق مقصود. والمكث مقصود كذلك.. ليتم البناء التكويني المؤلف من عقيدة في صورة (منظمة حية) لا في صورة (نظرية معرفية)! يجب أن يعرف أصحاب هذا الدين جيدًا، أنه كما أن هذا الدين دين رباني، فإن منهجه في العمل منهج رباني كذلك، متواف مع طبيعته. وأنه لا يمكن فصل حقيقة هذا الدين عن منهجه في العمل" (في ظلال القرآن: [2/ 1013]).

وأفضِّل أن أقف هنا؛ لأن الأمر ليس الكلام عن منهج سيد قطب، وإنما في هذه المسألة فقط، وقد تبيَّن أن الشيخ صالح حفظه الله لم يُصِب فما نسبه إليه، لا في أوليته وسبق للقول بفقه الواقع، ولا فيما زعم من أن سيد قطب يقول بتقديم فقه الواقع أو فقه الحركة على فقه الكتاب والسنة. وكل يؤخذ من قوله ويُرد إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم.

وتأكيدًا على صلة هذا الكلام بموضوعنا الأصلي: "أعلماء عَلمانيون؟!" وبيان وجه العَلمانية فيه: أن الذين يشتغلون بهذا النوع من الفقه الأرائيتي، غير القابل للتطبيق الآني الواقعي فهم يخرجون بفقههم عن واقع الناس ومجريات حياتهم، فينفصل بذلك فقه الفقهاء وعلم الشريعة عن تصريف حياة الناس، وتلكم هي العَلمانية في طبعتها الفقهية! والله أعلم.

يحسن الاطِّلاع على المقالات التي السابقة ذات العلاقة، ومنها:

أَعُلماء عَلمانيون؟! (13): أول من قال بفقه الواقع

أَعُلماء عَلمانيون؟! (14): سيد قطب مجدد فقه السلف

أعلماء علمانيون؟! (15): سيد قطب وفقه الأوراق

تاريخ النشر: 24 ربيع الآخر 1436 (13‏/2‏/2015)        

أبو محمد بن عبد الله

باحث وكاتب شرعي ماجستير في الدراسات الإسلامية من كلية الإمام الأوزاعي/ بيروت يحضر الدكتوراه بها كذلك. أستاذ مدرس، ويتابع قضايا الأمة، ويعمل على تنوير المسيرة وتصحيح المفاهيم، على منهج وسطي غير متطرف ولا متميع.

  • 2
  • 0
  • 5,378
المقال السابق
(15) سيد قطب وفقه الأوراق
 

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً