لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة

منذ 2015-02-22

الحديث عن اتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو حديث عن الإسلام بتشريعاته وحكمه وآدابه البالغة، إذ هو الذي جاء بهذا الدين من ربه، وبينه عليه الصلاة والسلام في سنته الثابتة عنه.

الحمد لله رب العالمين، نحمده تعالى ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، لك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، نشهد أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين من ربه، فصلوات الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، أما بعد:


عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، وطاعته عملًا بقول المولى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران:102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70-71].


أيها المسلمون: يقول الله تبارك وتعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21]، والأسوة هي القدوة، وهذه الآية من أعظم الآيات التي تدعو المسلمين إلى الاقتداء برسولهم صلى الله عليه وسلم في كافة شؤون الحياة، إذ المسلم ملزم بأن يجعل قدوته رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال اتباع سنته، والسير وفق ما سار عليه صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم.

عباد الله: إن موضوع التأسي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم موضوع هام في حياة المسلمين، وهو من أساسيات عقيدتهم، كيف لا وقد أمرنا الله عز وجل بهذا فقال: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر:7]، ووردت أحاديث عدة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحث على الاقتداء به صلى الله عليه وآله وسلم، والسير على نهجه، وتبين ضرورة وأهمية التأسي به عليه الصلاة والسلام .

والحديث عن اتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو حديث عن الإسلام بتشريعاته وحكمه وآدابه البالغة، إذ هو الذي جاء بهذا الدين من ربه، وبينه عليه الصلاة والسلام في سنته الثابتة عنه، ولذا قال الشافعي: "كل ما حكم به رسول الله فهو مما فهمه من القرآن، ثم أخرج ما يؤيده"(1).
ولو عرجنا إلى كتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم لوجدنا النصوص الكثيرة الدالة على هذا الاتباع، من ذلك:

[1]- قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب:21].
[2]- وقوله: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} [النساء:80].
[3]- و {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر:7].
[4]- و {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام:153].
[5]- و {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران:131].
وهذا كله لأن الله عز وجل قد ذكر عن نبيه صلى الله عليه وآله وسلم {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى . إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:3-4]، وهناك نصوص أخرى تبين أهمية الاتباع للرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم وفضله.

وسنقف مع قضايا يعتقد بعض المسلمين حين يقومون بعملها أنها من سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنهم متبعون للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام فيها، رغم أنهم -وللأسف الشديد- في الحقيقة مبتدعون فيما يقومون به كونها أمور محدثة في الدين لا أصل لها، وهذه الأمور قد تكون على شكل مواسم، أو عبادات معينة، أو غير ذلك، ومن هذه الأمور:

أولًا: بدعة المولد:
وهذه البدعة من البدع التي انتشرت في أوساط المسلمين حتى أصبحت مستساغة لدى كثير منهم، بل نرى كثيرًا من أبناء المسلمين اليوم في أرجاء شتى من بقاع الأرض يستعدون لها، إذ أصبحت عندهم من الأمور التي يتعبدون الله عز وجل بها، ويتقربون بها إليه قاصدين بذلك إظهار محبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الاحتفال، وفي الحقيقة فإن هذا ليس من محبة رسول الله عليه الصلاة والسلام في شيء، ولا من كمال تعظيمه؛ لأن محبته صلى الله عليه وآله وسلم تكون في متابعته وطاعته، واتباع أوامره، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بعث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان، وهذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان.

والمعلوم يقينًا أن هذه البدعة ليست من الدين حيث لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه احتفل بمولده، ولا ثبت عن أحد من أصحابه رضوان الله عليهم أنه احتفل بمولد، فمن هو الأعلم بدين الله: النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصحابته رضي الله عنهم؛ أم من أتى من بعدهم من الناس؟

وإذا تتبعنا كتب التاريخ فإننا نجد أن ما يسمى بالمولد هو بدعة محدثة أول من أحدثها هم الفاطميون في عهد المعز لدين الله الفاطمي العبيدي الباطني من بني عبيد القداح، ومعلوم أن الدولة الفاطمية لم تظهر إلا في عام 322 هـ، ولا يعرف المؤرخون أحدًا قبل الفاطميين احتفل بذكرى المولد النبوي، فإنهم كانوا يحتفلون بالذكرى في مصر احتفالًا عظيمًا بالرغم من أنه لم يثبت تاريخ صحيح في تحديد اليوم الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد جاءت كتب السير والتاريخ لتحدثنا أن النبي عليه الصلاة والسلام ولد يوم الثاني عشر، وأخرى تذكر أنه كان في يوم الرابع عشر، وأخرى يوم السادس عشر، والحاصل أن تاريخ الولادة غير منضبط، إلا أن الثابت قطعًا ويقينًا أنه عليه الصلاة والسلام توفي يوم الثاني عشر من ربيع الأول، فبماذا يحتفلون بالثابت قطعًا أم بالمشكوك في صحته؟.

أيها المسلمون:

لقد وقع "الاختلاف في قضية مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ويجب أن يُعلم أن المتفق عليه أنه ولد في الاثنين، وفي شهر ربيعٍ الأول، والإنسان يجب عليه دائمًا أن يأخذ بما اتُفق عليه أولًا، وأما ما اختلف عليه فيبدأ بعد ذلك بالأقوى، والثابت أنه صلى الله عليه وسلم قد وُلد يوم الاثنين -وهذا قطعيٌ-، ولا يُعلم أن هناك خلافًا في أنه وُلد في غير يوم الاثنين، والأمر الثاني المُتفق عليه أنه وُلد في شهر ربيعٍ الأول، والخلاف هو في أي يومٍ من شهر ربيعٍ الأول وُلد، والذي عليه عامّة الناس في عصرنا أنه يوم الاثنين الثاني عشر ربيع الأول، لكن الأظهر والله أعلم، وما دلت عليه الدراسات المعاصرة؛ أنه وُلد يوم الاثنين التاسع من شهر ربيعٍ الأول، لأن الفلكيين كالعلامة محمود باشا، والمنصور فوزي وغيره ذكروا أنه لا يمكن أن يكون يوم الاثنين في العام الذي وُلد فيه النبي صلى الله عليه وسلم فلكيًا هو يوم الثاني عشر، وإنما هو يوم الاثنين التاسع من شهر ربيعٍ الأول الموافق في السنة الميلادية الثاني والعشرين من شهر إبريل لعام خمسمائة وواحد وسبعين من ميلاد المسيح عليه الصلاة والسلام"(2).

ثانيًا: بدعة الأعياد المحدثة اليوم في عصرنا كعيد الأم، ورأس السنة، وعيد العمال... إلى آخر ما هنالك من الأعياد المحدثة التي جاء الشرع الحنيف ليبطلها: والمعلوم الثابت في كتب السير والأحاديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين قدم إلى المدينة المنورة وجد الناس يلعبون في يومين من السنة؛ فأنكر عليهم، وأخبرهم بوجود يومين آخرين للمسلمين هما: الفطر والأضحى.

وثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قوله: كان لأهل الجاهلية يومان في كل سنة يلعبون فيهما، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة قال: «كان لكم يومان تلعبون فيهما؛ وقد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى» (3)، وهذين هما العيدين الوحيدين للأمة الإسلامية الذين ارتضاهما الله عز وجل للأمة ولا عيد سواهما، بل كل الأعياد سواهما باطلة مردودة في دين الله تبارك وتعالى.

إلا أننا اليوم نجد من المسلمين من يحتفل بعيد رأس السنة، وعيد الأم، وعيد العمال، وعيد الشجرة، وعيد الحب،إلخ... الأعياد التي لم تثبت في ديننا، ولم يقرها الشرع الحيف بل أبطلها وردها، ولو نظرنا إلى هذه الأعياد لوجدنا فيها من المفاسد الكبيرة ما الله به عليم، فمن مفاسدها:

[1]- أن في هذه الأعياد منافاة للهداية التي يطلبها العبد في كل صلاة في قوله: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة:6-7]، فكيف يدعو الله عز وجل أن يهديه الصراط المستقيم، وأن يجنبه صراط المغضوب عليهم، وصراط الضالين؛ ثم هو يناقضها بهذا العمل؛ إذ في هذا الصنيع تشبه باليهود والنصارى فهم أرباب هذه الفكرة، وهم من يقيم هذه الأعياد، ولقد حذرنا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من التشبه بالكفار فجاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم» (4).

[2]- أن في هذا مناقضة لعقيدة الولاء والبراء التي من لوازمها البراءة من أقوال المشركين، وأفعالهم، ومعتقداتهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة:51]، فالبراءة من الكفار مطلب شرعي، والاحتفال بهذه الأعياد مناقض لهذه العقيدة.

[3]- أن في هذا الاحتفال معصية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وعدم السمع والطاعة له، ومخالفة أمره، ففي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وقد أبدلكم الله بهما خيرًا منهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى» "يقتضي الاعتياض بما شرع لنا عما كان في الجاهلية" (5).

[4]- أن في هذا الاحتفال بهذه الأعياد ابتداع في الدين، وإحداث شيء فيه ليس منه، وقد ثبت عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (6).

[5] - أن في الاحتفال بهذه الأعياد إقرارًا لما هم عليه من شعائر الكفر، والعقائد الباطلة، وقد ذكر ابن القيم هذه المسألة فقال: "أعياد الكفار كثيرة مختلفة، وليس على المسلم أن يبحث عنها، ولا يعرفها، بل يكفيه أن يعرف في أي فعل من الأفعال، أو يوم، أو مكان، أو سبب هذا الفعل أو تعظيم هذا المكان أو الزمان؛ من جهتهم، ولو لم يعرف أن سببه من جهتهم فيكفيه أن يعلم أنه لا أصل له في دين الإسلام، فإنه إذا لم يكن له أصل فإما أن يكون قد أحدثه بعض الناس من تلقاء نفسه، أو يكون مأخوذًا عنهم، فأقل أحواله: أن يكون من البدع، ونحن ننبه على ما رأينا كثيرًا من الناس قد وقعوا فيه" (7).

"وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق مثل أن يهنئهم بأعيادهم وصومهم فيقول: "عيد مبارك عليك"، أو "تهنأ بهذا العيد" ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله، وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر، وقتل النفس، وارتكاب الفرج الحرام ونحوه، وكثير ممن لا قدر للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قبح ما فعل، فمن هنأ عبدًا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه" (8).

ثالثًا: من الأمور التي تنافي الاتباع في عصرنا الذكر الجماعي: سواء كان عقب الصلوات، أو في أماكن حلق الذكر التي يجتمع إليها الناس، ويعتقدون أنها من الأمور التي يتقربون بها إلى الله عز وجل، وهي من الأمور التي لم يفعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أصحابه، بل هي بدعة محدثة.

و"كان مبتدأ نشأة الذكر الجماعي وظهوره في زمن الصحابة رضي الله عنهم، وقد أنكر الصحابة هذه البدعة حين ظهرت؛ مما أدى إلى أن قل انتشار هذه الظاهرة، وخبَتْ بسبب إنكار السلف لها، ثم لما كان زمن المأمون أمر بنشر تلك الظاهرة، فكتب إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد يأمره أن يأمر الناس بالتكبير بعد الصلوات الخمس. وكتب يأمره بأخذ الجند بالتكبير إذا صلوا، فبدؤوا بذلك في مسجد المدينة والرصافة يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان من هذه السنة" (9)، وجاء في تاريخ ابن كثير: "وفيها كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد يأمره أن يأمر الناس بالتكبير عقب الصلوات الخمس، فكان هذا مبتدأ عودة ظاهرة الذكر الجماعي إلى الظهور وبقوة بسبب مناصرة السلطان لها، ومن المعلوم أن السلطان إذا ناصر أمرًا أو قولًا ما، ونشره بالقوة بين الناس؛ فلابد أن ينتشر ويذيع، إذ أن الناس على دين ملوكهم، واستمرت هذه الظاهرة منتشرةً بين الرافضة والصوفية ومن تأثر بهم" (10).

ومن خلال هذا الكلام يتبين أن هذه البدعة هي من البدع المحدثة في الأمة، إذ لو لم تكن محدثة لما أنكرها الصحابة رضي الله عنهم حين انتشرت في زمنهم، فمن أعلم بما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالسنة والبدعة: الصحابة رضي الله عنهم أم من يأتي من بعدهم؟

أيها الناس إن أجمل شيء في الحياة هو الالتزام بهذا الدين وفق ما جاء عن الله عز وجل، وما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ وبهذا الالتزام يكون العبد ممن قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيهم: «وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا ملة واحدة، فقيل له: ما الواحدة؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي» [11].

والواجب على كل مسلم حريص على أن يكون حقًا من الفرقة الناجية أن ينطلق سالكاً الطريق المستقيم، وألا يأخذ يمينًا ويسارًا، إذ ليس هناك حزبٌ فائز إلا حزب الله تبارك وتعالى الذي تحدث عنهم القرآن الكريم فقال: {أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة:22]، وكل ما ليس من حزب الله فإنه من حزب الشيطان.

ولا شك ولا ريب أن السلوك على الصراط المستقيم يتطلب معرفة بهذا الصراط المستقيم معرفةً صحيحة، وليس بمجرد التكتل والتحزب الأعمى، بل لا يكون التحزب صحيحًا فالحًا إلا إن كان على كلمة الإسلام الحقة.

نسأل الله عز وجل أن يهدينا سبلنا، وأن يحبب الإيمان إلى قلوبنا، وأن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله رب العالمين.


_________________
[1]- (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح [2/41]).
[2]- (الأيام النضرة والسيرة العطرة لرسولنا صلى الله عليه وسلم [1/14] بتصرف).
[3]- سنن النسائي (1556)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (5/34).
[4]- أبو داود [4033]، وقال الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود [1/2]: حسن صحيح.
[5]- اقتضاء الصراط المستقيم [11/12].
[6]- البخاري [2697]، ومسلم [4589].
[7]- اقتضاء الصراط المستقيم [14/2].
[8]- أحكام أهل الذمة [1/441].
[9]- الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع بتصرف [1/6].
[10]- الذكر الجماعي بين الاتباع والابتداع [1/6].
[11]- المستدرك [444]، وحسنه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير [20/46].

  • 2
  • 0
  • 7,556

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً