ولاية المُـتغلب - ولاية المتغلب (10): على هامش ولاية المتغلب

منذ 2015-03-02

كل قولي هذا ومنقولي حول ولاية المتغلب، لستُ أدعُ إلى خروج أهوج أو منطق أعوج ولا منهج أدعج ... وإنما أبيِّن الحقيقة وأصحح المفهوم.

تنبيهات:

كل قولي هذا ومنقولي حول ولاية المتغلب، لستُ أدعُ إلى خروج أهوج أو منطق أعوج ولا منهج أدعج ... وإنما أبيِّن الحقيقة وأصحح المفهوم.. فأنا لا أدعو، بل لا أجيز للمسلمين في الأندلس المسلم(إسبانيا) أن يخرجوا على ملوك الكفر ونظام الكفر هناك، رغم أن من يحكمهم كافر بلا شبه، وأن البلاد بلاد المسلمين بلا شك... لا لحرمة الخروج في ذاته، ولكن لأن القواعد الشرعية تقول: "الأمور بمقاصدها" وتقول: "للوسائل أحكام الغايات" وتقول: "لا ضرر ولا ضرار"، وفيها " فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد"...[ والفاهمْ يَفْهَمْ ]..

بدأتـم فتمموا

بل لم أكن أدعو أهل سوريَّا إلى الخروج المسلح على الكافر بشار، ولكنها معركة فُرِضت عليهم لم يختاروها، وأمرٌ بدؤوه فوجب عليهم إتمامُه، لأن الوقوف عند هذا الحد مفسدته أعظم مما يحدث وهم يقومون ضده، وقد استبان الصبح للأعشى فضلا عن ذي عينين، وأن المعركة تحالف صليبي صفوي ضد المسلمين، وأنهم ماضون وإن توقف المسلمون...فهنا يقال لهم: بدأتـم فتمموا، ولا تتوَلَّوا يوم زحفكم هذا، وإن سالت فيه دماء..

كما وأن صبر المصريين على (ولاية) المنقلبين سيكون أفدح ضريبة وأكثر ضررًا مما لو واصلوا كفاحهم السلمي، مهما كانت خسائره تبدو فادحة، حتى يُقدِّر الله أمرًا، فإن المواجهة– والحال كما يظهر أفدح، وللمشروعية أقدح.

وعليهم أن يحافظوا على إسلامهم، وعلى سلميتهم ما أمكن، فإنهم رغمه وبه في جهــاد، حيث إنهم يهتفون بكلمات حقّ عند سلطان ظالم..

قام الربيع العربي في الجزائر في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، ولم نكن نحب للمسلمين آنذاك على شبابيتنا حينذاك أن يدخلوا معتركًا ليسوا عليه بقادرين، ولا لانتصاره بحافظين.. ولكن بدأوا فأَتَمُّوا حتى خرجوا من النافذة بعد أن دخلوا من (باب) وليس (الباب)!

تحت الصفر

ثم صعَّدوا وحملوا السلاح وصعدوا الجبال ثم ترَدَّوْا من شواهقها.. وما كان لهم أن يفعلوا.. وما كنا نحب لهم ذلك.. وقد أفتاهم مشايخ مشاهير، منهم الشيخ الألباني رحمه الله، لما سألوه عن الخروج على الحاكم الجزائري.. فأجابهم بأنه: إذا كان لديكم القدرة المادية والإيمانية فَعَجِّلوا.!!. ثم ما لبثوا إلى أن عادوا، لا إلى نقطة الصفر فحسب.. بل إلى عشرات من الأعداد السالبة، وعادوا بلا قضية، كلّ همهم ومطلبهم أن يعيشوا في حالة مدنية بأمان!

أكرر أنَّ مرادي في هذا البحث هو التأكيد على عدم شرعية هؤلاء الحكام، وعدم مشروعية طاعتهم، وعدم ثبوت ولايتهم، وحرمة مبايعتهم شرعًا، لا الدعوة إلى الخروج عليهم من غير حساب.. لأنه لا تلازم مطلقًا، وأن معاملتهم تمامًا كما تعامل النبي صلى الله عليه وسلم  مع حكام مكة من قريش، فقد كان يحكمها أبو جهل وأبو سفيان وأمية وأبو البحتري وعقبة وعتبة وشيبة والوليد مِن رؤوس الكفر آنذاك... وكان النبي صلى الله عليه وسلم  يعلم أنهم كفار بلا شك، وأنهم لا يحكمون بما أنزل الله بلا ريب، ولا يعتقدون أصلا عقيدة التوحيد، فضلا عن تطبيق شريعته.. ومع ذلك لم يحمل سلاحًا، ولم يخرج عليهم بقتال، وكان يقول لأصحابه المستعجلين رضي الله عنهم: «لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم » ويتلو عليهم قول الله تعالى: {كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}[النساء:77].. وكونه لم يخرج عليهم بحرب وسلاح لا يعني أنه كان يسمع ويطيع، حتى حين قالوا له: تعبد إلهنا شهرًا ونعبد إلهك شهراً، فلم يُطعهم في شهرهم ويعصهم في شهره.. وإنما عصاهم في الكل، لأنهم ليسوا أهلا للطاعة أصلا.. فعاش مستضعفًا، ثابتا على مبادئ دعوته، حتى جعل الله له ولأصحابه مخرجًا، ورزقه مأمنا يُعِد فيه العدة من الرجال والمال والنصال والنبال.. ثم أوقف قريشاً عند حدها، وأظهره الله عليها.

لا سواء

ولا تستوي بقاع الأرض اليوم، ولا يشملها حكمُ واحد، فلكل موقعٍ واقعه، ولكل ناحية من أرض خصائصها وملابساتها، فمن أمَر أهل العراق الآن وسوريَّا  أو حماس في غزة بكف الأيدي أو أمر المسلمين بفرنسا بالنفير فيها والثورة عليها سيَّان، فما حلَّ في بلد مُنِع في آخر.. مع بقاء الذكر بأن العالم اليوم رغم انفصال دوله فهو كقرية واحدة، تقاربت شوارعها بالتطور التكنولوجي وبالهيمنة الغربية عليه، فما أصبحت كثير من الدول إلا كمحافظات صغيرة عاصمتها واشنطن، ورئيسها رئيسها.

حين تُفرض المعركة

ولما فُرِضت عليه المعركة في بدر وأحد توكل على الله  وعزم.. فحتى في بدر لم يكونوا يقصدون الحرب، ولكن أمر أراده الله فقضاه: {وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا}[الأنفال:42]، وما كانوا يريدون ذات الشوكة: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ، وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}[الأنفال:7]. فحين يكون المسلمون في مستوى حمل الأمانة، ويكونون في مقام قيادة الأرض والجموع البشرية، حينها يأذن الله تعالى  بفرج، ويهيئ أسبابه، ولو كان فيما تكرهه نفوس المؤمنين، وخلاف ما يريدون، كما في يوم بدر، ومع ذلك جعله الله فرقانًا بين الحق وأهله وبين الباطل وأهله، فرقانا إلى قيام الساعة، أظهر الله فيه الدين للعالمين، ولا يزال ظاهرًا إلى قيام الساعة.

تحويل الهزيمة إلى نصر.. والعكس

ولمَّا فُرِضت عليهم – ثانية  في أُحُد لم يتأخروا عنها، بل تمموها رغم الخسائر البشرية والهزيمة العسكرية، فقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم متابعة ومطاردة لجيش قريش، حتى بلغ حمراء الأسد، ومن وراء ذلك أهداف حربية وسياسية وتربوية:

 - منها محوِ آثار هزيمة جيشه بالأمس وتحويلها إلى نصر.

- ومنها رفع معنويات المسلمين، وتعليمهم –عمليا  أن لكل جواد كبوة، وأن صفحة سوداء لا تُلغي بياض الكراسة، وأن هزيمة يوم ليست نهاية المطاف، ولا نهاية العالم.

 - ومنها قطع طمع الطامعين في ضعف المسلمين وانكسار قوتهم.

- ومنها إرعاب وإرهاب جيش قريش المنتصر بالأمس، وتحويل غلبته إلى هزيمة تنتهي بالفرار من أمام جيش الأمس، لذلك لم يأذن بالخروج معه لغير من شهد غزوة أحد.

ويمكن مراجعة المقالات السابقة من هذه السلسلة: 

                                                 ولاية المتغلب (1) من هو المتغلب؟ وما ولايته؟

                                                ولاية المتغلب (2): من هو الحاكم المطاع؟

                                             ولاية المتغلب (3): الدليل الثاني: يقودكم بكتاب الله ويقيم فيكم الدين

                                             ولاية المتغلب (4) استتبابُ الأمن وسكونُ الدهماء

                                              ولاية المتغلب (5): الخليفة الثاني والطالب الحريص

                                          ولاية المتغلب(6): المتغلب على حي والمتغلب في فراغ

                                              ولاية المتغلب (7): حملوا السلاح علينا. فليسوا مِنَّا

                                               ولاية المتغلب (8): شرط الإسلام في الولاية

                                             ولاية المتغلب (9): ملخص شروط وموانع طاعة المتغلب

                                                ولاية المتغلب (11): ومِن التشبُّه بالكفار!

تاريخ النشر: 11 جمادى الأولى 1436 (2‏/3‏/2015)

أبو محمد بن عبد الله

باحث وكاتب شرعي ماجستير في الدراسات الإسلامية من كلية الإمام الأوزاعي/ بيروت يحضر الدكتوراه بها كذلك. أستاذ مدرس، ويتابع قضايا الأمة، ويعمل على تنوير المسيرة وتصحيح المفاهيم، على منهج وسطي غير متطرف ولا متميع.

  • 2
  • 2
  • 9,760
المقال السابق
ولاية المتغلب (11): ومِن التشبُّه بالكفار!
 
  • Anass RAKIB

      منذ
    السلام عليكم أنا لا أتفق معك بل أرى عكس ما قلت . لن أطيل الكلام ، فبسردك إقرار لوجود علماء اللذي مافئت أن أثبت لهم بالأغلبية وهذا كاف بعدم التورط في قبول فكرة مناقشة بحثك! لن يستطيع المرأ أن ينصح بمفرده و بعيدا عن كل واقع يدافع عن نفسه . ودليله لن تفصح عن جرح ولو آلمك وهو ما وقع حين خالف ممن انتسبوا للنظال والمواطن العلماء و أخرقوا سفن الامن والاستقرار و أغرقوا الناس في بحر الدماء بزعم أنه لا وطاعة ولا بيعة لفاسق

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً