كيف تدعو جارك؟

منذ 2015-04-25

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما زالَ يوصيني جبريلُ بالجارِ حتَّى ظنَنتُ أنَّهُ سيورِّثُهُ.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي بيده مقاليد السموات والأرض، وهو يجير ولا يُجار عليه، وهو العزيز الحكيم. والصلاة والسلام على الرسول الكريم، خير الخلق، وأكرم الرسل، وأعظم البشر، محمد بن عبد الله، رحمة الله المهداة ونعمته السابغة. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ومصطفاه، أما بعد:

ابتهال:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ من جارِ السُّوءِ في دارِ المُقامةِ، فإنَّ جارَ الباديَةِ يتحوَّلُ»[1].

استهلال:

إنَّه وصية خير الملائكة جبريل عليه السلام لخير البشر محمد عليه الصلاة السلام!
إنَّه الجار.. قريب الدار وشريك الجدار.

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما زالَ يوصيني جبريلُ بالجارِ حتَّى ظنَنتُ أنَّهُ سيورِّثُهُ»[2].

فحقه من آكد الحقوق، وواجباتك نحوه من أولى الواجبات، فخير الخلق خيرهم لجاره، ولا خير فيمن يبخل بالخير على لصيق داره.

فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيْرُ الْأَصْحابِ عِنْد اللهِ خيْرُهُم لِصَاحِبِه، وخيْرُ الجيرانِ عنْدَ اللهِ خيْرُهُم لِجارِه»[3].

ولو لم يكن من أهميته إلا أنه شاهد لك بالخير أو عليك بغيره، لكفى داعيًا في الاهتمام به ومرغبًا بالرعاية له والعناية بحقه.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلمٍ يموتُ فَيَشْهَدُ لهُ أربعَةٌ أهلُ أَبْياتٍ من جِيرَانِهِ الأَدْنَيْنَ أنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ إلَّا خيرًا؛ إلَّا قال اللهُ: قد قَبِلْتُ عِلْمَكُمْ فيهِ، وغَفَرْتُ لهُ ما لا تعلمُونَ»[4].

خطة العمل!

من أين البداية؟ وأين تكون النهاية؟!

اقرأ معي هذه الرواية!:

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إن لي جارَيْنِ، فإلى أيِّهِما أُهدِي؟ قال: «إلى أقرَبِهِما منكِ بابًا»[5].

حدود منطقة العمل!

مائة وستون بيتًا على الأقل أنت مطالب بدعوتهم إلى الخير، فعن الحسن البصري رحمه الله أنه سُئل عن الجار؟ فقال: "أربعين دارًا أمامَه، وأربعين خلفَه، وأربعين عن يمينه، وأربعين عن يساره"[6].

وتأمل معي لو أن كل واحد منا دعا عُشر معشار هذا العدد، فكم سنغنم؟!

أنت الرابح!

فبالإضافة للأجور العظيمة والحسنات الكريمة التي تفوز بها عند دعوته وحصول صلاح سيرته وصفاء سريرته، إلا أنك بدعوته تغنم خيره وتسلم شرَّه، وتكسب ودَّه وتدفع صدَّه، وتنال معروفه وتنجو من أذاه.

وحسبك من الخير أن يأتي في ميزان حسناتك يوم أن تلقى الله!

فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه يوم خيبر: «انْفُذْ على رسلِك حتى تنزلَ بساحتِهم، ثم ادعُهم إلى الإسلامِ، وأخبرْهم بما يجبُ عليهم من حقِّ اللهِ فيه، فوالله لأَن يهديَ اللهُ بك رجلاً واحداً، خيرٌ لك من أن يكونَ لك حُمْرُ النَّعَمِ»[7].

ومن أعظم أسباب السعادة في دار العبادة أن يكرمك مولاك بجارٍ صالح ناصح تأمنه على عرضك ومالك، وتسلم من غدره ومكره وتنجو من غوائله وبوائقه.

فعن نافع بن الحارث، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سعادةِ المرءِ المسلمِ: المسكنُ الواسعُ والجارُ الصالحُ والمركَبُ الهَنِيءُ»[8].

سر القضية!

إنك أخي الداعية لن تسع الناس بمالك أو جاهك، ولن تملكهم بقوتك وسطوتك، ولن تخضعهم بمكرك وكيدك، ولن تصل إلى قلوبهم وعقولهم إلاَّ بإحسانك إليهم، وعطفك عليهم، ولطفك معهم، وحسن معاشرتك لهم، ومزيد اهتمامك بهم، فكن لينًا هينًا، سمحًا قريبًا، سهلًا حبيبًا، ولا تكن فضًا غليظًا، فتُهجَر، أو قاسيًا يابسًا، فتُكسَر، أو شديدًا عنيدًا، فتَخسر!
قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران من الآية:159].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه من أُعطِيَ حظَّه من الرِّفقِ فقد أُعطِيَ حظَّه من خيرِ الدنيا والآخرةِ، وصلةُ الرَّحم، وحسنُ الخُلُقِ وحسنُ الجوارِ يٌعمَّرانِ الدِّيارَ ويزيدانِ في الأعمارِ» [9].

والإحسان إلى الجار من أعظم علامات المؤمنين الأبرار..

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ المحارمَ تَكن أعبدَ النَّاسِ، وارضَ بما قسمَ اللَّهُ لَكَ تَكن أغنى النَّاسِ، وأحسِن إلى جارِكَ تَكُن مؤمنًا، وأحبَّ للنَّاسِ ما تحبُّ لنفسِكَ تَكن مسلِمًا، ولا تُكثرِ الضَّحِكَ فإنَّ كثرةَ الضَّحِكِ تميتُ القلبَ»[10].

"أحسن على الناس تستعبد قلوبهمُ فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ"[11].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّكم لن تَسَعوا الناسَ بأموالِكم، ولكن يَسَعهم منكم بَسْطُ الوجهِ وحُسْنُ الخُلُقِ»[12].

وحرمان الجار من الفضل، والشُح معه والبخل من أكبر علامات ضعف الإيمان بالواحد الديَّان..

فعن عبد الله بن المُساوِر رحمه الله قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يخبر ابن الزبير رضي الله عنهما يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليسَ المؤمنُ الَّذي يشبَعُ وجارُهُ جائعٌ»[13].

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كَمْ من جَارٍ مُتَعَلِّقٍ بِجارِهِ يقولُ: يا رَبِّ سَلْ هذا لمْ أغلقَ عَنِّي بابَهُ ومَنَعَنِي فضلهُ؟»[14].

وإذا كان البخل بالفضل بالدنيا مذمومًا، فكيف بالدين؟!

فعليك بحسن الخلق، ولين الجانب، وطيب المعشر، وجمال المخبر والمظهر، لتفوز بدعوة جارك إلى الالتزام بشرائع الإسلام دون أن تنبس بكلمة أو تتحدث بجملة، فنحن في حاجة لِفعالِك أكثر من حاجتنا لمقالك!

فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الرجلَ ليُدرِكُ بحُسنِ خُلُقِه درجةَ القائمِ بالليلِ الظامئِ بالهواجِرِ»[15].

 من صور الإحسان إليه، وتقديم المعروف له:

- المشاركة في أفراحه ومناسباته السعيدة، بحضورها، وتهنئته بها، وخدمته فيها، وإعانته عليها، ومشاركته في إعدادها والقيام بلوازمها، وتوزيع وسائل الخير من كتب وأشرطة ومطويات فيها.

فعن أنس رضي الله عنه قال: أن جارًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فارسيًّا، كان طيِّبَ المرق، فصنعَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاء يدعوهُ. فقال: «وهذه؟» لعائشةَ. فقال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا». فعاد يدعوه.. فقال: «وهذه؟» قال: نعم. في الثالثة، فقاما يتدافعانِ حتى أتيا منزلهُ [16].

- دعوته لحضور المناسبات السعيدة التي عندك، ووضعه في مكانه اللائق بمثله، وإظهار الحفاوة والعناية به والرعاية له، ولا بأس من تكليفه ببعض المهام ليشعر بمحبتك له وقربك منه وثقتك به.

فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومن كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلْيُكرِمْ جارَه»[17].

- زيارته في الله تبارك وتعالى، وإشغال مجلسه بالذكر والخير.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبدٍ أَتَى أخًا لهُ يَزُورُهُ في اللهِ إلَّا نادَى مُنادٍ مِنَ السَّماءِ: أنْ طِبْتَ وطَابَتْ لكَ الجنةَ، و إلَّا قال اللهُ في مَلَكُوتِ عَرْشِهِ: َبْدِي زَارَ فِيَّ، وعليَّ قِرَاهُ، فلمْ أَرْضَ لهُ بِقِرًى دُونَ الجنةِ»[18].

- تقديم الهدايا إليه، فإن النفوس مجبولة على محبة من أهدى إليها وجاد بالفضل عليها.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «تَهادوا تحابُّوا»[19].

وعن أنس رضي الله عنه قال: "يا بني! تباذلوا بينكم، فإنَّه أودُّ لما بينكم"[20].

- عيادته في مرضه، واستغلال ذلك في دعوته، وتذكيره باللجوء إلى الله تعالى، والاستعانة به، والاعتماد عليه، فالمريض في حالة ضعف بشري ينتظر اليد الحانية التي تمتد له بالصلة والمعروف، وينبغي تذكيره بوجوب التوبة من الذنوب وردِّ المظالم إلى أهلها وإرجاع الحقوق إلى أصحابها.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمَرِض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يَعودُه، فقعد عند رأسه، فقال له: «أسلِمْ». فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطِعْ أبا القاسمِ، فأسلَم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: «الحمدُ للهِ الذي أنقَذه من النارِ»[21].

- حفظ عرضه وماله من بعده حال غيابه، والقيام على مصلحته إلى حين حضوره وإيابه.

فعن جابر وأبي طلحة الأنصاري رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من امرئٍ يخذل امرءًا مسلمًا في موطنٍ يُنتَقَصُ فيه من عِرضِه، ويُنتهَكُ فيه من حُرمتِه، إلا خذله اللهُ تعالى في موطنٍ يحبُّ فيه نُصرتَه، وما من أحدٍ ينصر مسلمًا في موطنٍ يُنتقَصُ فيه من عِرضِه، ويُنتهَكُ فيه من حُرمتِه، إلا نصره اللهُ في موطنٍ يحبُّ فيه نُصرتَه»[22].

- إيثاره بالمنافع وتقديمه على النفس بالمصالح (كموقف السيارة والإيثار بالظل إماطة الأذى وإبعاد القذر عن بابه.. وغيرها).

- مناصرته حال وقوع الظلم عليه والوقوف معه عند التعدي عليه والإساءة إليه في الغيب والشهادة.

فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نصَر أخاهُ بظهرِ الغيب، نصرهُ الله في الدنيا والآخرةَ»[23].

- الوقوف معه حال الأزمات وحصول المصائب عليه كموت أحد أقاربه أو حصول حادث عليه أو غير ذلك من مصائب الدنيا ومصاعب الحياة، فهو من أحق الناس بحسن رعايتك وعنايتك عندما يحتاج إليك.

فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عَزَّى أخاهُ المؤمنَ في مصيبةٍ كساهُ اللهُ حُلَّةً خضراءَ يُحْبِرُ بها» قيل: ما يُحْبِرُ بها؟ قال: «يُغبطُ بها»[24].

وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اصنَعوا لآلِ جعفرٍ طعامًا، فإنَّهُ قد أتاهم أمرٌ شَغلَهُم»[25]. وذلك عندما بلغه استشهاد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في مؤته.

- إكرام ضيوفه في غيبته وحضوره، بإبداء الترحاب بهم ودعوتهم والقيام بخدمتهم وتقديم الهدايا الدعوية لهم كالكتيبات والأشرطة والمطويات وغيرها.

- الذود عنه في المجالس، والذب عن عرضه عند منتقصيه والطاعنين فيه، فحالما يبلغه عنك مدافعتك عنه ومناضلتك دونه، فإنه سيقبل منك نصحك وسيأخذ عنك دعوتك، لأنه يرى أن لك فضلًا عليه، بل سيحاول الاقتداء بك والتأسي بفعلك، وردِّ الجميل لك.

فعن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن ذَبَّ عَن عِرْضِ أخِيهِ بِالغِيبةِ، كان حقًّا على اللهِ أنْ يُعْتِقَه من النارِ»[26].

- التوسعة عليه بما وسَّع الله به عليك من طعام وشراب وفراش ولباس، فرُبَّ لقمةٍ مهَّدت الطريق لكلمةٍ!

فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: إنَّ خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني: «إذا طبخْتَ مرَقًا فأَكثِرْ ماءَه، ثم انظُر أهلَ بيتٍ من جيرانِك فأَصِبْهم منها بمعروفٍ»[27].

- التعاون معه على فعل الخير، والتناصر على بذل المعروف، والتكاتف على صنائع الإحسان.

فعن عمر رضي الله عنه قال: "كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد -وهو من عوالي المدينة- وكنا نتناوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك"[28].

- ابتسم من فضلك!

فبالابتسامة تنشرح الصدور لك، وترتاح القلوب إليك، وتأنس النفوس بك.
فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «لا تحقرَنَّ من المعروفِ شيئًا، ولو أن تلقَى أخاك بوجهٍ طلِقٍ»[29].

- إني أحبك في الله!

كم لهذه الكلمة من أثر عظيم في نفس كلِّ كريم!

فأخبره بحبك له، وخوفك عليه، وحرصك على مصلحته، حتى تفتح الأبواب المغلقة بينك وبينه، وتزال العوائق في الوصول إلى قلبه وعقله.

فعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أحبَّ أحدُكم أخاه فليُعْلمَه إيَّاه»[30].

- لا تتعدى عليه، أو تسيء إليه، فلا يرى منك إلا خيرًا، ولا يعرف منك إلا معروفًا.

فعن المقداد بن الأسود قال: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم عن الزنى؟ قالوا: حرام، حرَّمه الله ورسوله، فقال: «لأَنْ يزنيَ الرجلُ بعشرِ نِسوةٍ أيسرُ عليه من أنْ يزنيَ بامرأةِ جارِه». وسألهم عن السرقةِ؟ قالوا حرامٌ، حرَّمه اللهُ عزَّ وجلَّ ورسولُه، فقال: «لَأَنْ يسرقَ من عشرةِ أهلِ أبياتٍ أيسرُ عليه من أن يسرقَ من بيتِ جارِه»[31].

- كفَّ الأذى عنه، وعدم التعرض له بما يسخطه ويغضبه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن كان يُؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ، فلا يُؤذِ جارَهُ»[32].

وعن فضالة بن عبيد رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أُخْبِرُكُمْ بالمؤمنينَ؟ مَنْ أَمِنَهُ الناسُ على أَمْوَالِهمْ وأنْفُسِهمْ، والمسلمُ مَنْ سَلِمَ الناسُ من لسانِهِ ويَدِه، والمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نفسَهُ في طَاعَةِ اللهِ، والمُهاجِرُ مَنْ هجرَ الخَطَايا والذَّنُوبَ»[33].

- الصبر على ما يبدر منه من زلل، وما يحدث من خلل، وعدم إظهار الغضب منه عند خطئه وتعديه إلاَّ حال تمرده وتماديه.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَفَّ غضبَهُ كَفَّ اللهُ عنهُ عذابَهُ، ومَنْ خزنَ لسانَهُ سترَ اللهُ عَوْرَتَهُ، ومَنِ اعْتَذَرَ إلى اللهِ قَبِلَ اللهُ عُذْرَهُ»[34].

وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كظمَ غيظًا وَهوَ يستطيعُ أن ينفذَه دعاهُ اللَّهُ يومَ القيامةِ علَى رءوسِ الخلائقِ حتَّى يخيِّرَه في أيِّ الحورِ شاءَ»[35].

- القيام بحقوق المسلم نحو أخيه المسلم كاملة معه، فهي تقرِّب النفوس، وتشد من الأواصر، وتنمي الروابط، وتؤلف بين القلوب.

فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "أمَرَنا النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بسبعٍ: بعيادةِ المريضِ، واتباعِ الجنائزِ، وتشميتِ العاطسِ، ونصرِ الضعيفِ، وعَونِ المظلومِ، وإفشاءِ السلامِ، وإبرارِ المُقسِمِ"[36].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حقُّ المسلمِ على المسلمِ ستٌّ». قيل: ما هنَّ يا رسولَ اللهِ؟! قال: «إذا لقِيتَه فسلِّمْ عليه، وإذا دعاك فأَجِبْه، وإذا استنصحَك فانصحْ له، وإذا عطِس فحمِدَ اللهَ فشَمِّتْهُ، وإذا مرِضَ فعُدْهُ، وإذا مات فاتَّبِعْهُ»[37].

والمقصود أن بذل المعروف إليه، وكف الأذى عنه، واحتمال ما يأتي منه، وإدخال السرور عليه، ودفع الشرور عنه من أعظم أسباب نجاح دعوتك معه، وفوزك بقبوله لك ولما يأتي منك.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه وسلم: «أفضلُ الأعمالِ أن تُدخلَ على أخيكَ المؤمنِ سرورًا، أو تقضيَ عنه دينًا، أو تطعمهُ خبزًا»[38].

- باع أبو الجهم العدويُّ دارَه بمائة ألف درهم، ثم قال: فبكم تشترون جوار سعيد بن العاص؟ قالوا: وهل يُشترى جِوارٌ قط؟! قال: ردُّوا عليَّ داري، ثُمَّ خذوا مالًكُم، لا أدع جوار رجلٍ إن قعدت سأل عنِّي، وإن رآني رحَّب بي، وإن غبتُ حفظني، وإن شهدت قرَّبني، وإن سألته قضى حاجتي، وإن لم أسأله بدأني، وإن نابتني جائحةٌ فرَّج عنِّي. فبلغ ذلك سعيد بن العاص، فبعث إليه بمائة ألف دِرهم[39].

- وسائل دعوية ناجحة:

-- الاشتراك في مجلة إسلامية، وإهدائها إليه أو إعطائه المجلات القديمة التي تمت قراءتها والانتهاء منها.

-- الكتب النافعة التي تحل قضاياه وتعالج رزاياه، وتُصلح عيوبه، وعليك أن تحتال في إيصالها إليه، فمرة في يده وأخرى في مركبته أو مجلسه، وغير ذلك مما يمكنك من إيصالها إليه. 

-- تعليق لوحة دعوية في مدخل المنزل إذا كان مشتركًا تُعلَّق بها الفتاوى والحِكم والأحكام والمواضيع المناسبة لِما يقع فيه من ذنوب وعيوب.

-- الشريط المؤثر لمن يحب من المشايخ والدعاة، ويُستحب ترغيبه فيه قبل إهدائه إليه.

-- إعطاءه بعض أشرطة (الفيديو) الإسلامية الخالية من المخالفات الشرعية لمن لديه جهاز (الفيديو) ويغلب عليه استخدامه في الشر، فيهدى إليه أشرطة تتحدث عن قضايا المسلمين أو معاناتهم وما يقع عليهم من حروب وكروب.

-- طرق الباب عليه عند الخروج من المنزل لأداء الصلاة وكذلك بالهاتف، وخصوصًا في صلاتي الفجر والعصر.

-- الرسالة المؤثرة التي تزين بجميل العبارة ولطيف الإشارة، وإرسالها إليه بأيِّ طريقة مناسبة، كوضعها في سيارته أو عن طريق البريد، والمهم أن توضع في مكان مناسب لا تُفتح من غيره، فيقع ما لا تحمد عقباه من التشهير به والتعدي عليه.

-- النصيحة الفردية، والمجادلة بالتي هي أحسن، والتذكير بالآخرة، ووجوب الاستعداد بالزاد ليوم المعاد، فإنَّ من حقوقه عليك أن تنصحه إذا أخطأ، وتذكره إذا نسي، وتنبهه إذا غفل.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للمؤمنِ علَى المؤمِنِ ستُّ خِصالٍ: يعودُهُ إذا مرِضَ، ويَشهدُهُ إذا ماتَ، ويُجيبُهُ إذا دعاهُ، ويسلِّمُ علَيهِ إذا لقيَهُ، ويشمِّتُهُ إذا عطسَ، وينصَحُ لَهُ إذا غابَ أو شَهِدَ»[40].

-- الهجر الشرعي لفترة من الزمن، فلعلَّه أن يرعوي عن غيِّه، وينزجر عن تمرده، إذا غلب على الظن أن الهجر سيؤثر فيه.

-- دعوته لحضور الرحلات الجماعية والنزهات الترفيهية مع بعض الصالحين مع إعداد برنامج دعوي متكامل لهذه النزهات.

-- دعوة أهله للمحاضرات النسائية عن طريق النساء ومحاولة التأثير عليهم دعويًا عن طريق اللقاءات بالصالحات وحضور المحاضرات وغيرها، فهذا من أقصر الطرق للوصول لرب الأسرة.

-- الحرص على حضوره للمحاضرات العامة للعلماء والدعاة وطلاب العلم بدعوته إليها، وترغيبه فيها. 

-- تنسيق الزيارات الجماعية إليه في بيته مع جماعة الحي أو جماعة المسجد.

-- الدعاء له بالهداية والاستقامة على أمر الله تعالى، فكل الخلق ضال إلا من هداه مولاه.

-- السفر معه للحرم المكي لأداء العمرة أو لزيارة المسجد النبوي، فإنها تطهر النفوس وتبرئ العيوب وتنفي الذنوب.

فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تابعوا بين الحجِّ والعمرة، فإنهما ينفيانِ الفقر والذنوب، كما ينفي الكيرُ خبَثَ الحديدِ والذَّهبِ والفضَّةِ، وليسَ للحَجَّةِ المبرورةِ ثوابٌ إلَّا الجنَّةُ»[41].

-- زيارته بطلاب العلم والدعاة في بيته أو دعوته إليهم عند حضورهم في بيتك.

-- الإجابة على أسئلته الدينية عن طريق إيصاله بالعلماء والمفتين لحل مشاكله والإجابة على أسئلته.

- احذر.. تسلم!:

-- احذر من قبول المنكر منه، والرضا به، ومشاركته فيه، فلو عرض عليك أن يقدم لك خدمة محرمة أو ما فيه شبهة، فلا تقبل منه، ولا يطرحك الخجل بين يديه، فتشاركه فيه.

-- السكوت المخزي، والمداهنة الممقوتة، والمجاملة الذليلة التي تسمح لك برؤية المنكر وسماع السوء، والعلم بالمعصية التي يجاهر بها، ويستعلي بفعلها دون أن يتمعر وجهك غضبًا لله تعالى أو تقوم بواجب الإنكار عليه، وعدم الرضا بما هو فيه، كرفع صوت الموسيقى عاليًا، وخروج الخادمات والنساء المتبرجات في سفور سافر دون حجابٍ ساتر.

-- الحذر من التجسس عليه، وتلقط أخباره، وتصيد عثراته، وترصد زلآَّته، بحجَّة دعوته إلى الخير وأمره بالمعروف.

فعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّكَ إن اتّبعتَ عَورَات الناس أفسَدتَهَم أو كَدتَ أن تُفسِدهَم»[42].

-- التخلي عنه وقت حاجته لك، وخذلانه عند فزعه إليك واستعانته بك، وعدم مد يد العون إليه في حال فقره وحاجته وجوعه ومسغبته.

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس المؤمنُ الذي يَبيتُ شبعانًا وجارهُ جائعٌ إلى جنبِه»[43].

- وآخر العلاج الكي!:

قد يعجزك هذا الجار في دعوته، ويسد عليك المنافذ في الوصول إليه والتأثير فيه، ويكون ممن ساء فعله، وقبح عمله، ولم يستخفِ به، بل تعدى شره غيره وعم ضرره بين الناس، وأصبح يروج المنكر، ويشيع الفاحشة، وينشر السوء، وحاولت دعوته، وسلكت كل السبل في هدايته، وتحذيره من غوايته، ولكنه سادرٌ فيها، ناشرٌ لها، مدافع عنها، فلا بأس عليك أن تستدعي عليه السلطات أو الهيئات حتى يؤخذ على يديه، ويعاقب على فعلته، ويحاسب على جريرته، فإن من الناس من لا يصلحه إلا القوة والأخذ على يده بقسوة، شريطة أن لا يعلم بك أو يعرف بأمرك، وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جاره، فقال: «اذهب، فاصبِر»  فأتاه مرتين أو ثلاثًا. فقال: «اذهَب فَاطرَح متاعَكَ في الطريقِ». فطرح متاعه في الطريق، فجعل الناس يسألونه، فيخبرهم خبره، فجعل الناس يلعنونه: فعل الله به، وفعل، وفعل، فجاء إليه جاره، فقال له: ارجع لا ترى مني شيئًا تكرهه[44].


الخاتمة:

سؤالٌ واحد أهتف به في سمعك قبل أن أُودِّعك، لتحاسب به نفسك قبل أن يُحاسبك ربك، فبين يديه الإياب، وعليه الحساب ماذا بذلت لدعوة جارك؟!

هل بذلت وسعك في دعوته؟!

هل أنت صادق في محبته؟! هل أنت مشفق عليه من غفلته؟!

أعتقد أن التقصير كبير عند الكثير لما نراه من كثرة الغافلين، ووفرة المعرضين، ويا ليت شعري كيف نجود بشيء من دنيانا لجيراننا، ثم لا نجود عليهم بدعوتهم للتمسك بديننا؟!

فهل الدنيا عندنا أغلى من الدين؟! أم أننا محرومين؟!

عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أولُ خَصمَينِ يومَ القيامةِ جارَانِ»[45].

وأعظم الخصومة يوم الدِّين ما كانت في الدِّين!

فهل سنظل كحال أكثرنا مقصرين؟!

 

__________

[1]- رواه ابن حبان في صحيحه والبخاري في الأدب المفرد، انظر: صحيح الترغيب والترهيب: [2556] وذكره النسائي بلفظ الأمر بالتعوذ، فراجع: صحيح سنن النسائي: [5517]. 

[2]- صحيح البخاري: [6014] وصحيح مسلم: [2624]. 

[3]- صحيح سنن الترمذي: [1944]. 

[4]- رواه أبو يعلى وابن حبان في صحيحه، انظر: صحيح الترغيب والترهيب: [3515]. 

[5]- صحيح البخاري: [6020].

[6]- صحيح الأدب المفرد للبخاري تحقيق الألباني، رقم: [80]، والراجح أنه لا يرجع فيه إلى العدد وإنما إلى العُرف.

[7]- صحيح البخاري: [4210].

[8]- صحيح الأدب المفرد، رقم: [85]. 

[9]- أخرجه أحمد في المسند، انظر: السلسلة الصحيحة: [519]. 

[10]- صحيح سنن الترمذي: [2305]، وقال الألباني: حسن. 

[11]- أبو الفتح البستي.

[12]- أخرجه أبو يعلى والبزار، انظر: صحيح الترغيب والترهيب: [2661]. 

[13]- صحيح الأدب المفرد: رقم [82] والصحيحة: [149]. 

[14]- أخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق، والأصبهاني في الترغيب، انظر: السلسلة الصحيحة: [2646].

[15]- أخرجه تمام في الفوائد، والطبراني في الكبير، انظر: السلسلة الصحيحة: [2/435] [794].

[16]- صحيح مسلم: [2037] مختصرًا. 

[17]- رواه أحمد في المسند، انظر: صحيح الترغيب والترهيب: [2566]. 

[18]- أخرجه أبو يعلى والبزار في مسنديهما، وأبو نعيم في الحلية، انظر: السلسلة الصحيحة: [2632]. 

[19]- أخرجه البخاري في الأدب المفرد، والبيهقي، انظر: إرواء الغليل: [1601]. 

[20]- أخرجه البخاري في الأدب المفرد تحقيق الألباني: [463]. 

[21]- صحيح البخاري: [1356]. كتاب الجنائز باب إذا أسلم الصبي. وفي رواية عند عبد الرزاق في المصنف في كتاب المغازي باب عيادة المسلم الكافر رقم [9919]، قال: كان له جار يهودي لا بأس بخلقه، فمرض، فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم.. الحديث. قال: فمات، فأرادت اليهود أن تليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن أولى به منكم فغسله، وكفنه، وحنطه، وصلى عليه. 

[22]- صحيح الجامع الألباني: [5690]. 

[23]- أخرجه الدينوري في المجالسة، والبيهقي في الشعب، انظر: السلسلة الصحيحة: [1217]. 

[24] إرواء الغليل في تخريج احاديث منار السبيل: [3/217] [ 764] وقال الألباني: فالحديث بمجموع الطريقين حسن عندي. 

[25]- صحيح سنن أبي داود: [3132].

[26]- أخرجه أحمد في المسند، والطبراني في الكبير، انظر: صحيح الجامع: [6240]. 

[27]- صحيح مسلم: [2625]. 

[28]- صحيح البخاري: [89] 

[29]- صحيح مسلم: [2626]. 

[30]- صحيح سنن الترمذي: [2391]. 

[31]- صحيح الأدب المفرد للبخاري بتحقيق الألباني: رقم [76]. 

[32]- صحيح البخاري: [6019]. 

[33]- أخرجه أحمد في المسند، وابن حبان في الصحيح، أنظر: السلسلة الصحيحة: [549]. 

[34]- أخرجه أبو يعلى في مسنده، والضياء في المختارة، انظر: السلسلة الصحيحة: [2360]. 

[35]- صحيح سنن الترمذي: [2021]. 

[36]- صحيح البخاري: [6235]. 

[37]- صحيح مسلم: [2162] 

[38]- أخرجه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج والحاكم في المستدرك، انظر: السلسلة الصحيحة: [1494]. 

[39]- وفيات الأعيان لابن خلكان: [2/535]. 

[40]- صحيح سنن الترمذي: [2737]. 

[41]- صحيح سنن الترمذي: [810]. 

[42]- صحيح سنن أبي داود: [4888]. 

[43]- رواه الحاكم في المستدرك، انظر: صحيح الترغيب والترهيب: [2563]. 

[44]- صحيح سنن أبي داود: [5153]. 

[45]- رواه أحمد والطبراني، انظر: صحيح الترغيب والترهيب: [2/681] [2557].

المصدر: موقع هاجس

عبد اللطيف بن هاجس الغامدي

مدير فرع لجنة العفو واصلاح ذات البين - بجدة .

  • 2
  • 0
  • 14,205

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً