خطوات في التربية - (5) هادم اللذات، الغائب المنتظر!

منذ 2015-05-05

وعند الموت تنكشف الحقائق ويرى ما لم يكن يرى من قبل، فيرى أبواب السماء وخلقًا لم يرهم وعالمًا لم يدخله من قبل، والأمر شديد حتى على الصالحين،

إن كانت دارنا تلك منقضية، وما نقضيه فيها فهي أوقات مكدَرة، ويغلب تعبُها وشقاؤها فرحَها، فثمة ما بقي أن ننتبه اليه، وهو ما أرّق المؤمن والكافر، هذا يخشى الحساب وذاك يخشى انقطاع النعيم وانهدام اللذات، ألا وهو الموت، الغائب المنتظر، وأين المهرب والمفر، آتٍ لا محالة.

نبتعد عنه بصرف التفكير فيه، وتمنية النفس أنه ما زال بعيدًا، بينما هو يقترب كل لحظة!

لا ينكره مؤمن ولا ملحد، بل هذا يسارعه بالعمل الصالح، وذاك يستبقه باهتبال الملذات مع الإقرار الكامل أنها ستفنى وسيرحل عنها وسيُلقى جيفة في قبر لئلا يؤذي الخلق.

وعند الموت تنكشف الحقائق ويرى ما لم يكن يرى من قبل، فيرى أبواب السماء وخلقًا لم يرهم وعالمًا لم يدخله من قبل، والأمر شديد حتى على الصالحين، روي في وفاة الحسن بن عليّ رضي الله عنه أنه: لما حضرت الحسن الوفاة جزع، فقال له الحسين: "يا أخي ما هذا الجزع؟!"، فقال له الحسن: "أي أخي إني داخل في أمر من أمر الله تعالى لم أدخل في مثله، وأرى خلقًا من خلق الله لم أر مثله قط".

إن الأفق سيتغير، وسيكون عالَمٌ مختلف، حتى ليذهل عما حوله ليعاين الحقيقة الجادة.

روي عن أبي موسى الأشعري: "إذا عاين المريض الملك ذهبت المعرفة، يعني معرفة الناس" (مصنف عبد الرزاق الصنعاني (3/ 394).

وكذا عن سفيان الثوري، ويروى مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: عن أبي موسى، قال: سألتُ رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلّم: متى تنقطع معرفة العبد من النّاس، قال: «إذا عاين» (ابن ماجه).

انقطاع الشهوات وتوقف الملذات، السكون والصمت بعد الموت، العجز وتوقف الحياة ونبضُها، القبر والوحشة والانفراد هناك، تلك بيوت سنذهب إليها، مؤمن وكافر، لم ينكره منكر، لا هذا ولا ذاك.

إن رفقة العظام والجماجم، والنسيان في غياهب القبور، ومرور الحر والهجير، والبرد والظلمة، في بيوت موحشة واستقرار إلى حين، هذا ظاهر القبور غير ما هنالك من حقيقتها في عالم البرزخ.
سينقطع التكليف وتنتهي فرصة الاختبار وإمكانية المراجعة.

أثناء الحياة يمكن التوبة ويمكن استغلال لحظات العمر لتكون صدّيقًا أو شهيدًا أو صالحًا، قد تبلغ منازل عباد الرحمن والغرف العوالي في الجنة يتراءى أهل الجنة نورها في الجنة كما نتراءى نحن الكوكب الدري الغابر في الأفق في المشرق أو المغرب، إن هذه الفرصة التي لن تتكرر؛ ستنتهي ويُرفع التكليف ويقف القلم، ثم تنتظر أن يُفعل بك ما يأمر الله تعالى به في شأنك بناء على البضاعة التي أتيت بها.

ستذهب لتراجَع على الكلمة والسكتة والضحكة والغضبة والإيماءة والعزم والشهوة والباطن والظاهر، لحظة قريبة ليراجع كل شيء، وعلى ميزان دقيق وجاد وحق مطلق، بل معاملة بمثاقيل الذرّ، يا للهول!

يقول بعضهم.

تزود من التقوى فإنك لا تدري         .:.  إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر

فـكم من صحيح مات من غير علة    .:.  وكم من عليل عاش حينا من الدهر

وكم من صبي يرتجى طول عـمره    .:.  وقد نسجت أكفانه و هو لا يدري

وكم من عروس زينوها ليلة عرسـها  .:.  وقد قبضت روحاهما ليلة القــــــــــدر

وقال آخر:

تالله لو عاش الفتى في دهره ألفًا من الأعوام مالك أمره.

متمتعا فيها بكل نفيسة متنعـمًا فيها بنعمى عهده.

لا يعتريه السقم فيها مرة كلا ولا ترد الهموم بباله.

ما كان هذا كله في أن يفي بمبيت أول ليلة في قبره.

إن كان هذا آتٍ لا محالة فلا استقرارًا يستقره عاقل في هذه الدار، فلا بد من الرحيل، ولا بد من تولية الوجه شطر دار ذاهبين اليها لا محالة.

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

مدحت القصراوي

كاتب إسلامي

  • 0
  • 1
  • 1,558
المقال السابق
(4) الرضا بالدنيا قصور
المقال التالي
(6) غربة الدنيا!

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً