من أسقام الشباب...!

منذ 2015-07-26

الاندفاع والحماس : بسبب شغفه الديني، وإيمانه بقضيته، يسارع إليها بلا تركيز، وينطلق بلا حكمة، فقد يضر أكثر مما ينفع، وقد ينفّر بدلا من أن يبشر، ونحن نحتاج إلى حماس مضبوط موزون، أي بلا إسراف وتهور، حماس يسير وعلم ينير..!

إذا أُطلق مصطلح الشباب في الميادين الجادة، انصرف القصد إلى من زان عقله، وطابت استقامته، واستشعر أن وراءه (رسالة فضلى)، يجب عليه أداؤها، بخلاف من تخبط، وضاع واستحيا، وتردد....! ((يعجب ربك من شاب ليست له صبوة)) حيث حفظ وقته، وصان سلوكه، وارتقى فكرا ودعوة وإصلاحا، وهو بالتأمل في تلكم الفئات، وما تحمله من محاسن وفضائل، رأينا أنها- ومع جودتها-، لا تخلو من بعض الأسقام والأخطاء، التي تستوجب دوام المراجعة والتصحيح ... ومن ذلك :


1/ الاندفاع والحماس : بسبب شغفه الديني، وإيمانه بقضيته، يسارع إليها بلا تركيز، وينطلق بلا حكمة، فقد يضر أكثر مما ينفع، وقد ينفّر بدلا من أن يبشر، ونحن نحتاج إلى حماس مضبوط موزون، أي بلا إسراف وتهور، حماس يسير وعلم ينير..!

2/ حب التصدر: قيادةً وحديثا وتوجيها وإمامة، دون أن يقدمه زملاؤه، بل يرى أنه أفضلهم، وأحكمهم عقلا، وأعلاهم همة، فيتزعم بلا زعامة ممنوحة، ومن لم يصدره إخوانه ويرتضون فضله وحكمه، فصدارته موهومة مهزومة !! وقد يكون عرضة للنقد والتطاول، وكما قيل :

ومن دعا الناسَ إلى ذمهِ// ذموه بالحق وبالباطلِ

3/ الفردية : كالانطلاق بمفرده، واتخاذ القرار، وتنفير الأصحاب، والجسارة على العمل والنفع، دون مراعاة لحجم التحدي، واحتياج البرنامج مثلا إلى فرق تعاونية أو تطوعية، وعناصر شبابية وثابة وملتحمة.

4/ كثرة المخالفة: بحيث يحب الآراء على كل حال، والتنقير في الجزئيات، والتعليق بمناسبة وغيرها، حباً للخلاف، وبحثا عن الأخطاء، وإبرازا للذات، وتشبعا بالكلام، وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى رضي الله عنهما: «وتطاوعا ولا تختلفا». مما قد يندرج تحت ((وإعجاب كل ذي رأي برأيه)). ومن صفات الإمام ابن المبارك رحمه الله: قلة الخلاف على أصحابه، اي رجل توافقي تسامحي، رحمه الله تعالى.

5/ الرفاهية الزائدة : من التوسع في الملابس والمآكل والكماليات، والسياحة السيارة بلا هدف، التي تفقدنا وقتنا، وتستنزف مالنا، وتورث لنا أحيانا الغفلة والقسوة، {وكُلُوا واشربوا ولا تسرفوا} [سورة الأعراف]. ويروى عن الفاروق رضي الله عنه (تَمعددوا واخشوشنوا، فإن النعم لا تدوم).
ومن أسوأ آثارها تبديد الوقت، وفي الحديث (( وشبابَك قبل هرمك ))، وقال الإمام أحمد رحمه الله : ((ما شبهت الشباب إلا بشئ، كان في كمي فسقط)).

6/ غياب ألمرجعية: من فرط اندفاعه وذكائه المبكر أحيانا، يتحرك بلا موجه، وليس له عقل بصير يقوده، فيخضع لجده وحماسه، وقد يقع في ما لا يحمد عقباه، بسبب بُعده عمن يُقتدى به علما وفكرا من الدعاة والمشيخة الأفذاذ، {قال هل أتبعك على أن تعلمنِ مما عُلمت رشدا} [سورة الكهف]. وقد قال تعالى: {وأمرهم شورى بينهم} [سورة الشورى].

7/ كثرة الاجتهاد : بسبب العناد والإصرار، وغياب العلماء من حياته، فيحكم ويفتي، ويقرر ويوجه، معتمدا على بضاعة مزجاة، وفقه قليل، وقراءة جزئية...!! تبتدئ من الدعوة وتنتهي للفقه والعقائد،،،.! ومن الحِكم العلمية الموروثة (من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب).

8/ التزهيد في العلم : لا سيما من الحركيين الفاعلين، والدعويين المنقطعين، والوعاظ الجاهلين، وأن الدعوة يكفيها علم يسير، والتطوع ونفع الناس لا يحتاج لثقافة كبيرة، وتربية النشء تُنال بمقدمات تربوية معينة....! إلى أن تنشأ أجيال تستحلي المسلك، وتعتقد أن العلم والوعي خاص بالنخبة، وصعب المنال، وهو للفقه والعبادات فحسب ...!! فتُجرد الدعوة والتربية من العلم وفقهياته ودلائله ومآلاته... وذلك من شنائع الأمور، والله المستعان.
وقد يجر ذلك إلى التقصير العبادي، فيهمل ورده، وينسى غراسه، إلى أن يصدأ القلب، وتجف العيون ..!

٩/ تشوش القلوب: على بعضهم البعض، بسبب التقارن أو تفوق أو وجاهة، أو عزيمة آخرين وظهورهم، فينتج عنها عوارض دنيوية، وتنافس مبغوض، «إياكم وسوء ذات البين فإنها الحالقة». فيفضي للمعاندة، والنزاع، والانعزال، والتحذير والتصنيف، وهي أدواء خطيرة،،،! ولا تُعالج إلا بالعلم والصفاء، وتجاوز أهواء النفس، والتطلع للقضية الأساسية.

١٠/ الرضا بالقليل : والاكتفاء باليسير علما وعبادة وتدينا وتسننا، رغم اكتمال القوة، ووفرة الطاقة، وحضور الأصدقاء، فلا يزيد من نهمته العلمية، أو السلوكية أو التدريبية أو التخصصية، {وقل رب زدني علما} [سورة طه].

إذا ما علا المرء رام العلا *** ويقنعُ بالدون من كان دونا

بل يأخذ البُلغة، والمضغة والنزر، علها تبلغه المعالي، أو تنزله منازل الكرام...! وهذا مزلق بئيس لمن يعي قدر العلم والتثقيف، وأنه لا حد له، لا سيما لمعايش الميدان الدعوي والتطوعي والتربوي،..! لأنه سينتهي به إلى الإفلاس والاستنقاص..!

١١/ وهاء العزيمة : والاكتفاء بمجرد الإسلام وبعض الحسنات...! وكأن الواقع لا يثير، والمسلم لا يسمو، ودين الله محروس منصور..!
وهذه مقدمات باطلة، لأننا مندوبون للعمل، ورفع سقف العزائم، ونبذ الكسل والهوان قال تعالى: {خذوا ما آتيناكم بقوة} [سورة البقرة والأعراف].
وفي مرحلة الشباب الذهبية يتعين مثل ذلك...

شبابي قرّتي وربيعُ مجدي *** ولن أرضى ببيعٍ للجمال!
وكيف أبيعَ عامرتي وروحي *** وكيف أتيه في حِمم الضلال؟!

وفقنا الله وإياكم وجعل عملنا في رضاه،،، والسلام.....!
ومضة: فتية الكهف آمنوا وقاموا وجدوا، فجُعلوا مثلا للعالمين..!


د.حمزة بن فايع الفتحي

  • 2
  • 0
  • 2,032

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً