أعمال القلوب - [10] الشكر 3-3

منذ 2015-12-15

قال ابن القيم: "الدين نصفان، نصف شكر ونصف صبر، فهو قاعدة كل خير، والشكر مما يحبه الله فهو يحب أن يُشكر عقلاً وشرعاً وفطرةُ"

من الأشياء التي تؤدي إلى الشكر:

1- أنك تنظر إلى من هو دونك، قال صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله» (صحيح الترمذي:2513) فمما يحفظ العبد من ترك الشكر عندما ينظر إلى من هو فوقه أن هذه قسمة الله {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} [الأنعام:165].

2- أن يعلم العبد أنه مسئول عن النعمة {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر:8]، ومحاسب عليها حتى الماء البارد، ومن نوقش الحساب عُذِّب. والله رضي لنا أن نستمتع وأن نشكر{كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [البقرة:60]، {كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة:172]، فلا يمكن أن يكون الشكر بتحريم الحلال وهذا من مباديء الصوفية، فالله رضي لنا أن نستخدم النعم المباحات ونشكره عليها سبحانه وتعالى، ولو كان شرطًا في الانتفاع بالنعمة أداء ثمنها شكرًا؛ ما وفّت كل أعمال العباد ولا على نعمة واحدة «أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي» (صحيح البخاري:6306)، فتشكر الله وتعترف بالنعم وتستغفر من التقصير بشكر النعمة.

فالحل أن نستخدم النعم فيما يرضي الله ونثني عليه ونشكره ونستغفره من التقصير في الشكر وهو تعالى رضي منا بهذا، وقد جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام حتى تفطرت قدماه وتشققت قيل له أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (صحيح البخاري:6471). فتشكر الله على المغفرة. ومن الوسائل أن ندعو الله أن يعيننا على الشكر «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (صحيح ابن حبان:2020)، قالها لمعاذ، وسئل الرسول صلى الله عليه وسلم: أي المال نتخذ؟ فلفت نظرهم صلى الله عليه وسلم فقال: «ليتخذ أحدكم قلبًا شاكرًا ولسانًا ذاكرًا وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على أمر دينه ودنياه» (صحيح الجامع:5355). قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليرضى على العبد أن يأكل الاكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها» (صحيح مسلم:2734). قال الحسن البصري رحمه الله: "إن الله ليمتع بالنعمة ماشاء، فإذا لم يشكر عليها قلبها عذابًا ولهذا كانوا يسمون الشكر(الحافظ) لأنه يحفظ النعم الموجودة و(الجالب) لأنه يجلب النعم المفقودة".

هكذا يحفظ ويحصّل من علو منزلة الشكر وعظمه عند الله، ولا ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد قيد النعم، فهو يقيد النعمة ألا تنقلب ولا تهرب. قال عمر بن عبد العزيز: "قيدوا نعم الله بشكر الله"، والشكر مع المعافاة عند بعض أهل العلم أعظم من الصبر على الابتلاء. فقال مطرف بن عبد الله: "لأن أعافي فأشكر أحبُّ إليّ من أن أُبتلى فأصبر". فإذا رزقت الشكر على النعمة فإن هذا لا يقل عن الصبر على المصيبة. وقال الحسن:" أكثروا من ذكر هذه النعم فإن ذكرها شكر، وقد أمر الله تعالى نبيه أن يحدث بنعمة ربه {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى:11]، والله يحب من عبده أن يرى عليه أثر نعمته، فإن ذلك شكرها بلسان الحال".

وقال أبو رجاء العطاردي خرج علينا عمران بن حصين وعليه معطف من خزّ لم نره عليه من قبل ولا من بعد فقال: "إن رسول الله قال إذا أنعم الله على عبد نعمة يحب أن يرى أثر نعمته على عبده". وقال صلى الله عليه وسلم: «كلوا واشربوا وتصدقوا في غير مخيلة ولا سرف فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» (مسند أحمد:10/178)، وهنا الضابط والحد الشرعي، فإذا أردت أن تظهر نعم الله عليك فإن ذلك مقيد في عدم الخيلاء والإسراف. عن أبي الأحوص عن أبيه قال: "أتيت رسول الله وأنا قشف الهيئة، فقال هل لك من مال؟ قلت: نعم، قال: من أي المال؟ قلت: من كل المال، الإبل، الرقيق، النعم، الخيل.. قال: «إذا آتاك الله مالاً فليرَ عليك» (صحيح ابن حبان:5416).

وقال الحسن: "إذا أنعم الله على قوم سألهم الشكر، فإذا شكروه كان قادرًا على أن يزيدهم، وإذا كفروه كان قادرًا على أن يبعث عليهم عذابًا". وقد ذم الله الكنود وهو الذي لا يشكر نعمه، قال الحسن: "{إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ} [العاديات:6] أي يعد المصائب وينسى النعم". وفي النساء أظهر، فلو أحسنت إلى إحداهن الدهر وطيلة العمر ثم رأت منك تقصيرًا قالت مارأيت منك خيرًا قط!، وهذا ظلم، والنساء أكثر أهل النار لأنهم يكفرن العشير، وإذا كان ترك شكر نعمة الزوج يؤدي إلى جهنم فما حال من يكفر نعمة الله..؟!!

يا أيها الظالم في فعله *** والظلم مردود على من ظلم

إلى متى أنت وحتى متى *** تشكو المصيبات وتنسى النعم

والتحدث بالنعم شكر وتركها كفر ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله.قرأ الرسول صلى الله عليه وسلم على أصحابه سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا، فقال لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودًا منكم فلما قرأت {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} قالوا: لا شيء من نعمك ربنا نكذب ربنا ولك الحمد. وقال شُريح: "وما أصيب عبد بمصيبة إلا كان لله عليه فيها ثلاث نعم:

1- ألا تكون في دينك.

2- أنها لا تكون أعظم مما كانت.

3- أنها لابد كائنة فقد كانت".

{مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد:22]،كان عمر بن عبد العزيز إذا قلّب بصره في نعمة أنعمها الله عليه قال: "اللهم إني أعوذ بك أن أبدّل نعمتك كفرًا وأن أكفرها بعد أن عرفتها وأن أنساها ولا أثني بها"، لأن الله ذم الذين بدلوا نعمة الله كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار. والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رُفعت مائدته قال: «الحمد لله الذي كفانا وأروانا غير مكفيٍّ ولا مكفور، الحمد لله ربنا غير مكفي ولا مودّع ولا مستغنٍ ربنا» (صحيح البخاري:5459).

وكذلك من شكر النعم المتجددة أنك تسجد سجود الشكر، وفي ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه أمر فسرّ به فخرّ لله ساجدًا، وأبو بكر لما جاءه قتل مسيلمة المرتد الذي ألب عليه العرب وأشد الناس على المسلمين خرّ لله ساجدًا، وعلي رضي الله عنه لما رأى ذا الثدية في الخوارج أسود مخدّج مقطوع اليد عند العضد مثل حلمة المرأة، وأنه علامة وآية أنه سيقاتل الخوارج أمرهم فبحثوا في جثث القتلى وأخرجوه؛ سجد علي رضي الله عنه شكرًا لله. وكعب بن مالك سجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لما بشر بتوبة الله عليه.

والسنة لم ترد بسجود الشكر يوميًا لكنها وردت في النعم المتجددة والتي تذكر بالنعمة المستديمة، ولأن هذه النعم المتجددة العظيمة لها وقع في النفوس والقلوب أعلق بها وأهنأ، والإنسان يُعزّى بفقدها فإن ما توجبه من فرح النفس وانبساطها والذي يدفع الأشر والبطر عند نزول النعمة فجأة. ومن النعم المتجددة كما يقول أحد السلف: "بشّرت الحسن بموت الحجاج وهو مختفٍ فخرّ لله ساجدًا،فموت ظالم نعمة و ولادة مولود، وجاء الخبر في الانتصار".

قال ابن القيم: "الدين نصفان، نصف شكر ونصف صبر، فهو قاعدة كل خير، والشكر مما يحبه الله فهو يحب أن يُشكر عقلاً وشرعاً وفطرةُ"، فوجوب شكره أظهر من كل واجب، وقد فاوت الله بين عباده بالنسبة للنعم الظاهرة والباطنة وفي خلقهم وأخلاقهم و أديانهم وأرزاقهم ومعايشهم. لذلك فقد روى الإمام أحمد في كتاب الزهد: "قال موسى هلاّ سويت بين عبادك قال إني أحببت أن أشكر"، فالتفاوت بين العباد يؤدي إلى الشكر.

وقد تنازع أهل العلم بين الفقير الصابر والغني الشاكر، أيهما أفضل في كلام طويل، والظاهر أن كل واحد في حق صاحبه أفضل، فالشطر في حق الغني أفضل والصبر في حق الفقير أفضل.

خالد أبو شادي

طبيبٌ صيدليّ ، و صاحبُ صوتٍ شجيٍّ نديّ. و هو صاحب كُتيّباتٍ دعويّةٍ مُتميّزة

  • 0
  • 0
  • 5,100
المقال السابق
[09] الشكر 2-3
المقال التالي
[11] الرضا 1-3

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً