أعمال القلوب - [34] الورع - فوائد الورع

منذ 2016-02-02

أن الورع منه دقائق لا تليق بأي أحد، بل ينكر على من تورع فيها إذا كان من أولئك الفسقة أو المتساهلين، وعلى أية حال فإن الورع هو من العبادات العظيمة وملاك الدين الورع، والفقية الورع الزاهد المقيم على سنة النبي صلى الله عليه وسلم له أجره العظيم يوم الدين.

وهذا الورع أيها الأخوة ينتج عن الخوف من الله سبحانه وتعالى، فالخوف يثمر الورع والورع يثمر الزهد، فهذه المسألة مهمة جدًا، فالورع له فوائد:

1- اتقاء عذاب الرحمن وتحقيق راحة البال للمؤمن وطمأنينة النفس وهذه مسألة مهمة جدًا.

2- يكفّ عن الحرام.

3- يبعده عن إشغال الوقت فيما لا يفيد.

4- يجلب محبة الله لأن الله يحب المتورّعين.

5- يفيد استجابة الدعاء، لأن الإنسان إذا طهّر مطعمه ومشربه وتورّع يرفع يديه فيجاب له الدعاء.

6- مرضاة الرحمن وزيادة الحسنات.

7- يتفاوت الناس في الدرجات في الجنة بتفاوتهم في الورع.

والمسلم إذا نقل قلبه من الدنيا فأسكنه في الآخرة وأقبل على القرآن الكريم انفتحت له الأبواب وكان فيمن يستطيع تحمّل هذا الورع، وهناك حلال محضٌ بيّن وحرام محضٌ ومسائل مشتبهة بينهما، فلبس القطن والكتان والصوف والزواج بعقد صحيح، وأخذ المال من الميراث أو هبة من إنسان ماله حلال أو شراء شيء ببيع  صحيح، أمور الحلال المحض واضحة، وأمور الحرام واضحة كالميتة والدم والخنزير والخمر ونكاح المحارم ولباس الحرير للرجال وأخذ الأموال المغصوبة والمسروقة والغش والرشوة، أما المشتبهات التي ينبغي للمرء المسلم أن يتورّع عنها مثل: ما اختلف في حلّه وحرمته، مثلًا البغل متولّد ما بين الحمير والخيل، جلود السباع ولو كانت مدبوغة، التورّق وهو أن تشتري شيء بالأقساط وتبيعه نقدًا لتحصّل سيولة وبعض العلماء لم يجزه مع أن الراجح جوازه لكن المسألة مختلف فيها، ونحو هذا..

إذًا من أسباب الشبهة تنازع العلماء في شيء معين هل هو حلال أو حرام وكل طائفة لهم أدلتهم، ماترك النبي صلى الله عليه وسلم حلالًا إلا بيّنه ولا حرامًا إلا بيّنه ولكن بعض الناس يخفى عليهم بعض الحلال أو بعض الحرام، ويتفاوتون في هذا ومن أسباب اختلاف العلماء فيه أنه ينقل في الشيء نصان أحدهما بالتحليل وأحدهما بالتحريم وقد يكون أحدهما صحيح والآخر ضعيف وأحدها ناسخ والآخر منسوخ، فيأخذ كل طائفة من العلماء بنص من النصين فيحدث الاختلاف، أحيانًا يكون الشيء فيه أمر فيقول بعضهم هذا للوجوب وبعضهم يقول هذا للاستحباب، والورع هو أن تقوم بهذا الأمر. جاء نهي فقال بعض العلماء النهي للتحريم وقال بعضهم النهي للكراهة والورع أن تتركه.

والعلماء أنفسهم قد تشتبه عليهم أشياء فلا يفتون فيها أو يتوقفون عنها، ومن أمثلة الأشياء المشتبهة ما لايُعلَم له أصل ملكٍ كما يجده الإنسان في بيته فلا يدري أهو له أم لغيره، النبي صلى الله عليه وسلم قال:  «إني لأَنْقَلِبُ إلى أهلي، فأَجِدُ التمرةَ ساقطةً على فراشي، فأَرْفَعُها لآكُلُهَا، ثمأَخْشَى أن تكونَ صدقةً فأَلْقِيها» [صحيح البخاري: 2432]، ولكن من جهة التحريم والحل، فالأصل في المال الموجود في بيتك أنه لك، فجانب الحل أقوى، لكن إذا أردت الورع وتصدقت بهذا المال أحسن.

وكذلك فإن الشيء قد يجتمع فيه أحيانًا سبب للحل وسبب للحرمة، فيتركه الإنسان فالنبي صلى الله عليه وسلم علّمنا عن أمور الأصل فيها الحظر كالأبضاع ولحوم الحيوان فلا تحل إلا بيقين، ولو حصل تردد مثل اجتماع سبب حاضر ومبيح نبقى على الأصل فيها وهو التحريم فقال صلى الله عليه وسلم في من أطلق سهمًا على صيدٍ أو كلبه على صيدٍ فلما جاء ليمسك بالصيد وجد عنده كلباً آخر لا يدري الذي أمسك كلبه أو الكلب الآخر، فإذا كان الكلب المعلَّم يجوز صيده، ومعنى ذلك أن الصيد غير المعلَّم لا يجوز صيده، فماذا يفعل إذا وجد مع الفريسة كلبًا آخر لايدري كلبه الذي صاد أو الكلب الآخر، وصل إلى الصيد الذي صاده وقع في الماء فلا يدري هل قتل بالسهم أو قتل بالغرق، الأصل يجوز الأكل مادام السهم أو البندقية خرقت وخزقت وسمّى الله على البندقية وأطلق ولكن وقوع الطائر في الماء يجعله في ريبة هل موت الطائر بفعل الرمية التي رماها أم الغرق فيتركه.        

لو جاء رجل لأرض أو سجادة وقال لنفسه هذا رجل لديه أبناء قد يكونون بالوا عليها، فأنا لن أصلي عليها، تورّع عن الصلاة عليها فما حكم هذا التورّع، هل هو شرعي أم لا؟، هذا تورع غير شرعي لأنه خالف الأصل بدون أي قرينة، والأصل في الأشياء الطهارة، فيكون هذا ورعًا فاسدًا. 

فسّر الإمام أحمد رحمه الله الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام –يعني الحلال المحض والحرام المحض- وقال من اتقاها فقد استبرأ لدينه، وفسرها تارة باختلاط الحلال والحرام.

 ومن ضمن الأمثلة أيضًا معاملة من ماله مختلط، رجل يرابي ويبيع ويشتري، عنده حلال وحرام، فقال العلماء إذا كان أكثر ماله الحرام قال الإمام أحمد: ينبغي أن يجتنبه إلا أن يكون يسيرًا أو لا يُعرَف، والحرام غير معيّن وليس معروفًا، فيجوز الأكل والورع تركه. وقال الزهري: لا بأس أن يُؤكل منه مالم يعرف أنه حرام بعينه. وقال سفيان: تركه أعجبُ إليّ. وقال الإمام أحمد في المال المشتبه حلاله بحرامه: إن كان المال كثيرًا أخرج منه قدر الحرام وتصرّف في الباقي، وإن كان المال قليلًا اجتنبه كله، وهذا لأن القليل إذا تناول منه شيئًا فإنه تبعد معه السلامة من الحرام. ورخّص قومٌ من السلف في الأكل ممن يُعلَم في ماله حرام ولكن لا يُعلَم على التعيين ماهو الحرام، وهذه هي الخلاصة: يجوز معاملة من ماله مختلط إذا ما علمنا الحرام أين بالضبط والورع ألا يأخذ منه.

وكذلك فإن الاستبراء للدين مهم جدًا في حياة الدين المسلم، والإنسان قد لا يشبع من الشبهة وقال الثوري رحمه الله في الرجل يجد في بيته الأفلس والدراهم: أحب إليّ أن يتنزّه عنها إذا لم يدري من أين هي.

ولا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع  مالا بأس به حذرًا مما به بأس كما روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعًا وقال حسن غريب وفي سنده عبدالله بن يزيد الدمشقي وهو ضعيف.

ومن تمام التقوى أن يتقِ الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة، وقال الحسن: مازالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام، وقال الثوري: إنما سمّوا المتقين لأنهم اتقوا مالا يُتّقى. وقال ابن عمر: إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها. وقال سفيان بن عيينة: لا يصيب عبد حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزًا من الحلال وحتى يدع الإثم وما تشابه منه.

وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: «الإثمُ ما حاك في صدرِك، وكرِهتَ أن يطَّلِعَ عليه الناسُ» [الفتح الرباني: 11/5721]، إشارة إلى أن الإثم ما أثر في الصدر حرجًا وضيقًا وقلقًا واضطرابًا فلم ينشرح له الصدر ومع هذا فإنه عند الناس مستنكر بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه. لكن الإنسان قد يقلق من أشياء لجهله فلينتبه من هذا وليسأل أهل العلم، وهنا تظهر أهمية الاستفتاء وسؤال أهل الذكر الثقات. الصحابة تحرجوا من أن يأكلوا من اللحم الذي صاده أبو قتادة فالنبي صلى الله عليه وسلم أكل، و فرّق العلماء بين ما صيد لأجله (لأجل المحرم) وما صاده الحلال لا لأجل المحرم فيجوز للمحرِم أن يأكل منه. لكن لو أن الشخص الحلال غير المحرم صاد لك أنت أيها المحرِم فلا تأكل. والمقصود أن سؤال أهل العلم الثقات مما يريح الإنسان فينبغي أن لا ينسى هذا وأن يكون على ذكر منه.

دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت. الإثم حوازّ القلوب تحز في القلوب والنفوس. وكذلك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة، وكان بعض العلماء يعرفون الحديث الضعيف بأمور بقلوبهم وهذا ليس إلا للعلماء النقاد الكبار، وأما طلبة العلم العاديين فلا يمكن أن يعرف ذلك بقلبه إلا فيما ندر.

وطلب الحلال فرض على كل مسلم، وقد ادعى بعض الجهّال أن الحلال في الأرض انتهى، وبعضهم قال باقي الحشيش والكلأ في البر والأراضي التي ليس لها أحد ونهر الفرات؛ وهذا تضييق على عباد الله ومن الجهل وقلة العلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذه القاعدة المهمة جدًا:  «الحلالُ بَيِّنٌ، والحرامُ بَيِّنٌ، وبينهما أمورٌ مُشتَبِهاتٌ» [صحيح الجامع: 3193]، والحلال كله طيب ولكن بعضه أطيب من بعض، والحرام كله خبيث ولكن بعضه أخبث من بعض، والإنسان المسلم قد يكون عنده الحلال معلومًا من قبل ثم يقع في شك فلا يلتفت لهذه الوسوسة إذا لم يكن لها دليل ولا قرينة، وكذلك قد يكون يعرف الحرام من قبل فيأتي في نفسه وسوسة أن هذا ليس حرامًا بدون علم ولا خبر ثقة أفتاه به أهل العلم فلا يلتفت إليه، و قد يعرف الإنسان الحل ويشك في المحرم فيكون الأصل الحل كما تقدم وهناك مثال يضربه بعض الفقهاء ويدل على قلة عقل من وقع فيه.

قال اثنان وقفا فجاء طائر فاختلفا هل هذا غراب أم لا؟ فقال أحدهم عليه الطلاق أنه غراب، وقال الآخر عليه الطلاق أنه ليس بغراب، فلما أرادا أن يأتيا للتحقق طار الطائر ولم يدركاه، فصارت مشكلة فزوجة مَن طالق!، فبعض الناس يفعل أشياء من قلة العقل، وفي هذه الحالة يقول العلماء: الأصل بقاء النكاح وحل المرأة للرجل، احتمال الطلاق وارد ومشكوك فيه. ولذلك فإن على الإنسان أن لا يورد نفسه في الموارد التي يتسبب بها في الحرج في نفسه وأن يقع في تعذيب النفس والشك.

وقد يدخل الشك على بعض الناس في قضايا لا يشرع لهم أبدًا السؤال فيها، فهل يجوز لإنسان دخل على بيت مسلم مستور مايعرف عنه أي ريبة، وُضِع له الطعام، أن يقول له: المال الذي اشتريت به هذا العشاء من أين أتيت به. هل هذا من الورع؟!!، وفي ذلك إيذاء للمسلم لأن سؤالك هذا اتهام له! واتهام المسلم ووضعه في موضع الشك بدون قرينة ولا دليل ولا بينة لا يجوز وسوء ظن، وإيذاء المسلم للمسلم حرام.

أحيانًا تأتي أشياء تستدعي التورع، مثلًا إذا دخل حلال قليل في حرام كثير فعند ذلك تكون هذه القضية مما يدفع الإنسان إلى الورع فعلًا. كذلك إذا كانت القضية في الأبضاع واللحوم كما تقدم. مثلًا هناك امرأة ثقة وجئتَ لتخطب فتاة فقالت أنا أرضعتها أو أرضعت أختها، أنا متأكدة أني أرضعت إحدى الأختين، لا أدري أيتهما، فالورع أن تترك الزواج من كلتيهما. مثلًا  اثنان ذبحا ذبيحتين، إحداها ذبحها هندوسي والأخرى ذبحها مسلم، جئت لتشتري وأنت تعلم ذلك ولكن لا تدري أيتهما التي ذبحها هذا وأيتهما التي ذبحها الآخر فلا تشتري.

 مسألة اللحوم والأبضاع شديدة في الشرع ولذلك يحتاط فيها في أشياء أكثر من غيرها، ولكن بشرط أن لا يصل إلى الوسوسة أيضًا، فلو أن هذه ذبيحة مسلم لا يجوز لك أن تشك فيها. إذًا هناك وسوسة في هذه القضايا لا يجوز الالتفات إليها، وورع الموسوسين مثاله؛ قال ابن حجر في فتح الباري: "ورع الموسوسين كمن يمتنع من أكل الصيد خشية أن يكون الصيد كان لإنسان ثم أفلت منه، وكمن يترك شراء ما يحتاج إليه من مجهول لا يدري أماله حلال أم حرام، وليست هناك علامة تدل على الثاني".

هناك مسائل من الورع الدقيق لا تليق بكل الأشخاص

 قال ابن رجب رحمه الله : "وهاهنا أمر ينبغي التفطّن له وهو أن التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها وتشابهت أعماله في التقوى والورع -فهذا لو دقق يقبل منه التدقيق-، أما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة ثم يريد أن يتورّع عن شيء من دقائق الشبه فإنه لا يحتمل له ذلك بل ينكر عليه" كما قال ابن عمر لأهل العراق لما جاءوا يسألونه عن دم البعوض وفيهم ممن قتل الحسين بن علي رضي الله عنه، قالوا المحرم إذا قتل بعوضة يجوز أم عليه فدية، فقال: "يسألوني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين وقد قال صلى الله عليه وسلم هما ريحانتاي من الجنة؟!!".

وسُئِل الإمام أحمد عن رجل يشتري بقلًا ويشترط الخوصة، فقال الإمام أحمد: ماهذه المسائل؟ قالوا: إنه إبراهيم بن أبي نعيم. فقال: إن كان إبراهيم بن أبي نعيم فنعم هذا يشبه ذاك (هو من كبار الزهاد العابدين). ولذلك لما جاء رجل إلى الإمام أحمد يقول إن أمه تأمره بطلاق زوجته، قال: إن كان برّ أمه في كل شيء ولم يبق من برها إلا طلاق زوجته فليفعل!

فالخلاصة:

 أن الورع منه دقائق لا تليق بأي أحد، بل ينكر على من تورع فيها إذا كان من أولئك الفسقة أو المتساهلين، وعلى أية حال فإن الورع هو من العبادات العظيمة وملاك الدين الورع، والفقية الورع الزاهد المقيم على سنة النبي صلى الله عليه وسلم له أجره العظيم يوم الدين، والإنسان ينبغي أن يضع نفسه في الموضع الصحيح في مسألة الورع كما قال الأوزاعي: ( كنا نمزح ونضحك فلما صرنا يُقتدى بنا خشيت أن لا يسعنا التبسُّم). وهذا الورع يُتَعَلَّم، كما قال الضحّاك بن عثمان رحمه الله: (أدركت الناس وهم يتعلمون الورع وهم اليوم يتعلمون الكلام)، والإنسان إذا تورّع لن يعدم الحلال ولا يظن أنه سيضيق على نفسه ضيقًا لا مخرج منه فإنه يلتمس الورع الشرعي مثلما تقدم.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين وأن يغفر لنا ذنوبنا أجمعين.

خالد أبو شادي

طبيبٌ صيدليّ ، و صاحبُ صوتٍ شجيٍّ نديّ. و هو صاحب كُتيّباتٍ دعويّةٍ مُتميّزة

  • 3
  • 0
  • 13,591
المقال السابق
[33] الورع - ورع الصحابة
 

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً