المجتمع المسلم بين الظنون والتماس المعاذير

منذ 2010-08-15

نحن في حياتنا التي نعيشها، فإنَّنا نتقلَّب بين مسراتها وأحزانها، وأفراحها وأتراحها، أمور يدور بعضها في بعض ممَّا يستدعي أن تكون النفس المسلمة أقرب إلى التوازن في نظرتها للأحداث كما يليق!



الحمد لله وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه واقتفى أثره إلى يوم أن نلقاه....أمَّا بعد:

ذكر أبو نعيم الأصبهاني موقفاً جميلاً بين الإمام الشافعي وتلميذه الربيع بن سليمان، وذلك أنَّ الربيع قال: مرض الشافعي فدخلت عليه فقلت: يا أبا عبدالله! قوى الله ضعفك، فقال: يا أبا محمد لو قوَّى الله ضعفي على قوتي أهلكني!
قلت: يا أبا عبدالله ما أردت إلا الخير.
فقال: لو دعوت الله علي لعلمت أنك لم ترد إلا الخير!، (حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني: (9/120)).

لله درُّ هذا الإمام الذي كان في شدَّة ألمه، ويتحدَّث مع أحد طلبته، ويرشده ويعذره، بل يبين أنَّه إن سمع منه كلمة فيها سوء لم يزده ذلك إلاَّ أن يظنَّ به الخير.

ونحن في حياتنا التي نعيشها، فإنَّنا نتقلَّب بين مسراتها وأحزانها، وأفراحها وأتراحها، بين المشجعات والمحفزات في العمل، وبين المثبطات والمحبطات في متغيرات الأوقات، أمور يدور بعضها في بعض ممَّا يستدعي أن تكون النفس المسلمة أقرب إلى التوازن في نظرتها للأحداث كما يليق!

ويتعلم المرء من معاركته للحياة، وتجارب السنين والأيام، حاجة المجتمع المسلم لتكون لديه القدرة والفاعلية للموازنة بين حسن الظن والتماس المعاذير وكذلك إساءة الظن لمن يستحقون ذلك!


نحن في حياة تمور بنا مورا، ونفوس بعضها مشرّب بحب الخير، وقلوب ترتع بالبر والطاعة والقربى، وأناس مشغولون منهكون بأعمالهم اليومية وحياتهم المعيشية، وآخرون تجتاحهم المصائب وتنوبهم النوائب، وتعترضهم الجوائح وقد نلقي عليهم التهم لتقصيرهم في حقنا، فإذا ما علمنا أنَّه قد صار لهم (كيت وكيت) من الأذى ومصائب الدهر رجعنا على أنفسنا باللوم وجلد الذات وقلنا: ليتنا لم نعاتب فلقد كان أولئك القوم في عذر شغلهم عنَّا!

وآخرون -ويا ويلهم- يكيدون لنا كيدا، ويشعلون اللهب في السعفة التي في بيتنا ويحاولون الإضرار والضرار، لسوء تربية ودنو همة وضعف وازع ديني يردعهم عمَّا يحرِّمه الله أو يستقبحه البشر.

المسلم ـأحيانا- يحتار ويقول: كيف لي أن أتعامل مع طبقات المجتمع، إذ إنَّ الغالب من الناس في زماننا ـإلا ما رحم ربي وقليل ما همـ يسيئون الظن بأهلهم وأقاربهم وجيرانهم ومعارفهم وأصحابهم!...
وليس ما أدعيه رجماً بالغيب، وأعترف بأني لم أقم بقياس للرأي العام في ذلك عبر الاستطلاعات والاحصائيات التي تدل على ما أزعمه، ولكني أجزم أنَّها ملاحظة يتفق معي فيها الكثير من الناس.

إنَّ مشكلة إساءة الظن في مجتمعاتنا ينتج عنها كثير من القبائح والذنوب والمصائب والعيوب مع الهم والغم الملازم لصاحبها، فالكثير يقع في الغيبة والنميمة والبهتان والكذب وقول الزور بل شهادة الزور!...

وقلَّ أن نلاحظ في مجتمعاتنا أناساً يميلون إلى مدارسة القضية، ومذاكرة الأسباب التي قد تردعهم عن إساءة الظن، ولهذا تنمو بيننا الأمراض والعيوب وتعشعش على قلوبنا هذه المنغصات، حتى قد يصل بنا الحال بعد ذلك إلى الهجران وانعدام السلام، وتنمو هذه الأمراض أكثر فأكثر حتى تصل إلى تبادل الاتهمات وإطلاق السباب، فتؤثر علينا بأمراض مزمنة نفسية ونحن لا نشعر بذلك إلاَّ بعد فوات الأوان!...

أدرك أنَّ هنالك أناساً يميلون لفعل السوء والسيئ والخطأ والخطيئة، وأوقن أنَّ هنالك ثرثارين همَّازين مشاءين بالنميمة والقيل والقال، وأنَّ هنالك أصنافاً من البشر من لا يطاق بمجالسته، أو التحدث إليه، وأنَّ تغليب جانب إساءة الظن فيهم على ما هم فيه من سوء وقبح خلق، ينبغي أن يكون المؤشر الأول قبل إحسان الظن أو التماس المعاذير، ولكن أليس هنالك أناس كثر قد نظلمهم بإساءة الظن بهم، ولا نعتذر لهم أو نعطيهم أدنى درجة من درجات التعاطف والمعذرة!...


• ( التمس لأخيك سبعين عذرا):

أخرج أبو داود في سننه عن عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كم نعفو عن الخادم؟ فصمت، ثم أعاد عليه الكلام فصمت فلما كان في الثالثة قال: « اعفوا عنه في كل يوم سبعين مرة »، والحديث حسَّنه ابن حجر في تخريج مشكاة المصابيح: (3/341)، وصحَّحه الألباني في صحيح سنن أبي داود: (5164).

وجاء قريبا من معنى الحديث: (التمس لأخيك سبعين عذرا) حيث تقال على ألسنة الكثير من الناس ـ مع قلَّة من يعمل بها! ـ إلاَّ أن هذا القول ليس حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل هي مقولة لجعفر بن محمد حيث قال: "إذا بلغك عن أخيك الشيء تنكره فالتمس له عذراً واحداَ إلى سبعين عذرا، فإن أصبته وإلا قل: لعل له عذرا لا أعرفه"، ([1]).

هذا الأثر الجميل ما أحلاه! وما أبهاه قيمة ومعنى! وما أحسن صياغته وصبه في قالب النفسية والسيكولوجية التي يعيش بها المرء المسلم! لكي يلقي العذر للآخرين ولا يجعل للشيطان عليه سبيلا أو أن ينقص من درجاته وحسناته وهو لا يشعر!...

إذ إنَّ غالبية من يسيئون الظن يرغبون بالفضفضة الكلامية فيذهب أحدهم إلى من يثق به، وقد يستحلفه بالله ألاَّ يذكر ظنونه بأخيه لأحد، لكي يفضفض عن مكنونات نفسه وما يلم بها من ظنون بالآخرين فيقول القيل والقال ويذكر من يتحدث عنه بشيء من السوء والظنون التي لا مجال لها من الصحة، ثمَّ يشعر بعدها بالارتياح! ـ كما يقال ـ والنتيجة لا شيء سوى أنَّه ظنَّ بأخيه ظنوناً في الأعم الأغلب تكون كاذبة وليست صادقة...

وممكن جدا أن يكون الرجل الذي أسرَّ إليه ذلك الظان الظن السيئ ليس ثقة، فيقوم بنقل هذا الظن لآخرين ـ وقد يكون عن غير قصد ـ حتى يصل هذا الظن لمن كان هو المقصود بذلك الظن السيئ، فتقع بينهما الخصومات والمشاحنات، بل تقع بين الظان وبين من قد أسرَّ له ذلك السر تلك المشجارات الكلامية والمهاترات اللفظية، فكيف يكشف سره للناس وينشره ويذيعه بينهم؟! وكأني بذلك الشخص الذي أسرَّ له صاحبه ذلك الظن يقول له:
 
أنا أحبك حاول أن تساعدني *** فإنَّ من بدأ المأســـــاة ينهيها
وإنَّ من فتح الأبواب يغلقـها *** وإنَّ من أشعل النيران يطفيها

ولكنَّ القطار سار ومن الصعب إيقافه، وترجع الخيبة لمن ظنَّ سوءاً ويبوء بالخسران الديني والدنيوي ويشعر أنَّه قد وقع في الحفرة ولات حين مناص!...
وحينها يشعر ظان السوء أنَّ به مشكلة في نفسه وعيباً فيها، من قبيل سوء تقدير أو حساسية مفرطة، فخالف ما قاله حمدون القصَّار: "إذا زلَّ أخُ من إخوانكم فاطلبوا له سبعين عذرا، فإن لم تقبله قلوبكم فاعلموا أنًَّ المعيب أنفسكم، حيث ظهر لمسلم سبعين عذرا فلم تقبله"، (آداب الصحبة لأبي عبد الرحمن السلمي: ص45).

فالتماس العذر ديدن المسلم، وهكذا أوصانا علماء الإسلام الربَّانيون، حيث يقول محمد بن سيرين: "إذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرا، فإن لم تجد فقل: لعل له عذرا لا أعرفه"، (التوبيخ والتنبيه للأصبهاني: ص97).

وقال أبو قلابة: "إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه فالتمس له العذر جهدك، فإن لم تجد له عذرا فقل في نفسك: لعل لأخي عذرا لا أعلمه!"، (حلية الأولياء:2-285).

ويمكن أن يُقال كذلك: لا يجوز إساءة الظن بالمسلم العدلِ فحسب! بل لا يجوز إفشاء سوء الظن أيضا لأمور:
الأول: ضرورة إحسان الظن بالمسلمين وحب الخير لهم.
والثاني: تجنُّب الوقوع في حب إشاعة قول السوء في الذين آمنوا.
والثالث: أنه لا ينبغي أصلا أن يخبر مسلم بشيء من سوء الظن في آخر، حتى لا تتقطع أواصر المحبة بين المسلمين، وتنتشر فيهم الأراجيف، ويحذر بعضهم بعضها بعضا بسبب سوء الظن.


• وفي الخلاف الفقهي نظنُّ الظن الحسن ونتعاذر:

هنالك مشكلة يقع فيها بعض المنتسبين للعلم والفقه، وهي: أنَّ بعضهم يكون سيفاً مسلطاً على إخوانه أو رقيبا عتيدا عليهم، فإذا ما رأى الفقيه أو طالب العلم الباحث عن الحقيقة مسألة معينة وكان رأيه فيها قد خالف الرأي السابق الذي كان يتبناه، فسنجد بعض الناس يقومون بالوصاية الفكرية مع احتمال الظنون السيئة المفرطة بأنَّ هذا الشيخ أو الباحث انتكس أو تراجع أو أنَّه من أهل الأهواء، ولا يحملون شيئا من الظنون الخيِّرة في ذلك الشيخ أو الباحث والذي لا يعلم عنه إلاَّ أنَّه متجرد للحق، ومحالف للصدق، ولا يظهر منه إلاَّ تعظيم نصوص الوحيين وكلام العلماء الربَّانيين، فقد تجد التهم ضدَّه تلقى جزافاً دون بيِّنة أو برهان أو إنصاف، مع أنَّه لو حصل لأحد هؤلاء شيء ممَّا حصل لذلك الشيخ أو الباحث من المراجعات الفقهية أو الفكرية لأحب أن يعذره الناس، ويبينوا وجه الصواب من قوله أو تفهمه على الأقل إذ إنَّ ما خالف فيه خلاف سائغ في مجال الفقه أو الفكر أو الدعوة.

ولا يفهم المراد من هنا أنَّ هذه دعوة للتراجعات والتقلبات الفكرية وقد صارت موضة في هذا الزمان، فالمقصود ليس ذلك، وإنَّما المراد أنَّ يغلَّب جانب الظن الحسن فيمن راجعوا بعض آرائهم وخالفوها عمَّا كانوا يقولون بها سابقا، وذلك تحت منظار البحث ومجهر البينة والدليل.

لقد أخذني العجب من نظرات بعض طلاب العلم القادحين بأهل العلم الربَّانيين في بعض رأيهم ورجوعهم من قول لقول آخر بناءا على دليل وبراهين، ثمَّ قد يقوم بعض طلبة العلم باتهام ذلك الرجل المتمكِّن علمياً بأنَّه لا يفقه وليست لديه أدوات الاجتهاد، ولو أنَّ هؤلاء الطلاب غلَّبوا جانب الظن الحسن لقالوا : إنَّ العلماء بشر يصيبون ويخطئون، وإنَّ العلماء لا زالوا يتعلمون ما داموا أحياء، وإنَّ المرء قد يرى رأيا في مسألة بناءا على دليل وتعليل، ثمَّ يخالفها بعد برهة من الزمن لأنَّه رأى دليلاً أقوى منه، بناءا على وجود الأدلة والقرائن التي تحف هذه المسألة.

ألسنا بحاجة إلى التعاذر بيننا كطلاب علم، وأن نحمل الأفعال والظنون على محمل حسن؟!

لا أشك في ضرورة ذلك، إذ إنََّّ من سيما طلاب العلم، حصافة العقول، ولقد قال عمر بن عبد العزيز مرة: "أعقل الناس أعذرهم لهم!"، (الآداب الشرعية لابن مفلح: (1/310)).

وإنَّ من أشد الأمور على القلوب أن يستعجل المرء في وصمه للآخرين بتهم انبعثت عن ظنون سيئة ليس لها رصيد من الفهم أو دليل أو واقع، ولكنَّ عجلة عجَّت بالقلب فنطق بها اللسان، مع أنَّه يعلم خطورة الظنون السيئة لمن عُلم عنهم الخير والصواب والهدى، ويعلم أنَّ الأصل التماس المعاذير، والتأني في الحديث عنهم ومعرفة السبب الذي جعلهم يقومون بهذا الفعل أو يقولون بهذا القول لتكون النفس على طمأنينة وراحة بال، دون الدخول في النيات والحكم على الناس، ومما أُثر عن الإمام الشافعي وقيل: لدعبل الخزاعي قوله:
 
تأنَّ ولا تعجل بلومك صاحبا *** لعل له عذرا وأنت تلوم


• من اعتذر لك فاقبل عذره:

من أساء لك في ظنه وأتى لكي يعتذر لك حتَّى تصفح عنه، فعليك أن تقبل منه عذره، فالله تعالى يقول: { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ? وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [سورة آل عمران:134]...
ويقول تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [سورة الأنفال:1].

والمؤمن طبعه الكرم والخلق الحسن وقبول المعاذير فهو لا يطالب ولا يضارب ولا يعاتب كما قال الإمام ابن تيمية، فقبول العذر دليل على سلامة الصدر، وسعة العقل، ونسيان الماضي...
ولعلَّ من الكلام الذي يحسن إيراده في هذا المقام ما قاله الحسن بن علي رضي الله عنهما : "لو أن رجلا شتمني في أذني هذه واعتذر إلي في أذني الأخرى لقبلت عذره"، (الآداب الشرعية (1/340)).


ولقد ذكر البيهقي أنَّ بعض الأدباء أنشد قائلا:

اقبل معاذير من يأتيك معــتذرا *** إن بر عندك فيما قال أو فجرا
فقد أطاعك من أرضاك ظاهره *** وقد أجلك من يعصـيك مستترا

وما أجمل النص القرآني البديع إذ يقول تعالى: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } [الأعراف:199].

قال عبد الله بن الزبير: "أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق الناس"، وقال مجاهد: "يعني خُذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تخسيس، مثل : قبول الأعذار والعفو والمساهلة، و ترك الاستقصاء في البحث، و التفتيش عن حقائق بواطنهم"، (جامع البيان (10/640)).

وقد أبدع من قال:
 
قيل لي قد أساء إليك فــلان *** ومقام الفتى على الذل عار
قلت قد جاءنا وأحدث عذرا *** دية الذنب عــــندنا الاعتذار

إنَّ قبول العذر من الشخص الذي لم يعلم عنه سوى الخير والفضل والصلاح، وقد أخطأ قليلاً في حقك أو أنَّه ظنَّ بك ظنوناً ليست بذاك، فإنَّ اعتبار حاله ونيته مهم في ذلك جداً، فلربما لم يكن يقصد الإساءة إليك، ولربما جاءه نوع من التشويش الفكري، ولربما استعجل القيل والقال، فكانت زلةَ لسان ولا يقصد المعنى السيئ، كما بيَّن ذلك ابن القيم رحمه الله حيث يقول: "والكلمة الواحدة يقولها اثنان يريد بها أحدهما أعظم الباطل، ويريد بها الآخر محض الحق، والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه، وما يدعو إليه ويناظر عنه"، ولهذا لم يُحكم بالكفر على الذي أخطأ من شدة الفرح فقال: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك"، لأنه لم يقصد تأليه نفسه...
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ينقل مقالة بعض المخالفين له ثم يقول: "هذا الكلام فيه إجمال، والمحق يحمله محملًا حسنًا، وغير المحق يدخل فيه أشياء"، (مدارج السالكين(3/521)).


• مع الظن السيئ وقفات:

يقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } [سورة الحجرات:12].

من تأمل في هذا الخطاب القرآني فإنه سيجد في سياق الآية الأمر بصيانة الفكر واللسان عن القول السيئ، وعدم ظن السوء، حتى لا يخاض فيه بالظن القادح، ومن جميل ما طالعته من كلام أحد أهل العلم: "فدلَّ سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة لتقدُّم النهي عن الخوض فيه بالظنِّ، فإن قال الظانُّ: أبحث لأتحقق، قيل له: { وَلاَ تَجَسَّسُواْ }، فإن قال: تحققتُ من غير تجسس، قيل له: { وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا }"...

وذلك لأنَّ كثيراً منه ظن في غير محلِّه، وهنالك ظن مأمور به وسنتحدث عنه في فقرة أخرى وعنوان جديد من هذه الدراسة، فالظن المحظور يكون من قبيل سوء الظن بالمسلمين ومن ظاهرهم العدالة والصدق والتقى، وهو المراد بالآية، وما تناوله الحديث الذي رواه الصحابي الجليل أبوهريرة رضي الله عنه مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إياكم والظن فإنَّ الظن أكذب الحديث »، أخرجه البخاري ومسلم.

قال ابن الأثير: " أراد بالظن الشك الذي يعرض للإنسان في الشيء فيحققه ويعمل به".

وأخرج الإمام أحمد وأبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حسن الظن من حسن العبادة »، ([2]).

وذلك لأنَّ من يحسن الظن بالآخرين، فإنَّه سيكف لسانه عن القيل والقال، فلن يكذب على ذلك المظنون به، ولن يقوم بغيبته، ولن ينقل هذا الكلام للآخرين، ولن يبهته ويظلمه حقَّه، فيكون هذا كلّه من حسن العبادة!


لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم المسلمين حُسن الظن بأهلهم، فقد جاءه رجل ويبدو أنَّه ظنَّ ظنَّ السوء في زوجه فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن امرأتي ولدت غلامًا أسودا"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل لك من إبل؟ »، قال: نعم، قال:« فما ألوانها؟ »، قال: حُمْرُ، قال: « هل فيها من أورق؟» (يعني فيه سواد)، قال: إن فيها لأورقًا، قال: « فأنى أتاها ذلك »، قال: عسى أن يكون نزعه عِرْقٌ، قال: «وهذا عسى أن يكون نزعه عِرْق »، أخرجه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم.

لهذا كان لابدَّ من الظن المندوب ضداً واحترازاً من الظن المحظور، بحسن الظن بالآخرين، فإن قيل: إذا كان سوء الظن محظورا فواجب أن يكون حسن الظن واجبا، قيل له: لا يجب ذلك، لأن بَيْنَهُمَا واسطة، وهو أن لا يظن به شيئا، فإذا أحسن الظن به فقد فعل مندوبا إليه، كما قال الجصَّاص في أحكام القرآن.

وهنالك من فصَّل في خطر الظن الخاطئ وأنَّه مجرد ما يقع في القلب دون تكلُّم به، فلقد روى الترمذي عن سفيان: "الظن الذي يأثم به ما تكلم به، فإن لم يتكلم لم يأثم".

وذكر ابن الجوزي مثل قول سفيان هذا عن المفسرين ثم قال: "وذهب بعضهم إلى أنه يأثم بنفس الظن ولو لم ينطق به".


لهذا على المسلم حينما يسمع عن أخيه شراً أو سوءاً، ومثله لا يظن به إلا الخير لصلاح سيرته وما يظهر من ظاهر حاله بالاستقامة والصلاح والديانة، فإنَّه لا ينبغي الظن به إلا خيراً، ولأجل ذلك قال تعالى في سياق حديث الإفك: {لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَـذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ} [سورة النور:12].

وعن سعيد بن المسيب قال: "كتب إلي بعض إخواني من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنْ ضعْ أمر أخيك على أحسنه، ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرًا، وأنت تجد لها في الخير محملاً"، (خرجه البيهقي في الشعب: (6/323)).

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا يحل لامرئ مسلم يسمع من أخيه كلمة يظن بها سوءاً وهو يجد لها في شيء من الخير مخرجاً"، وقال أيضاً: "لا ينتفع بنفسه من لا ينتفع بظنه".

وحينما سئل الإمام أحمد بن حنبل عن الحديث الذي جاء فيه: « إذا بلغك عن أخيك شيء فاحمله على أحسنه حتى تجد له محملاً »، ما يعني به؟، فقال: "تقول تعذره، لعله كذا لعله كذا"، (شرح منظومة الآداب للشيخ منصور البهوتي ص: 458).

وجاء في الأثر : «إذا ظننتم فلا تحققوا »، وهو وإن كان منسوباً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسند ضعيف، فإنَّ معناه صحيح، فالأصل أنَّ الشخص حينما يظن ظنَّاً فعليه ألاَّ يحقق هذا الظن الذي يعرض في قلب الإنسان ويوجب الريبة فيه.

ولقد قال الشاعر:

وأبغي صواب الظن أعلم أنه *** إذا طاش ظن المرء طاشت معاذره

روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «رأى عيسى ابن مريم رجلا يسرق، فقال له: أسرقت؟
قال: كلا والله الذي لا إله إلا هو!
فقال عيسى: آمنت بالله، وكذّبت عيني
!».

وما هذا إلاَّ لأنَّ ذلك الرجل أقسم بالله أنَّه لم يسرق، وكذلك لربما كان هذا المال له، ولم يكن أخذا من غير حقه، فسرعان ما تراجع رسول الله عيسى عليه السلام وقال: « آمنت بالله وكذبت عيني ».

وهنالك وللأسف من يسوء فعله فتسوء ظنونه، فيظن أنَّه بسبب كثرة غيبته للآخرين فهو يظنُّ أنَّ فلاناً يغتابه...
وآخر بسبب كثرة نظره للحرام يظن الآخرين من أهل الصلاح مثله...
وآخر بسبب اقترافه للحرام فهو يظن الناس أنَّهم مثله في اقترافهم للحرام!
وآخر يسوء ظنُّه بسبب حقده الدفين على الصادقين، وخير مثال على ذلك ما قام به رأس النفاق والمنافقين عبد الله بن أبي بن سلول في إساءة الظن بعائشة الصديقة رضي الله عنها...
ومن خالط الأشرار لن يظن بالأخيار خيراً، بسبب تشويه سمعة الأشرار للأخيار، وكذلك لأنَّهم يؤزُّونه أزَّاً إلى أن يظن بالصالحين ظن السوء.

وصدق المتنبي القائل:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه *** وصدَّق ما يعتاده من توهم!

ومن الغريب في ذلك أني وجدت بعض من يسيئ الظن بالآخرين، حتَّى إنَّه يسيء الظن بامرأته وزوجته والتي يهيم بها حبَّاً وولهاً وإعجاباً، ولكنَّه من شدَّة غيرته عليها يسوء ظنُّه بها فقد يظن بها أموراً لا تحمد عقباها من قبيل الخلوة بأجنبي وشيء من هذا القبيل، وهذه في الحقيقة غيرة مذمومة، حينما نعلم بداهة أنَّ زوجة ذلك الرجل من الزوجات الصالحات أو الحافظات لفروجهنَّ واللواتي لا يتخذن أخدانا!

وتذكرت إذ ذاك قول الشاعر العربي حينما قال:

وإني بها في كل حال لواثق *** ولكن سوء الظن من شدة الحب

وقد قال صلى الله عليه وسلم: « من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض الله فأما التي يحبها الله فالغيرة في الريبة وأما الغيرة التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة »، أخرجه أحمد وأبو داود عن جابر بن عتيك.([3])



• لكن الظن السيئ له وقته ومجاله فلا تعارض!

حينما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ } [سورة الحجرات:12].

في هذه الآية كذلك يبين الله تعالى لنا أنَّ بعض الظن إثم، وهذا يدل على أنَّ هنالك ظناً محموداً وليس إثما، ما يدل على أنَّه ليس كل الظن إثم.

فالأصل اجتناب الظن، إلاَّ إذا دعت الحاجة إلى ظن السوء فيمكن استخدامه بسبب أمارات وعلامات وحقائق تدلِّ على ذلك.

وممَّن نبَّه على ذلك الإمام الجصاص والقرطبي وغيرهما، بل هو واضح من مراد الآية وسياقها، فلو أنَّ شخصاً قامت القرينة والبينة على أنَّه أهل لذلك الظن القادح به، فإنَّ هذا الظن يكون في حقه مشروعاً، ولهذا كان العلماء يقولون: "رحم الله امرءاً كفَّ الغيبة عن نفسه"، وذلك لكي لا يجعل من نفسه مادة تلاك بين ألسن الناس بسبب تصرفاته وأفعاله التي لا تشي ولا تنمي إلاَّ بالفعل القبيح الذي يجعل الناس لا يستخدمون إلاَّ الظن السيئ فيه وفي أمثاله...
ولهذا من الأمثال المضروبة السائرة: (احترسوا من الناس بسوء الظن)، والأمر ليس على إطلاقه ولكن المقصود احترسوا من الناس الذين تقوم القرينة على تصرفاتهم السيئة وسيرتهم الفاسدة، فيمكن الاحتراس منهم بسوء الظن.

وقال أبو حازم: "العقل التجارب والحزم سوء الظن".

وقال أبو حامد الغزالي: "أمارة عقد سوء الظن أن يتغير القلب معه عما كان، فينفر عنه نفورا ما، ويستثقله، ويفتر عن مراعاته وتفقده وإكرامه والاغتمام بسببه، فهذه أمارات عقد الظن وتحقيقه".

والإمام ابن حزم الأندلسي يقول: "وأما سوء الظن فيعده قوم عيباً على الإطلاق، وليس كذلك إلاَّ إذا أدَّى بصاحبه إلى ما لا يحل في الديانة، أو إلى ما يقبح في المعاملة، وإلاَّ فهو حزم، والحزم فضيلة"، (مداواة النفوس ص:109).

لهذا نجد في كتب السير والأخلاق أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه روي عنه أنَّه قال: "مَن دخل مداخل السوء فلا يلومن مَن أساء به الظن"، وورد في الأثر: «اذكروا الفاسق بما فيه، يحذره الناس »...
وقد قيل قديماً: "من وضع نفسه موضع تهمة فلا يلومنَّ من أساء به الظن".

لهذا حكى القرطبي عن أكثر العلماء: "أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز، وأنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره القبيح".

ونجد تطبيق ذلك واضح من خلال قول النبي صلى الله عليه وسلم:‏ « مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ مِنْ دِينِنَا شَيْئًا »‏، قَالَ ‏‏اللَّيْثُ: "كَانَا رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُنَافِقِينَ "،‏ ‏حَدَّثَنَا ‏ ‏يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ‏ ‏حَدَّثَنَا ‏‏اللَّيْثُ ‏ ‏بِهَذَا، وقالت عائشة رضي الله عنها دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم يوما وقال: « يَا ‏عَائِشَةُ ‏مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ دِينَنَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ»، رواه البخاري.

وهذا من إساءة الظن بهؤلاء المنافقين، والذين لا يجوز عليهم إلاَّ سوء الظن، ونجد الإمام ابن هبيرة الوزير الحنبلي يقول: "لا يحل والله أن يحسن الظن بمن ترفض ولا بمن يخالف الشرع في حال".

وحينما خشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يظن الصحابة فيه ولو شيئاً يسيراً أو يستغربوا مشيه في جنح الظلام مع امرأة بيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يفعله، لكي لا يقع الشيطان في قلوب أصحابه، ففي الصحيحين أن صفية رضي الله عنها أتت النبي تزوره وهو معتكف، وأن رجلين من الأنصار رأياهما فأسرعا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «على رسلكما إنها صفية بنت حيي »، فقالا: سبحان الله يا رسول الله، قال: «إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً»، أو قال: «شراً ».


• وفي الختام:

فجدير بمن قرأ هذه الدراسة أن يتحرَّز في الظنون وإلقاء التهم على الآخرين، ويتريَّث قدر الإمكان في ذلك، ومع أنَّنا فصَّلنا المقام في هذه الدراسة وذكرنا الظن الذي لا يجوز والظن الذي يجوز، إلاَّ أنَّ الاستعجال في الظن السيئ مشكلة تحتاج لوقفة تقوى وورع، ولنا في حديث أسامة بن زيد الذي أخرجه الإمام مسلم عظة وعبرة، حيث قال أسامة بن زيد: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة، فصبحنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله فكف عنه الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته! قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: « يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله »، قال: قلت: يا رسول الله إنما كان متعوذا، قال: فقال: «أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله »، قال: فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.

وفي رواية أخرى في صحيح مسلم أنَّ أسامة بن زيد طلب من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يستغفر له فقال له رسول الله: « فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة»، قال: يا رسول الله استغفر لي، قال: «وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة»، قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: «كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة»!

فهنا نجد تأنيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد في قتله لذلك المشرك، مع أنَّه كما في روايات أخرى أنَّه قام وقتل صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحينما رآه أسامة بن زيد لاذ والتجأ بشجرة، فأراد أسامة أن يهوي بسيفه على رأسه، فقال ذلك المشرك: لا إله إلاَّ الله، مع الأخذ بعين الاعتبار أن موقف ذلك المشرك يوحي بأنَّه لم يقل الشهادتين إلاَّ خوفاً من السيف، ومع هذا كان عتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسامة، حتَّى أنَّ أسامة تمنَّى أنَّه لم يكن أسلم إلاَّ ذلك الوقت ليمحى عنه ما تقدَّم!


وأخيرا:
فلقد أتت هذه الدراسة في زمن بات لا يعرف كثير من الناس فيه قضية حسن الظن بالآخرين وبمن يجب أن يُحسن الظن بهم، وكذلك في قلَّة من يعتذر لأخيه حينما يظن به ظن السوء بدعوى الخجل المذموم، وفي زمن قلَّة من يقبل العذر ممَّن اعتذر، وفي وقت لم يعد يفرِّق فيه بعض الناس بين الظن الحسن والقبيح، فلو كان هنالك ظن سيئ يليق بشخص ما لانبرى أحد الناس قائلاً: "أحسنوا الظن بالرجل"، مع أنَّ ذلك الرجل لا يتورع عن الحرام، بل يجاهر في القبائح.


وأسأل الله تعالى أن أكون قد وفِّقتُ في تبيين الفيصل بين هذه القضايا كلِّها، وأن يجعلنا ممن يقولون الحق ويعملون به، وأن يوفقنا للهدى ودين الحق، والله ولي التوفيق.


......................................................

[1] أخرجه الإمام البيهقي بسنده في شعب الإيمان: (6/323) إلى قائله جعفر بن محمد، وكذا أخرجه ابن عبر البر بسنده إلى محمد بن سيرين في كتابه بهجة المجالس.
[2] أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم، وقال المنذري: إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما، وحسنه ابن حجر، وصححه أحمد شاكر، وخالفهم الألباني فحكم عليه بالضعف.
[3] الحديث في سنده ضعف بسبب جهالة ابن جابر بن عتيك الذي روى الحديث عن أبيه، ويشهد له حديث عقبة بن عامر الجهني الذي أخرجه عبد الرزاق وأحمد والحاكم، وحكم عليه الحاكم بأنَّه صحيح، وقال الهيثمي : رجاله ثقات، وكذلك ذكره ابن القيم في الجواب الكافي وحكم عليه بأنَّه صحيح فقال:"وقد صحَّ الحديث..."، وحسَّنه الألباني من حديث جابر بن عتيك.


بقلم: خباب بن مروان الحمد*
[email protected]
المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام
  • 0
  • 0
  • 6,820

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً