راية الإسلام - إياك وترك راية الإسلام (17)

منذ 2017-02-01

إن الإسلام لا يهدم علاقات الأرحام والعصبات، ولم يُهدر اعتبار أشراف الناس وقياداتهم التي أفرزها المجتمع وقدمها الناس ورأوا أنهم يمثلونهم وأنهم ينتظمون خلفهم، ثم تنتظم هذه القيادات بدورها خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خلف الحاكم المسلم أو الخليفة عندما يكون راشدًا..

مشاركة تحت الراية..
لا يتم تلاحم الأمة تحت الراية إلا أن تكو راية الإسلام هي الجامعة، فهي الهوية وقُطب الرحى ومدار التجمع.


ولكن لا يتم التماسك والتلاحم والقضاء على ظواهر الاغتراب، ولا يتم القضاء على الانعزال الشخصي والانسحاب من القضايا العامة.. إلا بالمشاركة.


الهوية هي أساس التجمع؛ لكن قد يحدث اغتراب جزئي للناس تحتها إذا لم يشاركوا في التغيير، وفي الحكم وإدراة شؤونهم، والرقابة على الحكام، وتمثيل مصالحهم، واحترام رأيهم، وحضورهم في اتخاذ القرارات الخاصة بدولتهم وأمتهم ومصيرهم ومقدراتهم ومصالحهم.


السيف الثقيل على الأمة في الخلاف السياسي منذ عهد الأمويين إلى سقوط الخلافة أحدث نوعًا من الاغتراب ومهّد لمجيء العلمانية.


بينما الصورة النبوية والخلافة الراشدة بعد النبوة هي القاعدة الذهبية (تعدد الأُطر وتفعيل المشاركة من خلال الهوية الواحدة)، هي (هويةٌ واحدة وتعدد أُطر المشاركة).


احترم رسول الله صلى الله عليه وسلم تعدد القبائل، بل وبطون القبائل نفسها، فكان هناك المهاجرون والأنصار، وكانت هناك بطون قريش من بني هاشم وبني أمية وبني مخزوم وبني عدي وبني تيْم وغيرهم..


وكان في الأنصار أوس وخزرج، وبطونهما، فكان هناك بنو النجار وبنو سلمة وبنو الحارث وغيرهم..


وجاء العرب من غفار وأسلم وجهينة وبنو أسد وغيرهم.. كانت الوية وكتائب تحمل راياتها تحت الهوية الواحدة.


لم يُلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قيادات القبائل ورؤساءهم بل أقرّهم على من قدموه منهم، وكانوا يقدمون أشرافهم فكان يحترم أشرافهم، ويحترم روابطهم، لكن تحت الراية الواحدة فهي هوية واحدة جامعة وهم مفارز وكتائب تحتها.. فكان الشرط العام لكل هذا أن يكون ولاء الإسلام هو المتقدم والولاء الخاص للقبيلة أو للموطن متأخر عنه وخادم له.


بل كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة كتب أول مقدمه المدينة؛ منها ما كان بين الهاجرين والأنصار، ومنها ما كان بين المسلمين واليهود، ومنها ما كان بين بطون الأنصار أنفسهم فأقرّهم على روابطهم ومعاقلهم ومواساتهم بعضهم بعضا.


إن الإسلام لا يهدم علاقات الأرحام والعصبات، ولم يُهدر اعتبار أشراف الناس وقياداتهم التي أفرزها المجتمع وقدمها الناس ورأوا أنهم يمثلونهم وأنهم ينتظمون خلفهم، ثم تنتظم هذه القيادات بدورها خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خلف الحاكم المسلم أو الخليفة عندما يكون راشدًا..


وهذه أقوى حالة للحاكم؛ أن تجتمع حوله الأمة كلها من خلال اجتماعهم حول ممثليهم الحقيقيين، ومن ثم يجتمع ممثلوهم وأصحاب الرأي والقادة والأشراف المقدَمين خلف الحاكم.. فهنا لا يركن الحاكم إلى عصبيةٍ بعينها أو قبيلة بعينها أو عرق دون آخر، وبالتالي لا يلجأ إلى الأجهزة الأمنية وبطش رجال الدولة فيصنع حاجزًا بينه وبين الأم، ويندّ عنه فريق منها وقبائل وطوائف، وتشتدّ يده عليهم وسيفه؛ فيحدث اغتراب بسبب منعهم من المشاركة فلا يهتمون بقضايا الأمة العامة ولا قضايا دولتهم وينسحبون من العمل العام..


وعندئذ يقفز الأراذل والسفهاء ليبرزوا ويوسّد إليهم الأمر دون الحكماء والأشراف وتضعف بلاد المسلمين ومجتمعاتهم وتضطرب أحوالهم..


وهنا نعرف أهمية المشاركة ونعرف نموذجهم ممثلًا في دور أهل بدر، ولهذا مزيد بيان إن شاء الله..

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

مدحت القصراوي

كاتب إسلامي

  • 0
  • 0
  • 750
المقال السابق
إياك وترك راية الإسلام (16)
المقال التالي
إياك وترك راية الإسلام (18)

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً