توحيد الألوهية - (6) التحكيم للشريعة

منذ 2017-12-20

فالتلازُم ضروري بين العقيدة التي تستقرُّ في النفس، وآثارها التي لا بدَّ أن تَظهر في الحياة والسلوك، والقضاء والحُكم والإدارة على مستوى الفرد والجماعة.

(6) التحكيم للشريعة

كلمة التوحيد: تحكيم للشريعة:

إنَّ الإسلام عقيدة تَنبثق منها شريعة تُنظم شؤون الحياة، فالعقيدة هي الأصل الذي تَرتكز عليه دعائمُ الشريعة، ولن يَقبل الله من الناس الشريعةَ إلاَّ إذا صلَحت عقيدتهم، وآمَنوا بالله - عزَّ وجلَّ - وبوحدانيَّته في ربوبيَّته وألوهيَّته، وأسمائه وصفاته وأفعاله، واستيقَنوا بعالَم الغيب، والدار الآخرة، وما فيها من حسابٍ وجزاءٍ، وجنة ونارٍ.

 

وإذا رسخَت العقيدة في النفس، أمكَن بناء المجتمع الذي يَلتزم في حياته شرْعَ الله تعالى في علاقته بربِّه، وعلاقته بالإنسان، وعلاقته بالكون والحياة.

 

ولهذا؛ كانت العقيدة أوَّل ما دعا إليه الرُّسل - عليهم جميعًا الصلاة والسلام - قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].

 

فالإسلام ليس مجرَّد عقيدة وجدانيَّة مُنعزلة عن الحياة البشريَّة، بل العقيدة أصل الدين، ومنها تَنبثق الشريعة التي تُنظم شؤون الحياة، مثلها في شجرة الإسلام الوارفة الظلال كالجِذع من الأغصان والثمار، فإذا صحَّت العقيدة ورسَخت في القلب، اشتدَّ ساقُها، وامتدَّت أغصانها، وأوْرَقت فروعها، وأزْهَرت وأثمرَت، وآتَت أُكلها في الحياة الإنسانيَّة بالاستقامة على منهج الله تعالى، والوقوف عند حدوده، والالتزام بشرائعه، وبالسلوك الإسلامي القويم.

 

وإنما يُرسل الله تعالى رُسله بالعقيدة إلى عباده؛ ليُعلنوا توحيدَهم لله تعالى، وبَراءتهم من الشركاء والأنداد، وليُذعنوا لمُقتضاها في الامتثال لأمر الله تعالى ونَهْيه، والانقياد لشرْعه عملاً وسلوكًا، ولولا هذا، لكانت العقيدة دعوى لا يُصدِّقها الواقع، بل كانت مُتناقضة مع السلوك وأنظمة المجتمع، وكان ادِّعاؤها كذبًا وزُورًا؛ إذ ما قيمة الإيمان بألوهيَّة الله وحْده، وبعبوديَّة الإنسان له، إذا كان أصحاب هذا الإيمان أحرارًا بعد ذلك في أن يَدينوا في أنظمة الحُكم لغير الله تعالى، ولا يَخضع سلطانهم لشرْع الله - عزَّ وجلَّ؟!

 

فما من رسول بُعِث بعقيدة مجرَّدة عن الأحكام والتشريعات العمليَّة؛ وإنما يُبعَث بالعقيدة ومعها الشريعة، حتى يَبعث الله رسولاً بعده؛ يقول تعالى في عيسى - عليه السلام -: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}﴾ [آل عمران: 50]، ويقول عن التوراة: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45].

 

فالتلازُم ضروري بين العقيدة التي تستقرُّ في النفس، وآثارها التي لا بدَّ أن تَظهر في الحياة والسلوك، والقضاء والحُكم والإدارة على مستوى الفرد والجماعة.

 

فالإسلام أحكام اعتقاديَّة تتَّصل بما يجب على المكلَّف اعتقادُه في الله وملائكته، وكُتبه ورُسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشرِّه، وأحكام خُلُقيَّة تتعلَّق بما يجب أن يتحلَّى به من الفضائل، وأحكام عمليَّة فيما يَصدُر عنه من أقوال وأفعالٍ، وعقود وتصرُّفات، وحياة تعبُّدية تَجعل المسلم موصولَ القلب بالله تعالى، يَبتغي في شؤونه كلِّها مَرضاةَ ربِّه.

 

والحياة في ضوء الإسلام: نظام خُلقي يقوم على إشاعة الفضيلة، واستئصال الرذيلة، ونظام سياسي أساسه العدل بين الناس، ونظام اجتماعي نواته الأسرة الصالحة، وعماده التكافُل بين أبناء المجتمع، ونظام اقتصادي لُحمته العمل والإنتاج وَفْق التصوُّر الإسلامي، ومنهج متكامل للنشاط البشرى كلِّه.

 

ومن ثمَّ؛ فعقيدة التوحيد تَقتضي وجوب تحكيم الشريعة الإسلاميَّة الغرَّاء، والعمل بأحكام الشريعة من مُقتضيات التوحيد، وبالرغم من هذا كلِّه، فقد وقَع المنكر الأعظم الذي لَم يكن يَخطر ألبتَّةَ لأحدٍ على بالٍ، وذلك بتَنْحيَة شريعة الله تعالى، وأدهى من ذلك وأمَرُّ أنْ رُمِيَت الشريعة بالعجز والضَّعف، والقصور والجمود، وأنها لَم تَعُد قادرةً على مواكبة ومسايرة رُوح العصر، وما فيه من تقدُّمٍ وتطوُّر مُطَّرد!

 

وبالفعل لَم يَقتصر الأمر على حدِّ القول فقط، بل تعدَّاه إلى إقصاء الشريعة وإبعادها عن حياة المسلمين - إلاَّ مَن رَحِم ربُّك - وحلَّ محلها القانون الوضعي: الفرنسي والأمريكي، والإنجليزي والاشتراكي... إلى آخر هذه القوانين الفاجرة، ومثَلُهم في ذلك كمثل الجُعَل يتأذَّى من رائحة المسك الفوَّاح، ويَسعَد - بل ويَحيا - برائحة العَفَن والنَّتْن في المُستراح!

 

وهكذا ظنَّ كثيرٌ من الأغبياء أنَّ تشريع البشر؛ من مَلاحدة وزنادِقة، وعلمانيين وشيوعيين، واشتراكيين ورأسماليين، وديمقراطيين وبَعْثِيِّين، وغيرهم ممن تتحكَّم فيهم الأهواء، وتُسيطر عليهم الشهوات والشُّبهات - ظنُّوا أنَّ تشريع هؤلاء ونظامهم هو قارب النجاة وسط هذه الرياح الهَوْجاء، والأمواج المُتلاطمة، والفِتَن العاتية، والظُّلمات الحالكة، التي يترنَّح فيها كثيرٌ من الناس كترنُّح مَن يتخبَّطه الشيطان من المَسِّ.

 

وخابوا جميعًا وخَسِروا؛ ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50].

 

مَن أحسَنُ من الله حكمًا؟! ومَن أحسنُ من الله تشريعًا؟!

 

ومَن ذا الذي يَجرؤ على ادِّعاء أنه يُشَرِّع للناس ويَحكم فيهم خيرًا مما يُشَرِّع الله لهم، ويَحكم فيهم؟! وأيَّةُ حُجَّة يَملِك أن يسوقَها بين يدي هذا الادِّعاء العريض؟!

 

أيستطيع أن يقول: إنه أعلمُ بالناس من خالق الناس؟! أيستطيع أن يقول: إنه أرحمُ بالناس من ربِّ الناس؟! أيستطيع أن يقول: إنه أعرفُ بمصالح الناس من إله الناس؟!

 

أيستطيع أن يقول: إنَّ الله - سبحانه - وهو يُشَرِّع شريعته الأخيرة، ويُرسل رسوله الأخير، ويَجعله خاتم النبيين، ويَجعل رسالته خاتمة الرسالات، ويجعل شريعته شريعة الأبد، كان - سبحانه - يَجهل أنَّ أحوالاً ستَطرَأ، وأنَّ حاجاتٍ ستَجِدُّ، وأنَّ ملابسات ستقع، فلم يَحسب حسابها في شريعته، وأنها كانت خافية عليه - سبحانه - حتى انكشَفت للناس في آخر الزمان؟!

 

ما الذي يستطيع أن يقوله من يُنَحِّي شريعة الله - سبحانه - عن حُكم الحياة، ويَستبدل بها شريعة الجاهليَّة وحُكم الجاهليَّة، ويَجعل هواه هو، أو هوى شعبٍ من الشعوب، أو هوى جيلٍ من أجيال البشر - فوق حُكم الله وفوق شريعة الله؟!

 

ما الذي يستطيع أن يقوله، وبخاصة إذا كان يدَّعي أنه من المسلمين؟! الظروف؟! الملابسات؟! عدم رغبة الناس؟! الخوف من الأعداء؟! ألَم يكن هذا كلُّه في عِلم الله تعالى وهو يأْمر المسلمين أن يُقيموا بينهم شريعته، وأن يَسيروا على منهجه، وألاَّ يُفتنوا عن بعض ما أنزَله؟!

 

يا لها من فتنةٍ خطيرة! ويا لها من انتكاسة مُفجعة!

 

إنَّ الأمر - واللهِ - جدُّ خطيرٍ، وما سقَطت الأُمة المسلمة من القمة السامقة الشامخة إلى الحضيض من الخزي والذل، والهَوان والعار - إلاَّ يوم أن تخلَّت عن كتاب ربِّها، وعن سُنَّة نبيِّها، وراحَت تَلهث وراء الشرق المُلحد تارة، والغرب الكافر تارة أخرى، وبين يديها المَنهل العذْب، والنَّبع الصافي، والحبل المَتين، والنور المُبين، ومصدر العزِّ والشرف، والسيادة والقيادة!

 

وواللهِ، لن تعود للأمة هُويَّتُها وكرامتها، وقيادتها وسيادتها، إلاَّ إذا عادَت وانقادَت، واستَسلَمت لله تعالى خالِقها وبارئها بكليَّتها، وفي جميع شؤون حياتها؛ كما أمَر الله تعالى بذلك فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً... ﴾ [البقرة: 208].

 

قال الشيخ المودودي - رحمه الله -:

"أي بمجموع حياتكم، فلا يكن من شأنكم في ناحية من نواحي حياتكم، أن تتجرَّدوا من عبوديَّته الشاملة، فتَحسبوا أنفسكم أحرارًا في شؤونكم، تَختارون من المناهج والأوضاع ما تُريدون، أو تتَّبعون من النُّظم والقوانين الوضعيَّة المُسْتَحْدَثة ما تحبُّون.

 

إنَّ الأصل الذي يجب أن ترجعَ إليه الحياة البشرية بجُملتها، هو دين الله ومنْهجه للحياة، إن شهادة أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، هي رُكن الإسلام الأوَّل، ولا يقوم ولا يُؤدَّى، إلاَّ أن يكون هذا هو الأصل.

 

وإنَّ العبودية لله وحْده، مع التلقِّي في كيفيَّة هذه العبوديَّة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تتحقَّق إلاَّ أن يُعترَف بهذا الأصل، ثم يُتَّبع اتِّباعًا كاملاً، بلا تَلعْثُم ولا تردُّد؛ ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7].

 

ثم إنَّ الله تعالى يسأل: ﴿ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ﴾ [البقرة: 140]؟! ويُجيب: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216]، ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85].

 

والذي يعلم - والذي يَخلق ويَرزق كذلك - هو الذي يَحكم، ودينُه - الذي هو منهجُه للحياة - هو الأصل الذي تَرجع إليه الحياة، أما واقع البشر ونظريَّاتهم ومذاهبُهم، فهي تفسد وتَنحرف، وتقوم على عِلم البشر الذين لا يعلمون، والذين لَم يُؤْتَوا من العلم إلاَّ قليلاً!

 

• إنها قضيَّة من أخطر قضايا العقيدة؛ إما إسلام، وإمَّا جاهلية! يقول الله تعالى: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50].

 

يقول ابن كثير - رحمه الله - في تفسير هذه الآية:

"يُنكر تعالى على مَن خرَج عن حُكم الله المحكم المُشتمل على كلِّ خيرٍ، الناهي عن كلِّ شرٍّ، وعدَل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضَعها الرجال بلا مُستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهليَّة يَحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يَضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يَحكم به التتار من السياسات الملكيَّة المأخوذة عن مَلِكهم جنكيزخان، الذي وضَع لهم "الياسق"، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكامٍ اقتبسَها عن شرائعَ شتَّى؛ من اليهوديَّة والنصرانيَّة والمِلَّة الإسلاميَّة وغيرها، وفيها كثيرٌ من الأحكام أخَذها من مجرَّد نظره وهواه، فصارَت في بَنِيه شرعًا مُتَّبعًا، يُقدِّمونها على الحكم بكتاب الله وسُنَّة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فمَن فعَل ذلك، فهو كافرٌ، يجب قتالُه؛ حتى يرجع إلى حُكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليلٍ ولا كثيرٍ"؛ ا.هـ.

 

ويقول صاحب الظلال - رحمه الله - في تفسير هذه الآية:

"إنَّ معنى الجاهلية يتحدَّد بهذا النص، فالجاهليَّة كما يَصفها الله، ويُحدِّدها قرآنه: هي حُكم البشر للبشر؛ لأنها هي عبوديَّة البشر للبشر، والخروج عن عبوديَّة الله، ورفْض ألوهيَّة الله، والاعتراف في مقابل هذا الرفض بألوهيَّة بعض البشر، وبالعبوديَّة لهم من دون الله.

 

إنَّ الجاهلية في ضوء هذا النص ليستْ فترة من الزمان، ولكنَّها وضْعٌ من الأوضاع، هذا الوضع يوجد بالأمس، ويوجد اليوم، ويوجد غدًا، فيَأخذ صفة الجاهليَّة المقابلة للإسلام، والمناقضة له، والناس في أيِّ زمانٍ، وفي أيِّ مكانٍ؛ إمَّا أنهم يحكمون بشريعة الله تعالى دون فتنةٍ عن بعضٍ منها، ويَقبلونها ويُسلِّمون بها تسليمًا، فهم إذًا في دين الله، وإمَّا أنهم يحكمون بشريعةٍ من صُنع البشر في أيِّ صورةٍ من الصور، ويَقبلونها، فهم إذًا في جاهليَّة، وهم في دين مَن يحكمون بشريعته، وليسوا بحالٍ في دين الله، والذي لا يَبتغي حُكم الله، يَبتغي حُكم الجاهليَّة، والذي يَرفض شريعة الله، يَقبل شريعة الجاهليَّة، ويعيش في جاهلية".

 

وبعبارة أوضح للشيخ سيد قطب نفسِه - رحمه الله - يقول:

"وهذا الوصف يَلحقهم بمجرَّد اتِّباعهم لتشريع العباد لهم من دون الله، بغير إنكارٍ منهم يَثبت معه أنهم لا يتَّبعون إلاَّ عن إكراهٍ واقعٍ بهم، لا طاقة لهم بدَفْعه، وأنهم لا يُقِرُّون هذا الافتئات على الله".

 

إنها قضيَّة من أخطر قضايا العقيدة؛ إمَّا كفرٌ، وإمَّا إيمان؛ يقول تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: 44].

 

روى البخاري ومسلم عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنَّ اليهود جاؤوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكَروا له أنَّ رجلاً منهم وامرأة زَنَيا، فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما تجدون في التوراة في شأن الرَّجم؟))، فقالوا: نَفضحهم ويُجلدون، قال عبدالله بن سلام: كذَبتُم، إن فيها الرَّجم، فأتَوا بالتوراة، فنشَروها، فوضَع أحدهم يدَه على آية الرَّجم، فقرَأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبدالله بن سلام: ارفَع يدَيك، فرفَع يديه، فإذا آية الرَّجم، فقالوا: صدَقت يا محمد، فيها آية الرَّجم، فأمَر بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرأيتُ الرجل يَحني على المرأة؛ يَقيها الحجارة.

 

سبحان الله، إذا كان الله تعالى قد حكَم على اليهود ومَن حذَا حَذْوهم بالكفر؛ من أجْل تغيير حُكم الرَّجم إلى الجلْد والتحميم - وهو نوع من العقوبة - فكيف بمَن يَجعل الزنا حريَّة شخصيَّة إذا كان برضا الطرَفين، ويرى الرَّجم وأمثاله من أحكام الله تعالى؛ كالقطْع في السرقة، والقِصاص، والجلْد، وغيرها - شريعةَ غابٍ، ووحشيَّة مُنافية لحقوق الإنسان؟!

 

ومَن يُطالع قانون العقوبات المصري، يرَ أنَّ ما فعَله اليهود والكافرون - وهم سبب نزول الآيات - كان أهونَ بكثيرٍ مما يَفعله مُشرِّعو زماننا، وإليك بعض الأمثلة من هذا القانون:

• مادة (267): "مَن واقَع أنثى بغير رضاها، يُعاقب بالأشغال المؤبَّدة، أو المؤقَّتة"، ومعنى ذلك: أنه لو كان برضاها، فلا يُعاقب!

 

• مادة (273): "لا يَجوز محاكمة الزانية إلاَّ بناءً على دعوى زوجها، إلاَّ إذا زنَى الزوج في المسكن المُقيم فيه مع زوجته، كالمُبيَّن في المادة (272)، فلا تُسمع دعواه عليها".

 

يعني: إذا زنَا كلٌّ منهما في مسكن الزوجيَّة، فلا تَصِح المطالبة بالمحاكمة!

 

• مادة (274): "المرأة المُتزوِّجة التي ثبَت زناها، يُحكم عليها بالسجن لمدة لا تَزيد عن سنتين، لكن لزوجها أن يوقفَ تنفيذ هذا الحكم برضائه مُعاشرتها له كما كانت"!

 

• مادة (275): "ويُعاقب أيضًا الزاني بتلك المرأة بنفس العقوبة"!

 

• مادة (277): "كلُّ زوج زنَى في منزل الزوجيَّة، وثبَت عليه هذا الأمر بدعوى الزوجيَّة، يُجازَى بالحبس مدة لا تزيد عن ستة أشهر"؛ أي: إنه إذا كان خارج منزل الزوجيَّة، أو لَم تطلب محاكمته، فليستْ جريمة!

 

وواللهِ، إني لا أدري ما أقول في هذا الكفر البَواح والشِّرك البيِّن، سوى: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، وحسبُنا الله ونِعم الوكيل.

 

يقول العلامة الشنقيطي - رحمه الله - في الأضواء:

"الظاهر المُتبادر من سياق الآيات، أنَّ آية: ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: 44]، نازلة في المسلمين؛ لأنه تعالى قال قبلها مُخاطبًا لمسلمي هذه الأُمة: ﴿ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ [المائدة: 44]، ثم قال: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: 44]، فالخطاب للمسلمين كما هو ظاهر مُتبادر من سياق الآية.

 

وعليه؛ فالكفر؛ إمَّا كفر دون كفرٍ، وإما أن يكون فعَل ذلك مُستحِلاًّ له، أو قاصدًا به جَحْد أحكام الله وردَّها مع العلم بها، أمَّا مَن حكَم بغير حُكم الله وهو عالِم أنه مُرتكب ذنبًا، فاعلٌ قبيحًا، وإنما حمَله على ذلك الهوى - فهو من سائر عُصاة المسلمين، وسياق القرآن ظاهرٌ أيضًا أن آية: ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [آل عمران: 94] في اليهود، وأيضًا في أن آية: ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [المائدة: 47] في النصارى.

 

واعْلَم أنَّ تحرير المقام في هذا البحث، أنَّ الكفر والظلم والفِسق، كلُّ واحدٍ منها رُبَّما أُطْلِق في الشرع مرادًا به المعصية تارة، والكفر المُخرج من المِلَّة أخرى؛ ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ [المائدة: 44]؛ مُعارضة للرُّسل، وإبطالاً لأحكام الله، فظلمُه وفِسقه وكُفره، كلُّها كفرٌ مُخرج عن المِلَّة، ومَن لَم يَحكم بما أنزَل الله، مُعتقدًا أنه مرتكبٌ حرامًا، فاعلٌ قبيحًا - فكفرُه وظلمُه وفِسقه غيرُ مُخرج عن المِلَّة، وقد عرَفت أنَّ الأُولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى، والعبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب، وتحقيق أحكام الكلِّ هو ما رأيتَ، والعلم عند الله تعالى".

 

وقال العلاَّمة القرطبي في جامعه:

﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: 44] ﴿ الظَّالِمُون ﴾، ﴿ الفَاسِقُون ﴾، نزَلت كلُّها في الكفار، وقيل: فيه إضمار؛ أي: ومَن لَم يَحكم بما أنزَل الله؛ ردًّا للقرآن، وجَحدًا لقول الرسول - عليه الصلاة والسلام - فهو كافرٌ؛ قاله ابن عباس ومجاهد، فالآية عامَّة على هذا؛ قال ابن مسعود والحسن: هي عامة في كلِّ مَن لَم يَحكم بما أنزَل الله من المسلمين واليهود والكفار؛ أي: مُعتقدًا ذلك، ومُستحِلاًّ له، فأمَّا مَن فعَل ذلك - وهو مُعتقد أنه راكبُ محرَّمٍ - فهو من فُسَّاق المسلمين، وأمرُه إلى الله تعالى؛ إن شاء عذَّبه، وإن شاء غفَر له".

 

وقد جمَع الإمام السيوطي في "الدر المنثور" الأقوالَ في هذه المسألة، فراجِعه.

 

قال ابن القيِّم في المدارج:

"والصحيح أنَّ الحكم بغير ما أنزَل الله، يتناول الكفرَين: الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم؛ فإنه إن اعتَقد وجوبَ الحُكم بما أنزَل الله في هذه الواقعة، وعدَل عنه عصيانًا، مع اعترافه بأنه مُستحِقٌّ للعقوبة، فهذا كفرٌ أصغر، وإن اعتَقد أنه غيرُ واجبٍ، وأنه مُخيَّر فيه مع تيقُّنه أنه حُكم الله، فهذا كفرٌ أكبر، وإن جَهِله وأخطَأه، فهذا مُخطئ، له حُكم المخطئين".

 

ثم يُفصِّل الإمام ابن القيِّم هذه المسألة الخطيرة تفصيلاً قَلَّ أن تجد له نظيرًا في مواضعَ أخرى، فيقول:

"فالإيمان العملي يضادُّه الكفر العملي، والإيمان الاعتقادي يضاده الكفر الاعتقادي، وقد أعلَن النبي -صلى الله عليه وسلم- بما قلناه في الحديث الصحيح عند مسلم: ((سِباب المسلم فُسوق، وقتالُه كُفر)).

 

ففرَّق بين قتاله وسِبابه، وجعَل أحدهما فسوقًا لا يَكفُر به، والآخر كُفرًا، ومعلوم أنه إنما أرادَ الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يُخرجه من الدائرة الإسلاميَّة والمِلَّة بالكليَّة، كما لا يخرج الزاني والسارق والشارب من المِلَّة، وإن زالَ عنه اسمُ الإيمان.

 

وهنا أصل آخرُ:

وهو أنَّ الرجل قد يَجتمع فيه كفرٌ وإيمان، وشِرْك وتوحيد، وتقوى وفجورٌ، ونفاقٌ وإيمان، وهذا من أعظم أصول أهل السُّنة، وخالَفهم فيه غيرُهم من أهل البِدع؛ كالخوارج، والمُعتزلة، والقدريَّة.

 

وها هنا أصل آخرُ:

وهو أنه لا يَلزم من قيام شُعبة من شُعب الإيمان بالعبد، أن يُسمَّى مؤمنًا، وإن كان ما قام به إيمانًا، ولا من قيام شُعبة من شُعَب الكفر أن يُسمَّى كافرًا، وإن كان ما قام به كفرًا، كما أنه لا يَلزم من قيام جزءٍ من أجزاء العلم به أن يُسمَّى عالِمًا، ولا من معرفة بعض مسائل الفقه والطبِّ أن يسمَّى فقيهًا ولا طبيبًا، ولا يَمنع من ذلك أن تسمَّى شُعبة الإيمان إيمانًا، وشُعبة النفاق نفاقًا، وشُعبة الكفر كفرًا.

 

وقد يُطلق عليه الكفر؛ كقوله: ((فمَن ترَكها، فقد كَفَر))، ((ومَن حلَف بغير الله، فقد كفَر))، ((ومَن أتى كاهنًا فصدَّقه بما يقول، فقد كفَر)).

 

فمَن صدَر منه خَلَّة من خِلال الكفر، فلا يستحقُّ اسم كافرٍ على الإطلاق، وكذا ما يُقال لِمَن ارتكَب مُحرَّمًا أنه فعَل فسوقًا، وأنه فاسقٌ بذلك المحرَّم، ولا يَلزمه اسمُ فاسقٍ إلا بغَلبة ذلك عليه"، وراجِع لزامًا هذا البحث القيِّم في كتاب الصلاة؛ لابن القيِّم، فقد حذَفت منه كلامًا كثيرًا مهمًّا.

 

وبعد هذه النقول، أُقرِّر هذه المسائل البالغة الأهميَّة:

المسألة الأولى: أنَّ هذه القضيَّة الخطيرة الكبيرة، وأنَّ هذا المُعترك الصعب، قد زلَّ فيه فريقان على طرَفي نقيضٍ؛ وهما: الأول: الخوارج ومَن تابَعهم؛ حيث بالَغوا في التكفير، وغَلَوا فيه غُلوًّا شديدًا، فلم يُكفِّروا الحُكَّام فقط من مُنطلق فَهْمهم لقول الله تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: 44]، بل كفَّروا المسلمين، ومَن إسلامهم ثابتٌ بإجماع المسلمين؛ لمُشايعتهم لهؤلاء الحُكَّام، وتتمثَّل عندهم هذه المُشايعة في عدم الإنكار الظاهر باليد واللسان، وهذا غيرُ صحيحٍ؛ فإن عدمَ الإنكار الظاهر باليد واللسان، لا يَعني مُطلقًا مُشايعة الذين يُبدِّلون شرْع الله؛ لأنه لا يستطيع كلُّ أحدٍ أن يُنكر في الظاهر، بل لقد أوجَب النبي -صلى الله عليه وسلم- إنكارَ المنكر بحسب القدرة؛ كما في حديث أبي سعيد عند مسلم والترمذي وأبي داود: ((مَن رأى منكم منكرًا، فليُغيِّره بيده، فإن لَم يستطع فبلسانه، فإن لَم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان)).

 

ويوضِّح شيخ الإسلام هذه القضيَّة في شرْحه لآية التوبة، وحديث عدي بن حاتم، فيقول: "وهؤلاء الذين اتَّخذوا أحبارَهم ورُهبانهم أربابًا؛ حيث أطاعوهم في تحليل ما حرَّم الله، وتحريم ما أحلَّ الله - يكونون على وجهين: أحدهما: أن يَعلموا أنهم بدَّلوا دين الله، فيتَّبعونهم على التبديل، فيَعتقدون تحليلَ ما حرَّم الله، وتحريمَ ما أحلَّ الله؛ اتِّباعًا لرؤسائهم، مع عِلمهم أنهم خالَفوا دين الرسول، فهذا كفرٌ.

 

وقد جعَله الله ورسوله شِركًا، وإن لَم يكونوا يُصلُّون لهم، ويَسجدون لهم، فكان مَن اتَّبع غيره في خلاف الدين، مع عِلمه أنه خلاف الدين، واعتقَد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله - كان مشركًا مثل هؤلاء.

 

والوجه الثاني: أن يكون اعتقادُهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا، لكنَّهم أطاعوهم في معصية الله، كما يَفعل المسلم ما يَفعله من المعاصي التي يَعتقد أنها معاصٍ، فهؤلاء لهم حُكم أمثالهم من أهل الذنوب".

 

أمَّا استدلال بعض المعاصرين بأقوال الشيخ سيد قطب - رحمه الله - في أنَّ الأصل في الناس اليوم هو الكفر، ويدَّعون أنَّ هذا هو منهجه، فهذا أيضًا غيرُ صحيحٍ، بل لقد فرَّق الشيخ كثيرًا بين الحاكم بغير الشريعة، وبين المحكومين بغير الشريعة، واشترَط الإرادة والرضا بغير شرْع الله تعالى في الحُكم على المحكومين بغير الشريعة بالكفر، والإعذار بالإكراه لِمَن كان في ظلِّ حُكمٍ بغير الشريعة.

 

قال - رحمه الله - في الظلال:

"إنَّ دينَ الحق الذي لا يَقبل الله من الناس كلِّهم دينًا غيرَه، هو الإسلام، والإسلام لا يقوم إلاَّ باتِّباع الله وحْده في الشريعة بعد الاعتقاد بألوهيَّته وحْده، وتقديم الشعائر التعبُّدية له وحْده، فإذا اتَّبَع الناس شريعةً غير شريعة الله، صحَّ فيهم ما صحَّ في اليهود والنصارى، من أنهم مُشركون لا يؤمنون بالله، مهما كانتْ دعواهم في الإيمان؛ لأنَّ هذا الوصف يَلحقهم بمجرَّد اتِّباعهم لتشريع العباد لهم من دون الله، بغير إنكارٍ منهم يَثبت معه أنهم لا يتَّبعون إلاَّ عن إكراهٍ واقعٍ بهم، لا طاقةَ لهم بدفْعه، وأنهم لا يُقِرُّون هذا الافتئات على الله تعالى".

 

والخلاصة بعد هذه الإطالة - المُتعمَّدة - أنَّ الفريق الأوَّل قد أفرَط في التكفير، فكَفَّر الحاكم والمحكومين جميعًا.

 

والفريق الثاني: مُناقض لهذا الفريق الأوَّل، دفَعه إفراطُ الخوارج ومَن تابَعهم في التكفير، إلى ترْك تكفير مَن كُفرُهم ثابتٌ بإجماع المسلمين؛ خوفًا من الوقوع فيما وقَع فيه الخوارج وأشياعهم، وربما احتجُّوا ببعض الأقوال الصحيحة المنقولة عن السلف، بدون تحقيق المَناطات الخاصة والعامة التي لا بدَّ منها للرَّبط ربطًا صحيحًا بين دَلالات النصوص وحركة الواقع.

 

ومِن ثَمَّ؛ نَخلُص إلى المسألة الثانية من بين المسائل التي أُريد أن أُوضِّحها في هذه القضية الخطيرة، ألا وهي:

المسألة الثانية: أنَّ قولَ بعض السلف - في تفسير آيات الحاكميَّة التي ذكَرتها آنفًا -: كفرٌ دون كفرٍ، وظلمٌ دون ظلمٍ، وفِسقٌ دون فسقٍ، هذا القول لا يَنصرف مَناطه أبدًا إلى مناط التحاكُم إلى القوانين الوضعيَّة الفاجرة، ولا إلى هؤلاء الذين يَسخرون ويَهْزَؤُون بشريعة الله، ويتَّهمونها بالجمود والضِّيق، وعدم مُسايرتها لرُوح العصر!

 

وابن عباس - رضي الله عنهما - وغيره حينما قال: "كفرٌ دون كفرٍ"، لَم يكن يَقصد أبدًا مَن نحَّى شريعة الله تعالى، وتحاكَم إلى شرْع المهازيل من البشر؛ لأنه لَم يكن في عصره ولا عصر غيره من علماء السلف مَن فعَل ذلك من الحُكَّام، أو حتى قريبًا منه؛ حتى يُمكن أن يُحمَل كلامهم عليه!

 

وإنما يُريد ابن عباس وغيرُه بذلك الحاكمَ الذي يَحكم بشرْع الله تعالى المُلتزم به، لكنَّه قد يَجور، فيَحكم في قضيَّة بعينها بغير حُكم الله تعالى، جهلاً منه، أو اتِّباعًا للهوى؛ إذ لَم تَعرف دولة الإسلام في تاريخها الطويل نَبْذًا كاملاً مُجملاً لشريعة الله تعالى، وتحاكُمًا إلى غير القرآن والسُّنة، اللهمَّ إلاَّ مرَّة واحدة في أيام التتار، ويومها حكَم العلماء على أصحابها بالكفر، قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: "فمَن ترَك الشرع المُحكم المُنزَّل على محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء، وتحاكَم إلى غيره من الشرائع المنسوخة - كفَر، فكيف بمَن تحاكَم إلى الياسق، وقدَّمها عليه؟!

 

مَن فعَل ذلك، فقد كفَر بإجماع المسلمين".

 

والياسق أو الياسا عرَّفه ابن كثير نفسه في التفسير، فقال:

"هو عبارة عن كتابٍ مجموع من أحكام، قد اقتبَسها واضعُها جنكيزخان من شرائعَ شتَّى؛ من اليهودية، والنصرانيَّة، والمِلَّة الإسلاميَّة، وفيها كثيرٌ من الأحكام أخذَها من مجرَّد نظره وهواه، فصارَت في بَنِيه شرعًا مُتَّبَعًا، يُقدِّمونه على الحُكم بكتاب الله وسُنَّة رسوله".

 

ولزيادة توضيح هذه المسألة، وأنَّ هناك فرقًا بين الحكم بشريعة غير شريعة الله أصلاً، وبين الحاكم الذي يَحكم بشرْع الله، ثم يُخالفه في مسألة معيَّنة؛ أستعرض بعضَ أقوال الأئمَّة من أهل السُّنة في هذا الجانب:

1- يقول شيخ الإسلام: "ولا ريبَ أنَّ مَن لَم يَعتقد وجوب الحُكم بما أنزَل الله على رسوله، فهو كافر، فمَن استحلَّ أن يحكمَ بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتِّباعٍ لِما أنزَل الله، فهو كافرٌ، فإنه ما من أُمَّة إلاَّ وهي تأْمر بالعدل، وقد يكون العدل في دينها، هو ما رآه أكابرُهم، بل كثير من المُنتسبين إلى الإسلام، يَحكمون بعاداتهم التي لَم يُنزلها الله كسوالف البادية، وكأوامر المُطاعين فيهم، ويَرون أنَّ هذا الذي يَنبغي الحكم به دون الكتاب والسُّنة، وهذا هو الكفر... إلى أن قال: والحُكم بما أنزَل الله واجبٌ على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى كلِّ مَن تَبِعه، ومَن لَم يَلتزم حُكم الله ورسوله، فهو كافرٌ".

 

ويقول أيضًا: "والإنسان متى أحلَّ الحرام المُجمع عليه، أو حرَّم الحلال المُجمع عليه، أو بدَّل الشرْع المُجمع عليه، كان كافرًا مرتدًّا باتِّفاق الفقهاء".

 

2- يقول الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50]:

"يُنكر تعالى على مَن خرَج عن حُكم الله المُشتمل على كلِّ خيرٍ، الناهي عن كلِّ شرٍّ، وعدَل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضَعها الرجال بلا مُستندٍ من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يَحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، فمَن فعَل ذلك منهم، فهو كافرٌ يجب قتالُه؛ حتى يرجعَ إلى حُكم الله، فلا يحكم سواه في قليلٍ ولا كثيرٍ".

 

3- يقول العلامة الشنقيطي بعد سرْد آيات قرآنيَّة كثيرة: "وبهذه النصوص السماويَّة التي ذكَرنا، يَظهر غاية الظهور أنَّ الذين يتَّبعون القوانين الوضعيَّة التي شرَعها الشيطان على ألْسِنة أوْليائه، مُخالفة لِما شرَعه الله تعالى على ألْسِنة رُسله - صلوات الله عليهم - أنه لا يَشكُّ في كفرهم وشِركهم، إلاَّ مَن طمَس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم".

 

4- يقول الشيخ محمد حامد الفقي: "مَن اتَّخذ من كلام الفرنجة قوانينَ يتحاكمُ إليها في الدماء والفروج والأموال، ويُقدِّمها على ما عَلِم وتبيَّن له من كتاب الله وسُنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- فهو بلا شكٍّ كافرٌ مُرتدٌّ، إذا أصرَّ عليها ولَم يرجع إلى الحُكم بما أنزَل الله، ولا يَنفعه أيُّ اسمٍ تسَمَّى به، ولا أيُّ عملٍ من ظواهر أعمال الصلاة والصيام والحج، ونحوها".

 

5- يقول المحدِّث أحمد شاكر: "إنَّ الأمر في هذه القوانين الوضعيَّة واضحٌ وضوح الشمس، هي كفر بَواح لا خفاءَ فيه ولا مُداورة، ولا عُذر لأحدٍ ممن يَنتسب للإسلام - كائنًا مَن كان - في العمل بها، أو الخضوع لها، أو إقرارها، فليَحذر امرؤ لنفسه، وكلُّ امرئ حسيبُ نفسه، ألا فليَصدع العلماء بالحقِّ غير هيَّابين، وليُبَلِّغوا ما أُمِروا بتبليغه غيرَ مُوانين ولا مُقَصِّرين".

 

6- يقول الشيخ محمد الخضر حسين - شيخ الجامع الأزهر سابقًا -: "فصْل الدين عن السياسة هدْمٌ لمعظم حقائق الدين، ولا يُقدِم عليه المسلمون إلاَّ بعد أن يكونوا غيرَ مسلمين".

 

7- يقول الشيخ محمد بن إبراهيم - مفتي الديار السعودية سابقًا -: "إنَّ مِن الكفر الأكبر المُستبين، تنزيلُ القانون اللعين، منزلةَ ما نزَل به الرُّوح الأمين، على قلب محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-ليكون من المُنذرين، بلسان عربي مبين، في الحُكم به بين العالَمين، والرد إليه عند تنازُع المتنازعين".

 

8- يقول الشيخ عبدالعزيز بن باز - الرئيس العام لإدارات البحوث العلميَّة والإفتاء والدعوة والإرشاد في السعودية -: "وقد أجمَع العلماء على أنَّ مَن زعَم أنَّ حُكم غير الله، أحسنُ من حُكم الله، أو أنَّ غير هدي رسول الله، أحسنُ من هدي الرسول - فهو كافرٌ، كما أجمَعوا على أنَّ مَن زعَم أنه يجوز لأحدٍ من الناس الخروج على شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- أو تحكيم غيرها، فهو كافرٌ ضالٌّ، وبما ذكَرناه يعلم أن الذين يَدْعون إلى الاشتراكيَّة أو إلى الشيوعيَّة، أو غيرها من المذاهب الهدامة المُناقضة لحُكم الإسلام - كفَّار ضُلاَّل، أكفر من اليهود والنصارى".

 

ويقول أيضًا: "لا إيمان لِمَن اعتقَد أنَّ أحكام الناس وآراءَهم خيرٌ من حُكم الله ورسوله، أو تُماثلها وتُشابهها، أو ترَكها وأحلَّ محلَّها الأحكام الوضعيَّة والأنظمة البشريَّة، وإن كان معتقدًا أن أحكام الله خيرٌ وأكملُ وأعدلُ".

 

9- يقول المستشار علي جريشة: "وإذا كان ردُّ الأمر إلى الله من مُقتضيات الإيمان وموجبات العقيدة، كان النكوص عن ذلك كفرًا وشِركًا، وظُلمًا وفِسقًا كما عبَّر القرآن".

 

10- يقول الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق: "ردُّ الحكم الشرعي كفرٌ، وهذا الحكم لا خلافَ فيه بتاتًا؛ أعني: كُفر مَن ردَّ حُكمًا من أحكام الله الثابتة في كتابه، أو على لسان رسوله، خاصة إذا كان هذا الردُّ مُعلَّلاً بأنَّ هذا التشريع لا يُناسب الناس، أو لا يُوافق العصر، أو أنه وحشيَّة، أو غير ذلك؛ لأن حقيقة عيب التشريع هي عيب المُشَرِّع، والذي شرَع هذا وحكَم به هو الله تعالى، ولا يشكُّ مسلم في أنَّ عيب الله أو نِسبة النقص أو الجهل له، كفرٌ به، وخروج عن مِلَّة الإسلام؛ ولذلك فالأمر الأوَّل الذي ينبغي أن يتعلَّمه الذين يردُّون هذا الحكم، أنهم ليسوا من جماعة المسلمين، ولا يَنتمون إلى هذه الأُمة أصلاً، إلاَّ أن يُعلنوا تَوبتهم ورجوعهم إلى الله تعالى".

 

11- يقول الشيخ محمد صالح العثيمين: "مَن لَم يَحكم بما أنزَل الله؛ استخفافًا به، أو احتقارًا له، أو اعتقادًا أنَّ غيره أصلحُ منه وأنفعُ للخلْق - فهو كافرٌ كفرًا مُخرجًا عن المِلَّة، ومِن هؤلاء مَن يضعون للناس تشريعات تُخالف التشريعات الإسلاميَّة؛ لتكون منهاجًا يَسير الناس عليه".

 

وبعد هذا الحشْد الهائل، يتَّضح لنا الحقُّ الذي نَدين الله به؛ أنَّ مَن ردَّ حُكم الله تعالى، وأبَى الانقياد لشرْعه، فكُفرُه من المعلوم بالضرورة من الدين، وأنَّ مَن قال من العلماء: "كفرٌ دون كفرٍ"، مَناطه إلى الحُكَّام الذين قَبِلُوا شريعة الله أصلاً، وقَبِلوا حُكم الله ابتداءً، ولَم يتَّخذوا أبدًا شريعة غير شريعة الله ورسوله، ولكنَّهم قد يُخالفون شرْع الله في بعض الوقائع بعينها، بدافعٍ من الهوى أو الشهوة، مع اعترافهم بأنَّ حُكم الله ورسوله هو الحقُّ، وأنهم مُذنبون عاصون، مُستحقون للعقوبة.

 

ولهذا يقول الشيخ أحمد شاكر:

"وهذه الآثار عن ابن عباس وغيره - كفرٌ دون كفرٍ - مما يَلعب به المُضِلُّون في عصرنا هذا من المُنتسبين إلى العلم، ومن غيرهم من الجُرَآء على الدين، يَجعلونها عُذرًا وإباحةً للقوانين الوضعيَّة التي ضُرِبت على المسلمين".

 

المسألة الثالثة: وهي أنه ينبغي بعد كلِّ هذا، ألاَّ نَغفل عن أنَّ الحُكم على مُعيَّن بالكفر، لا بدَّ له من تحقُّق شروط وانتفاء موانعَ، ويجب ألاَّ نتعجَّل، وأن نتروَّى جيدًا، وأن نكون على علمٍ ثابت بسحْب الأدلة الصحيحة على المناطات الخاصة والعامة؛ حتى لا نَستشهد بالأدلة في غير موضعها، فنزلَّ في المعصية الجائرة؛ ألا وهي: القول على الله بغير علمٍ.

 

ومن بديع كلام ابن القيِّم في كتابه المدهش "إعلام الموقعين" قولُه:

"ولا يتمكَّن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحُكم، إلاَّ بنوعين من الفَهم؛ أحدهما فَهْم الواقع والفقه فيه، واستنباط عِلم حقيقة ما وقَع بالقرائن والأمَارات والعلامات؛ حتى يُحيط به علمًا.

 

والنوع الثاني: فَهْم الواجب في الواقع، وهو فَهْم حُكم الله الذي حكَم به في كتابه، أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يُطبِّق أحدهما على الآخر".

 

فالأمر جد خطير - والله - فهذه مسألة خطيرة جدًّا من مسائل الأصول الكبار، التي تنازَعت فيها الأُمة، وأنقلُ هنا كلامًا دقيقًا رائعًا لشيخ الإسلام والمسلمين، القائم ببيان الحقِّ ونُصرة الدين، ابن تيميَّة - رحمه الله رحمة واسعة - يقول في مجموع الفتاوى: "إني من أعظم الناس نهيًا عن أن يُنسب مُعيَّن إلى تكفير وتفسيقٍ ومعصيةٍ، إلاَّ إذا عُلِم أنه قد قامَت عليه الحجَّة الرساليَّة، التي مَن خالَفها، كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا، وذلك يعمُّ الخطأ في المسائل الخبريَّة القوليَّة والمسائل العمليَّة، وما زال السلف يتنازعون في كثيرٍ من هذه المسائل، ولَم يَشهد أحدٌ منهم على أحدٍ؛ لا بكفرٍ، ولا بفِسقٍ، ولا معصية.

 

وكنت أُبيِّن أن ما نُقِل عن السلف والأئمَّة من إطلاق القول بتكفير مَن يقول كذا وكذا، فهو أيضًا حقٌّ، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين، وهذه أوَّل مسألة تنازَعت فيها الأُمة من مسائل الأصول الكبار، وهي مسألة الوعيد؛ فإنَّ نصوص القرآن في الوعيد مُطلقة؛ كقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا... ﴾ [النساء: 10].

 

وكذلك سائر ما ورَد: مَن فعَل كذا، فله كذا، فإن هذه مُطلقة عامة، وهي بمنزلة قول مَن قال مِن السلف: مَن قال كذا، فهو كذا، ثم الشخص المُعيَّن يَلتغي فيه حُكم الوعيد؛ بتوبة، أو حسناتٍ ماحية، أو مصائبَ مُكفِّرة، أو شفاعة مَقبولة.

 

والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبًا لِما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لكن قد يكون الرجل حديثَ عهدٍ بالإسلام، أو نشَأ في بادية بعيدة، ومثل هذا لا يَكْفُر بجحْد ما يَجحده؛ حتى تقوم عليه الحُجَّة، وقد يكون الرجل لَم يسمع تلك النصوص، أو سَمِعها ولَم تَثبُت عنده، أو عارَضها عنده معارضٌ آخر، أوجَب تأويلها وإن كان مخطئًا.

 

وكنتُ دائمًا أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: إذا أنا مِتُّ فأَحْرِقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليمِّ؛ فوالله لئن قدَر الله عليَّ، ليُعذِّبني عذابًا ما عَذَّبه أحدًا من العالمين، ففعلوا به ذلك، فقال الله: ما حمَلك على ما فعلتَ؟ قال: خشيتُك، فغفَر له، فهذا رجل شكَّ في قُدرة الله، وفي إعادته إذا ذُرِّي، بل اعتقَد أنه لا يُعاد، وهذا كفرٌ باتِّفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يَعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يُعاقبه، فغُفِر له بذلك، والمُتأوِّل من أهل الاجتهاد، والحريص على متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أَوْلى بالمغفرة من مثل هذا".

 

فليس كلُّ مَن تلبَّس بشيءٍ من مظاهر الكفر، يكون كافرًا على الإطلاق، بل لا بدَّ من التفريق بين الحُكم على الفعل بأنه كفرٌ، وبين الحُكم على الفاعل بأنه كافرٌ؛ للاختلاف في متعلق كلٍّ من الحُكمين، فالحكم على الفعل الظاهر بأنه كفرٌ، متعلِّق ببيان الحُكم الشرعي في هذا الفعل، أمَّا الفاعل، فلا بدَّ من النظر إلى قصْده بفعْله الذي هو حقيقة النيَّة التي يدور عليها الثواب والعقاب، والمدح والذم.

 

ولا يُمكن أن يُقال هنا بأن مقتضى اشتراط النيَّة في الحُكم على المعيَّن بالكفر، تعليق للحُكم بالتكفير على أمْرٍ باطلٍ، لا يُمكن لأحدٍ أن يَعلمه أو يطَّلِع عليه من الناس؛ وذلك لأنَّ الظاهر والباطن متلازمان عند أهل السُّنة، لكن مع توفُّر شروطٍ وانتفاء موانعَ، فلا بدَّ من شروط تُستوفَى قبل الحُكم على المعيَّن بالكفر، لا بمجرَّد الفعل الظاهر، وتتلخَّص هذه الشروط في تحقُّق أمرين: الأوَّل: قيام الحجَّة على هذا المعيَّن، بحيث لا يكون معذورًا بجهْلٍ أو تأويلٍ، والثاني: ألاَّ يكون مُكرهًا، بحيث يكون معذورًا بالتقيَّة، وهذا يحتاج إلى مزيد بيانٍ، فأقول:

إنه لا يَكفُر معيَّن إلاَّ إذا بلَغتْه الحجَّة الرساليَّة وفَهِمها؛ لإزالة الشُّبهات التي قد تَعرِض له؛ لأن القول بأنَّ قيام الحجة يتحقَّق - ولو لَم تفهم - قولٌ غير صحيح، بل لا تقوم الحجَّة إلاَّ على مَن فَهِمها وعرَف المراد منها، أمَّا كونه يَهتدي بها أو لا يهتدي بعد فَهْمه للمراد منها، فهذا حُكمٌ آخرُ خارج عن مناط إقامة الحجَّة؛ يقول شيخ الإسلام: "إنَّ الكتاب والسُّنة قد دلَّ على أنَّ الله لا يعذِّب أحدًا إلاَّ بعد إبلاغ الرسالة، فمَن لَم تَبلغه جملة، لَم يُعذِّبه رأسًا، ومن بلَغتْه جملة دون بعض التفاصيل، لَم يُعذِّبه إلاَّ على إنكار ما قامَت عليه الحجَّة الرساليَّة".

 

ويقول القاضي أبو بكر بن العربي:

"الجاهل والمُخطئ من هذه الأُمة، ولو عَمِل من الكفر والشِّرك ما يكون صاحبه مُشركًا أو كافرًا، فإنه يُعذَر بالجهل والخطأ؛ حتى تتبيَّن له الحجة التي يَكفُر تارِكُها بيانًا واضحًا جليًّا، ما يَلتبس على مثله، ويُنكر ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، مما أجمَعوا عليه إجماعًا جليًّا قطعيًّا، يَعرفه كلُّ المسلمين من غير نظرٍ وتأمُّلٍ".

 

ويقول الشيخ محمد بن عبدالوهاب:

"وأمَّا ما ذكَر الأعداء عني أنِّي أُكفِّر بالظن والمُوالاة، أو أُكفِّر الجاهل الذي لَم تقُم عليه الحجَّة، فهذا بُهتان عظيم، يُريدون به تنفيرَ الناس عن دين الله ورسوله".

 

وقد أكَّد الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ هذا الحُكم عن شيخه، فقال:

"وشيخُنا - رحمه الله - قد قرَّر هذا وبيَّنه؛ وِفاقًا لعلماء الأُمة، واقتداءً بهم، ولَم يُكفِّر إلا بعد قيام الحجَّة وظهور الدليل، حتى إنه - رحمه الله - توقَّف في تكفير الجاهل من عبَّاد القبور، إذا لَم يتيسَّر له مَن يُنبِّهه".

 

وهكذا يتَّضح لنا أنَّ الاعتبار في بلوغ الحجَّة، هو عدم إمكان الجهل، ولا يكون هذا إلاَّ بالعلم بحال المعيَّن على وجْه الخصوص؛ للتأكُّد: هل بلَغته الحجَّة الشرعية الرسالية يقينًا أم لَم تَبلغه؟ وكذا الاعتبار في بلوغ الحجَّة يكون بإزالة الشُّبهات الناتجة عن التأويل الخاطئ؛ لأنه قد يتأوَّل من عنده شُبهةٌ تلك الحجَّةَ؛ لتُوافِق شُبهته، غيرَ قاصدٍ تكذيبَ الرسول -صلى الله عليه وسلم-ولا ردَّ الشريعة، ولكنَّه قد يظنُّ أنَّ ذلك هو مفهوم الحجَّة التي قد بلَغته، ومثل هذا معذور بتأويله؛ لأنه في حقيقة الأمر مُخطئ، إذا عَلِمنا يقينًا أنه لا يُكذِّب الحجَّة، أو يستحلُّ مُخالفتها، وهذا هو منهج سلف الأَّمة: إقامة الحجَّة، وإزالة أي شُبهة مُعتبرة أمام المعيَّن، تَمنعه من اعتقاد ما هو مقتضى تلك الحجَّة، وإلاَّ كان معذورًا إذا تأوَّلها.

 

وحادثة قدامة بن مظعون - رضي الله عنه - وشُربه للخمر واستحلاله لها مُتأوِّلاً - حادثةٌ مشهورة، وقد رواها عبدالرزاق في المصنف، والبيهقي في السنن، وأورَدها ابن حجر في الإصابة، ولَمَّا أرادَ عمر أن يُقيم عليه الحدَّ، قال قدامة: ما كان لكم أن تَجلدوني، فقال عمر: ولِمَ؟! قال قدامة: قال الله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا... ﴾ [المائدة: 93]، فقال عمر: أخْطَأتَ التأويل؛ إنك إذا اتَّقيتَ الله، اجْتَنبتَ ما حرَّم عليك، ثم أمَر عمر بجلْده، فهذا صحابي جليل قد بلَغته الحجَّة في تحريم الخمر، وهو من العرب الذين يَفهمون اللغة، ولكنه تأوَّل النصَّ؛ لشُبهة عرَضَت له، وهي أنَّ التحريم عام خصَّصته آية المائدة، فشَرِبَ الخمر مُستحِلاًّ لها على فَهْمه، ولَم يُكفِّره عمر لاستحلاله الخمر؛ لأن استحلاله لها لَم يكن تكذيبًا للحُكم، أو ردًّا له، وإنما كان من باب التأويل الخاطئ؛ يقول ابن تيميَّة عن استحلال قدامة للخمر: "لَمَّا ذُكِر ذلك لعمر بن الخطاب، اتَّفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترَفوا بالتحريم جُلِدوا، وإن أصرُّوا على استحلالها قُتِلوا".

 

وينبغي أن نعلمَ أنَّ الإمكان بالإعذار من عدمه، لا يَنضبط بحدٍّ مانعٍ يستوي فيه جميع المُعيَّنين، وإنما هو أمرٌ نِسبي؛ فقد يُعذر بعض الناس بشُبهة دون أن يُعذر بها غيره؛ لاختلاف أحوال الناس، وظهور آثار الرسالة أو خفائها، أو ما يُحيط بالمعيَّن من أحوال خاصة، ونحو ذلك، وكلما كان التأول في أمرٍ ظاهرٍ، ضاقَ نطاقُ الإعذار، وكلَّما كان في أمرٍ خفيٍّ، اتَّسَع نطاق الإعذار.

 

أمَّا حالة الإكراه، فمعلوم أنَّ الله تعالى لَم يَعذِر أحدًا في الكفر الظاهر، إلاَّ إن كان مُكرهًا؛ قال تعالى: ﴿ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [النحل: 106 - 107].

 

وواضح أنه لا بدَّ - لدَرْء وصْف الكفر عن المعيَّن، الذي تظاهَر بما هو كفرٌ - من أن يكون مُكرهًا، وإلاَّ لكان كافرًا.

 

ويُجمل شيخنا العثيمين - رحمه الله - هذه الأحكام إجمالاً دقيقًا، فيقول في القواعد المُثلى:

"وعلى هذا؛ فيجب قبل الحُكم على المسلم بكفرٍ أو فِسقٍ، أن يُنظَر في أمرين: أحدهما: دَلالة الكتاب والسُّنة على أنَّ هذا القول أو الفعل مُوجِب للكفر والفِسق.

 

والثاني: انطباق هذا الحُكم على القائل المعيَّن، أو الفاعل المعيَّن؛ بحيث تتمُّ شروط التكفير في حقِّه أو التفسيق، وتَنتفي الموانع، ومن أهم الشروط: أن يكون عالِمًا بمخالفته التي أوجبَت أن يكون كافرًا أو فاسقًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء: 115].

 

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: 115].

 

ومن الموانع أن يقعَ ما يُوجب الكفر أو الفِسق بغير إرادةٍ منه، ولذلك صُوَرٌ؛ منها: أن يُكرَه على ذلك، ومنها أن يُغلَق عليه فِكرُه، فلا يدري ما يقول؛ لشدَّة فرحٍ، أو حزنٍ، أو خوفٍ، ونحو ذلك؛ قال شيخ الإسلام: وأمَّا التكفير، فالصواب أنَّ مَن اجتهَد من أُمَّة محمد -صلى الله عليه وسلم- وقصَد الحقَّ، فأخطَأ - لَم يَكفُر، بل يُغفر له خطؤُه، ومَن تبيَّن له ما جاء به الرسول، فشاقَّ الرسول من بعد ما تبيَّن له الهدى، واتَّبع غير سبيل المؤمنين، فهو كافرٌ، ومَن اتَّبَع هواه وقصَّر في طلب الحقِّ، وتكلَّم بلا علم، فهو عاصٍ مُذنبٌ، ثم قد يكون فاسقًا، وقد يكون له حسنات تَرجُح على سيئاته"؛ ا.هـ.

 

وبهذا عُلِم الفرق بين القول والقائل، وبين الفعل والفاعل، فليس كلُّ قولٍ أو فعلٍ يكون فِسقًا أو كفرًا - يُحكم على قائله أو فاعله بذلك.

 

والناظر في مسالك الناس في هذا الباب، يرى العجب العُجاب، ويعرف شدَّة افتقاره إلى اللجوء إلى ربِّه في سؤال الهداية والثبات على الحقِّ، والاستعاذة من الضلال والانحراف.

 

فيجب عند الحُكم على معيَّن التأني وعدم العجَلة، وألاَّ نقول بغير علمٍ، وبغير عدلٍ، وأن نتذكَّر دائمًا قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحيحين: ((إذا كفَّر الرجل أخاه، فقد باءَ بها أحدهما))، وفي رواية: ((إن كان كما قال، وإلاَّ رجعَت عليه)).

 

نسأل الله تعالى الثبات على الحقِّ، والعِصمة من الزَّلل، إنه وَليُّ ذلك والقادر عليه.

 

إذًا أيها الأحبة الكرام، إنَّ النقول السابقة من كلام أهل العلم، والتي تُصرِّح بكفر مَن يَحكم بالقوانين الوضعيَّة، أو يرضى بها، أو يُحتِّمها على الناس، لا بدَّ فيها من ملاحظة أنَّ هذا التكفير هو من جهة النوع؛ أي: إن هذا النوع من الكفر هو من الكفر الأكبر، أمَّا من جهة المعيَّن، فالفتوى بأنَّ فلانًا بعينه كافرٌ - لارتكابه هذا الكفر - فإنما هي لأهل العلم بعد نظرهم في استيفاء الشروط، وانتفاء الموانع في مسألة التكفير، فمن الشروط مثلاً: العلم، والبلوغ، والعقل، والقصد، والتذكُّر، ومن موانع التكفير: الجهل الناشئ عن عدم البلاغ، والصِّغر، والجنون، والخطأ والنسيان والإكراه، فلا يَصِحُّ التسرُّع في تكفير المعيَّن؛ حتى يستيقنَ قيام الحجَّة وانتفاء العذر، وليس معنى ذلك عدم تكفير معيَّن بالمرَّة، بل يُمكن أن يُحكم على معيَّن بالكفر والرِّدَّة بعد ثبوت إتيانه للكفر، وقيام الحجَّة، وانتفاء الشُّبهة، وقد يكون في ثبوت الشروط وانتفاء الموانع اجتهادٌ واختلاف بين أهل العلم، فينبغي أن يكون من الخلاف السائغ، أمَّا الحكم العام - أي: من جهة النوع - فلا ينبغي الاختلاف فيه أبدًا؛ لوضوح الحقِّ بأدلَّته، وإجماع أهل العلم عليه، وقد نقَل ابن كثير هذا الإجماعَ في "البداية والنهاية".

 

فإن قال قائلٌ: فما الواجب علينا شرعًا وقد عَلِمنا حُرمة التحاكُم إلى المحاكم التي تَحكم بالقانون الوضعي، والمسلمون مُلزَمون في بلادهم بهذه القوانين قهرًا؟

فالجواب: أنَّ الواجب شرعًا أن يتحاكَموا إلى مَن يَحكم بينهم بحُكم الكتاب والسُّنة من علمائهم، ولا يَسعهم أن يُؤخِّروا هذا الفرض إلى حين التطبيق المزعوم للشريعة، وهؤلاء العلماء المجتهدون - وإن لَم يكن لهم القوة المادية؛ لإلزام الناس بالأحكام، أو لتطبيق كلِّ أحكام الشريعة، أو قد يترتَّب مفاسدُ من تنفيذ بعض الأحكام، رُبَّما تفوق مصلحة إقامتها - إلاَّ أنَّ قوة إيمان المسلم تَدفعه للقبول بحُكم الشرع، ولو لَم يكن هناك ما يلزمه بالقوة المادية، ومع زيادة الإيمان يَزداد - بإذن الله - مَن يُطبِّقون هذا، ويَلتزمون به من تلقاء أنفسهم، وعليهم جميعًا أن يُطبِّقوا كلَّ ما يَقدِرون عليه من الأحكام، في ضوء قاعدة المصلحة والمَفسدة المرعيَّة شرعًا، وما عجَزوا عنه، فلا يُكلَّفون به: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286].

 

وعلى كلِّ حالٍ، فالمسلم حين يدعو إلى التحاكُم للشرع دون غيره، فقد خرَج عن الرضا بحُكم الطاغوت، فإذا أُوقِف مُضطرًّا أمام هذه المحاكم الوضعيَّة، فعليه أن يَدعوهم ويَأمرهم أن يَحكموا له بحقِّه الشرعي فقط - الذي عَلِمه من أهل العلم - لا ما يَزعمونه حقًّا في قانونهم، وكذا مَن ترافَع أمام هذه المحاكم؛ لدفْع الظلم عن مسلم أو رفْعه، فعليه أن يَطلب مثل ذلك، ومَن يَطلب هذا الحقَّ لنفسه، أو لغيره من المسلمين، فلا جُناحَ عليه مهما كان المطلوب منه، فإنه لَم يَأمر إلاَّ بمعروفٍ.

 

وإليك ما ذكَره الأئمَّة في مسألة التحاكُم إلى أهل العلم المجتهدين، والْتِزام أحكامهم عند العجز عن التحاكُم إلى القاضي الشرعي المعيَّن من الخليفة المسلم:

1- قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: "خاطَب الله المؤمنين بالحدود والحقوق خطابًا مُطلقًا؛ كقوله تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا... ﴾ [المائدة: 38]، وقوله تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا... ﴾ [النور: 2].

 

لكن قد عُلِم أنَّ المخاطب بالفعل لا بدَّ أن يكون قادرًا عليه، والعاجزون لا يجب عليهم، وقد عُلِم أنَّ هذا الأمر فرضٌ على الكفاية، وهو مثل الجهاد، بل هو نوعٌ من الجهاد؛ فقوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ ﴾ [البقرة: 216]، وقوله: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 190]، وقوله: ﴿ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ ﴾ [التوبة: 39]، ونحو ذلك - هو فرضٌ على الكفاية من القادرين، والقدرة هي السلطان؛ فلهذا وجَب إقامة الحدود على ذي السلطان ونوَّابه، والسُّنة أن يكون للمسلمين إمامٌ واحد، والباقون نوَّابه، فإذا فُرِض أنَّ الأمة خرَجت عن ذلك لمعصيةٍ من بعضها، وعجْزٍ من الباقين، أو غير ذلك، فكان لها عدَّة أئمَّة، لكان يجب على كلِّ إمامٍ أن يُقيم الحدود، ويَستوفي الحقوق؛ ولهذا قال العلماء: إنَّ أهل البغي يُنفَّذ من أحكامهم ما يُنفَّذ من أحكام أهل العدل، كذلك لو شارَكوا الإمارة، وصاروا أحزابًا، لوجَب على كلِّ حزبٍ فعْلُ ذلك في أهل طاعتهم، فهذا عند تفرُّق الأُمراء وتعدُّدهم، وكذلك لو لَم يتفرَّقوا، لكنَّ طاعتهم للأمير الكبير، ليست طاعة تامَّة، فإن ذلك أيضًا إذا أُسْقِط عنه إلزامُهم بذلك، لَم يَسقط عنهم القيامُ بذلك، بل عليهم أن يُقيموا ذلك، وكذلك لو فُرِض عجْزُ بعض الأمراء عن إقامة الحدود والحقوق، أو إضاعته لذلك، لكان ذلك الفرضُ على القادرين عليه.

 

وقول مَن قال: لا يُقيم الحدود إلاَّ السلطان ونوَّابه، إذا كانوا قادرين فاعلين بالعدل - كما يقول الفقهاء: الأمر إلى الحاكم - إنما هو العادل القادر، فإن كان مُضَيِّعًا أموالَ اليتامى، أو عاجزًا عنها، لَم يَجب تسليمها إليه مع إمكان حِفظها بدونه، وكذلك الأمير إذا كان مُضَيِّعًا للحدود، أو عاجزًا عنها، لَم يَجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه.

 

والأصل أنَّ هذه الواجبات تُقام على أحسن الوجوه، فمتى أمكَن إقامتها من أميرٍ، لَم يُحْتَجْ إلى اثنين، ومتى لَم يَقم إلاَّ بعددٍ، ومن غير سلطان، أُقيمَت إذا لَم يكن في إقامتها فسادٌ يَزيد على إضاعتها؛ فإنها من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن كان في ذلك فساد من وُلاة الأمر، أو الرعيَّة، ما يزيد على إضاعتها - لَم يُدْفَع فساد بأفسد منه".

 

2- قال إمام الحرمين الجويني في "غياث الأُمم" - بعد أن فَرض خُلوَّ الزمان من الإمام، ثم عن الكفاة ذَوي الدِّراية، أو كون ذي الكفاية والدِّراية مُضطهدًا مَهضومًا؛ لعدم اعتضاده بعُدةٍ واستعدادٍ وشوكةٍ؛ فلا تَثبُت له الإمامة - قال: "فكيف تَجري قضايا الولايات، وقد بلَغ تعذُّرها منتهى الغايات؟ فنقول: أمَّا ما يَسُوغ استقلال الناس فيه بأنفسهم، ولكن الأدب يَقتضي فيه مطالعة ذَوي الأمر، ومراجعة مرموق العصر، كعقْد الجُمَع، وجرِّ العساكر إلى الجهاد، واستيفاء القِصاص في النفس والطرْف، فيتولاَّه الناس عند خُلوِّ الدهر، ولو سعى عند شغور الزمان طوائفُ من ذَوِي النجدة والبأس في نفض الطرق عن السعاة في الأرض بالفساد، فهو من أهم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنما ينهى آحادُ الناس عن شَهْر الأسلحة استبدادًا، إذا كان في الزمان وزَرٌ قوَّام على أهل الإسلام، فإذا خَلا الزمان عن السلطان، وجَب البِدَارُ على حسب الإمكان إلى دَرْءِ البوائق عن أهل الإيمان، ونَهيُنا الرعايا عن الاستقلال بالأنفس من قَبيل الاستحثاث على ما هو الأقرب إلى الصلاح، والأدنى إلى النجاح، فإنَّ ما يتولاَّه السلطان من أمور السياسة، أوقعُ وأنجع، وأدفعُ للتنافُس، وأجمعُ لشتات الرأي، وفى تمليك الرعايا أمورَ الدماء، وشهْر الأسلحة، وجوهٌ من الخَبَل لا يُنكرها ذَوو العقل.

 

وإذا لَم يُصادف الناس قوَّامًا بأمورهم يَلوذون به، فيَستحيل أن يُؤمَروا بالقعود عمَّا يَقتدرون عليه من دفْع الفساد، فإنهم لو تقاعَدوا عن المُمكن، عمَّ الفساد البلاد والعباد، وإذا أُمِروا بالتقاعُد في قيام السلطان، كفَاهم ذو الأمر المهمَّات، وأتاها على أقرب الجهات، وقد قال العلماء: لو خلا الزمان عن السلطان، فحقٌّ على قُطَّان كلِّ بلدةٍ، وسُكان كلِّ قرية، أن يُقدِّموا من ذَوي الأحلام والنُّهى، وذَوي العقول والحِجَا، مَن يَلتزمون امتثالَ إشارته وأوامره، ويَنتهون عن مناهيه ومزاجره، فإنهم إن لَم يفعلوا ذلك، تردَّدوا عند إلمام المهمَّات، وتبلَّدوا عند إطلال الواقعات، ولو انتُدِبَ جماعةٌ في قيام الإمام للغزوات، وأوْغَلوا في مواطن المخافات، تعيَّن عليهم أن يُنَصِّبوا مَن يَرجعون إلى رأيه؛ إذ لو لم يَفعلوا ذلك، لهَوَوْا في وَرَطات المخافات، ولَم يَستمرُّوا في شيءٍ من الحالات.

 

ومما يجب الاعتناء به أمور الولايات التي كانت مَنوطة بالولاة؛ كتزويج الأيامى، والقيام بأموال الأيتام، فأقول: ذهَب بعض أئمَّة الفقه إلى أن مما يتعلَّق بالولاية: تزويجَ الأيَامى، فمذهب الشافعي وطوائف من العلماء: أنَّ الحُرَّة البالغة العاقلة، لا تُزوِّج نفسها، فإن كان لها وَلِيٌّ، زوَّجها، وإلاَّ فالسلطان وَلِيُّ مَن لا وَلِيَّ له، فإذا لَم يكن لها وَلِيٌّ حاضرٌ، وشَغَر الزمان عن السلطان، فنعلم قطعًا أنَّ حسْم باب النكاح محالٌ في الشريعة، ومَن أبدى في ذلك تشكُّكًا، فليس على بصيرة بوضْع الشرع، والمصير إلى سدِّ باب المناكح، يُضاهي الذهاب إلى تحريم الاكتساب، كما سيأتي القول في ذلك في الركن الأخير في الكتاب - إن شاء الله - وهذا مقطوع به، لا مراءَ فيه، فليَقع النظر وراء ذلك في تفصيل التزويج، فأقول: إن كان في الزمان عالِم يتعيَّن الرجوع إليه في تفاصيل النقض والإبرام، ومآخذ الأحكام، فهو الذي يتولَّى المناكح التي كان يتولاَّها السلطان إذا كان.

 

وقد اختلَف قول الشافعي في أنَّ مَن حكم مُجتهدًا في زمان قيام الإمام بأحكام أهل الإسلام، فهل يَنفُذ ما حكَم به المُحكم؟

فأحد قوْلَيه - وهو ظاهر مذهب أبي حنيفة - أن يَنفُذ مِن حُكمه ما يَنفُذ من حُكم القاضي الذي يتولَّى منصبه من تَوْلية الإمام، وهذا قولٌ مُتَّجهٌ في القياس، لستُ أرى الإطالة بذِكر توجيهه، وغرضي منه أنه إذا انقدَح المصير إلى تنفيذ أمرٍ مُحكَّم من المفتين في استمرار الإمامة، واطِّراد الولاية والزعامة، مع تردُّد وتحرٍّ، واجتهاد وتأَخٍّ، فإذا خلا الزمان، وتحقَّق من مُوجب الشرع - على القطْع والبتِّ - استحالةُ تعطيل المناكح، فالذي كان نفوذُه من أمر المحكَّم مجتهدًا فيه في قيام الإمام، يَصير مقطوعًا به في شغور الأيام، وهذا إذا صادَفنا عالِمًا يتعيَّن الرجوع إلى عِلمه، ويجب اتِّباع حُكمه"؛ ا.هـ.

 

وبعدُ - أيها الأحبة - فعقيدة التوحيد تَقتضي وجوب تحكيم الشريعة، والعمل بأحكام الشريعة الإسلاميَّة في جميع مناحي الحياة من مُقتضيات التوحيد.

 

والسِّمة المُميزة لطبيعة المجتمع المسلم، هي أنَّ هذا المجتمع يقوم على قاعدة العبوديَّة لله وحْده في أمره كله، وهذه العبوديَّة تُمثِّلها وتُكيِّفها الشهادتان، وتتمثَّل هذه العبودية في التصوُّر الاعتقادي، كما تتمثَّل في الشعائر التعبُّدية، كما تتمثَّل في الشرائع القانونيَّة سواء.

 

فليس عبدًا لله وحْده مَن لا يَعتقد بوحدانيَّة الله تعالى: ﴿ وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَلَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ ﴾ [النحل: 51 - 52].

 

وليس عبدًا لله وحْده مَن يتقدَّم بالشعائر التعبُّدية لأحدٍ غير الله معه أو من دونه؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162 - 163].

 

وليس عبدًا لله وحْده مَن يتلقَّى الشرائع القانونيَّة من أحدٍ سوى الله، عن الطريق الذي بلَّغنا الله به، وهو الرسول -صلى الله عليه وسلم- ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [الشورى: 21]، ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7].

 

هذا هو المجتمع الإسلامي، المجتمع الذي تتمثَّل العبوديَّة لله وحْده في معتقدات أفراده وتصوُّراتهم، كما تتمثَّل في شرائعهم وعبادتهم، كما تتمثَّل في نظامهم الاجتماعي وتشريعاتهم، فدِين الله شاملٌ كاملٌ لكلِّ جزئيات الحياة.

 

ومن مظاهر النفاق أن يدَّعي الإنسان الإيمانَ بالإسلام، ويتظاهر بالانتساب إليه، والتمسُّك به، ثم يعيش راضيًا مُطمئنًّا في ظلِّ نظامٍ مُناقض للذي يؤمن به، قانعًا مُغتبطًا في كَنَفه، لا يَنبض له عِرقٌ، ولا يَخفق له قلبٌ، إن مثل هذا الصنيع من أمَارات النفاق، ومن صميمه من غير شكٍّ، فواجب على كلِّ مسلمٍ، ألاَّ يُذعن لهذه القوانين الوضعيَّة الكافرة، ويجب عليه أن يُنكرها، ويُجاهدها على قدْر استطاعته.

 

نعم، يجب عليه أن يُنكر هذا المنكر الأكبر، وأن يتبرَّأ إلى الله تعالى منه، وأن يُشهِدَ الله - وهو العليم الخبير - أنه مُكْرَه ولا طاقةَ له سوى ما يَبذل وما يُقدِّم، وأنه لا يُقرُّ هذا الكفر والظلم والفِسق.

 

وأَوَدُّ أن أُبَشِّر مَن تتقطَّع قلوبهم كمدًا وغيظًا، وهم لا يَملكون من الأمر شيئًا، بأنَّ هناك بارقة أملٍ في هذا الليل الدامس، وفي هذه الظلمات الحالكة، فها هي كتائب الصحوة الإسلاميَّة المباركة تتوالَى وتَنمو، وها هي قلوب عامة المسلمين تُنكر وتَرفض كلَّ ما يقول به الزعماء والقادة المُصطنعون من عمليات الهدْم والتخريب، والتغريب والتدمير والتحطيم، في الوقت الذي تَنْتَكِس فيه رايات الإباحيَّة والإلحاد، وهذا وعْد الله تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [الصف: 8 - 9].

 

وأنا أُلقي بالمسؤولية على كلِّ مسلمٍ ومسلمة، وأُحمِّله الأمانة في أن يتحرَّك من الآن لدين الله تعالى، وألاَّ يتكاسَل، وألاَّ يُقلِّل من شأن حركته وجُهده لدين الله، وألاَّ يظنَّ أنَّ الدين مسؤولية الدُّعاة والعلماء وحْدهم، بل أنت جندي لدين الله، وأنتِ أيَّتها المسلمة أمينة على دين الله - عزَّ وجلَّ.

 

فهيَّا، حان وقت العمل، هيا نتكاتَف جميعًا، ونتَّفق جميعًا على تغيير هذا المنكر الضخم، وأن نُحاول بصدْقٍ أن نردَّ المسلمين إلى الإسلام بعد الغيبة التي هم عليها منذ زمنٍ طويلٍ بعيد، هيَّا يا أحفاد أبناء دار الأرْقم، تحرَّكوا لدين الله تعالى، وتحمَّلوا الأمانة، وارْفَعوا الراية - رايةَ التوحيد - وعَلِّموا الناس الإسلام بمعناه كلِّه، ومفهومه كلِّه، ومُقتضاه كله.

 

ولا بدَّ لكم أيها الأطهار الأخيار - للقيام بالعمل الجدي الحرَكي العملي للإسلام، في هذه الظروف الراهنة التي تحياها أُمتنا - لا بدَّ لكم من فَهْم هذه الأمور التي سأذكرها فَهمًا جيدًا؛ حتى لا يدَّعي أحد أنه لا يَعرف دوره، ولا يَعي مُهمته، ولا يُدرك أبعاد الوظيفة التي سيُكَلَّفُ بها:

أولاً: لا بدَّ لكم من معرفة دقيقة بحقيقة الإسلام وحقيقة الجاهليَّة؛ لتكونوا مسلمين عِلمًا وفَهْمًا، وتفكيرًا وسلوكًا، كما أنتم مسلمون قلبًا وعاطفة، ولتَكونوا على قدرٍ كبيرٍ من الفَهم والكفاءة الإسلاميَّة اللازمة؛ لتسيير شؤون الحياة في كلِّ مناحيها من منظور الإسلام، وفَهْم رُوح الشريعة وقواعدها؛ لتُحَوِّلوا الإسلام إلى واقع حياة كما كان حال الرعيل الأوَّل، ولتُثبتوا لأفراخ أعداء الدين - بل وللدنيا كلها - أنَّ نظام الإسلام وقواعده نظامٌ يَضمن السعادة والتقدُّم والرُّقي في كلِّ ناحية من نواحي الحياة، لكلِّ مَن أخَذ به وانقادَ له، وليس هذا ادِّعاءً، بل واقع ملموس، ولن يكون ذلك إلاَّ بالفَهم الصحيح، والعمل الجاد، وإعداد الكوادر المسلمة المتخصِّصة في كلِّ مجالٍ من مجالات الحياة.

 

ثانيًا: عليكم أن تَهتمُّوا بنشْر الدعوة والتعريف بالإسلام تعريفًا شاملاً بين صفوف العوام؛ حتى تُبدِّدوا ظلام جهْلهم، وتَجعلوهم على بيِّنة من أمْر دينهم، وحتى يتبيَّن لهم الخبيث من الطيِّب، ولن يكون ذلك أبدًا، إلاَّ بسلوككم أنتم يا مَن تحملون الدين.

 

آنَ لنا أن نُفسِّر للناس بسلوكنا وأخلاقنا، وفَهْمنا وأعمالنا؛ فإن الرجل الذي يدعو ويقول، ولكنَّه لا يفعل، يضرُّ بدعوته أكبر ضرَرٍ، وهذا التناقض بين القول والعمل، يَزرع بذور النفاق في القلوب، ويُزيل ثقة الناس بنا، فالأمر يحتاج إلى إخلاص النيَّة، وصِدق العمل؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُون ﴾ [الصف: 2 - 3].

 

ثالثًا: لا تُحاولوا - أحبَّتي - إقامة نظام إسلامي على أُسس غير سليمة، أو على دعائم ضعيفة، وقواعد مُتزلزلة، بل يجب عليكم أن تكونوا على علمٍ دقيقٍ، وفَهْم عميقٍ، وصبرٍ جميل؛ لأن الأهداف التي نُريد أن نُحقِّقها، إنما هي أهداف ضخمة كبيرة، إننا نُريد تصحيح العقيدة والعبادة، وتحكيم الشريعة، وبالجملة: إننا نَهدف إلى إعادة الناس إلى الإسلام الذي جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا الإسلام الذي يَعرفونه هم!

 

ولا تَخطوا خُطوة للإسلام إلا بحسابٍ دقيقٍ، وحِكمة بالغةٍ، وتبصُّر شديدٍ، وفَهْم عميقٍ لمنهج السلف؛ لتكون خُطوتنا ابتداءً موافقة لهذا المنهج الراشد، ثم لا تَخطوا خطوة جديدة إلاَّ بعد أن تُراجعوا نتائج خُطوتكم السابقة، وتَدرسوا ثمارها، وما لها وما عليها، وما أوجه القصور والضَّعف فيها؟ وما هي العَقبات والعوائق التي واجَهتها؟ وكيف يُمكن التغلُّب على هذه العقبات في ضوء الالتزام بمنهج السلف - رضوان الله عليهم؟

 

وهذا كلُّه - أحبَّتي - من أجْل ألاَّ نُكرِّر الخطوة التي خطَوْناها مرة أخرى من غير فائدةٍ، أو نُكرِّر الخطأ تارة أخرى، وهذا من وجهة نظري من أخطر التحدِّيات التي تُواجه الحركة الإسلاميَّة المعاصرة؛ حيث إنها لَم تَستفد الاستفادة الكاملة من أخطاء بعض فصائلها هنا وهناك، وهذا يحتاج بلا شكٍّ إلى النظرة الشاملة لا الضيِّقة.

 

رابعًا: البُعد عن استخدام السلاح والعنف لتغيير الأوضاع - وأعتقد أنَّ هذا البند من بنود هذا المنهج الحرَكي المُتَعَمَّد ذِكرُه في مبحث الحاكميَّة، من أهم البنود - لأن هذا الطريق نوعٌ من الاستعجال الذي لا يأتي بالثمرة المرجوَّة، ولا يُجدي بشيءٍ، وهذا ملاحَظ جدًّا لكلِّ شباب الصحوة - أسأل الله أن يَحفظهم - وهدف هذه المحاولة الوصول إلى الغاية بأقصْر طريقٍ، ولكنَّ هذا غيرُ صحيحٍ، بل إنَّ عاقبة هذا الأمْر وضرره أكبر بكثيرٍ من كلِّ صورة أخرى، وأتمنَّى لو استفَدنا من التجارِب التي تمرُّ بالأُمة.

 

نعم أيها الأحباب، نحن نريد انقلابًا شاملاً، ولكن ليس انقلابًا ثوريًّا، ولكنَّه انقلاب للقلوب، انقلاب للعقول، وردُّها كليَّة إلى الإسلام، إنه الانقلاب الصحيح الذي حدَث في الماضي، والذي ينبغي أن يَحصل الآن - بإذن الله تعالى - ولن يكون ذلك الانقلاب إلاَّ بعملٍ علَني واضحٍ وضوح الشمس في رابعة النهار، دون خوفٍ أو اختفاء.

 

نعم، انشُروا دعوتكم علَنًا، وادْعوا الناس إلى الإسلام جهرًا، وحوِّلوا القلوب واقْلِبوها من الجاهلية إلى الإسلام، وذلك بسلاحٍ من الخُلُق العَذب، والشمائل الكريمة، والصفات الطيِّبة، والسلوك الصادق، والحكمة البالغة، والموعظة الحسنة، وبعد كلِّ ذلك لا تتعجَّلوا النتائج والمصاير، لا تتعجَّلوا هداية الناس، ولا تتعجَّلوا هلاك الله للمكذِّبين، ولا تقولوا: يا رب، دعَونا كثيرًا، فلم يُستجب إلاَّ القليل، ولا تقولوا: يا رب، لقد صبَرنا كثيرًا، فلِمَ لا تَأخذ الظالمين؟

 

هذا ليس من شأننا - أيها الأحبَّة - أبدًا، إنما هو الله تعالى، فينبغي التأدُّب مع الله، وترْك الأمر كلِّه لله يَفعل ما يشاء؛ ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ [الأنبياء: 23] سبحانه وتعالى.

 

واعْلَموا أنَّ الدعوات لا تقوم إلاَّ بمثل هذه القلوب المتجرِّدة، التي تتَّجه إلى الله تعالى لا تُريد دنيا، ولا جاهًا، إنما تريد وجْه الله، وتتمنَّى رضاه؛ ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [يوسف: 108]، ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69].

 

خامسًا: اعْلموا - أيها الأحبَّة - أنَّ الإسلام جاء ليُعلِّمنا كلَّ شيءٍ، حتى آداب قضاء الحاجة! فهل من الممكن أن يَغفل عن وضْع الأُسس السليمة والقواعد القويمة لبناء الدولة؟!

 

ومِن ثمَّ؛ يجب على كلِّ أبناء الصحوة بصفة عامة، وعلى كلِّ فصيل حركي بصفة خاصة - ألاَّ يتحرَّك حركة صغيرة ولا كبيرة، إلاَّ من خلال فَهْم دقيقٍ، ووعي عميقٍ للضوابط والقواعد الشرعيَّة؛ فإن الأمرَ دينٌ، ولا تتعجَّلوا النتائج؛ فإن مَن تعجَّل الشيء قبل أوَانه، عُوقِب بفوَاته وحِرمانه.

 

يَا جِيلَ صَحْوَتِنَا أُعِيذُكَ أَنْ أَرَى

فِي الصَّفِّ مِنْ بَعْدِ الإِخَاءِ تَمَزُّقَا

لَكَ مِنْ كِتَابِ اللهِ فَجْرٌ صَادِقٌ

فَاتْبَعْ هُدَاهُ وَدَعْكَ مِمَّنْ فَرَّقَا

لَكَ فِي رَسُولِكَ قُدْوَةٌ فَهُوَ الَّذِي

بِالصِّدْقِ وَالْخُلُقِ الرَّفِيعِ تَخَلَّقَا

يَا جِيلَ صَحْوَتِنَا سَتَبْقَى شَامِخًا

وَلَسَوْفَ تَبْقَى بِالْتِزَامِكَ أَسْمَقَا

محمود العشري

كاتب له عدد من الكتابات في المواقع الإسلامية

  • 4
  • 1
  • 18,425
المقال السابق
(5) الولاء والبراء
المقال التالي
(7) فضل لا إله إلا الله

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً