جبريل إذ يدارس نبينا القرآن فينبعث الجود ريحا طيبة

منذ 2018-06-13

هذا الحديث تنصرف أذهان الناس فيه أول ما تنصرف إلى حالة من تداول القراءة بين النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام، وهذا صحيح بلا شك، وهو ما عليه كثير من شراح كتب السنة، غير أن ثمة ما يغيب في كثير من الأحيان عن التالين لكتاب الله فرادى أو مثنى ممن يقتدون بهذه الصورة الشريفة لتدارس القرآن، وهو أن المدارسة تعني أيضاً فهم واستيعاب ما يُتلى، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: "المقصود من التلاوة الحضور والفهم لأن الليل مظنة ذلك لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية"

في أزمنة الاحتلال المباشر للدول الإسلامية، كانت أنظمته لا تمانع أبداً في أن تستهل برامجها الإذاعية، ومن ثم التليفزيونية ببث آيات من كتاب الله عز وجل ما دامت تشعر أن مستمعيها غافلين عن معاني كتاب الله للحد الذي يجعلهم غير متفاعلين أو مدركين لما يسمعون، وعليه استمر الحال.
والحق أنه يتعين على قارئ القرآن أو مستمعه أن تنعكس تلك التلاوة على قلبه وجوارحه بحيث تحدث تأثيراً وتغييراً في أخلاقه وسلوكه صدوراً عن قلب يعقل القرآن ويدكره، والحق كذلك، أنه ومع انتداب الدعاة والصالحين الناس لقراءة القرآن في شهر رمضان الفضيل وفي غيره؛ فإنه يتوجب أن يلتفت القراء إلى غاية هذه القراءة وهدفها الأول، وهو التأثر بالقرآن والتزام أوامره واجتناب نواهيه، والتفكر والتدبر والاعتبار بآياته وقصصه.
بين أيدينا حديث شهير، برواياته وطرقه، ومنها ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: « «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، كان جبريل يلقاه كل ليلة في رمضان يعرض عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة» » . متفق عليه. وفي حديث آخر «فيدارسه القرآن».
هذا الحديث تنصرف أذهان الناس فيه أول ما تنصرف إلى حالة من تداول القراءة بين النبي صلى الله عليه وسلم وجبريل عليه السلام، وهذا صحيح بلا شك، وهو ما عليه كثير من شراح كتب السنة، غير أن ثمة ما يغيب في كثير من الأحيان عن التالين لكتاب الله فرادى أو مثنى ممن يقتدون بهذه الصورة الشريفة لتدارس القرآن، وهو أن المدارسة تعني أيضاً فهم واستيعاب ما يُتلى، ولهذا قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: "المقصود من التلاوة الحضور والفهم لأن الليل مظنة ذلك لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية"، ومثله قاله القسطلاني في شرح القسطلاني إرشاد الساري. وقال عبدالكريم الخضير في شرح المحرر في الحديث: "المدارسة مفاعلة بين الاثنين، ما هي بدراسة، (بل) مدارسة، يعني كل واحد يقرأ على الثاني، ويسأل الثاني عما يشكل عليه.. ".
والحديث بروايته يُشعر بهذا الأثر؛ فإن مدارسة القرآن في ليالي رمضان، قد وافقت هذا الجود وشحذته، يقول ابن الملقن في التوضيح لشرح الجامع الصحيح: "أنه لما كان يدارسه القرآن زادت معاينته الآخرة فأخرج ما في يده (من) الدنيا".
كان جبريل عليه السلام يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، قال العباد في شرح سنن أبي داود: "جبريل يقرأ على النبي صلى الله عليه وسلم والرسول يسمع، والعكس الرسول يقرأ وجبريل يسمع، فيعارضه القرآن"، وقال الشيخ محمد آدم الإثيوبي في ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (شرح سنن النسائي): " المدارسة، وهي الْمُقَارأة والمذاكرة، أي يقارئه، ويذاكره القرآن؛ تذكيرًا له، وتثبيتًا لحفظه"، وذكر الحافظ ابن حجر وغيره قراءته على سبعة أحرف، وضبط التجويد ونحوه. لكن ذلك لا يمنع أبداً أن هذا التدارس يحدث أثراً في واقع الحياة ولا يقتصر على جانب المقارأة والمذاكرة فحسب، قال الإثيوبي: "قيل: الحكمة فيه أن مدارسة القرآن تجدّد له العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الْجُود، والجود في الشرع إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعمّ من الصدقة".
هذا انعكاس واضح وتأثير أكيد، حتى وإن قال ثلة من العلماء – وهم على حق – إن زيادة الجود في رمضان إنما هو لشكر رسول الله صلى الله عليه وسلم نعمة نزول جبريل، ولتحري الأوقات الفاضلة في العمل الصالح، ولحاجة الصائمين الفقراء إلى الجود، ونحو ذلك، مما هو بالفعل من مسببات ذلك الجود الأكبر للنبي الأعظم في رمضان، إلا أنه لتلك المدارسة بحد ذاتها تأثيرها ودافعيتها في زيادة جود النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، لحد مشابهة الريح المرسلة التي أقسم بها الله سبحانه وتعالى في كتابه، المنزلة للغيث الوفير. يقول عبدالمحسن العباد في كتابه: "فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة، هذه هي نتيجة مدارسة القرآن".
هذا الجود الذي حاز رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل السبق فيه "أجود الناس"، هكذا مطلقة، يرتفع منسوبه بدرجة هائلة في رمضان في شتى الاتجاهات، ومناحي الخير، قال صاحب مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: "ولفظ الخير شامل جميع أنواعه بحسب اختلاف ما جاءت الناس به، وكان - صلى الله عليه وسلم - يجود على كل أحد منهم بما يسد خلته ويشفي علته". وجاء في الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري: "الجود: إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي من غير توقع عوض"، قال عبدالمحسن العباد: " معنى أجود الناس: أكثر الناس جودا فرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بكل ما تحتمله هذه الكلمة من معنى، جاد بنفسه في سبيل الله فكسرت رباعيته وشج وجهه، وجاد بجاهه، وجاد بما أعطاه الله من المال، وجاد بالدلالة والإرشاد إلى كل ما ينفع العباد في الحال والمآل وتحذيرهم من كل ضار نص الحاضر والمستقبل (... )(و) الحكمة في زيادة جوده صلى الله عليه وسلم في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن: أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس، والقرآن خلقه صلى الله عليه وسلم كما قالت عائشة رضي الله عنها يأتمر بأوامره وينتهي عن نواهيه".
إن زيادة الخشية، وكثرة الجود بأنواعه المختلفة، وتدبر القرآن، هي معايير حقيقية لقياس مدى التأثير الذي تحدثه التلاوة والمدارسة لكتاب الله عز وجل، ولهذا فحرص المسلمين على الإكثار من تلاوة القرآن في رمضان، لابد أن يقترن بحرص آخر على التفكر في الآيات، وامتثال ما فيها من أوامر واجتناب نواهٍ، والعمل بما تقتضيه من أحكام، والاعتبار والتفكر بقصصه، وإنه إزاء ما نلمسه من اعتناء بتلاوة مفتقرة إلى التدبر في كثير من الأحيان لدى مسلمي اليوم؛ فإن التذكير بجانب قد يغيب عن التالين في هذا الشهر الفضيل وفي غيره، ما يجعل أثر التلاوة على تطهير القلوب وإخضاع الجوارح ضعيفاً، هو مما ينبغي أن يندب إليه الناصحون المخلصون. 

  • 3
  • 0
  • 172

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً