مع القرآن(من الأحقاف إلى الناس) - واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف

منذ 2018-10-10

فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ

{وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} :

هود عليه السلام أرسله الله إلى قومه من أهل اليمن بمنطقة جبلية رملية فالأحقاف جمع حقف وهو الجبل الرملي , وقد سبقة رسل دعت إلى توحيد الله فلم يكن بدعاً من الرسل عليه السلام بل كان الأمر معقولاً معروفاً لدى قومه , وقد ارتكزت دعوته على التوحيد الخالص لله رب العالمين , وإنذار من خالف دعوة التوحيد بعذاب أليم لا طاقة للبشر يوم يجمع الله الأولين والآخرين.

فما كان ردهم إلا كسابقيهم وقد تمسك الملأ المتصدرين منهم بمقدرات دنياهم ومكانتهم المجتمعية التي ارتكزت على الشرك والأوثان , فأبوا إلا الاستكبار خاصة أن أي تغيير في العقيدة سيتبعه تغيير في النظام المجتمعي يستلزم العدل والإنصاف , وقد تتغير مكانتهم مع النظام الجديد فاختاروا العاجلة وساقوا الأتباع خلفهم كالسائمة يغلب عليهم التكاسل والإعراض عن مجرد معرفة الحق فضلاً عن اتباعه .

ثم بدأوا في العداء السافر والتحدي الواضح لله ورسوله فطلبوا منه تعجيل العذاب لتتأكد رسالته , وياله من مطلب غبي !!!!

فلما ظهرت بوادر العذاب المطلوب ما ازدادوا إلا جهالة واستكباراً وما ظنوا بوادر العذاب إلا بشائر تكريم ومزيد خير قادم وذلك لانتكاس فطرتهم.

فما كان جواب هود عليه السلام إلا أن أعلمهم بالحقيقة المدمرة القادمة في طريقها إليهم وأن هذا هو عين مطلبهم السابق.

فدمرتهم الريح ولم تذر منهم إلا الآثار , وكذلك أخذ الله لأعدائه فليس أحدهم عليه بعزيز وتلك سنة الله في كل من سبق من المكذبين المستكبرين , فما أعظم ما بلغ السباقون من حضارة وأسباب رقي لم يبلغها من بعدهم وما أفدح ما وقعت بهم من خسائر بسبب عدائهم للمنعم المتقضل عليهم فلما قلبوا الشكر كفراناً حل بهم العقاب.

قال تعالى :

{وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26) } [الأحقاف21-26]

قال السعدي في تفسيره:

أي: { {وَاذْكُرْ } } بالثناء الجميل { {أَخَا عَادٍ} } وهو هود عليه السلام، حيث كان من الرسل الكرام الذين فضلهم الله تعالى بالدعوة إلى دينه وإرشاد الخلق إليه.

{ { إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ} } وهم عاد { {بِالْأَحْقَافِ} } أي: في منازلهم المعروفة بالأحقاف وهي: الرمال الكثيرة في أرض اليمن.

{ {وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } } فلم يكن بدعا منهم ولا مخالفا لهم، قائلا لهم: { {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } }

فأمرهم بعبادة الله الجامعة لكل قول سديد وعمل حميد، ونهاهم عن الشرك والتنديد وخوفهم -إن لم يطيعوه- العذاب الشديد فلم تفد فيهم تلك الدعوة.

{ {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا } } أي: ليس لك من القصد ولا معك من الحق إلا أنك حسدتنا على آلهتنا فأردت أن تصرفنا عنها.

{ {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } } وهذا غاية الجهل والعناد.

{ قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ } فهو الذي بيده أزمة الأمور ومقاليدها وهو الذي يأتيكم بالعذاب إن شاء. { {وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ} } أي: ليس علي إلا البلاغ المبين، { {وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} } فلذلك صدر منكم ما صدر من هذه الجرأة الشديدة، فأرسل الله عليهم العذاب العظيم وهو الريح التي دمرتهم وأهلكتهم.

ولهذا قال: { { فَلَمَّا رَأَوْهُ } } أي: العذاب { {عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} } أي: معترضا كالسحاب قد أقبل على أوديتهم التي تسيل فتسقي نوابتهم ويشربون من آبارها وغدرانها.

{ قَالُوا } مستبشرين: { {هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} } أي: هذا السحاب سيمطرنا.

قال تعالى: { {بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ } } أي: هذا الذي جنيتم به على أنفسكم حيث قلتم: { {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} } { {رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} }

{ {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} } تمر عليه من شدتها ونحسها.

فسلطها الله عليهم { {سبع ليالي وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية } } [ { {بِأَمْرِ رَبِّهَا } } أي: بإذنه ومشيئته]. { {فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} } قد تلفت مواشيهم وأموالهم وأنفسهم. { {كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} } بسبب جرمهم وظلمهم.

هذا مع أن الله تعالى قد أدر عليهم النعم العظيمة فلم يشكروه ولا ذكروه ولهذا قال: { {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ } } أي: مكناهم في الأرض يتناولون طيباتها ويتمتعون بشهواتها

وعمرناهم عمرا يتذكر فيه من تذكر، ويتعظ فيه المهتدي، أي: ولقد مكنا عادا كما مكناكم يا هؤلاء المخاطبون أي: فلا تحسبوا أن ما مكناكم فيه مختص بكم وأنه سيدفع عنكم من عذاب الله شيئا، بل غيركم أعظم منكم تمكينا فلم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم ولا جنودهم من الله شيئا.

{ {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً } } أي: لا قصور في أسماعهم ولا أبصارهم ولا أذهانهم حتى يقال إنهم تركوا الحق جهلا منهم وعدم تمكن من العلم به ولا خلل في عقولهم ولكن التوفيق بيد الله. { {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ} } لا قليل ولا كثير، وذلك بسبب أنهم { {يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّ} هِ } الدالة على توحيده وإفراده بالعبادة.

{ {وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} } أي: نزل بهم العذاب الذي يكذبون بوقوعه ويستهزئون بالرسل الذين حذروهم منه.

#أبو_الهيثم

#مع_القرآن

  • 4
  • 0
  • 183
المقال السابق
أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا
المقال التالي
وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً