التربية الرّبانية في سورة يوسف

منذ 2019-02-27

وقبل السجن، تجسدت التربية في قصر العزيز! ولحياة الترف فتنة لا يقاومها إلا أخلص المخلصين! وما كانت مراودة امرأة العزيز الصريحة له، إلا بعد سنوات مريرة وطويلة من الفتنة والمراودة الخفية. وقد درج يوسف في القصر على التربية بالمقاومة، وتعلم فيه أعظم أنواع الإحسان.

تمثل التربية الرّبانية في قصَّة يوسف عليه السلام مرتكزاً أساسياً من مرتكزات القصة، وتظهر في مراحلها المختلفة؛ عبر اللفتات الموحية والإشارات الدلالية لكلمة (رَبّ) المتوالية في أرجاء السورة، وعبر تطور شخصية يوسف في أطوار حياته المختلفة.

تدلف السورة برسم معالم ذلك المرتقى الهائل من التربية الربانية التي تتجسد في الاجتباء والتعليم: ( {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ} )، أي يختارك لمهمة سيوكلها إليك. وهذه المهمة تحتاج إلى تهيئة وتربية. والذي يختارك هو (ربّك) أي هو القائم على شؤونك، ورعايتك، وتربيتك. وقد خصّه سيدنا يعقوب بكاف الخطاب في قوله (ربك) إشعاراً له بخصوصية العلاقة بينه وبين ربه، وإيناساً له وهو في هذه السن المبكرة.

وبعد مرحلة الاجتباء والاختيار، تأتي مرحلة التعليم وإتمام النعمة: ( {وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} ). وتأويل الرؤى معجزة أيدّ الله بها يوسف، لتكون عوناً له في المهمة الموكلة إليه. وإتمام النعمة هو النبوة وحمل الرسالة، وهذه هي المهمة التي يعدّه الله للقيام بها بعد اختياره وتأييده بعلم تأويل الرؤى.

وتتمثل أولى تجارب التربية العملية عندما يكابد يوسف محنته الأولى في مرحلة الطفولة، حين يكيد له إخوته، ويواجه مصيره في ظلمة البئر. إنه الآن في ذروة الأزمة، وفي أشدّ أوقات المحنة والكرب، وهو ما يزال طفلاً صغيراً. هنا يأتي لطف ربه الذي يربّيه ببث الطمأنينة في نفسه ( {وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} ).
فيوسف وهو في هذه السن الصغيرة وفي نازلة كهذه، يحتاج إلى تهدئة نفسه وتسكين روعه، فكان أن طمأنه (ربّه) بأن لا تخف ولا تحزن، فإنك ناج، ومخبر بما يُدبّر لك. ولنا أن نتصور مشاعر هذا الطفل وقد أوحى إليه ربّه وآنسه ووعده بالنجاة والسلامة.

ويقلب يوسف صفحة جديدة من صفحات حياته وتربيته، بالحياة في قيد الرق! ومع ما للرق من ثقل على الكريم ابن الكريم ابن الكريم، إلا أنه طبع شخصيته بتواضع يليق بنبي! ومحنة الرق تشبه كثيرا في غرضها التربوي محنة السجن، مع ما كان لمحنة السجن من مجال نفسي أشمل، ناسب تطور شخصية يوسف ونضجها!

وقبل السجن، تجسدت التربية في قصر العزيز! ولحياة الترف فتنة لا يقاومها إلا أخلص المخلصين! وما كانت مراودة امرأة العزيز الصريحة له، إلا بعد سنوات مريرة وطويلة من الفتنة والمراودة الخفية. وقد درج يوسف في القصر على التربية بالمقاومة، وتعلم فيه أعظم أنواع الإحسان.

والسجن يهذب النفس، ويشف الروح، ويثير ملكة التأمل! ينقطع فيه السجين عن صخب الحياة، فيرى في سجنه ما لا يراه الطلقاء خارجه! وهو إعداد وثيق، له ما بعده من مسؤوليات جسام!

وبعد نضج شخصية يوسف بخروجه من السجن، تبدأ التربية إتيان ثمارها! فيظهر براءته، ويتولى شؤون مصر، ويلمّ شمل أسرته الصغيرة، ويعلّم إخوته دروسا أزلية، كما يعلّم أسرته الكبيرة عبر الأجيال دروسا سرمدية.

هاني مراد

  • 4
  • 1
  • 4,048

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً