رواء المدينة المنورة...(الحلقة السابعة)
حين يخبت القلب وتنيب الخطى… فثمة الروضة الشريفة (الحلقة السابعة)
سمعت الكثير عن ذلك الشعور الوجداني الفريد، وعن ذلك التعلق العميق، وتلك الرغبة الملحة التي يبديها زائر المسجد النبوي الشريف، حين يتعلق أمر زيارته بالروضة الشريفة، فما يفتأ حريصا كل الحرص على ألا يتنازل عن فرصته في أن يصلي على سجادها الأخضر المنمق ركعتين، ثم يدعو متضرعا إلى مولاه وخالقه بما شاء من الأدعية المأثورة أو المرتجلة في عفوية وفطرة ملهمة، ولا غرابة ولا استغراب من هذا الحرص وهذه العروة الوثقى التي جمعت وربطت المريد بالروضة الشريفة فقد ثبت في شأنها من الفضل الخاص والمكانة العظيمة الكثير من الأحاديث الصحيحة الصريحة.
كلها تؤكد على شرف هذا الموضع المبارك من المسجد النبوي، ومن ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" «إِنَّ مُنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ، وَمَا بَيْنَ مِنْبَرِي وَحُجْرَتِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» ".
وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" «مِنْبَرِي عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّةِ، وَمَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَبَيْنَ بَيْتِ عَائِشَةَ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» ".
وكذلك ما روي عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" «مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَقَوَائِمُ مِنْبَرِي رَوَاتِبُ فِي الْجَنَّةِ» ".
وكلها أحاديث صحيحة متضافرة متظافرة، تفسر ما تشهده صفوف الروضة الشريفة اليوم من شدة الإقبال، وطول الانتظار، والتنظيم الدقيق للدخول، حتى بات الزائر يمكث ساعات مترقبا موعده، راجيا أن يوفق لتلك اللحظات القليلة التي يعدها من أعظم بركات رحلته إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبعد الفراغ من هذه الزيارة المباركة، يكون الزائر كما كنا على موعد آخر لا يقل شرفا، وهو السلام على سيد الخلق صلى الله عليه وسلم عند قبره الشريف، ثم السلام على صاحبيه أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، زيارة ومرور يؤدى بسكينة ووقار، وخفض صوت، واتباع للأثر، دون تمسح ولا تقبيل للجدار الحائل، ولا رفع للأصوات بالدعاء، إذ هي زيارة تعبدية منضبطة، قوامها الاتباع لا الابتداع، والسير على هدي السلف لا محدثات الخلف.
وقد كان من بركات المقطع بعد المطلع أن شاء الله لنا في يومنا الأخير من برنامج مقامنا بالمدينة المنورة - وفي عتمة وغلس الفجر - أن يكتب لي ولمن رافقني، ورافقته، حظا موافقا حذو القذة بالقذة، إذ تنبه هو على المعهود إلى جمهرة من المعتمرين كانوا قد فرغوا لتوهم من زيارة الروضة الشريفة، متوجهين بعد ذلك على ترادف محمود لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
فتسللت، وإياه، مندسين في ذلك الصف المبارك، فإذا هي كرة قد جاد علينا بها الجواد الكريم سبحانه، أعيدت لنا كرتها، فأتيح فيها إلقاء السلام وإقراؤه على خير البشر، وسيد ولد آدم ولا فخر، وكانت تلك خاتمة العهد بمكثنا في مدينة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقد أزف انصرام ثواني الأيام الخمسة، مؤذنا بشد الرحال إلى مكة المكرمة، حيث كانت تنتظرنا سبعة أيام أخرى، دأبا ونسكا وطوافا وسعيا ومقاما...يتبع
محمد بوقنطار
محمد بوقنطار من مواليد مدينة سلا سنة 1971 خريج كلية الحقوق للموسم الدراسي 96 ـ97 الآن مشرف على قسم اللغة العربية بمجموعة مدارس خصوصية تسمى الأقصى.
- التصنيف: