نفسك أولًا

منذ 3 ساعات

سيقف كل إنسان بين يدي الله وحده، لا يحمل عنه أحد شيئًا، ولا تنفعه ألقاب ولا انتماءات، ولا تشفع له كثرة، ولا تحطّ من قدره قلة.

سيقف كل إنسان بين يدي الله وحده، لا يحمل عنه أحد شيئًا، ولا تنفعه ألقاب ولا انتماءات، ولا تشفع له كثرة، ولا تحطّ من قدره قلة. فهناك تتضح الحقيقة بلا تزيين: فيبين من جاء بالتوحيد صافيًا؟ ومن استقام ظاهرا وباطنا، ومن دار مع الحق حيث دار؟ ومن قدّم ما يطلبه الله على ما تهواه نفسه؟

فمن استيقن هذا المعنى، علم أن الطريق إلى الله لا يبدأ من نقد الآخرين، ولا من الانشغال بأخطائهم، وإنما يبدأ من القلب؛ من تصحيح النية، وتجريد القصد، ومحاسبة النفس على التقصير قبل الالتفات إلى تقصير غيرها. وفقه بأن إصلاح النفس ليس أمرًا ثانويًا، ولا خطوة تُؤجَّل، بل هو الأساس الذي تقوم عليه الاستقامة، ويُعرف به صدق العبد من إدعائه.

فإذا أخلص الإنسان عمله، وجعل الله غايته، استقامت أعماله تبعًا لذلك.
وحينها يبدأ الجهد الحقيقي: بحيث يجاهد نفسه على الطاعة، ويكفّها عمّا لا يرضي الله، ويعالج عيوبه بهدوء، بدل أن ينشغل بعيوب الناس. فصلاح الظاهر لا يثبت مع فساد الباطن، والعمل لا يقوم بغير نية.

وحين يصلح الإنسان نفسه، ينعكس هذا الصلاح على تعامله مع من حوله، فيؤدي ما أوجبه الله عليه تجاه دينه وأهله ومجتمعه بصدق وبذل واتزان، دون إفراط ولا تفريط، ودون تجاوز أو مجاملة. فلا يتحرك بدافع الغضب، ولا يقف بدافع المصلحة، بل يجعل فيصله الفارق في ذلك كله ما يرضي الله، لا ما تهوى النفس ولا ماويرضي الناس.

ومن تمام هذا الطريق أن يعرف الإنسان قيمة وقته، فيصونه عن الضياع، ويترك ما لا فائدة فيه، وينشغل بما ينفعه في دينه ودنياه، لأن الوقت هو العمر.

ويضبط موقفه من الدنيا؛ فلا يجعلها أكبر همّه، ولا يتركها تقوده حيث تشاء، بل يأخذ منها ما يعينه، ويجعل الآخرة هي مقصده، فتستقيم بذلك أموره وتخفّ عنه الأثقال.

ومتى استقرت مراقبة الله في القلب، صار العبد أكثر حرصًا على قوله وفعله، ورعاية ظاهره وباطنه، وثبت على الحق ولو خالف هواه أو قلّ أنصاره. فهذه هي السعادة الحقيقية: وضوح الغاية، وصفاء الطريق، وثبات السير، ورجاء ما عند الله في كل شيء.

أما من أهمل إصلاح نفسه، وانشغل بما لا يعنيه، وضعفت صلته بالله، فإن الدنيا تكبر في عينه، فيجعلها ميزان مواقفه، فيرضى ويغضب، ويحب ويبغض، ويقرّ ويجحد، لأجل مصلحة أو هوى. وتلك هي الخسارة الحقيقية، وإن ظن صاحبها أنه في ربح وخير.

فإصلاح النفس هو البداية الصحيحة، وهو الميزان الذي تُعرف به الاستقامة من الدعوى. ومن قدّم الاشتغال بغيره على محاسبة نفسه، أو طلب صلاح الخارج وقلبه لم يستقم، فقد أخطأ الطريق حتى وإن صلحنت نيته. فالنجاة لا تقوم إلا على صدق التوجّه، ومجاهدة النفس، والاستقامة على ما يرضي الله.
نسأل الله أن يعيننا على إصلاح أنفسنا، وأن يرزقنا الإخلاص والإتباع والثبات، إنه جواد كريم،
والله الهادي.

  • 0
  • 0
  • 27

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً