قدرات صغار الأطفال

منذ ساعتين

الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة ليس كائنًا عاجزًا يُعفى من كل تكليف، ولا راشدًا مكتمل النضج يُطالَب بالإتقان والانضباط الكامل، بل هو إنسان طري نامٍ، تتفتح قدراته وتقوى تدريجيًا بحسب ما يُتاح لها من أجواء سوية متزنة.

الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة ليس كائنًا عاجزًا يُعفى من كل تكليف، ولا راشدًا مكتمل النضج يُطالَب بالإتقان والانضباط الكامل، بل هو إنسان طري نامٍ، تتفتح قدراته وتقوى تدريجيًا بحسب ما يُتاح لها من أجواء سوية متزنة. وأسرة واعية، متسمة بالاهتمام والحكمة.


فالطفل في هذه المرحلة يمتلك قدرات فطرية حقيقية، غير أنها ما تزال في طور التشكّل، ولذا فهي تقوى بالتدريب المتدرج، والقدوة الحسنة، والرعاية المستديمة، والترفق والتؤدة، والتحفيز والتشجيع، والإشعار بالمحبة والحنان والتقدير.

بينما تضعف بالإهمال واللامبالاة، وبنفاد الصبر والتعجل في قطف الثمار قبل أوانها، كما تنحرف بالقسوة، والتهديد، والكبت، وسوء المعاملة، والعقاب المبالغ فيه وغير المفهوم.

ومن هنا كان فهم قدرات الطفل، وتقدير حدودها، وحسن توظيفها، أساسًا لا غنى عنه في أي تربية رشيدة.
ولعل من أخطر ما يقع فيه المربون في التعامل مع أبناء هذه المرحلة وجهين متضادين:

أحدهما: الاستخفاف بقدرات الطفل والتعامل معها وكأنها غير موجودة، فينشأ الطفل من مبدئه على الاتكال على الآخرين، وعلى ضعف الثقة بالنفس، وعلى التهرب من تحمل المسؤولية.
والآخر: المبالغة في التوقع، بحيث يُقسَى على الطفل، ويُحمَّل ما لا يطيق، فإذا عجز -ولا بد أن يعجز- تسلّل إليه الإحباط، وتعزّز خوفه من الفشل، وازداد رهابه من المحاولة وتحمل المسؤولية.
وبين هذين الطرفين تقوم التربية الرشيدة، التي تنطلق من فهم دقيق لقدرات الطفل، واتزان في توظيفها، ومتابعة مستمرة صبورة متدرجة في تجذيرها وتنميتها.
 ولعل من أبرز تلك القدرات التي يمتلكها الطفل في هذه المرحلة:

1.  التعلّم بالمشاهدة والتقليد:
تُعدّ المحاكاة أقوى قدرات الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة؛ فهو لا ينتظر الشرح ليبدأ التعلّم، بل يلتقط السلوك والمشهد بكل تفاصيله بمجرد مشاهدته، ثم يبدأ بمحاكاته تلقائيًا. ولهذا يتشكل سلوك الطفل من خلال ما يراه متكررًا في حياته اليومية أكثر مما يتأثر بالتوجيه اللفظي المباشر. 
ومن هنا كانت القدوة الصالحة، وحماية الطفل من البيئات السالبة، والحذر من تعريضه لأي مواقف غير مرغوبة أو مشاهدات غير سوية أساسًا لا غنى عنه في تنشئته تنشئة سوية.

2. القدرة اللغوية:
يمتلك الطفل قدرة عالية على استقبال اللغة وفهمها قبل قدرته على استخدامها. فهو يدرك أكثر مما ينطق، ويخزن المفردات قبل أن يحسن استعمالها وتوظيفها في سياقات تعبيرية مكتملة. 
والقدرة اللغوية تنمو لدى الطفل في هذه المرحلة من خلال بيئة حوارية هادئة، قائمة على الإسماع المتكرر، وعلى التحفيز والتفاعل الإيجابي مع أي محاولة تقدم، وعلى طول النفس من دون ما عبوس أو ملل، وفي المقابل فهي تضعف بالضغط والتهديد أو العقوبة، والإجبار على النطق، وكثرة التصحيح المجهد للطفل.

3. التعلّم بالتجربة واللعب:
الطفل في هذه المرحلة لا يتعلم بالمفاهيم المجردة، بل بالممارسة المباشرة والتجربة الحسية؛ وذلك حين يمسك، ويجرّب، ويخطئ، ويكرر، ويصعد وينزل، ويفتح ويغلق، فمن خلال ذلك يبني فهمه وتصوره لحدود العلاقات بين الأشياء التي يلامسها أو يراها.
ولذا فإن اللعب الممزوج بالتجريب والمتعة والتشويق من أنجع وسائل التعليم وأساليب تنمية المهارات، بينما يفقد التعليم المجرد أثره في هذه المرحلة مهما حَسُن عرضه وامتاز مقدمه.

4. القدرة على الارتباط العاطفي:
يمتلك الطفل قابلية عالية لبناء روابط عاطفية عميقة مع والديه ومقدمي الرعاية له. وحين تنمو هذه القدرة في إطار علاقة آمنة مبهجة سوية لا تتأثر بالرضا والسخط، والصواب والخطأ، فإن الثقة بالنفس تنمو معها، وكذلك الهدوء المساعد على قابلية التعلم، والتفاعل الاجتماعي الإيجابي. 
أما إذا نشأ الطفل في بيئة قاسية أو مهملة، فإن القلق لديه يزداد، والانفعالات تحتد، والخوف يتضاعف، فتضعف لذلك -مع تراكم المواقف ومرور الزمن- صحته النفسية.

5. تعلّم القيم والأخلاق:
لا يملك الطفل في هذه المرحلة ضميرًا ناضجًا، لكنه يملك فطرة سليمة تمكّنه من التقاط القيم الإيجابية: فعلا أو تركا من الواقع المعاش. فهو لا يفهم الصدق والأمانة تعريفًا تجريديا، لكنه يتشربهما حين يراهما في الواقع ممارسة متكررة منسجمة مع فطرته، وهو لا يدرك معنى الكذب والغش والسرقة، لكنه يتعلم رفضها حين يراها سلوكًا منبوذا في مجتمعه. 
ولهذا فإن التهذيب الأخلاقي في الطفولة المبكرة يقوم في الأساس على الأسوة الحسنة، والممارسة السوية المتكررة، والضوابط القيمة الحاكمة لسلوكيات الطفل وأفراد بيئته، في أجواء مشجعة، لا على مجرد الوعظ أو التنبيه.

6. التدرّب على الانضباط السلوكي:
رغم ضعف الانضباط الذاتي في هذه المرحلة وميل الطفل نحو كثرة الكلام غير الموزون، والحركة المفرطة، والعبث بكل ما حوله، إلا أن الطفل فيها يملك قابلية واضحة للتدرّب عليه تدريجيًا، من خلال التكرار الهادئ، والتشجيع المستمر، ووضع حدود للمقبول من الفعل والمردود شريطة أن تكون حدودا عادلة وضوابط ثابتة ومسارات واضحة، مع القبول بالخطأ بوصفه جزءًا من عملية التعلم.
ولذا فإنا نرى بوضوح أن هذه القابلية تفسد بالقسوة المنفرة، وبتقلب الأبوين في تحديد مفاهيم الصح والخطأ وموازين القبول والرفض، كما تفسد باللامبالاة وبالتساهل المفرط الذي لا يبني عادة، ولا يغرس قيمة، ولا يمارس في الأساس تربية.

7. القدرة على التخيل والإبداع:
خيال الطفل في هذه المرحلة واسع، حيّ متجدد، شامل منفتح، وهو من أعظم منابع الإبداع لديه وركائز توسيع التفكير وحل المشكلات لاحقًا. ويتعزز بأنشطة عملية مثل الرسم، والقصص، والتمثيل، واللعب التخيلي، وتنويع المشاهدة. وفي المقابل فقمعه -بدعوى تأسيس الواقعية المبكرة وجر الطفل نحو الجدية، ومنعه من الكذب- يحدّ كثيرا من نمو تفكير الطفل ويقتل الإبداع لديه وفي مهده.

8. الميل إلى التدين السلوكي:
يمتلك الطفل استعدادًا فطريًا للتدين، ويقوى من خلال المشاهدة والمحاكاة؛ ولذا فأنت تجده يقلد الصلاة، ويمسك المصحف، ويرغب بالصيام، ويأنس بالذكر، ويسر بمشاركة الإحسان، ويتأسى بالمظهر والسلوك، دون إدراك للمعاني أو المقاصد. والتدين في هذه المرحلة تهيئة وجدانية وسلوكية، تُبنى بالقدوة والأجواء الإيمانية الهادئة، وتحبيبه بالرب الرحيم، لا بالتكليف والأوامر.


وختاما: فإن القدرات التي يحملها الطفل في طفولته المبكرة لا تظهر دفعة واحدة، ولا تُبنى بالضغط أو التهديد. أو باستعجال القطاف، بل تنمو في بيئة تريد تنمية المهارة، وتعنى بالقرب من الطفل وتجويد العلاقة به، وتثني على التحسن المتدرج لديه، وتُراعي الأسس الفطرية التي خلقه الله عليها.
ومتى وُجّهت هذه القدرات بترفق وصبر وحكمة، نمت قدراته في مسارها الطبيعي، ومتى أُسيء التعامل معها اختلّ البناء، وتأخر النضج. ومن هنا تبدو التربية الرشيدة: وعيا بالمرحلة، وثقةٌ بأن لكل ملكة وقتها، والبيئة المناسبة التي تستخدم فيها.

اللهم ألهمنا رشدنا في تربية أبنائنا، وارزقنا البصيرة في فهم طبائعهم، وأصلح لنا ذرياتنا، واجعلهم قرة أعين في الدنيا والآخرة.
والله الهادي

  • 0
  • 0
  • 26

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً