سوانح تدبرية من سورة يوسف - |8| {لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين}

منذ 2026-03-29

سوانح تدبرية من سورة يوسف |8| {لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين}

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَبَعْدُ:

فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ مِنْ إِنْزَالِ الْآيَاتِ التَّدَبُّرُ وَالتَّفَكُّرُ وَاسْتِخْرَاجُ الدُّرَرِ وَالْمَكْنُونَاتِ، قال تعالى: {{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}} [ص:29].

يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/450): فَلَيْسَ شَيْءٌ أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ، وَأَقْرَبَ إِلَى نَجَاتِهِ مِنْ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، وَإِطَالَةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ، وَجَمْعِ الْفِكْرِ عَلَى مَعَانِي آيَاتِهِ.

قال سفيان بن عيينة رحمه الله (زاد المسير في علم التفسير، 2/370): إِنَّمَا آيَاتُ الْقُرْآنِ خَزَائِنُ، فَإِذَا دَخَلْتَ خِزَانَةً فَاجْتَهِدْ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْهَا حَتَّى تَعْرِفَ مَا فِيهَا.

الْعَيْشُ مَعَ الْقُرْآنِ حَيَاةٌ لِلْقَلْبِ، وَنُورٌ لِلْبَصِيرَةِ، وَرُشْدٌ لِلطَّرِيقِ؛ فَمَا أَصْفَى الْأَوْقَاتِ وَأَبْرَكُهَا حِينَ يَخْلُو الْإِنْسَانُ بِكِتَابِ اللهِ، يَتَأَمَّلُ آيَاتِهِ الْبَاهِرَاتِ، وَيَتَدَبَّرُ أَعْظَمَ الْقَصَصِ وَأَحْسَنَهَا، فَيَسْتَشْعِرُ مَعِيَّةَ اللهِ وَرِعَايَتَهُ وَلُطْفَهُ وَكَرَمَهُ.

فَكُلُّ قِصَّةٍ فِي الْقُرْآنِ نَافِذَةٌ تُطِلُّ عَلَى أَعْمَاقِ الرُّوحِ، تَغْرِسُ مِنْ خِلَالِهَا جُذُورَ الْإِيمَانِ، وَتُبْنَى بِهَا الْأَخْلَاقُ وَالسُّلُوكُ الرَّاسِخُ، وَتَفْتَحُ لِلْقَلْبِ بِهَا آفَاقَ الْفَهْمِ وَالنُّورِ وَالطُّمَأْنِينَةِ.

قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7)}.

لقد كان في خبر يوسف وخبر إخوته عبر وعظات للسائلين عن أخبارهم. (المختصر في تفسير القرآن الكريم).

 

فوائد ووقفات وهدايات وتأملات:

1- قُدِّمَ ذِكْرُ يُوسُفَ لِشَرَفِهِ، وَلِأَنَّهُ مِحْوَرُ القِصَّةِ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ أَحْدَاثُهَا، فَهُوَ قُطْبُ رَحَاهَا.

2- هَذِهِ بِدَايَةُ قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ إِخْوَتِهِ، بَعْدَ أَنْ مَهَّدَ لَهَا القُرْآنُ بِمُقَدِّمَتَيْنِ مُخْتَصَرَتَيْنِ:

الأُولَى: بَيَانُ أَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ بِاللِّسَانِ العَرَبِيِّ المُبِينِ، وَمِنْهُ أَنْبَاءُ الغَيْبِ.

وَالثَّانِيَةُ: ذِكْرُ رُؤْيَا يُوسُفَ وَمَا أَحْدَثَتْهُ فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ، وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ العِبْرَةِ بِتَحَقُّقِهَا.

3- قِصَّةُ يُوسُفَ سُلْوَى لِكُلِّ مَحْزُونٍ، وَأَمَلٌ لِكُلِّ مَظْلُومٍ، وَعِظَةٌ لِكُلِّ مُفْتُونٍ.

4- هَذَا الِافْتِتَاحُ لِتِلْكَ القِصَّةِ جَاءَ لِلتَّشْوِيقِ، وَإِثَارَةِ التَّحَمُّسِ، وَشَدِّ الِانْتِبَاهِ لِلِاهْتِمَامِ بِهَا، وَبَيَانِ مَا جَرَى فِيهَا.

5- جَاءَ التَّأْكِيدُ بِـ«قَدْ» وَاللَّامِ الدَّاخِلَةِ عَلَيْهَا، وَدُخُولُ «قَدْ» عَلَى الفِعْلِ المَاضِي يَدُلُّ عَلَى التَّحْقِيقِ، فَهِيَ آيَاتٌ مُحَقَّقَةٌ وَدَلَائِلُ ثَابِتَةٌ.

6- بِاللَّهِ وَتَاللَّهِ، إِنَّ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ مَعَ إِخْوَتِهِ—بِجَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ—لَآيَاتٍ؛ أَيْ حِكَمًا وَعِظَاتٍ وَعِبَرًا، لِمَنْ تَدَبَّرَ أَحْدَاثَهَا وَنَظَرَ فِي أَسْبَابِهَا وَنَتَائِجِهَا.

7- {{لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ}} فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى شَغَفِ النُّفُوسِ بِسَمَاعِ قَصَصِ المَاضِينَ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ لِلتَّسْلِيَةِ، بَلْ لِلاِعْتِبَارِ؛ {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى}.

8- فِي مِقْيَاسِ البَشَرِ تَأْتِي العِبَرُ بَعْدَ انْتِهَاءِ القِصَّةِ، أَمَّا فِي المِقْيَاسِ الرَّبَّانِيِّ فَالأَمْرُ مُخْتَلِفٌ؛ فَقَدْ تُذْكَرُ العِبَرُ قَبْلَهَا تَحْفِيزًا وَتَشْوِيقًا، كَأَنَّهُ تَنْبِيهٌ: انْتَبِهُوا، فِي هَذِهِ القِصَّةِ آيَاتٌ وَعِبَرٌ عَظِيمَةٌ.

9- {{وَإِخْوَتُهُ}} تَدُلُّ عَلَى أنَّ كَثْرَةَ الذُّرِّيَّةِ الصَّالِحَةِ مِنْ هُدًى وَأَعْمَالِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، قَالَ تَعَالَى: {{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً}} .

10- { {وَإِخْوَتُهُ} } فِيهَا رَدٌّ عَلَى دُعَاةِ تَحْدِيدِ النَّسْلِ، وَتَشْرِيعُ النَّاسِ عَلَى زِيَادَةِ الذُّرِّيَّةِ الصَّالِحَةِ وَالاهْتِمَامِ بِهَا.

11- يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: لَقَدْ كَانَ فِي قِصَّةِ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ عِبَرٌ وَدَلَائِلُ تَدُلُّ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ، لِمَنْ يَسْأَلُ عَنْ أَخْبَارِهِمْ وَيَرْغَبُ فِي مَعْرِفَتِهَا.

12- مَهْمَا ظَلَمَكَ إِخْوَتُكَ، فَلَا تَقْطَعْ جِسْرَ الأُخُوَّةِ مَعَهُمْ؛ فَرَابِطُ الأُخُوَّةِ أَقْوَى مِنَ الخِلَافَاتِ وَالمُشْكِلَاتِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَة: {{يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ}} .

13- لَا تُؤْذِ مَنْ سَيَبْقَى أَخَاكَ، مَهْمَا فَعَلْتَ بِهِ؛ فَقَدْ سَمَّاهُمُ اللَّهُ "إِخْوَتَهُ".

14- { {فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ}} تُفْصِحُ الآيَةُ عَنْ مَنْهَجِ القُرْآنِ فِي سَرْدِ القَصَصِ، فَيَكْتَفِي بِذِكْرِ الأَحْوَالِ الْمُهِمَّةِ وَيُرَكِّزُ عَلَى الْقَوَاعِدِ وَالْمَقَاصِدِ وَالْمَآلَاتِ، فَتَحْمِلُ النَّفْسَ عَلَى مَا اسْتُحْسِنَ وَتَنْزِعُهَا عَمَّا ذُمَّ وَقُبِّحَ.

15- لَمْ يَقُلْ {فِي قِصَّةِ يُوسُفَ} بَلْ قَالَ {{فِي يُوسُفَ}} لِيُظْهِرَ أَنَّ مِحْوَرَ الْقِصَّةِ هُوَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

16- أَعْمَقُ الجِرَاحِ مَا يَبْقَى فِي الصَّدْرِ وَلَا يَنْدَمِلُ، وَهُوَ مَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ الأَخِ.

17- فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ دَعْوَةٌ إِلَى الْعِلْمِ وَالتَّعَلُّمِ، وَالبَحْثِ فِي أَخْبَارِ السَّابِقِينَ وَأَحْوَالِهِمْ، خُصُوصًا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.

18- {{آيَاتٌ}} : قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: «آيَةٌ» بِالإِفْرَادِ، حَمْلًا عَلَى أَنَّ قِصَّةَ يُوسُفَ بِجُمْلَتِهَا عِبْرَةٌ لِلسَّائِلِينَ، وَقَرَأَ البَاقُونَ: «آيَاتٍ» بِالجَمْعِ؛ لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنَ الأَحْدَاثِ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، فَهِيَ آيَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ.

19- فِي هٰذِهِ الْقِصَّةِ آيَاتٌ وَدَلَائِلُ عَلَى أَنَّ مَنْ يَرْعَهُ رَبُّهُ لَنْ يَشْقَى أَبَدًا، وَمَنْ يَهْدِهِ فَلَنْ يَضِلَّ أَبَدًا.

20- {{آيَاتٍ لِلسَّائِلِينَ}} : جُمِعَتْ لِكَثْرَتِهَا وَتَنَوُّعِهَا؛ فَفِيهَا دَلَائِلُ عَلَى عَوَاقِبِ الصَّبْرِ الحَمِيدَةِ، وَحُسْنِ مَآلِ الإِحْسَانِ وَالصِّدْقِ وَالإِخْلَاصِ، وَفِي المُقَابِلِ سُوءُ عَاقِبَةِ الحَسَدِ وَالكَيْدِ وَالإِضْرَارِ، وَمَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَهْلُهَا مِنَ الخَيْبَةِ وَالخُسْرَانِ.

21- حَقُّ هَذِهِ السُّورَةِ أَنْ تُشْرَحَ في سَنَوَاتٍ، فَقَدْ تَظَلُّ أَحْدَاثُهَا وَعِبَرُهَا لَا تَنْتَهِي، فَكُلُّ مَا يُصِيبُكَ فِي الحَيَاةِ: بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَبَيْنَكَ وَبين إِخْوَتِكَ، وَبَيْنَكَ وَبين اللَّهِ، وَبَيْنَكَ وَبين الفِتَنِ وَالفِرَاقِ، كُلُّهُ مَوْجُودٌ فِي هَذِهِ القِصَّةِ.

22- تَرِدُ الآيَةُ فِي القُرْآنِ بِثَلَاثِ مَعَانٍ:

الأَوَّلُ: آيَاتٌ كَوْنِيَّةٌ كالشَّمْسِ وَالقَمَرِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، {{وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ}} .

الثَّانِي: مُعْجَزَةٌ خَارِقَةٌ لِلْعَادَةِ تُؤَيِّدُ بِهَا الأنبياء وتَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِمْ، كآياتِ موسى التسع وناقَةِ صالح.

الثَّالِث: آيَاتُ القُرْآنِ الكَرِيمِ نَصًّا وَهُدًى.

23- مِنْ مَعَانِي الآيَاتِ: العَلَامَاتُ الَّتِي أَقَامَهَا اللَّهُ فِي الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ؛ لِلدَّلَالَةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَكَمَالِهِ وَتَنْزِيهِهِ، قَالَ تَعَالَى: {{وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}} .

24- فِيهَا حَضٌّ لِلنَّاسِ عَلَى تَعَلُّمِ هَذِهِ الأَنْبَاءِ وَالسُّؤَالِ عَنْهَا، فَإِنَّهَا مَقَرُّ العِبَرِ وَالِاتِّعَاظِ.

25- بَيَانُ قُدْرَةِ اللهِ تَعَالَى وَحِكْمَتِهِ وَتَوْفِيقِ أَقْدَارِهِ، وَلُطْفُهُ بِمَنْ اصْطَفَى مِنْ عِبَادِهِ، وَتَرْبِيَتُهُ لَهُمْ وَحُسْنُ عِنَايَتِهِ بِهِمْ، لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَ عَنْهَا.

26- الاسْتِفَادَةُ مِنَ الْآيَاتِ وَالدَّلَائِلِ مَقْصُورَةٌ عَلَى مَنْ يَسْأَلُ وَيَهْتَمُّ طَلَبًا لِلْعِبْرَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالْعِظَةِ.

27- قَصَصُ القُرْآنِ لَيْسَ المُرَادُ مِنْهَا التَّسْلِيَةُ وَقَطْعُ الأَوْقَاتِ، بَلْ فِيهَا أَعْظَمُ الآيَاتِ وَالعِبَرِ وَالعِظَاتِ لِمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ لِلِاعْتِبَارِ. فَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ وَآيَةٌ لِلْمُسْتَرْشِدِ، وَأَمَّا المُتَعَنِّتُ فَهُوَ آيَةٌ عَلَيْهِ، قال تعالى: {{فَاقْصُصِ القِصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}} .

28- يَجِبُ عَلَى قَارِئِ القُرْآنِ عُمُومًا وَسَامِعِ هَذِهِ السُّورَةِ خُصُوصًا أَنْ يَلْتَمِسَ جَوَاهِرَ مَعَانِي القِصَصِ القُرْآنيَّةِ وَدُرَرَ مَرَامِيهَا، فَهِيَ مَشْحُونَةٌ بِالدُّرُوسِ وَالعِبَرِ لِمَنْ تَدَبَّرَ وَنَظَرَ، قَالَ: {لِلسَّائِلِينَ}، فَلا تَتَأَتَّى هَذِهِ العِبَرُ وَالهَدَايَاتُ إِلَّا لِمَنْ سَأَلَ عَنْهَا، فَكُلَّمَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَسْأَلَ أَكْثَرَ، تَعَلَّمْتَ أَكْثَرَ.

29- الَّذِينَ يَسْتَوِي عِنْدَهُمُ الْعِلْمُ بِالْآيَاتِ وَالدَّلَائِلِ وَالْجَهْلُ بِهَا، هُمُ الْمَحْرُومُونَ مِنَ الاسْتِفَادَةِ بِالْآيَاتِ وَالِاهْتِدَاءِ بِحِكْمَتِهَا.

30- {{آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ}} : سُورَةُ يُوسُفَ مَدْرَسَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ وَعِبَرٌ حَيَاتِيَّةٌ، لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ عَجَائِبِ التَّدَابِيرِ، وَالأَلْطَافِ الإِلَهِيَّةِ، وَالحِكَمِ الرَّبَّانِيَّةِ.

31- لَوِ اسْتَغْرَقَ العَبْدُ عُمْرَهُ فِي تَطَلُّبِ العِبَرِ وَالفَوَائِدِ مِنْ هَذِهِ القِصَّةِ مَا كَانَ مُبَالِغًا؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: {آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ}.

32- {{آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ}} : مَنْ فَاتَهُ العِلْمُ بِشَيْءٍ، أَوْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ حِكْمَتُهُ وَوَجْهُ العِبْرَةِ فِيهِ، سَأَلَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ؛ لِيَتَعَلَّمَ وَيَأْخُذَ العِبْرَةَ.

33- {{آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ}} : خُلَاصَةُ نَبَإِ يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ أَنَّهُمْ أَسَاءُوا وَأَحْسَنَ، وَصَدَرَ مِنْهُمْ الشَّرُّ وَمِنْهُ الخَيْرُ، فَكَانَ أَوَّلُ أَمْرِهِ عَنَاءً وَآخِرُهُ هَنَاءً، وَمَبْدَؤُهُ ذُلًّا وَنِهَايَتُهُ عِزًّا، وَهُمْ عَلَى عَكْسِ ذَلِكَ؛ فَفِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ، وَآيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ.

34- فِي القِصَّةِ مَجَالٌ لِسُؤَالِ السَّائِلِينَ عَنْ مَعَانٍ كَثِيرَةٍ، ظَاهِرَةٍ وَبَاطِنَةٍ.

35- جَوَابُ السُّؤَالِ يَتَحَدَّدُ بِحَسَبِ مَصْلَحَةِ السَّائِلِ، فَيَكُونُ أَحْيَانًا تَرْبَوِيًّا، أَوْ إِيمَانِيًّا، أَوْ عَقِدِيًّا، أَوْ إِدَارِيًّا، أَوْ حَيَاتِيًّا.. وَهَكَذَا.

36- السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ مِنْ أَهَمِّ طُرُقِ التَّعْلِيمِ وَوَسَائِلِ الِانْتِفَاعِ الَّتِي تُوصِلُ إِلَى الْعِبَرِ وَالْعِظَاتِ.

37- الْمُوَفَّقُ مَنْ يَرْعَى سَمْعَهُ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ وَيَسْتَخْرِجُ الدُّرَرَ مِنْهَا، وَالْمَحْرُومُ مَنْ لَا يُبَالِي، {{لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ}} .

38- الحِرْصُ عَلَى فَهْمِ قِصَّةِ يُوسُفَ وَمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ أَحْدَاثٍ يُؤَدِّي إِلَى تَقْوِيَةِ الإِيمَانِ وَالْوَثُوقِ بِعَهْدِ اللَّهِ وَنَصْرِهِ.

39- فِيهَا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَمَا تَعَرَّضَ يُوسُفُ لِلأَذَى مِنْ إِخْوَتِهِ وَصَبَرَ وَأَتَتْهُ الآيَاتُ، كَذَلِكَ أَنْتَ يَا نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَتَتَعَرَّضُ مِنْ عَشِيرَتِكَ وَأَقْرِبَائِكَ، وَيَحْصُلُ لَكَ مِنَ الْعِبَرِ وَالآيَاتِ مَا حَصَلَ لِيُوسُفَ.

40- فِيهَا إِثْبَاتُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِعْجَازٌ لَهُ، لِكَوْنِهِ أُمِّيًّا وَأَخْبَرَ عَنْ قِصَّةٍ وَأَحْدَاثٍ غَيْبِيَّةٍ مَلِيئَةٍ بِالْعِبَرِ وَالْعِظَاتِ.

41- الْقِيَادَةُ الْحَكِيمَةُ لِلنَّاسِ لَا تَتِمُّ إِلَّا عَلَى أَسَاسِ مَعْرِفَةِ أَخْبَارِ الأُمَمِ السَّابِقَةِ وَالِاسْتِنَادِ إِلَى الْعِبَرِ مِمَّا حَدَثَ لَهَا، فَالَّذِي لَا يَعْرِفُ التَّارِيخَ يَكُونُ مُسْتَقْبَلُهُ غَامِضًا.

 

9 شوال 1447هـ

28/3/2026م

أيمن الشعبان

داعية إسلامي، ومدير جمعية بيت المقدس، وخطيب واعظ في إدارة الأوقاف السنية بمملكة البحرين.

  • 1
  • 0
  • 398
المقال السابق
|6| {قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا}
المقال التالي
|7| {وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث}

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً