بين الطين والروح: فلسفة "الرفض" وآيةُ البقاء!

منذ 16 ساعة

إن الإنسان الذي نفخ فيه الله من روحه هو الكائن الوحيد الذي يستطيع بإرادته الحرة أن يصوم وهو جائع في حضرة الطعام، وأن تجود يده وهي فقيرة، وأن يُستشهَد من أجل فكرة أصيلة تحمل عقيدةً سامية.


ثمة سؤال يراود كل ذي بصيرة حين يتأمل هذا الكون الفسيح: كيف لهذا النظام المعقد أن يظل متماسكًا؟ ولماذا نجد أنفسنا، نحن البشر - إن كنا أحياءً فعلًا، ولسنا أجسادًا حية تخلو من الحياة الحقيقية - في حالة مجاهدة ومكابدة ومقاومة دائمة لا تنفك عنّا ولا ننفك عنها؟ 

ماذا نقاوم، ولماذا نقاوم؟

إن إنسانية الإنسان إنما تقاس بقدرته إن شاء - على أن يقول "لا"! 
لقد عرّف الفلاسفة الإنسان تعريفات متعددة، مثلًا بأنه "حيوان ناطق" أو "حيوان مفكر"، لكن للمفكر علي عزت بيجوفيتش تعريف أكثر إحكامًا ينطبق على جوهر الإنسان أكثر مما ينطبق على ظواهر سطحية يمتاز بها، وذلك حين قال: "الإنسان حيوان يرفض أن يكون كذلك"! 

إن جوهر إنسانيتنا هو في تحكمنا في غرائزنا وشهواتنا وفي القدرة على التمرد عليها، فالـ"العقل" ما هو إلا "ممانعة" هذه الشهوات إن كان فيها إسراف، فضلًا عن كونها فيما لا يرتضيه الله، لذا، فمن الخطأ الشائع الخلط بين العقل والذكاء، فلكل الكائنات حظوظها المختلفة من الذكاء، إلا أن ما يتميز به الإنسان هو العقل الذي هو القدرة على رفض ما يشتهيه، هو القدرة على كسر سجن الراحة، ليحقق حريته في فضاء المكابدة الرحب. 

إن الإنسان الذي نفخ فيه الله من روحه هو الكائن الوحيد الذي يستطيع بإرادته الحرة أن يصوم وهو جائع في حضرة الطعام، وأن تجود يده وهي فقيرة، وأن يُستشهَد من أجل فكرة أصيلة تحمل عقيدةً سامية.
.
الحياة هي القدرة على رفض راحة الانسياق مع التيار، والذوبان فيه. 
---------
مثال السمكة العذب لحمُها في البحر المالح: قياس الإنسان العاقل عليها. 

تأمل في سمكة تسبح في أعماق مُحِيطٍ ملح أجاج، لكن لحمها يظل عذبًا طريًّا... لماذا؟ 
ببساطة.. لأنها "حية"، والحياة في جوهرها هي مقاومة التماهي مع الوسط، فالسمكة تبذل جهدًا داخليًّا جبارًا لئلا يتسرب ملح البحر إلى أنسجتها.

ودليل ذلك أنه بمجرد موت السمكة، تنهار حصونها الداخلية، فيتغلغل الملح في لحمها وتصبح جزءًا من البحر. 
وكذلك الإنسان العاقل يأبى إلا أن يكون شخصية مُمَيِزة؛ فإما أن يجاهد ليبقى "عذبًا" بمبادئه وهويته وسط عالم "مالح" - بل ملوث بكل أنواع الشوائب - وإما أن يستسلم لتيار "الواقع" فيموت روحيًّا وعقليًّا حتى وإن كان حيًّا جسدُه.

نفخة الروح: لماذا وجودٌ وليس عدمًا؟! 
--------
إن سمو هذه القدرات العجيبة للإنسان الراشد على قانون الحياة البيولوجية المحضة - والنابعة من "نفخة الروح" - هي ما تجعله ليس مجرد ذرات مادية أسيرة عالمٍ ماديٍّ محيطٍ بها من كل صوب. 
لو كانت كذلك لما تفكّر الإنسان يومًا في العدم، ولما فكّر يومًا أن الوجود ممكن لا حتمي. 

هذه الروح المتجاوزة لحدود الكون المادي الضيقة - والرافضة الممانعة للحبس وراء قضبان المادة الصلبة - هي التي مكنت أولي النُهى من الإطلال على الكون المادي من شرفة لا مادية، فتدرك أن العدم هو الأصل وأن الوجود هو الاستثناء المستحيل إلا بقدرة قدير حكيم. 

عبثية التصور المادي للإنسان! 
-------------
إن العبث المادي يفترض أننا مكونون من حفنةٍ من الذرات تطورت عشوائيًّا بلا قصد، مقاومةً، بل عاكسةً لميل الإنتروبيا (مقياس للفوضى) المحلية إلى الزيادة. حفنةٍ من الذرات مَرَّ عليها زمن طويل فظهر منها - في ظل طفرات عشوائية لا قصد لها، مع مرشح قاسٍ (وهو "الانتخاب الطبيعي") يُقصي أغلب هذه الطفرات - لتنتج إنسانًا عاقلًا متفكرًا فيما وراء هذا الكون من عظمة، وخاطًّا بقلمه الأنماط المنتظمة والقوانين المطَّرِدة التي تصف الكون من حوله. 
ياله من جحود عابث وعبث جاحد أن يصدق أولو الهوى أن بعضًا من الكون لا يكتفي أن يكتشف - إلى حد مذهل من الدقة - كيف يعمل الكون! بل يتعداها - إن كان ممن اختاروا التواضع للحق والحقيقة - إلى اكتشاف ما وراء هذا الإتقان من قدرة الله العظيم المتجاوز للمادة، البائن عن خلقه. 
.
لا، بل الإنسان الذي أراده الله خليفة في الأرض هو من يختلف كيفًا لا كمًّا فقط عن باقي أنواع الكائنات، فهو الوحيد الذي يستطيع فعل ما يؤلمه، ويهجر فعل ما يشبع غرائزه.

قصور العلم المادي السائد عن نمذجة الحقيقة كاملةً
----------
إن العلم المادي السائد يصف كيف لا يزول العالم (يتناسق ذاتيًّا، فلا ينهدم) لكنه لا يتطرق إلى سؤال لماذا لا يزول! 

إن النظام الذي يعتمد كل بعض من أبعاضه على باقي أبعاضه هو نظام غير مستقر ما لم يمسكه من الخارج من يمنعه من الانزلاق في هاوية العدم فيعود إلى منطقة راحته. 
إن الله رب العالمين الرحمن الرحيم، هو الذي "يمسك السموات والأرض أن تزولا" فيكون هذا هو سبب استمرار الوجود فضلًا عن انبثاقه من العدم وتحليقه في سماء الوجود المجاهد، الذي يقول للعدم "لا". 
بَيدَ أن الوجود المادي ليس حيًّا بذاته، بل هو حي بحياة الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.

إن استقرار الكون يستحيل أن يقوم على اعتماديته الذاتية إلا بجهاد يحيا به - بفضل الله - ليقول للعدم "لا".
.
الوجود: تحليقٌ في فضاء الوجود وانسلاخ من جذب العدم. 
------
في عالم المادة، كل شيء يميل إلى السكون والضياع، فلماذا لا ينهار الكون؟ إن العلم يصف لنا "كيف" يعمل الكون، لكنه يعجز عن تفسير "لماذا" يستمر.
إن الحقيقة هي أن الوجود ليس حالة من الركود، بل هو "فعل جِهاد" مستمر ضد الانهيار. إلا أن الكون لا يتماسك بذاته، بل بـ"إمساك" إلهي يمنعه من الانزلاق في هاوية العدم. 
نحن والكون الذي يحوي أجسادنا إنما نحيا بحياة "الحي القيوم" الذي لا تأخذه سنة ولا نوم. فاستقرار الجبال واطراد دوران الكواكب في أفلاكها هو تحققٌ لإرادة الله المستمرة: أن "لا" للزوال.

خاتمة: كن حيًّا بجهادك واجتهادك. 
---------
إن الحياة الحقيقية هي خروج من "منطقة الراحة" المادية. هي الرفض، والكد، والألم. هي الضريبة التي ندفعها نحن البشر لبقائنا في حالة "عذوبة" رغمًا عن هيمنة ملوحة الوسط المحيط. 
فإذا شعرت أيها الإنسان بثقل العالم، تذكر أنك لم تُخلق لتموع في وسطه، بل خُلقت لتكون "شاهدًا" عليه - وخُلق ليكون مُسخرًا لك، مُيَسرًا لاستخدامك له في رضا الله بإذن الله - ولتحلق بروحك فوق طينه، مستمدًّا صمودك من "الصمد" الذي لا يؤثر ولا يتأثر، ويمسك السماوات والأرض أن تزولا. 

"إننا نجاهد كي لا يصرفنا العالم من حولنا عن رسالتنا، ثم لنصلح في الأرض بعون الله - معنويًّا وماديًّا." 
--------------
#إلى_الله_تأملات_وخواطر
.
#أحمد_كمال_قاسم

أحمد كمال قاسم

كاتب إسلامي

  • 0
  • 0
  • 62

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً