زوجي وتكاسله عن طلب العلم

منذ 2015-02-15
السؤال:

أنا امرأةٌ معقود عليها منذ شهور كزوجةٍ ثانية، اختارني زوجي لما رأى فيَّ مِن شهامة وحبٍّ للخير ونفْع للناس. وكذلك كان زوجي، كان نافعًا للناس، محبًّا لهم، يُنفق على الأيتام والأرامل، وهذا كان السبب الرئيس الذي جعلني أتقبَّله وأختاره زوجًا لي.

بعد فترةٍ مِن العقد بدأ يتسلَّل إليه المللُ، فأصبح سؤالُه قليلًا، ولا يهتم بزياراتي للطبيبة، ولا يتحدث معي كما كان يتحدَّث، ولا يشتاق إليَّ كما كان يفعل!

لا يُشَجِّعني على العبادة، ولا يُكَلِّمني عن مستقبلنا بعد الزواج، مع أني دومًا أقرأ في الكتب التي تتكلَّم عن حقوق الزوج وكيفية التعامل مع الرجل؛ حتى أكونَ صالحة له.

الآن أصبحتُ أتألم وأتأسَّف على تعلُّقي به وزواجي منه، حتى مجالس العلم التي كنتُ أريدها وأريده أن يحضرَها عندما أسأله عنها يجيب بلا اهتمامٍ، ويقول: لا أحضر؛ كسلًا، أو لوجود مشاغل كثيرة تمنعني عن الحضور.

أُصبتُ بخيبة أمل كبيرةٍ؛ فالزوجُ الذي رسمتُ له صورةً مُعينةً لم يكنْ كما رسمتها له؛ فهو يميل للهو واللعب، وإضاعة الوقت في الفسح والنكت، وإذا بينتُ له استيائي مما يفعل وإهماله للعلم، يخبرني بأن هناك مَن دخل الجنة ولم يكن عالمًا!

أفكِّر جديًّا في الانفصال، فلا أستطيع العيش مع رجلٍ كلُّ همِّه الأكل والنوم والفراش، مع قلة العبادة، وانعدام طلب العلم.

أما الشيء الذي يكسر ظهري أكثر مِن كلِّ هذا فهو حديثُه مع النساء، بدعوى مساعدتهنَّ، لكني أجده يمرح ويفرح ويضحك ويخضع بالقول معهنَّ، وإذا غضبتُ منه يثور عليَّ، ويقول: أنت تُسيئين الظن بي.

أخبروني ما التصرُّف السليم الذي يمكن أن أتعامل معه به؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فأتفق معك أيتها الأخت الكريمة على تعظيمك للعلم الشرعي، كما أحترم رغبتك في الارتباط بطالب علمٍ، وأُقَدِّر حلمك بالزواج برجلٍ مِن أهل العلم؛ فليس في الوجود شيءٌ أشرف من العلم، كيف لا؟ وهو الدليل، فإذا عُدِم وقع الضلال.

فأفضل الأشياء التزيُّد من العلم، بل إنَّ مِن خَفِيِّ مكايد الشيطان أن يزينَ في نفس الإنسان التعبُّد؛ ليشغلَه عن أفضل التعبُّد، وهو العلم، فمَن أراد الله به خيرًا يُسَخِّر للعلم كل وقته وماله.

هذا؛ وقد فاتكِ -أيتها الكريمة- أنَّ طلَب الكمال والفضائل ليس مقصورًا على طلب العلم، وأنه ليس كل إنسان خُلِقَ للتعلُّم؛ فكلُّ إنسان مُسَهَّل له العمل الذى قدَّره اللهُ له واختاره لنفسه، وقد قال تعالى: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} [الليل: 4]، فسَعْيُ المكلفين متفاوتٌ تفاوُتًا كبيرًا بحسب أعمالهم، وفي الصحيحين قال -صلى الله عليه وسلم-: «اعملوا فكلٌّ مُيَسَّر»، فلا ينفع تأديب الوالد إذا لم يسبق اختيار الخالق لذلك الولد، وكما لا يصلح أن يكونَ جميع الناس أطباء، كذلك لا يمكن أن يكونوا جميعًا طلاب علم، وإنما الواجب على الجميع أداء الفرائض، واجتناب المحارم، وعدم تعدِّي حدود الله، والانقياد للشرع.

وتذَكَّري دائمًا أن طلَب الفضائل ليس محصورًا في تعلُّم العلم الشرعي، فمِن الناس مَن لا يصلح لذلك، وهذه حقيقةٌ يجب التواضع أمامها، والفضائل تتفاوت؛ فمِن الناس من يرى الفضائل: الزهد في الدنيا، ومنهم مَن يراها التشاغل بالتعبُّد، ومنهم مَن يرى السعي على الأرامل والمساكين، ولكلٍّ وجهةٌ هو موليها، ولعل زوجك قد وقف على حديث أبي هريرة، قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الساعي على الأرملة والمسكين، كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار» (متفق عليه)، وما رواه البخاري عن سهل بن سعد، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا»، وقال: بإصبعيه السبابة والوسطى، والأحاديث في هذا المعنى كثيرةٌ.

فحبُّ الخيرات يختلف باختلاف الناس وطبائعهم، وإنما تصلح الحياة بهذا التفاوت البعيد.

ومَن تأمَّل سُنَّة النبي -صلى الله عليه وسلم- أدرك ذلك جيدًا، وعَلِم أن الشارع الحكيم نوَّع في استحباب الفضائل مُراعاةً لطبائع الخلْق، فجعل الذِّكْر مثلًا في بعض الأحيان أفضل من الجهاد، وليس كلُّ مريدٍ مرادًا، ولا كل طالبٍ واجدًا، ولكن علينا الاجتهاد في رضا الله، والله المستعان، فلن ننال خيرًا إلا بطاعته، ومَن أعرض عنه لم يحظَ بغرضٍ مِن أغراضه.

هذا وتأمَّلي معي -رعاك الله- كلامَ ابن الجوزي وهو يؤكِّد ما ذكرناه لك من طبائع النفوس؛ حيث قال في صيد الخاطر (ص: 310): "فصل: كل شخص شغَله الله بفن. سبحان مَن شغل كلَّ شخص بفنٍّ لتنام العيون في الدنيا، فأما في العلوم فحبب إلى هذا القرآن، وإلى هذا الحديث، وإلى هذا النحو... إذ لولا ذلك، ما حُفِظَت العلوم.

وألهم هذا المتعيش أن يكونَ خبَّازًا، وهذا أن يكون هراسًا، وهذا أن ينقلَ الشوك من الصحراء، وهذا أن ينقي البثار، ليلتَئِمَ أمرُ الخلق، ولو ألهم أكثر الناس أن يكونوا خبازين مثلًا بات الخبز وهلك! أو هراسين جفت الهرايس! بل يلهم هذا وذاك بقدر، لينتظمَ أمر الدنيا وأمر الآخرة.

ويندر مِن الخلْق مَن يلهمه الكمال، وطلب الأفضل، والجمع بين العلوم والأعمال، ومعاملات القلوب، وتتفاوت أرباب هذه الحال، فسبحان مَن يخلق ما يشاء ويختار، نسأله العفو إن لم يقع الرضا، والسلامة إن لم نصلح للمعاملة".

بل قد ذهَب شيخ الإسلام إلى ما هو أبعد مِن هذا في مواضعَ كثيرةٍ مِن كتُبه، فبَيَّن بعد استقراء للشريعة وسبك بين المنقول والمعقول قائلًا: "ولكن المفضول قد يكون أحيانًا أفضل؛ فإن الصلاة أفضل مِن قراءة القرآن، والقرآن أفضل من الذِّكر، والذِّكر أفضل من الدعاء، والمفضول قد يعرض له حال يكون فيه أفضل؛ لأسباب متعددةٍ، إما مطلقًا كفضيلة القراءة وقت النهي على الصلاة، وإما لحال مخصوص، وهذا مبسوط في موضع آخر. والمقصود هنا: أن جنس الثناء أفضل من السؤال"؛ مجموع الفتاوى (22/ 384).

وقال (22/ 387 -388): "وأما المُثْنِي: فنفسُ ثنائه محبوبٌ للربِّ، وحصولُ مقصودِ السائل يحصُل ضمنًا وتبَعًا، فهذا أرفع، لكن هذا إنما يتم لمن يُخْلِص إيمانه، فصار يحب الله، ويُحب حمدَه وثناءَه وذكْرَهُ، وذلك أحبُّ إلى قلبه مِن مَطالب السائلين رزقًا ونصرًا.

وأما مَن كان اهتمامُه بهذا أكثر، فهذا يكون انتفاعُه بالدعاء أكثر، وإن كان جنسُ الثناء أفضل كما أن قراءة القرآن أفضل من الذكر والدعاء، وقد يكون بعضُ الناس لنقْصِ حالِه انتفاعُه بالذِّكر والدُّعاء أكمل فهو خير له، بحسب حاله، لا أفضل في نفس الأمر".

وقال (23/ 63): "وقد يكون بعضُ الناس انتفاعُه بالمفضول أكثر، بحسب حاله، إما لاجتماع قلبه عليه، وانشراح صدره له، ووجود قوته له، مثل مَن يجد ذلك في الذكر أحيانًا دون القراءة، فيكون العملُ الذي أتى به على الوجه الكامل أفضل في حقِّه مِن العمل الذي يأتي به على الوجه الناقص، وإن كان جنسُ هذا أفضل، وقد يكون الرجلُ عاجزًا عن الأفضل، فيكون ما يقْدر عليه في حقه أفضل له".

وقد ذكرت -بارك الله فيك- أنَّ زوجك قد يَسَّرَ الله له السعي على الأرامل واليتامى والإحسان إليهم، وهذا لأنه رجلٌ صاحب شهامة، وحب للخير، ونفع الناس، وهذه صفات نبيلة ونادرة في هذا الزمان، فاقنعي بما رزقك الله، وارضي به، ولا تتطلعي لغيره، فلا تعرفين لو أنك قد رُزِقْتِ بمُحِبٍّ للعلم هل كان سيعمل بعلمه أو لا؟ وهل سيكون زوجًا حقيقيًّا رجلًا شهْمًا أو لا؟

أما ما تذكرينه مِن قصورٍ وتساهُل مع النساء، فانصحيه برفْقٍ ولينٍ، وكوني عونًا له على تدارُك ذلك، وتحلي بالحلم والصبر، ودعوته بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، فهذا من أكبر الأسباب لنفْعِه وانتفاعه، فبهذا ساد العلماءُ، وكانوا بحق ورثة الأنبياء، وأظْهِري له خوفك عليه، وحرصك على صلاح دينه، وشاركيه في همومه ومشاريعه الخيرية؛ حتى يتركَ لك مستقبلًا التعامُلَ مع النساء، وتكفيه مؤنة ذلك.

واحذري بارك الله فيك أن تعامليه بتعالٍ أو بشدةٍ، حتى لا يأتي بمردودٍ عكسي.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 0
  • 0
  • 6,377

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً