كيف أنصح أخت زوجي؟

منذ 2017-12-25

سيدة متزوِّجة تشكو مِن أخت زوجِها التي تتبرَّج وتلبس الملابس الضَّيِّقة، وأمُّها تساعدها على ذلك، مما جَعَل أخاها يقف ضدها وحصلتْ مشكلات ترتَّب عليها مقاطعة الأم له.

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا سيدة متزوجةٌ أسْكُن في منزل أهل زوجي الذين انتقلوا إلى بيتٍ آخر لظروفٍ طارئة، وبقيتْ معنا في البيت أختُ زوجي (13 سنة) بحُكم دراستِها، مشكلتُها أنها تريد أن تلبسَ الملابس الضَّيِّقة، وهذا لا يرضاه زوجي ولا يقبله، وأقسم على الفتاة بذلك، إلا أن أمَّه عارضتْه، وأقسمتْ هي الأخرى أنها ستلبس ما تشاء.

أخذ زوجي يحدِّثهم بهدوء، ويبيِّن لأمه أنه يريد مصلحتها، وأنَّه أعلم بالصواب منها؛ بحكم أنَّها ما زالتْ صغيرة، إلاَّ أنَّ أمَّه هدَّدته بأنه إن تدخَّل في شؤون البنت فستُخرجها من البيت، مما جعل زوجي يسكت عن الموضوع، وما كان مني إلا أن التزمتُ الصمت حتى لا يزيد الموضوع.

وأرى أن معالجة زوجي للمشكلة لم تكن صحيحة أو مناسبة، فلو تكلَّم مع الفتاة لكان كافيًا، وربما الأفضل أن يستخدمَ معها الضَّرب، ولا أدري إن كنتُ محقَّة أم لا!

أنا أحبُّ الفتاة، وأحدِّثها، وأُكثر مِن النُّصح لها، وهي واعية وتستمِع للنَّصائح، وتلبس الحجاب أمامنا وتُصلي وتقرأ القرآن، وأخشى إن ذهبَت إلى بيت والدتها أن تتبرَّج وتترك الصلاة وتُشاهد المسلسلات.

للأسف بعد المشكلة الأخيرة أصبحتْ تتبرَّج أمام أخيها، وتلبس الملابس الضيقة، وهو لا يستطيع الكلامَ معها بسبب أمِّه.

أثَّر ذلك على نفسيتي، وجَعلني أستاء جدًّا، وطلبتُ منه أن نَستأجرَ بيتًا في مكان آخر؛ لأني غير مرتاحة من تعامُلات أمِّه، وبسبب تغيُّر أخته، ولأني لا أُحْسِن التعامُل مع هذه المواقف؛ فأنا عنِيفةٌ، ولا أحسِن التعامل بالهدوء والرِّفق واللِّين، هذه جِبِلَّة وطَبع فيَّ، وللأسف منذ أن كنتُ صغيرةً لا أستطيع تغييرها، ولا أريد أن أتعامَل مع أختِ زوجي تعامُلاً أندم عليه؛ لأنِّي أحبُّها ربَّما أكثر من أختي، ولا أريد أن أخسرها.

كل هذا جعلني أطلب من زوجي أن يَستأجِر بيتًا آخر، لكنه أخبرني أنَّه لا يمكنه فِعْل ذلك حاليًّا لظروفه الماديَّة الصعبة، وإذا تَيَسَّرَت الأمور فوقتها يُمكنه الخروج، ثم طلب مني عدم الاستِعجال.

فأخبروني كيف أتعامل أنا وزوجي مع أخته؟

وهل من الأفضل الخروج من البيت أو البقاء فيه؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فشَكر اللهُ لك غيرتكِ على انتهاك حدودِ الله تعالى، وسعيَكِ لإصلاح تلك الفتاة، غير أنَّ باب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر - الذي هو أصلٌ من أصول الدِّين، وبابٌ عظيم به قوام الدِّين وملاكُه، وهو واجبٌ على المستطيع حين تتوفَّر شروطه - له شروطٌ وآداب ووسائل؛ ومن أهمِّها: استعمالُ اللُّطف والرِّفق، واللِّين والصَّبر؛ فذلك أبلَغُ في الانتفاع بالموعِظة والنَّصيحة وأدعى للقبول، كما يَجب على القائم به التسلُّح بالعِلم بوسائل الدَّعوة المتنوِّعة؛ بين ترغيبٍ وترهيبٍ وتشويقٍ لما أعدَّ الله للمتقين، وتخويفٍ مِن عقاب الله - سبحانه - الأليم.

ذكرتِ بارك الله فيكِ: "أنَّك عنيفة، ولا تحسنين التعامُل بالهدوء والرِّفق واللِّين، وأنَّ هذه جبلَّة فيكِ"؛ وهذه أفكارٌ سلبيَّة، وتَستدعي لها مواقف سلبيَّة، فدرِّبي نفسَك على التفكير الإيجابي لِتَتَّصِفي بنقيضِ ما ذكرتِ؛ فتكلَّفي الحِلمَ والصَّبر والرِّفق، حتى تصبح مَلَكة لكِ، فالأخلاق منها الجبلِّي ومنها ما هو مُكتسَب، وقد حثَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على تحصيل واكتساب تلك الأخلاق؛ فقال صلَّى الله عليه وسلم في الحديث المتَّفَق عليه: «وإنَّه من يَستعفَّ يعفه الله، ومَن يتصبَّر يصبِّره الله، ومَن يَستغن يُغنه الله، ولن تعطوا عطاءً خيرًا وأوسع من الصَّبر»، وقال أيضًا: «إنَّما العلم بالتعلُّم، والحِلم بالتحلُّم، ومن يتحرَّ الخير يُعطَه، ومن يتق الشرَّ يوقَه»؛ رواه الخطيب في تاريخه، والدارقطني في الأفراد، وبنحوه الطَّبراني في الكبير.

هذا، وسألخِّص لكِ بعضَ النِّقاط التي تنتفعين بها في التعامل مع تلك المشكلة وغيرها:

أولاً: القوَّة والحَسم في الجَهر بكلمة الحقِّ لا تعني الخشونَة ولا الفظاظة في طَريقة الدَّعوة، وليس ثمَّة تعارُضٌ ولا اختلاف بين الحَسم والفصل في بيان كلمة الحقِّ، وبين والوسيلة وطريقة التبليغ؛ فالتوجيهاتُ القرآنيَّةُ المتعدِّدة القاضية بالحِكمة والموعظة الحسنة شيء، ومادَّة التبليغ وموضوعها شيءٌ آخر، والخَلط بين الأمرين هو ما يولِّد الحدَّة التي تَجدينَها في نفسك والخشونة، أو يولِّد المداهَنة في بيان كلمة الحقِّ كاملة؛ قال الله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125].

فكلمةُ الحقِّ لا تقال إلاَّ برفق ولِين لحكمةٍ جليلة بيَّنها النبيُّ صلى الله عليه وسلم في قوله: «ما كان الرِّفق في شيء قطُّ إلاَّ زانَه، ولا عزل عنه إلاَّ شانه»؛ رواه أحمد، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله رَفيقٌ يحبُّ الرِّفق، ويعطي على الرِّفق ما لا يُعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه»؛ متفق عليه، واللفظ لمسلم.

فوطِّني نفسَكِ على الصَّبر على الأذى وسعة الصَّدر؛ كما قال تعالى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17]، وأكْثِري من ذِكر الله وتسبيحِه وتحميده وأداء الصَّلاة؛ فإنَّ ذلك يوسع الصَّدر ويشرحه، ويعينك على أمورك، كما قال الله لنبيِّه الأكرم: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 97 - 99].

والرسولُ صلى الله عليه وسلم بَشَر لا يَملك نفسَه أن يضيق صدرُه وهو يَسمع الشِّرك بالله، ويَسمع الاستهزاءَ بدعوة الحقِّ، فيغار على الدَّعوة ويَغار على الحقِّ، ويَضيق بالضَّلال والشِّرك؛ لهذا يؤمر أن يسبِّح بحمد ربِّه ويعبده، ويلوذ بالتسبيح والحَمد والعِبادة من سوء ما يَسمع من القوم، ولا يَفتر عن التسبيح بحمدِ ربِّه طوال الحياة، حتى يأتيه اليقين الذي ما بعده يقين الأجل، فيمضي إلى جوار ربِّه الكريم.

والصَّدعُ بهذه الحقيقة لا يَعني الغِلظة المنفِّرة، والخشونة وقلَّة الذَّوق والجلافة، كما أنَّ الدعوة بالحسنى لا تعني التدسُّسَ النَّاعم، وكِتمان جانبٍ مِن حقائق هذه العقيدة وإبداء جانب، وجَعْل القرآن عِضِين.

لا هذه ولا تلك؛ إنَّما هو البيان الكامل لكلِّ حقائق هذه العقيدة في وُضوحٍ جليٍّ، وفي حِكمة كذلك في الخِطاب، ولُطفٍ ومَوَدَّة، ولِين وتيسير؛ قاله حكيمُ الإسلام الأستاذ سيد قطب في ظلال القرآن (4/ 2155).

ثانيًا: احذري أيَّتها الفاضِلة أن تستبدَّ بك الحماسةُ والاندِفاع والغيرة على حدودِ الله، فتتجاوزي الحِكمةَ مع زوجك أو أحدًا من أسرته، وهو بلا شك منكرٌ أكبر ممَّا تنكرينَه، واحذري أن تسيئي الظنَّ بزوجك، فالذي يَظهر أنَّه يراعي رَحِمَه أن يَنقطع ويوازِن بين الأمور.

ثالثًا: أنتِ تعلمين من نفسك أنَّ الكلام النَّدي والموعِظة الحسنة تَدخل إلى القلوب برِفق، وتتعمَّق المشاعِر بلُطف، وهو كثيرًا ما يهدي القلوبَ الشَّارِدة، ويؤلِّف القلوب النَّافِرة، بخلاف الزَّجر والتأنيب في غير موجبٍ، والسرُّ في هذا سلَّمكِ اللهُ أنَّ النَّفس البشريَّة لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرَّأي الذي تُدافِع عنه إلاَّ بالرِّفق، حتى لا تَشعر بالهزيمة، فأحسِني للفتاة، واحني عليها وقرِّبيها منكِ، وكوني على ثقة أنَّ الهداية بيد الله تعالى؛ فأكثري لها من الدُّعاء، ولا تتعجَّلي النَّتيجة؛ فهِداية النَّفس البشريَّة وتغيُّر قناعتها أمرٌ غاية في الصُّعوبة؛ ولذلك اختار الله لها أفضلَ خَلقِه من الأنبياء والمرسَلين، ومَن سارَ على دَربهم، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله.

رابعًا: لا تخرجي من بيتك؛ فليس هناك ما يَدعو له، فضلاً عن أنَّ ظروف زوجك الماديَّة غير سامِحة بالانتقال لبيتٍ آخر، وبمراعاة ما ذكرتُه لكِ لن تكون هناك حاجة لذلك.

وأسأل اللهَ أن يرزقنا جميعًا الهداية والسَّداد، وأن يتوب علينا أجمعين.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 5
  • 1
  • 18,819
  • Amal Barrak

      منذ
    جيل قليل حياء ، يريدون لبس الضيق والفاضح ما نزع المجتمع غير هذا من نوع من الفتيات الله يهديهم

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً