استشارة في الزواج من فتاة قد ترفض الاستقامة

منذ 2015-02-21
السؤال:

السَّلام عليْكم ورحْمة الله وبركاته،
أنا شاب متزوِّج بفتاةٍ أحبُّها جدًّا وتُحبُّني جدًّا، وزواجنا بعقْد زواج ولكن لم نَقُم بِما يسمَّى (الدخلة)؛ لأنَّني أعمل في فرنسا، وقد تقرَّر الزَّواج هذا الصيف، ولقدِ اتَّفقنا على أن نَكْتري قاعة أفْراح وأن نُقيم زواجًا ليْس على السنَّة، فلم أكترثْ بِهذه النُّقطة، وبصراحةٍ ربَّما كنتُ حريصًا على أن يكون الزَّواج بعيدًا كلَّ البعد عن السنَّة.

مع العلم أنَّني لم أكُن أُصلِّي عند الاتِّفاق، وكنت أقوم بالكثير من المعاصي؛ كشُرْب الخمر والزِّنا، فتاب الله عليَّ وأبدلتُ صُحْبتي، وأصبحتُ أُخالطُ أصحابًا يصلُّون، ولقد نصحوني بعدَّة أشياء، أهمُّها: تصحيح عقيدتي، والتمسك بعبادتي، وفرض الحجاب الشَّرعي على زوجتي، ولمَ لا يكون النقاب؟! كما أشاروا عليَّ بعمل زواج على السنَّة، وقدِ اقتنعت بما قالوه لي؛ لما كان لديْهِم من أدلَّة شرعيَّة واضحة وضوح الشَّمس، ولكنِّي وجدتُ صعوبةً لإقناع زوجتِي بهذه الأشياء فضلاً عن إقناع عائلتِها، وأنا بصدَد محاولتي إقناعها بأنِّي أريد تكوين أسْرة مسلمة، وكفاني ما عشْتُه من انْحلال أخلاقي.

وأسال: هل في حالة عدم اقتناعها بالمُضِي معي قُدُمًا، هل يصحُّ لي طلَب الطَّلاق في هذه الحالة، مع العِلم أنَّها تصلِّي وإن لَم تك منضبطةً في صلاتِها؛ خوفًا من أن تُحبطني عن ديني وتُدْخِل الوهن في؟

علمًا أنِّي لمَّا أعفيتُ لحيَتِي وعلِمَتْ، حصل بيْننا نقاشٌ حادٌّ جدًّا، فقلتُ في نفسي: إذا ما ناقشْتُها في كلِّ مرَّة حول موضوع صغيرٍ (إعفاء اللحية، رفْع الإزار، الحِجاب، وهنا لم أحدد حتَّى نوعه شرعيًّا أو غير شرعي) - تحْدُث العديد من المشادَّات الكلاميَّة، فقلت في نفسي: إذًا بما أنَّه ستحدُث هذه المشادَّات، فلتَحْدُث مرَّة واحدة، فطرحتُ جَميع المطالب مرَّة واحدة: (العرس السنَّة، النقاب، التوقُّف الفوْري عن العمل، ...) وهنا لك أن تتخيَّل النَّتيجة.

السؤال الثَّاني: هل ما فعلتُه يعتبر تسرُّعًا، علمًا أنَّه بقي 3 أشهر على زفافي، أم هو التصرُّف الصَّحيح؟

وهل أثبُت على رأيي؟ علمًا بأنِّي مع فِكْرة تشبُّثي برأيِي، وذلك ليس تعنُّتًا منِّي، وإنَّما للحجَّة الآتية: لكي نبْني أيَّ بناء يَجب أن تكون القاعِدة صلبة، ولا يَجب التَّفويت في أيِّ جزء، ولو كان ضئيلاً؛ لأنَّ الحقَّ لا يتجزأ، ولأنَّ مَن يرضَى أن يفرِّط في الشيءِ الضَّئيل، يفرّط - ولو بعد حين - في الشَّيء العظيم.

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:
فالحمد لله الَّذي منَّ عليك بالهداية والرَّشاد بعد الغي والضَّلال، واللهَ نسأل لك المزيد من الخير والتَّوفيق، والثبات على العمل الصالح، آمين.

والَّذي ننصح به الأخ الكريم: ألاَّ يُقْدم على إتْمام الزَّواج بتلك الفتاة حتَّى يقوم بنصْحِها، وبيان الحقِّ لها؛ عسى الله أن يشْرَح صدْرَها، ويلْهِمها رشْدَها، ويعيذها من شرِّ نفسِها، وأن يرزُقَها الأوْبة إلى الحقِّ والرشد، وأن تتقبَّل حكم ربِّها في التغْيير للأصلح، فتظفر برضا ربِّها، وتنعم بقُرْبِها ممَّن تحب، ولتصبر عليْها؛ لعلَّ الله يكتب لها الخير على يديْك؛ وقد قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لعليِّ بن أبي طالب - رضي الله عنْه -: «لأنْ يهْدِي الله بكَ رجُلاً واحِدًا خيرٌ لك من حُمر النَّعم»؛ متَّفق عليه.

وقد أحسنتَ حينما ألْزَمْتها بالانتهاء عن جميع منهيَّات دينها، من التبرُّج، والاختلاط بالرِّجال، واستِعْمال أدوات الزِّينة عند خروجها، أو استِماع الأغاني الماجِنة، أو مشاهدة الأفلام والمسلسلات، أو غيْر ذلك - دفعةً واحدة؛ لقولِه - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: «فإذا نَهيْتُكم عن شيء فاجتنِبوه، وإذا أمرتُكم بأمرٍ فأْتُوا منْه ما استطعْتُم»؛ متَّفق عليْه.

فيجبُ عليْك نُصْحُها، وأمرُها بالمعروف ونهيُها عن المنكر، ودعوتُها إلى لبس الحجاب الشَّرعي، ومحاولة حمْلها على الالتِزام بالدين، وهذا من الواجِبات المحتَّمات عليْكَ تِجاهَهَا لأنها زوجتك؛ وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [التحريم: 6]، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «كلُّكم راعٍ ومسؤول عن رعيَّته، والرَّجل في أهله راعٍ، وهو مسؤول عن رعيَّته»؛ رواه البخاري، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «إنَّ الله سائلٌ كلَّ راعٍ عمَّا استَرْعاه: حفظ أم ضيَّع؟ حتَّى يسأل الرَّجُل عن أهل بيته»؛ رواه ابن حبَّان.

وراجع فتوى: "الحياة الزوجية السعيدة".

فاحرِصْ على ذلك، واستعِنْ بالله، وأكثِر من الدُّعاء لها بالهداية، ولتصبِرْ عليْها، محتسبًا الأجْر من الله - تعالى.

وإن كان الصَّواب في إلْزامها بالواجبات دفعةً دفعةً بحكمةٍ وموعظة حسنة، وأن تتدرج في دعوتها بالبدء بالأهمّ فالأهمِّ، وتوازن بين المصالِح والمفاسد، مع الحرص على عدم تنفيرها.

قال الإمام النَّووي - رحِمه الله تعالى – تعليقا على حديث: «لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم»: " في هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام منها : إذا تعارضت المصالح، أو تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذَّر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة - بُدِئ بالأهمِّ؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أخبر أن نقْض الكعبة وردَّها إلى ما كانت عليْه من قواعد إبراهيم - صلى الله عليه وسلَّم – مصلحةٌ؛ ولكن تعارضه مفسدةٌ أعظم منه، وهي خوْف فتنة بعض مَن أسلم قريبًا؛ وذلك لما كانوا يعتقِدونه من فضل الكعبة، فيروْن تغْييرها عظيمًا، فتركها - صلَّى الله عليْه وسلَّم.

ومنها: تألُّف قلوب الرعيَّة وحسن حياطتهم، وألاَّ ينفروا، ولا يتعرَّض لما يخاف تنفيرهم بسببه - ما لم يكن فيه ترْك أمر شرعي، كما سبق". اهـ. مختصرًا.

فإنِ استجابت أو آنسْتَ منْها رشدًا وهدايةً، واستِعْدادًا للتمسك بالحق، ولو بعد عدَّة محاولات - فلا تتردَّد في الارتِباط بها، ولتَبْذُل وسْعَك في تعليمِها ما يجب عليْها من أمورِ العقيدة والعبادات الواجبة، وقد أصبح ذلك في عصرِنا سهْلاً ميسورًا، سواء عن طريق الأشرِطة، أو الحاسوب، أو الفضائيَّات الإسلاميَّة الهادِفة، وغيرها، ولتبحثْ لها عن بدائلَ مُباحة لما قد تراه منْها من مخالفات.

أما إن لم تستجِبْ - لا قدَّر الله ذلك - أو رفضتِ الالتزام بالحجاب الصَّحيح، أو الكفَّ عن فعل المحرَّمات، أو لم تَجِد عندها رغبة واستعدادًا للتديُّن أصلاً، أو غلب على ظنك أنها ستردك لسابق عهدك - فالخير لك أن تتْرُكَها، ولتبحثْ عمَّن هي أكثر تمسُّكًا منها بالدين؛ ومن ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، ولا حَرَج عليْك في طلاقها، ولتبحثْ عن ذات الدِّين والخُلق، فالاستِغْناء عنها بامرأة متديِّنة، تحفظ عليك دينَك وعِرْضَك، وبيتَك وأولادَك، وتُعينك على الخير والطاعة - أوْلى.

وعلى المؤمن الصَّادق أن يكون الدِّين مطْمَحَ نظرِه في كل شيءٍ، لاسيَّما في المرأة التي ستشاركه الحياة، ويفضي إليها، وأن يؤْثِر ذات الدين على غيرها؛ كما في حديث أبِي هُرَيْرة - رضِي الله عنْه - في الصَّحيحَين: أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «فاظفَرْ بذات الدِّين ترِبَتْ يداك» .

والظَّفر في اللغة: هو نِهاية المطْلوب وغاية البُغْية؛ قال الحافِظ ابنُ حجر: "والمعنى: أنَّ اللاَّئق بذي الدين والمروءة أن يكون الدِّين مطمح نظرِه في كلِّ شيْءٍ، لاسيَّما فيما تطول صحبتُه، فأمره النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - بتحْصيل صاحبةِ الدِّين، الذي هو غاية البغية".

وقال الشَّوكاني في "النيل": "ولهذا قيل: إنَّ معنى حديث الباب الإخْبار منه - صلَّى الله عليْه وسلَّم - بِما يفعلُه النَّاس في العادة، فإنَّهم يقصدون هذه الخصال الأربع، وآخِرُها عندهم ذات الدِّين، فاظفر - أيُّها المسترشِد - بذات الدين".

قال - عليه الصَّلاة والسَّلام - «مَنْ رزقه امرأة صالحةً فقد أعانه الله على شطْرِ دينه، فليتقِ الله في الشطْر الباقي»؛ رواه الحاكم وصحَّحه.

ومن أعْظم مقاصِد النِّكاح: التعاوُن على الدِّين، وتَكْثير أمَّة خاتم النَّبيِّين - صلَّى الله عليْه وسلَّم.

هذا؛ وراجع على موقعنا هذه الفتاوى التي قد تحتاج إليها: "حكم الزفة في الشرع"،  "حكم زَفِّ العروس"،  "صفة الحجاب الشرعي"،  "اختيارُ الزوج أوِ الزوجة مُقدَّر من الله تعالى".

واللهَ نسأل أن يقدِّر لكُما الخير حيثُما كان، وأن يُلْهِمكما رُشْدَكما، ويعيذكما من شرَّ نفسَيْكما، آمين،،

والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 3
  • 2
  • 9,866

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً