أخلِصوا وجددوا نواياكم • من أوجب الواجبات على المجاهدين وأنصارهم أن يُخلصوا نيتهم لله تعالى في ...

أخلِصوا وجددوا نواياكم

• من أوجب الواجبات على المجاهدين وأنصارهم أن يُخلصوا نيتهم لله تعالى في جهادهم ونصرتهم، وأن يحذروا أن يُفسدوا جهادهم بأيّ نوايا فاسدة، كما عليهم أن يجددوا هذه النية بين الفينة والأخرى، وأن يحتسبوا ما هم فيه مِن جهاد وجهد ومشقة، فلا أجر لمن لا حسبة له، والأجر على قدر المشقة

• ثمار الإخلاص في الدارين

قبول العمل، قال النبي ﷺ: إنَّ الله لا يقبل من العمل إلا ما كانَ لَهُ خالصا وابتغي به وجهُهُ) [أبو داود والنسائي] فالجهاد عبادة من أخلصها الله تعالى قبلها منها وأثابه عليها أرفع الدرجات برحمته تعالى.

• الحفظ من كيد الشيطان، قال تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝٣٩ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر:٣٩-٤٠]، وقال سبحانه عن نبيه الكريم يوسف الصديق عليه السلام: {كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف:٢٤]

• الاطمئنان وسكينة الإيمان، قال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح:١٨]، قال الطبري: "فعلم ربك يا محمد ما في قلوب أصحابك من صدق النية، والوفاء بما يبايعونك عليه، والصبر معك فأنزل الطمأنينة والثبات" [التفسير]

• التوفيق والسداد، قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: ٦٩]، قال السعدي: "دلَّ هذا على أن أحرى الناس بموافقة الصواب أهل الجهاد، وعلى أن من أحسن فيما أُمر به أعانه الله ويسّر له أسباب الهداية" [التفسير]

• سبب النصر والتمكين، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم)، [رواه النسائي وأصله في البخاري]، قال المنذري: "معناه أن عبادة الضعفاء ودعائهم أشد إخلاصاً لخلاء قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا، فأجيب دعاؤهم وزكت أعمالهم" [عون المعبود]

• دخول جنات النعيم، قال تعالى: {إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ۝٤٠ أُولَٰئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ۝٤١ فَوَاكِهُ ۖ وَهُمْ مُكْرَمُونَ ۝٤٢ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [الصافات: ٤٠-٤٣]، قال الشوكاني: "أي الذين أخلصهم الله لطاعته وتوحيده، أو الذين أخلصوا لله العبادة والتوحيد" [فتح القدير]

إنفوغرافيك النبأ جمادى الآخرة 1442 هـ
...المزيد

من جند الله الذين نصر بهم المؤمنين • {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: ...

من جند الله الذين نصر بهم المؤمنين

• {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: ٣١]

• ينصر الله عباده المؤمنين بوسائل شتى فلا ينحصر هم المؤمن بالأسباب المباشرة للنصر بل يدعو ربه بأن ينصره بما شاء وكيف شاء جل وعلا.

• نصرة أهل الإيمان: {فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ ۚ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال:٦٢]

• الريح: {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب:٩]، عن ابن عباس رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور [صحيح البخاري]

الرعب: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} [آل عمران:١٥١]

• الملائكة: {بَلَىٰ ۚ إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران:١٢٥]

تقليل العدو في أعين المؤمنين: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا ۖ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ} [الأنفال:٤٣]

• السكينة والأمنة: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِنْكُمْ} [آل عمران:١٥٤]

• اختلاف الكفار: عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يوم بعاث يوماً قدَّمه الله لرسوله ﷺ فقدم رسول الله وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم، وجرحوا، قدَّمه الله لرسوله ﷺ في دخولهم في الإسلام [رواه البخاري]

• وبقدر تنوع نصر الله لعباده المؤمنين، تنوع عذاب الله للمشركين كالطوفان والصيحة والريح والزلزلة والخسف وغيرها..

- إنفوغرافيك النبأ ربيع الأول 1439 هـ
...المزيد

🌃رسائل الفجر١٤٤٦/٨/١٠🌃 قال إبراهيم بن أبي بكر بن عياش: (شهدتُ أبي عند الموت، فبكيتُ، فقال: يا بني ...

🌃رسائل الفجر١٤٤٦/٨/١٠🌃
قال إبراهيم بن أبي بكر بن عياش: (شهدتُ أبي عند الموت، فبكيتُ، فقال: يا بني ما يبكيك؟ فما أتى أبوك فاحشة قط!).
🔻 🔻 🔻
لما قطعت رجل عروة بن الزبير رفعها وقبلها ثم قال:
علم الله أني ما مشيت بك لفاحشة قط!!
🔻 🔻 🔻
قال الصحابي برذع بن زيد الأنصاري رضي الله تعالى عنه:

وَإِنِّي بِحَمْدِ الله لَا ثَوْبَ فَاجِرٍ...
لبَِسْتُ وَلَا مِنْ خِزْيَةٍ أتَلَفَّعُ
🔻 🔻 🔻
والله لو قيل لي تأتي بفاحشة ...
وإن عقباك دنيانا وما فيها

لقلت لا والذي أخشى عقوبته ...
ولا بأضعافها ما كنت آتيها

لولا الحياء لبحنا بالذي كتمت ...
بنت الفؤاد وأبدينا أمانيها
https://t.me/azzadden
...المزيد

جبل من جبال القوقاز... شمخ في أرض الخلافة الشيخ عمر الشيشاني إن الابتلاء بالخير فتنة لا يثبت ...

جبل من جبال القوقاز... شمخ في أرض الخلافة
الشيخ عمر الشيشاني

إن الابتلاء بالخير فتنة لا يثبت فيها إلا من أنجاه الله بإخلاصه وإرادته الآخرة، فكثيرون هم الذين ثبتوا أمام أهوال من الابتلاءات بالشر من سجن وتعذيب ومطاردة، حتى إذا زال عن أحدهم ذلك وفُتحت عليه الدنيا، وابتلاه الله بزينتها سقط في الامتحان وهو يحسب أن ما أوتيه من إكرام ونعم إنما هو جزاء على صبره في المحن، ناسيا أن هناك أوجه أخرى للابتلاء قد يصبر على بعضها، ويكفر عندما يعرض على غيرها.

وإن من أروع قصص الثبات أمام الفتن والابتلاءات وشكر الله على نعمه بمزيد من العمل والطاعات قصة الشيخ عمر الشيشاني تقبله الله، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا من عباده.

هاجر ذلك الشاب الذي لا زال في زهرة عمره وأول شبابه إلى الشام ملبّيا استغاثات المسلمين من أهلها، وراجيا أن يكون بهجرته إليها من الذين ذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (عليك بالشام فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده) واستقر به المقام في مدينة حلب مقاتلا في صف إحدى الكتائب التي كانت تزعم أنها على منهج التوحيد فعمل فيها فترة من الزمن، قبل أن يلتقي بمجموعة من المهاجرين القوقازيين كانوا في مجموعة أبي محمد العبسي -تقبله الله- (مجلس شورى المجاهدين) الذي أذن لهم بالخروج من كتيبته، وبهذا اجتمع بضعة عشرات من المهاجرين شكلوا فيما بعد (كتيبة المهاجرين)، كان عمر أميرها العسكري، ثم صار أميرها العام.

لم يستغرق الأمر وقتا طويلا حتى أصبح عمر وكتيبته يصولون ويجولون في ساحات القتال المختلفة في الشمال، ومع كل معركة خاضوها، كانت سمعة (كتيبة المهاجرين) تزداد، لحسن تنظيمها في القتال، وبراعة مقاتليها، في الوقت الذي كان المقاتلون من أغلب الفصائل الأخرى قليلي الخبرة، عشوائيين في قتالهم ومعاركهم، ومع ازدياد شهرة (المهاجرين) وازدياد انضمام المجاهدين إليها، كان اسم أميرها عمر الشيشاني يزداد انتشارا، وخاصة بعدما فتح الله عليه في عدة غزوات أشهرها في ذلك الحين فتح كتيبةٍ حصينةٍ للنظام في منطقة (الشيخ سليمان) شمال حلب، التي شاركت فيها (المهاجرون) إلى جانب كتائب (البتار) و(مجلس شورى المجاهدين) وجنود الدولة الإسلامية الذين كانوا يعملون حينها بمسمى (جبهة النصرة)، كما شاركت (المهاجرون) في أغلب الغزوات في ريف حلب كغزوة (الطعانة) و(خان طومان) و(اللواء 80) و(كتيبة حندرات) و(الجندول) و(سجن حلب المركزي) وغيرها، ومع كل فتح جديد يكبر حجمها ويتحسن تسليحها، فصار عمر الشيشاني قائدا لواحدة من أكبر الكتائب في الشام، التي تتنافس الفصائل على كسب ودها، وتتمنى القتال إلى جانبها.

ولكن عمر -تقبله الله- كان مستعدا في كل لحظة أن يتنازل عن ذلك كله ويكون جنديا لدى من يثق بعقيدته ومنهجه، ولم يكن حينها من هم أفضل من (جبهة النصرة) لينضم إليها بجنوده، مع عدم علمه بتبعيتها للدولة الإسلامية، حيث كان القائمون عليها حريصين على إخفاء ذلك لمآرب في أنفسهم فضحها الله فيما بعد، ولما عرض عليه أبو أثير الحلبي -تقبله الله- أن يتوحّد (مجلس شورى المجاهدين) مع (كتيبة المهاجرين) أجابه عمر بعرض آخر هو أن ينضما كلاهما إلى (جبهة النصرة) توحيدا للكلمة وتقوية لصف المجاهدين، لكنّ أبا أثير رفض ذلك لعلمه بانحراف منهج القائمين على الجبهة آنذاك، وسوء أخلاقهم، حيث كان مجاورا لهم في السجن، وخبر معادنهم في السراء والضراء، وخاصة في قصة الاستعصاء الشهير في سجن صيدنايا.

وأوّل المواقف التي كشفت له حقيقة أولئك الغادرين هي مشاركته لهم في غزوتي (الشيخ سليمان) و(كتيبة الطعانة) حيث اغتنم الفاتحون غنائم كثيرة وضعوها في يد القائمين على (جبهة النصرة) لحسن ظنهم بهم، حيث تفاجؤوا بخيانة هؤلاء للأمانة، فأكلوا نصيبهم بالباطل، وتلاعبوا بكميات الأسلحة المغتنمة، وحتى الجزء القليل الذي أقرّوا به حقا لهم، ماطلوا في توزيع حصص الكتائب المشاركة منه لشهور بل وعملوا على ابتزازهم فيما بعد بذلك للضغط عليهم من أجل أن يبايعوهم، فلما أيسوا من ذلك صاروا يساومونهم بها لصدّهم عن بيعة أمير المؤمنين بعد أن أعلنت الدولة الإسلامية تمددها إلى الشام رسميا.

ورغم هذه المشكلة عرض الغادر الجولاني البيعة على عمر وكتيبته، مستشفعا لتحقيق ذلك بكل من الحاج سلام وأبي أسامة المغربي -تقبلهما الله- لعلمه بحب عمر لهما، فاجتمع عمر بمجلس شوراه واتفقوا على أن تكون بيعتهم للجولاني (الذي بدأ حينها يأخذ البيعة لنفسه) مقتصرة على القتال، وذلك لكي يدرسوا الجبهة عن قرب خلال مشاركتهم معهم في القتال، وحصل اللقاء الذي قدّر الله أن يكون كاشفا لصفة أخرى للخبيث الجولاني غير خيانته في قصة الغنائم، حيث جلس في اللقاء مزهوّا بنفسه، وخاطبهم بكبر وعنجهية، رافضا أي اشتراط في البيعة التي هو من تقدم بعرضها عليهم، فكان أن وقاهم الله من استدراج ذلك الخبيث بما رأوه من سوء طبعه.

انحرافات الجولاني وزمرته كانت قد بدأت تبلغ مسمع أمير المؤمنين -تقبله الله- الذي لم يجد بدا من الحضور بنفسه لإصلاح ما أفسده المفسدون، وبذلك تهيأت الفرصة لعمر الشيشاني وإخوانه لمقابلته، حيث بايعه بعد أن جلس معه ووجد من صفاته ما أقر عينه، وذلك بعد إعلان تمدد الدولة الإسلامية رسميا إلى الشام، وقبل الشيخ من (كتيبة المهاجرين) اشتراطهم تقديم الدعم للمجاهدين في القوقاز وسرّه ذلك، وقال: لا خير فينا إن لم ننصر إخواننا، وصار عمر الشيشاني بذلك جنديا من جنود الدولة الإسلامية، وهنا دخل -رحمه الله- في مرحلة جديدة من الابتلاء.

فتنازله عن استقلال كتيبته القوية، وتحوله إلى جندي عليه السمع والطاعة لأميره، لم يكن بالأمر السهل، وقد ظهر بين صفوف (كتيبة المهاجرين) من يريد الانفصال حفاظا على سراب الإمارة ومكتسباتها التي زالت ببيعة الدولة الإسلامية حيث صار الجميع جنودا فيها، وهنا كان رد عمر واضحا بالثبات على بيعته، ورفضه نقض العهد، ووضعه كل ما تحت يده من سلاح وجنود وممتلكات تحت تصرف الدولة الإسلامية، وهكذا بقي دعاة الفتنة لوحدهم، وترك لهم عمر اسم الكتيبة الذي لم يغن عنهم شيئا، إذ ما لبثوا أن انفض الناس عنهم وتركوهم، بل تعرضوا للمذلة والمهانة، ورفع الله ذكر من تواضع لله، وهم زال ذكرهم، والحمد لله.

الجانب الآخر من الابتلاء تمثل في عروض أهل الفتن من أصحاب الدعم الذين يوجههم مشايخ السرورية والإخوان وتحركهم مخابرات الطواغيت، ومن بينهم الخبيثان حجاج العجمي وعبد الله المحيسني، ففور انتشار خبر بيعته لأمير المؤمنين هرع الداعمون إلى عمر يحاولون إغراءه بالمال، حتى عرضوا عليه تمويلا شهريا بمئات الآلاف من الدولارات لقاء نقضه البيعة، لكنه رفض دولاراتهم الرخيصة، ليؤكد أنه بايع رغبة في الجماعة إرضاء لله، لا طلبا للتمويل أو الدعم.

فلما فشلت وسائل الضغط التي بأيديهم من التحريض عليه، وإغرائه بالمال، انطلقوا في حملة لتشويه سمعته مستعينين بإخوانهم من شياطين الإنس ممن جعلوا أنفسهم أوصياء على الجهاد في الشيشان، فأشاعوا أنه صليبي عميل للمخابرات الروسية، وبنوا شبهتهم التافهة على قضية أنه ولد في جورجيا من أب نصراني، رغم أن هذا ليس بمطعن فيه وإلا جاز الطعن في كل مسلم وُلد لأبوين كافرين، وأخفوا في الوقت نفسه حقيقة أنه شيشاني الأصل، وأن أباه تنصّر في صغره، وكذلك ركّزوا على خدمته في الجيش الجورجي، مخفين حقيقة أنه تبرّأ من ذلك الجيش الصليبي بعد خدمة قصيرة، انتهت بسجنه، وتعرضه للتعذيب والمرض، حتى خسر إحدى رئتيه في السجن، وأنه كان من المناصرين للمجاهدين في القوقاز، وأنه بقي على ارتباطه بمجاهدي القوقاز وأن أحد الشروط التي رفضها الجولاني كانت تقديم الدعم لمجاهدي القوقاز، وأنه كان يُراسل أمراءهم يحثّهم على إعلان البيعة لأمير المؤمنين.

وكما أن عمر الشيشاني لم يبال باسم كتيبته المشهور وتخلى عنه في سبيل توحيد جماعة المسلمين، فإنه لم يبال باسمه وشهرته، وطعن الحاقدين في عرضه، وهم من كانوا بالأمس يمتدحونه ويثنون عليه، ويسبغون عليه الألقاب الرنانة، بل زاد تعلقه بالجماعة وحرصه على الدولة الإسلامية، وصار يدعو الكتائب والفصائل إلى اللحاق بها، فكانت بيعته هو وأبو أثير -تقبلهما الله- محرضا لمجاهدي (كتيبة البتار) على البيعة، ليلحق بهم أبو مهند حسان عبود ومجاهدو (لواء داود) وغيرهم من المجاهدين والكتائب.

وكما فتح الله على الشيخ عمر في غزواته مع (كتيبة المهاجرين)، فتح الله على يديه بعد البيعة فتوحات أكبر على رأسها تحرير (مطار منّغ) شمال حلب مع أبي أسامة المغربي، تقبله الله، (ومستودعات الحمراء) في ريف حماة الشرقي مع عابد الليبي، تقبله الله، ومنّ الله على جيش الدولة الإسلامية فيهما بغنائم كبيرة، ليبدأ بعدها للإعداد لغزوات كبرى في الشام، وبعد دراسة واستطلاع طويلين ومفاضلة بين مدينتي البركة والخير، استقر الأمر على مدينة الخير، وكان الشيخ عمر هو قائد الغزوة، وفي الوقت نفسه كانت صحوات الشام تخطط للغدر بالدولة الإسلامية مستغلة انشغال جيشها بهذه الغزوة الكبرى، بالإضافة لجبهات القتال الطويلة في حلب وإدلب والساحل، حيث لم يبق في مقراتها غير عدد قليل من المجاهدين.

خرجت الصحوات وأعلنت غدرها، وقطعت الطرق، واعتُقل مجاهدو الدولة الإسلامية على الحواجز، وحوصر كثير منهم في ريف حلب، وهنا لم يعد بُدٌّ من إيقاف غزوة الخير رغم أهميتها وضرورة التوجه لاستنقاذ الإخوة المحاصرين، فحشد الشيخ عمر المقاتلين وسحبهم من ولاية الخير مرورا بولاية الرقة حيث كان مقاتلو فصائل الصحوات من أمثال جبهة الجولاني و»أحرار الشام» يظهرون أن لا علاقة لهم بغدر إخوانهم في حلب وإدلب والساحل، فوثق فيهم الشيخ عمر وأفرغ الرقة من المجاهدين ليأخذهم معه لفك الحصار عن الإخوة في مدن ولاية حلب، فما كان من مرتدي الصحوات إلا أن غدروا بمن بقي في مدينة الرقة من المجاهدين فور خروج الرتل الذي قاده الشيخ عمر، ليخزي الله المرتدين ويفشل عملهم ويهربوا من الرقة باتجاه ولاية الخير.

وفي الطريق تعرض الشيخ عمر ومن معه من المجاهدين لحادثة غدر من «أحرار الشام» قرب بلدة مَسْلَمَة، حيث طلبه المرتدون للتفاوض بعد أن حاولوا قطع طريق وصوله إلى حلب، وفي طريقه إليهم نصبوا له كمينا، وبعد أن نجاه الله منهم جاءه الخبيث الهالك أبو خالد السوري ليعقد معه اتفاقا لعبور قواته إلى حلب وذلك خوفا من عبورهم بالقوة، واستيلائهم على مطار الجراح الذي كان بيد المرتدين، وهكذا عبر الشيخ عمر وإخوانه إلى ريف حلب الشرقي ليفكوا الحصار عن الإخوة في مدن منبج والباب وجرابلس، ويعينوا المحاصرين في حريتان على فك الحصار عن أنفسهم والوصول إلى اعزاز ومنها إلى مناطق تمكين الدولة الإسلامية في حلب والرقة والبركة.

ولم تكن حرب الصحوات لتنتهي حتى فتح الله على عباده الموحدين مدن العراق التي تساقطت واحدة تلو الأخرى بعد فتح الموصل، وعادت الخلافة في الوقت الذي كان فيه الشيخ عمر مشغولا بالإعداد لواحدة من أكبر الغزوات في الشام كاد هدفها أن يكون إزالة كافة نقاط النظام النصيري القريبة من مناطق الدولة الإسلامية، التي حاصرتها الفصائل لسنين، وانطلقت الغزوة التي شملت (الفرقة 17) و(اللواء 93) و(مطار الطبقة) في ولاية الرقة، و(الفوج 121) في ولاية البركة، و(مطار كويرس) في ولاية حلب، وكانت نتيجتها فتح كل تلك القواعد العسكرية وقتل وأسر الآلاف من جنود النصيرية، واغتنام كميات كبيرة من السلاح ومستودعات ممتلئة بالذخيرة، في حين لم يتم العمل على مطار كويرس بسبب غدر صحوات الريف الشمالي وسحب القوة المخصصة للهجوم عليه لصد هجومهم.

وبعد هذا الفتح العظيم الذي أعقب فتوح العراق، وإعادة الخلافة، بدأت ملامح مرحلة جديدة من الصراع مع المشركين وعملائهم المرتدين تلوح في الأفق، عنوان هذه المرحلة الحملة الصليبية الدولية التي تقودها الولايات المتحدة، ويعينها فيها طوائف الشرك والردة من كل جنس ولون.

فجاء أمر أمير المؤمنين -تقبله الله- بنقل الشيخ عمر الشيشاني إلى ولايات العراق، التي كانت قد فقدت واحدا من أعظم رجالها، وأشد محاربيها، وهو الشيخ أبو عبد الرحمن البيلاوي، تقبله الله.

فكان خير خلف لخير سلف، فصال في ولايات العراق وجال، محاربا لمرتدي الرافضة والصحوات والبيشمركة، أميرا لديوان الجند، وقائدا لجيش الخلافة في ولايات العراق، وبقي على هذه الحال حتى أتاه اليقين في ساحات النزال التي عشقها وتعلق قلبه بها، كما نحسبه والله حسيبه، فتقبله الله في الخالدين.


* المصدر: صحيفة النبأ - العدد 39
لقراءة القصة كاملة، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

أيُّها المُجاهد جدّد النيَّة وأخلِص الطويَّة إن الجهاد في سبيل الله هو أحب الأعمال إليه ...

أيُّها المُجاهد
جدّد النيَّة وأخلِص الطويَّة


إن الجهاد في سبيل الله هو أحب الأعمال إليه سبحانه، وهو ذروة سنام الدين، وقد بشّر ذو الجلال والإكرام عباده المجاهدين في سبيله بأن لهم أعلى الدرجات.

وكذلك فإن الجهاد هو من أخطر ما يعمله المؤمن في حياته من الأعمال، نظرا لأنه يخاطر بحياته لإرضاء ربّه ذي الجلال والإكرام، ومن فقد حياته لم يعد لديه الفرصة ليصلح ما فسد، أو يجدّد ما بلي.

ولهذا وذاك كان من الواجب على المجاهد أن يحرص على ثمرة جهاده، فلا تضيع هباء، أو يجد ما ظنه مجلبة للثواب وقد تحول إلى أوزار يحملها يوم القيامة. ومن أهم الأسس التي تنبني عليها الأعمال كلها، وتتحقق بها الأجور، ويزيد الله فيها الحسنات، باب النية.

فإخلاص النية، بأن يكون العمل خالصا لوجه الله تعالى، هو أحد شرطي قبول العمل عند الله، إذ لا يقبل الله عملا قُصد به غيره، فضلا أن يكون العمل مغضبا له سبحانه.

ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- أنه قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) وفي رواية أن الرجل سأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما القتال في سبيل الله، فإن أحدنا يقاتل غضبا، ويقاتل حمية؟ فقال له، صلى الله عليه وسلم: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عز وجل).

واعلم أخي في الله، أن آثار إخلاص النية في الجهاد في سبيل الله أكثر من أن تحصى، وثمراته أعظم من أن تحصر، وأبرزها:

أولا: قبول العمل

الجهاد عبادة، ولا بد لها من شرط الإخلاص لتُقبل، فلن تقبل إلا إذا كانت خالصة لوجهه سبحانه، كما قال جل في علاه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [سورة البينة: 5]، وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا شيء له) فأعادها الرجل ثلاث مرات، ورسول الله يقول له: (لا شيء له) ثم قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا، وابتغي به وجهه) [رواه أبو داود والنسائي وحسّنه الحافظ العراقي والمنذري].

قال ابن القيم: «والأعمال أربعة: واحد مقبول، وثلاثة مردودة؛ فالمقبول ما كان لله خالصا وللسنة موافقا، والمردود ما فُقد منه الوصفان أو أحدهما» [إعلام الموقعين].

ثانيا: التوفيق والسداد

قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [سورة العنكبوت: 69] فحددت الآية أوّلاً طريق الجهاد {جَاهَدُوا فِينَا} فلم يقل سبحانه {جَاهَدُوا} فحسب، وإنما وصف سبحانه المجاهدة التي تترتب عليها الهداية بأنها المجاهدة الخالصة لوجهه تعالى {فِينَا}.

قال السعدي في تعليقه على هذه الآية: «دل هذا على أن أحرى الناس بموافقة الصواب أهل الجهاد، وعلى أن من أحسن فيما أمر به، أعانه الله ويسر له أسباب الهداية» [تيسير الكريم الرحمن].

ثالثا: دخول جنات النعيم
قال تعالى: {إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [سورة الصافات: 40-43]، «قرأ أهل المدينة والكوفة بفتح اللام {الْمُخْلَصِينَ}، أي: الذين أخلصهم الله لطاعته وتوحيده، وقرأ الباقون بكسرها، أي: الذين أخلصوا لله العبادة والتوحيد» [فتح القدير للشوكاني]

رابعا: الحفظ من كيد الشيطان

قال تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [سورة الحجر: 39-40]، وقال سبحانه عن نبيه الكريم يوسف الصديق، عليه السلام: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [سورة يوسف: 24].

خامسا: سبب للنصر والتمكين

عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها؛ بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم) [رواه النسائي بسند صحيح].

قال المنذري: «ومعناه أن عبادة الضعفاء ودعاءهم أشد إخلاصا لخلاء قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا، وجعلوا همهم واحدا، فأجيب دعاؤهم وزكت أعمالهم» [عون المعبود].

فيا من تتربصون النصر على الحلف الصليبي القائم اليوم لقتال الدولة الإسلامية، عليكم بالإخلاص، عليكم بالإخلاص، ففيه الخلاص بإذن الله تعالى.
سادسا: نزول الفرج والنجاة من الكرب والعون في الشدة وقد تعجب لو علمتَ أن الله تعالى يفرج عن المشرك بالإخلاص لو أخلص لله قليلا، مع أنه مشرك! فما ظنك بالمؤمن! قال تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} [سورة لقمان: 32].

فعلى المقاتلين في سبيل الله في جبهات القتال، والمرابطين في الثغور، وجنود الخلافة جميعا، إخلاص النية وتخليصها، ففيه الفرج القريب إن شاء الله.

سابعا: الشعور بالاطمئنان وسكينة الإيمان

قال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [سورة الفتح: 18]، قال الطبري في تفسيره: «وقوله: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} يقول تعالى ذكره: فعلم ربك يا محمد ما في قلوب المؤمنين من أصحابك إذ يبايعونك تحت الشجرة، من صدق النية، والوفاء بما يبايعونك عليه، والصبر معك. يقول: فأنزل الطمأنينة، والثبات على ما هم عليه من دينهم وحسن بصيرتهم بالحق الذي هداهم الله له».

وقال ابن النحّاس في تفسيره: «{فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من الإخلاص»، وهذه الآية دليل على أن الله تعالى يثيب المخلص في الجهاد بالنصر والعون على الطاعة وتقوية الإيمان وغير ذلك من الثواب في الدنيا، فضلا عن ثواب الآخرة.

ومن هذا كله يتبين أهمية أن يجدد المجاهد نيته في كل وقت، ويحرص على إخلاص عمله لله سبحانه، فإذا ما وجد في نفسه غير ذلك بادر إلى التوبة والتصحيح، والله غفور رحيم.


* المصدر: صحيفة النبأ - العدد 39
لقراءة المقال كاملاً، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

أيُّها المُجاهد جدّد النيَّة وأخلِص الطويَّة [٢/٢] إن الجهاد في سبيل الله هو أحب الأعمال إليه ...

أيُّها المُجاهد
جدّد النيَّة وأخلِص الطويَّة
[٢/٢]

إن الجهاد في سبيل الله هو أحب الأعمال إليه سبحانه، وهو ذروة سنام الدين، وقد بشّر ذو الجلال والإكرام عباده المجاهدين في سبيله بأن لهم أعلى الدرجات.

وكذلك فإن الجهاد هو من أخطر ما يعمله المؤمن في حياته من الأعمال، نظرا لأنه يخاطر بحياته لإرضاء ربّه ذي الجلال والإكرام، ومن فقد حياته لم يعد لديه الفرصة ليصلح ما فسد، أو يجدّد ما بلي.

ولهذا وذاك كان من الواجب على المجاهد أن يحرص على ثمرة جهاده، فلا تضيع هباء، أو يجد ما ظنه مجلبة للثواب وقد تحول إلى أوزار يحملها يوم القيامة. ومن أهم الأسس التي تنبني عليها الأعمال كلها، وتتحقق بها الأجور، ويزيد الله فيها الحسنات، باب النية.

فإخلاص النية، بأن يكون العمل خالصا لوجه الله تعالى، هو أحد شرطي قبول العمل عند الله، إذ لا يقبل الله عملا قُصد به غيره، فضلا أن يكون العمل مغضبا له سبحانه.

ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- أنه قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) وفي رواية أن الرجل سأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما القتال في سبيل الله، فإن أحدنا يقاتل غضبا، ويقاتل حمية؟ فقال له، صلى الله عليه وسلم: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عز وجل).

واعلم أخي في الله، أن آثار إخلاص النية في الجهاد في سبيل الله أكثر من أن تحصى، وثمراته أعظم من أن تحصر، وأبرزها:

خامسا: سبب للنصر والتمكين

عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: قال النبي، صلى الله عليه وسلم: (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها؛ بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم) [رواه النسائي بسند صحيح].

قال المنذري: «ومعناه أن عبادة الضعفاء ودعاءهم أشد إخلاصا لخلاء قلوبهم من التعلق بزخرف الدنيا، وجعلوا همهم واحدا، فأجيب دعاؤهم وزكت أعمالهم» [عون المعبود].

فيا من تتربصون النصر على الحلف الصليبي القائم اليوم لقتال الدولة الإسلامية، عليكم بالإخلاص، عليكم بالإخلاص، ففيه الخلاص بإذن الله تعالى.
سادسا: نزول الفرج والنجاة من الكرب والعون في الشدة وقد تعجب لو علمتَ أن الله تعالى يفرج عن المشرك بالإخلاص لو أخلص لله قليلا، مع أنه مشرك! فما ظنك بالمؤمن! قال تعالى: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} [سورة لقمان: 32].

فعلى المقاتلين في سبيل الله في جبهات القتال، والمرابطين في الثغور، وجنود الخلافة جميعا، إخلاص النية وتخليصها، ففيه الفرج القريب إن شاء الله.

سابعا: الشعور بالاطمئنان وسكينة الإيمان

قال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [سورة الفتح: 18]، قال الطبري في تفسيره: «وقوله: {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} يقول تعالى ذكره: فعلم ربك يا محمد ما في قلوب المؤمنين من أصحابك إذ يبايعونك تحت الشجرة، من صدق النية، والوفاء بما يبايعونك عليه، والصبر معك. يقول: فأنزل الطمأنينة، والثبات على ما هم عليه من دينهم وحسن بصيرتهم بالحق الذي هداهم الله له».

وقال ابن النحّاس في تفسيره: «{فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} من الإخلاص»، وهذه الآية دليل على أن الله تعالى يثيب المخلص في الجهاد بالنصر والعون على الطاعة وتقوية الإيمان وغير ذلك من الثواب في الدنيا، فضلا عن ثواب الآخرة.

ومن هذا كله يتبين أهمية أن يجدد المجاهد نيته في كل وقت، ويحرص على إخلاص عمله لله سبحانه، فإذا ما وجد في نفسه غير ذلك بادر إلى التوبة والتصحيح، والله غفور رحيم.


* المصدر: صحيفة النبأ - العدد 39
لقراءة المقال كاملاً، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

أيُّها المُجاهد جدّد النيَّة وأخلِص الطويَّة [1/2] إن الجهاد في سبيل الله هو أحب الأعمال إليه ...

أيُّها المُجاهد
جدّد النيَّة وأخلِص الطويَّة
[1/2]

إن الجهاد في سبيل الله هو أحب الأعمال إليه سبحانه، وهو ذروة سنام الدين، وقد بشّر ذو الجلال والإكرام عباده المجاهدين في سبيله بأن لهم أعلى الدرجات.

وكذلك فإن الجهاد هو من أخطر ما يعمله المؤمن في حياته من الأعمال، نظرا لأنه يخاطر بحياته لإرضاء ربّه ذي الجلال والإكرام، ومن فقد حياته لم يعد لديه الفرصة ليصلح ما فسد، أو يجدّد ما بلي.

ولهذا وذاك كان من الواجب على المجاهد أن يحرص على ثمرة جهاده، فلا تضيع هباء، أو يجد ما ظنه مجلبة للثواب وقد تحول إلى أوزار يحملها يوم القيامة. ومن أهم الأسس التي تنبني عليها الأعمال كلها، وتتحقق بها الأجور، ويزيد الله فيها الحسنات، باب النية.

فإخلاص النية، بأن يكون العمل خالصا لوجه الله تعالى، هو أحد شرطي قبول العمل عند الله، إذ لا يقبل الله عملا قُصد به غيره، فضلا أن يكون العمل مغضبا له سبحانه.

ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- أنه قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) وفي رواية أن الرجل سأل رسول الله، صلى الله عليه وسلم: ما القتال في سبيل الله، فإن أحدنا يقاتل غضبا، ويقاتل حمية؟ فقال له، صلى الله عليه وسلم: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عز وجل).

واعلم أخي في الله، أن آثار إخلاص النية في الجهاد في سبيل الله أكثر من أن تحصى، وثمراته أعظم من أن تحصر، وأبرزها:

أولا: قبول العمل

الجهاد عبادة، ولا بد لها من شرط الإخلاص لتُقبل، فلن تقبل إلا إذا كانت خالصة لوجهه سبحانه، كما قال جل في علاه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [سورة البينة: 5]، وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا شيء له) فأعادها الرجل ثلاث مرات، ورسول الله يقول له: (لا شيء له) ثم قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا، وابتغي به وجهه) [رواه أبو داود والنسائي وحسّنه الحافظ العراقي والمنذري].

قال ابن القيم: «والأعمال أربعة: واحد مقبول، وثلاثة مردودة؛ فالمقبول ما كان لله خالصا وللسنة موافقا، والمردود ما فُقد منه الوصفان أو أحدهما» [إعلام الموقعين].

ثانيا: التوفيق والسداد

قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [سورة العنكبوت: 69] فحددت الآية أوّلاً طريق الجهاد {جَاهَدُوا فِينَا} فلم يقل سبحانه {جَاهَدُوا} فحسب، وإنما وصف سبحانه المجاهدة التي تترتب عليها الهداية بأنها المجاهدة الخالصة لوجهه تعالى {فِينَا}.

قال السعدي في تعليقه على هذه الآية: «دل هذا على أن أحرى الناس بموافقة الصواب أهل الجهاد، وعلى أن من أحسن فيما أمر به، أعانه الله ويسر له أسباب الهداية» [تيسير الكريم الرحمن].
ثالثا: دخول جنات النعيم
قال تعالى: {إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [سورة الصافات: 40-43]، «قرأ أهل المدينة والكوفة بفتح اللام {الْمُخْلَصِينَ}، أي: الذين أخلصهم الله لطاعته وتوحيده، وقرأ الباقون بكسرها، أي: الذين أخلصوا لله العبادة والتوحيد» [فتح القدير للشوكاني]

رابعا: الحفظ من كيد الشيطان

قال تعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [سورة الحجر: 39-40]، وقال سبحانه عن نبيه الكريم يوسف الصديق، عليه السلام: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [سورة يوسف: 24].


* المصدر: صحيفة النبأ - العدد 39
لقراءة المقال كاملاً، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

من قصص الثبات في حياة الصحابيات [1/2] الجنة... سلعة الله الغالية، خير المقام ومنتهى المرام، ...

من قصص الثبات في حياة الصحابيات
[1/2]

الجنة... سلعة الله الغالية، خير المقام ومنتهى المرام، إليها يتسابق المؤمنون، ويتنافس في نيلها المتنافسون، تحار في كنهها العقول، ويعجز عن وصفها فحل قؤول، غير أنها قد حُفّت بالأشواك لا بالورود، ودماء المشترين وأشلاؤهم على ذلك شهود، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، «بالله ما هزلت فيستامها المفلسون، ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون، لقد أقيمت للعرض في سوق من يريد، فلم يرض ربها لها بثمن دون بذل النفوس، فتأخر البطّالون، وقام المحبّون ينتظرون أيُّهم يصلح أن يكون نفسه الثمن» [زاد المعاد].

يقول الله -عز وجل- في كتابه العزيز قولا عظيما، طوبى لمن قرأه أو سمعه فتأمله وتدبره: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 140-142]، إنه التدبير الرباني المحكم؛ قرح بقرح، ودولة بدولة، والمؤمنون منهم شهداء، والذين آمنوا يُبتلون ليتمايزوا، ويعلو الطيّب على الخبيث، وأما الجنة فثواب من نجح في الاختبار، وصبر عند البلاء، وثبت ساعة الشدة، ولم يفزع أو يسخط، ولم يكن لسان حاله: {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}، وهيهات لمثل هذا أن ينعم بجنان ربه هيهات.

ولا تظنَّنَّ المسلمة الموحدة أنها بمنأى عن دوائر التمحيص والابتلاء، بل إنها في ذلك والرجل سواء بسواء، وأكثر من ذلك؛ قد يكون لها عظيم الدور في تثبيت الزوج والأبناء.

فهذه خديجة وأسماء، وتلك سمية وخنساء وغيرهن كثيرات ممن لا يسع المقام لذكر مناقبهن؛ أما خديجة فأم المؤمنين صاحبة أول قلب يخفق إيمانا بالرسالة المحمدية، خديجة التي كانت ممن ثبّت الله هذا الدين بتثبيتها زوجها سيد المرسلين محمد، صلى الله عليه وسلم.

أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم- وبعد نزول الوحي عليه لأول مرة في غار حراء وفزعه منه، أتى خديجة زوجه فأخبرها الخبر ثم قال: (لقد خشيتُ على نفسي)، قالت له خديجة: «كلا أبشر، فوالله، لا يخزيك الله أبدا، والله، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق...» إن أم المؤمنين خديجة -رضي الله عنها- وهي تسمع ذاك الخبر العجاب من زوجها، لم تجزع ولم تهلع، ولم تمسك بتلابيب بعلها خوفا من قادم الأيام، ولم تثبّط فؤاده بل ثبّتته، حتى قال العلماء عن كلامها كما نقل النووي فقال: «قال العلماء... وفيه [أي كلام خديجة، رضي الله عنها] أعظم دليل وأبلغ حجة على كمال خديجة -رضي الله عنها- وجزالة رأيها، وقوة نفسها، وثبات قلبها، وعظم فقهها، والله أعلم» [شرح صحيح مسلم].
وتمضي الأيام وينتشر أمر الدعوة ويبطش طواغيت قريش بالموحدين، ويحاصرونهم في شعب أبي طالب ويمنعون عنهم القوت والماء، وأم المؤمنين ثابتة مع زوجها، صابرة محتسبة، يصيبها ما يصيب القوم من جوع وظمأ، وهي من هي، سليلة الحسب والنسب، صاحبة المال والجاه، حتى حوصرت معهم في شعب أبي طالب لعامين، وضرها ما لاقت من جوع وتعب، فماتت وهي صابرة محتسبة، ثابتة على دينها، راض عنها زوجها، عليه الصلاة والسلام، فرضي الله عنها وأرضاها.

أما سمية فهي سمية بنت خياط، أم عمار بن ياسر، وكانت سابع سبعة في الإسلام، وأول شهيدة تسقي بدمائها شجرة التوحيد، نعم يا مسلمة؛ إن أول دماء سالت في سبيل لا إله إلا الله كانت دماء امرأة، فقد كانت سمية وزوجها وابناها من موالي بني مخزوم، ولما أسلموا لقوا صنوفا وألوانا من العذاب، فعن جابر، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- مرّ بعمار وأهله وهم يعذبون، فقال: (أبشروا آل عمار، وآل ياسر، فإن موعدكم الجنة) [رواه الضياء والحاكم].

إن سمية لم تعذب إلا في الله، كي تعود عن دينها، وتترك سبيل محمد، صلى الله عليه وسلم، هذا الرجل الذي لم يأتهم بمال ولا ذهب ولا فضة، وإنما بدين «جديد» لم يكن عليه الآباء من قبل، بكلمة يشهدونها ويعملون بها فتكون لهم الجنة، ورغم التعذيب الشديد، إلا أن سمية تلك المرأة الضعيفة المستضعفة ثبتت ولم تتزحزح عن دينها، ولم تتراجع عما باتت تعتقده وتدين الله تعالى به، قال ابن إسحاق في «السيرة»: «حدثني رجال من آل عمار بن ياسر أن سمية أم عمار عذبها آل بني المغيرة على الإسلام، وهي تأبى غيره حتى قتلوها»، فكانت خاتمتها الشهادة بعد صبرها وثباتها إذ طعنها عدو الله أبو جهل بحربة فقتلها.


• المصدر: صحيفة النبأ - العدد 46
الثلاثاء 4 ذو الحجة 1437 ه‍ـ

• لقراءة المقال كاملاً، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

من قصص الثبات في حياة الصحابيات [2/2] وأما أسماء، فبنت الصديق، رضي الله عنها وعن أبيها، تلك ...

من قصص الثبات في حياة الصحابيات
[2/2]

وأما أسماء، فبنت الصديق، رضي الله عنها وعن أبيها، تلك التي ضربت في الثبات والجهاد أروع الأمثلة، أسماء التي يخرج أبوها مهاجرا مع النبي، صلى الله عليه وسلم، فيأخذ كل ماله ولا يترك لهم شيئا، فلا تتذمر ولا تتبرم، بل تحتال على جدها ولا تفضح أباها، فعن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، أن أباه، حدثه عن جدته أسماء بنت أبي بكر، قالت: «لما خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخرج معه أبو بكر، احتمل أبو بكر ماله كله معه: خمسة آلاف درهم، أو ستة آلاف درهم»، قالت: «وانطلق بها معه»، قالت: «فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه»، قالت: «قلت: كلا يا أبه، إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا»، قالت: «فأخذت أحجارا، فوضعتها في كوة البيت، كان أبي يضع فيها ماله، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده، فقلت: يا أبه، ضع يدك على هذا المال»، قالت: «فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، إن كان قد ترك لكم هذا، فقد أحسن، وفي هذا لكم بلاغ»، قالت: «ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكني قد أردت أن أسكّن الشيخ بذلك» [رواه أحمد وغيره].

ولم تسلم ذات النطاقين من بطش الطاغوت أبي جهل إذ تقول: «لما خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر، أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل، فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليه»، فقالوا: «أين أبوك يا بنت أبي بكر؟» قالت: «قلت: لا أدري والله أين أبي»، قالت: «فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشا خبيثا، فلطم خدي لطمة خر منها قرطي»، قالت: «ثم انصرفوا» [حلية الأولياء].

هكذا حال المسلمة المؤمنة بربها، الظانة به ظن الخير، المستعذِبة العذابَ في سبيل دينها، وإنه لما خرج قوم على خليفة المسلمين عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- وحاصره الحَجّاج الثقفي في مكة، كانت أسماء تلك الأم التي ثبتت ابنها وحرضته على الموت في سبيل الله تعالى، يقول ابن كثير: «ودخل عبد الله بن الزبير على أمه فشكا إليها خذلان الناس له، وخروجهم إلى الحَجّاج حتى أولاده وأهله، وأنه لم يبق معه إلا اليسير، ولم يبق لهم صبر ساعة، والقوم يعطونني ما شئت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: يا بني، أنت أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وتدعو إلى حق فاصبر عليه، فقد قُتل عليه أصحابك، ولا تمكّن من رقبتك، يلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنتَ إنما أردتَ الدنيا فلبئس العبد أنت؛ أهلكتَ نفسك وأهلكتَ من قُتل معك، وإن كنتَ على حق فما وهن الدين، وإلى كم خلودكم في الدنيا؟ القتل أحسن [...] ثم جعلت تذكّره بأبيه الزبير، وجدّه أبي بكر الصديق، وجدّته صفية بنت عبد المطلب، وخالته عائشة زوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وترجيه القدوم عليهم إذا هو قتل شهيدا، ثم خرج من عندها، فكان ذلك آخر عهده بها، رضي الله عنهما وعن أبيه وأبيها» [البداية والنهاية].

وأما الخنساء بنت عمرو، فحالها ليس ببعيد عن حال أسماء، فعن أبي وجزة، عن أبيه، قال: «حضرت الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية حرب القادسية ومعها بنوها أربعة رجال، فقالت لهم من أول الليل: يا بني، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم، ولا غبرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمّرت عن ساقها، واضطرمت لظى على سياقها، وجللت نارا على أوراقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها، عند احتدام خميسها، تظفروا بالغنم والكرامة، في دار الخلد والمقامة» [الاستيعاب].

فكان للخنساء ما أرادت، وخرج أبناؤها الأربعة يبتغون الموت مظانه فقتلوا جميعهم في يوم واحد، ولما بلغها خبرهم ما زادت على أن قالت: «الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته».

فلله در نساء كهؤلاء، ما قعدن يبكين وينتحبن في ساعات الشدة والبلاء، بل حملن على أعتاقهن هم الدين والأمة، فهذه تثبت زوجا، وتلك تحرض ابنا...
وبمثل هؤلاء تقتدي المسلمة، وإذا اشتدت الأزمات وضاقت الحلقات، تسلت بذكر ثباتهن، واستعطرت بطيب سيرهن.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر: صحيفة النبأ - العدد 46
الثلاثاء 4 ذو الحجة 1437 ه‍ـ

• لقراءة المقال كاملاً، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

عيد الأضحى شعيرة يجب تعظيمها [1/2] ما هي إلا أيام قليلة ويحلّ علينا يوم النحر (الأضحى)، ذلك ...

عيد الأضحى شعيرة يجب تعظيمها
[1/2]

ما هي إلا أيام قليلة ويحلّ علينا يوم النحر (الأضحى)، ذلك اليوم الذي جعله الله شعيرة من شعائر الإسلام العظيمة، وشرعه الله ميقاتا لعبادة عظيمة من عبادات الإسلام وهي النُسُك، أي نحر الأضاحي تقرّبا لله وحده -سبحانه وتعالى- وجعل أيامه مزامنة للأيام المعدودات التي شرع الله فيهن أداء فريضة الحج على المسلمين، كما أمر المؤمنين أن يتخذوه عيدا لأمّة الإسلام، يفرحون فيه بفضل الله، ويهنّئ بعضهم بعضا فيه، ويتّخذونه لهم شعارا يميّزهم عن أمم الشرك والكفر، فلا يشاركون المشركين أعيادهم ومهرجاناتهم، بل يخالفونهم فيها إلى ما شرعه الله لهم من الأعياد، وهما يوما فطرهم ونحرهم.

وقد دلت الأحاديث الكثيرة على أن اتخاذ هذا اليوم عيدا للمسلمين هو شريعة شرعها الله تعالى، منها حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كان لأهل الجاهلية يومان في كل سنة يلعبون فيهما، فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم- المدينة قال: (كان لكم يومان تلعبون فيهما وقد أبدلكم الله بهما خيرا منهما: يوم الفطر ويوم الأضحى)» [رواه النسائي، وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي].

وبذلك يتبيّن أن تعظيم هذا اليوم، واتخاذه عيدا، إنما هو تعظيم لأمر الله تعالى، الذي جعل هذا اليوم خاصّا بأمّة الإسلام، كما قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]، وأن إظهار الفرح والسرور بهذا اليوم أمر مندوب، كما في قول النبي - صلى الله عليه وسلم- لصاحبه أبي بكر الصديق –رضي الله عنه- في قصة الجواري اللواتي كن يغنين عند أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها: (يا أبا بكر، إن لكلّ قومٍ عيدا، وإنّ هذا عيدنا) [رواه البخاري ومسلم]، بخلاف ما يدعو إليه بعض الناس هذه الأيام، ممّن ينهى المسلمين عن اتخاذه عيدا وفرحا بقوله: «لا عيد حتى تتحرّر القدس!»، أو «لا عيد والمسلمون يُقتَّلون في كل مكان!»، وما إلى ذلك من الأقوال المنكرة التي ما أنزل الله بها من سلطان، وما لهم عليها من بينة ولا دليل، بل شابهوا فيها قول الرافضة الذين خالفوا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بشكر الله -عز وجل- يوم العاشر من محرم على إنجائه موسى -عليه السلام- وقومه من فرعون بالصوم، بأن جعلوه يوم نَوْح ولطم بدعوى أنّه وافق يوم مقتل الحسين بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما.

ومن صور تعظيم هذا اليوم طاعة الله تعالى فيما أمر به من عبادات مخصوصة به، وعلى رأسها النُسُك وهو نحر الأضاحي قربة لله -عز وجل- فقد قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج: 34]، وقال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2]، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162]، لذلك فإن الحرص على أداء هذه العبادة هو حرص على التوحيد، وإظهار له، وصورة من صور البراءة من الطواغيت الذين يذبح المشركون لهم الذبائح تقربا إليهم من دون الله -جل جلاله- وصورة من صور التمايز بين أهل الإيمان وأهل الأوثان ينبغي على الموحّدين إظهارها والحرص عليها.

وقد قال طائفة من الفقهاء بأن هذه العبادة واجبة على كل قادر من المسلمين يأثم بتركها، واتفق من لم يقل بوجوبها على أنها سنّة مؤكّدة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أما وقتها فبعد صلاة يوم النحر، وطيلة أيام التشريق الثلاث التي تليه، لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (من ذبح قبل الصلاة فليذبح شاةً مكانها، ومن لم يكن ذبح فليذبح على اسم الله) [رواه البخاري ومسلم].

ومن عبادات هذا العيد أيضا، التكبير عقب الصلوات وفي الطريق إلى صلاة العيد، ورفع الصوت بذلك، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «أصحّ الأقوال في التكبير، الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة: أن يكبَّر من فجر يوم عرفة، إلى آخر أيام التشريق، عقب كل صلاة، ويشرع لكل أحد أن يجهر بالتكبير عند الخروج إلى العيد، وهذا باتفاق الأئمة الأربعة» [مجموع الفتاوى].

ومن هذه العبادات أداء صلاة العيد مع الجماعة، ومن سننها تأخيرها يوم الفطر، ليتمكّن المسلمون من أداء زكاة فطرهم، بينما يُسنّ تبكيرها يوم النحر ليتمكّن المسلمون من ذبح أضاحيهم، وكذلك فإنه يسنّ أن يَطعم المسلم قبل الصلاة يوم فطره، ولا يَطعم قبل الصلاة يوم نحره حتى يأكل من ذبيحته بعد الصلاة.

ومن صور تعظيم هذه الأيام أن يترك المرء ما يندب فعله في أيام أخرى من السنة، وهو صيام التطوّع، لأنها أيام أكل وشرب كما وصفها النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله) [رواه مسلم].


• المصدر: صحيفة النبأ - العدد 46
الثلاثاء 4 ذو الحجة 1437 ه‍ـ

• لقراءة المقال كاملاً، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

عيد الأضحى شعيرة يجب تعظيمها [2/2] ومن عبادات هذا العيد أيضا، التكبير عقب الصلوات وفي الطريق ...

عيد الأضحى شعيرة يجب تعظيمها
[2/2]

ومن عبادات هذا العيد أيضا، التكبير عقب الصلوات وفي الطريق إلى صلاة العيد، ورفع الصوت بذلك، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «أصحّ الأقوال في التكبير، الذي عليه جمهور السلف والفقهاء من الصحابة والأئمة: أن يكبَّر من فجر يوم عرفة، إلى آخر أيام التشريق، عقب كل صلاة، ويشرع لكل أحد أن يجهر بالتكبير عند الخروج إلى العيد، وهذا باتفاق الأئمة الأربعة» [مجموع الفتاوى].

ومن هذه العبادات أداء صلاة العيد مع الجماعة، ومن سننها تأخيرها يوم الفطر، ليتمكّن المسلمون من أداء زكاة فطرهم، بينما يُسنّ تبكيرها يوم النحر ليتمكّن المسلمون من ذبح أضاحيهم، وكذلك فإنه يسنّ أن يَطعم المسلم قبل الصلاة يوم فطره، ولا يَطعم قبل الصلاة يوم نحره حتى يأكل من ذبيحته بعد الصلاة.

ومن صور تعظيم هذه الأيام أن يترك المرء ما يندب فعله في أيام أخرى من السنة، وهو صيام التطوّع، لأنها أيام أكل وشرب كما وصفها النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله) [رواه مسلم].

ومن صور تعظيم هذا اليوم اجتناب المعاصي والآثام فيه، كالنياحة على الموتى، والتبرّج وحلق اللحى بدعوى التزيّن، واختلاط الرجال بالنساء من غير المحارم والمصافحة بينهم بدعوى تهنئة العيد، والإسراف في المأكل والمشرب والملبس، وشرب الدخان، والدخول إلى أماكن الفسق والمجون، وسماع الأغاني و مشاهدة المسلسلات والأفلام والمسرحيات والبرامج التي فيها ما حرّم الله بدعوى الفرح بالعيد، وقطع الرحم والتهاجر بين المسلمين، وغير ذلك من المعاصي التي يفعلها بعض الناس في هذه الأيام عوضا عن هجر المنكرات فيها تعظيما لشأنها.

وإننا نحمد الله تعالى أن أعاد علينا هذا العيد ونحن في ظل دولة الخلافة، وفي دار الإسلام، حيث يكون الدين كله لله تعالى وحده لا شريك له، وحيث تحكّم شريعته، وتقام حدوده، ويؤمر فيها بالمعروف وينهى عن المنكر، ويعزّ فيها المسلمون، ويخنس المنافقون.

ولكن ما زال في الحلق غصّة من بقاء بيت الله الحرام وما جاوره من الأرض أسيرا بيد المرتدين من طواغيت آل سعود، الذين يمنعون الموحّدين منه كما كان مشركو قريش يفعلون مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام، فيحرمونهم بذلك من أداء فريضة الحج التي افترضها الله على من استطاع إليه سبيلا من المسلمين، وفي الوقت ذاته يفتح أولئك الطواغيت الباب مشرعا أمام إخوانهم المشركين من الرافضة والقبوريين والطواغيت والإخوان المرتدين ليدخلوا المسجد الحرام، وقد أمر الله سبحانه بمنعهم من دخوله بقوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28]، وتمتد أياديهم النجسة أيضا إلى مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليقيموا مجالسهم الشركية في جواره.

فإن كنا حبسَنا وإخواننا العذر عن أداء ما افترضه الله علينا هذا العام من حج بيته الحرام، فإننا واثقون من فتح الله القريب لنا، كما فتح على نبيه -صلى الله عليه وسلم- من قبل، بعد أن صدقه وعده، {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 27].

ولنطهرنّ مكّة -بإذن الله- من أوثان الطواغيت المتمثلة بمحاكمهم الوضعية الشركية، كما طهرها نبينا -صلى الله عليه وسلم- من أوثان قريش وأصنامهم، وكما طهرها تلاميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب من أوثان الصوفيّة والروافض، وما ذلك على الله بعزيز.

• المصدر: صحيفة النبأ - العدد 46
الثلاثاء 4 ذو الحجة 1437 ه‍ـ

• لقراءة المقال كاملاً، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

من قصص الثبات في حياة الصحابيات [2/2] وأما أسماء، فبنت الصديق، رضي الله عنها وعن أبيها، تلك ...

من قصص الثبات في حياة الصحابيات
[2/2]

وأما أسماء، فبنت الصديق، رضي الله عنها وعن أبيها، تلك التي ضربت في الثبات والجهاد أروع الأمثلة، أسماء التي يخرج أبوها مهاجرا مع النبي، صلى الله عليه وسلم، فيأخذ كل ماله ولا يترك لهم شيئا، فلا تتذمر ولا تتبرم، بل تحتال على جدها ولا تفضح أباها، فعن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، أن أباه، حدثه عن جدته أسماء بنت أبي بكر، قالت: «لما خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخرج معه أبو بكر، احتمل أبو بكر ماله كله معه: خمسة آلاف درهم، أو ستة آلاف درهم»، قالت: «وانطلق بها معه»، قالت: «فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه»، قالت: «قلت: كلا يا أبه، إنه قد ترك لنا خيرا كثيرا»، قالت: «فأخذت أحجارا، فوضعتها في كوة البيت، كان أبي يضع فيها ماله، ثم وضعت عليها ثوبا، ثم أخذت بيده، فقلت: يا أبه، ضع يدك على هذا المال»، قالت: «فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، إن كان قد ترك لكم هذا، فقد أحسن، وفي هذا لكم بلاغ»، قالت: «ولا والله ما ترك لنا شيئا، ولكني قد أردت أن أسكّن الشيخ بذلك» [رواه أحمد وغيره].

ولم تسلم ذات النطاقين من بطش الطاغوت أبي جهل إذ تقول: «لما خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر، أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل، فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليه»، فقالوا: «أين أبوك يا بنت أبي بكر؟» قالت: «قلت: لا أدري والله أين أبي»، قالت: «فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشا خبيثا، فلطم خدي لطمة خر منها قرطي»، قالت: «ثم انصرفوا» [حلية الأولياء].

هكذا حال المسلمة المؤمنة بربها، الظانة به ظن الخير، المستعذِبة العذابَ في سبيل دينها، وإنه لما خرج قوم على خليفة المسلمين عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- وحاصره الحَجّاج الثقفي في مكة، كانت أسماء تلك الأم التي ثبتت ابنها وحرضته على الموت في سبيل الله تعالى، يقول ابن كثير: «ودخل عبد الله بن الزبير على أمه فشكا إليها خذلان الناس له، وخروجهم إلى الحَجّاج حتى أولاده وأهله، وأنه لم يبق معه إلا اليسير، ولم يبق لهم صبر ساعة، والقوم يعطونني ما شئت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: يا بني، أنت أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وتدعو إلى حق فاصبر عليه، فقد قُتل عليه أصحابك، ولا تمكّن من رقبتك، يلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنتَ إنما أردتَ الدنيا فلبئس العبد أنت؛ أهلكتَ نفسك وأهلكتَ من قُتل معك، وإن كنتَ على حق فما وهن الدين، وإلى كم خلودكم في الدنيا؟ القتل أحسن [...] ثم جعلت تذكّره بأبيه الزبير، وجدّه أبي بكر الصديق، وجدّته صفية بنت عبد المطلب، وخالته عائشة زوج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وترجيه القدوم عليهم إذا هو قتل شهيدا، ثم خرج من عندها، فكان ذلك آخر عهده بها، رضي الله عنهما وعن أبيه وأبيها» [البداية والنهاية].

وأما الخنساء بنت عمرو، فحالها ليس ببعيد عن حال أسماء، فعن أبي وجزة، عن أبيه، قال: «حضرت الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية حرب القادسية ومعها بنوها أربعة رجال، فقالت لهم من أول الليل: يا بني، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم، ولا غبرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمّرت عن ساقها، واضطرمت لظى على سياقها، وجللت نارا على أوراقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها، عند احتدام خميسها، تظفروا بالغنم والكرامة، في دار الخلد والمقامة» [الاستيعاب].

فكان للخنساء ما أرادت، وخرج أبناؤها الأربعة يبتغون الموت مظانه فقتلوا جميعهم في يوم واحد، ولما بلغها خبرهم ما زادت على أن قالت: «الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته».

فلله در نساء كهؤلاء، ما قعدن يبكين وينتحبن في ساعات الشدة والبلاء، بل حملن على أعتاقهن هم الدين والأمة، فهذه تثبت زوجا، وتلك تحرض ابنا...
وبمثل هؤلاء تقتدي المسلمة، وإذا اشتدت الأزمات وضاقت الحلقات، تسلت بذكر ثباتهن، واستعطرت بطيب سيرهن.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر: صحيفة النبأ - العدد 46
الثلاثاء 4 ذو الحجة 1437 ه‍ـ

• لقراءة المقال كاملاً، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
18 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً