صحيفة النبأ العدد 482 المقال الافتتاحي: في الأصل لا الحاشية! (١/٢) أمام الضجة الكبيرة التي ...

صحيفة النبأ العدد 482
المقال الافتتاحي:
في الأصل لا الحاشية!

(١/٢)
أمام الضجة الكبيرة التي أثارها قرار طالبان منع "كتاب التوحيد" والصدمة التي أحدثها ذلك في الأوساط الجهادية الموالية لطالبان؛ لم يكن أمام الميليشيا إلا محاولة تبرير ذلك بترقيعٍ متداعٍ جاء معتمدًا بالكلّية على بثوث "فقهاء التراجعات" واستعارةً لوحي شياطينهم الذي لم يصمد أمام صواعق الحق المرسلة.

وكان لافتًا امتعاض الميليشيا من وصف البعض لها بـ "القبورية" والحقيقة أنّ هذا الوصف هو تقزيم لجرمها وتقنين لانحرافها، فالقبورية وما اتصل بها هي مشكلة عقدية واحدة من جملة مشاكل "الإمارة الجاهلية" التي بنت حكمها على الديمقراطية والاعتراف بالمواثيق الدولية والانخراط في "مكافحة الإرهاب" شأنها شأن أيّ حكومة مرتدة، كما ينبغي لطلاب التوحيد الحذر من حصر انحراف طالبان في "القبورية".

كما ينبغي الانتباه إلى أنّ آفة عصرنا اليوم ليست في "القبورية" كما كان عليه الحال في حقب تاريخية سابقة، بل آفة عصرنا في الحكم الديمقراطي الذي يساوي بين الخالق والشعب! ويجعل الأخير مصدرا للتشريع!، آفة عصرنا في تعطيل الشرع واستبداله بالدساتير الوطنية التي صارت منتهى غاية الجهاديين الثوريين وأمارة نجاح تجاربهم وثوراتهم!

ولعل من أقبح ما بررت به "الإمارة الديمقراطية" موقفها من كتاب التوحيد؛ نسبة القرار إلى "وزارة إعلامها" كإجراءٍ رسميٍّ قاسته على إجراءات وزارات إعلام "نظرائها" في حكومات الردة، وهي حتى في تبريرها هذا، لم تستطع أنْ تخرج عن عباءة الحكومات المرتدة والتزيّي بزيّها والتأسي بسياساتها قولا وفعلا، فأدانت نفسها من حيث لا تدري! ورسّخت ما تفانت لتنفيه عن نفسها، حتى أنها استعارت نفس "المبررات والعبارات" التي تدرجها حكومات الردة في بياناتها وتصدّرها مؤتمرات "مكافحة الإرهاب" بقولها: "إنّ ما ترفضه الإمارة أنْ يُستغل اسم الإسلام وتوحيد الله، لأغراض سياسية وحزبية وغيرها.." وكأنك تقرأ بيانا لوزارة الداخلية السلولية التي أضمرت "الإمارة" قياس موقفها بمنع الكتاب؛ بمواقف مشابهة لحكومة آل سلول، في طفرة حديثة تنسب السلفية وتُحاكمها إلى مواقف طواغيت آل سلول وبلاعمتهم، في حرب تشويه مقصودة مرصودة على العقيدة السلفية في زمن طغيان اللوثة الإخوانية التي ألجمت الحركات الجهادية إلجاما.

وكان من جملة ترقيع الإمارة لموقفها الجاهلي، تصريحها بأنّ مشكلتها كانت مع "حواش وزيادات رأت أن فيها غلوا وإفراطا، وليس لمخالفتها مضمون الكتاب أو معارضته لجوهره" وهو تبرير تلقّفته من جوقة "فقهاء التراجعات" الذين صنعتهم "الحوزة الخليجية" لتدوير الجهاديين الناكثين وإعادة استخدامهم في حرب المجاهدين!، وفات هؤلاء جميعا أنّ الحكم على طالبان لا يحتاج للنظر في كتاباتها وتبريراتها ولا استعاراتها، فسلوكها العملي على الأرض يكفي للحكم عليها.

والناظر لاحمرار وانتفاخ أوداج الإمارة الشيطانية وهي ترقّع حربها على التوحيد، يلحظ كيف خصّت بخطابها الدولة الإسلامية -التي تسمّيها بمسميات قاموس البنتاغون للمصطلحات الإعلامية- مع أنّ أطرافا كثيرة أخرى انبرت للرد على طالبان، بل إنّ الدولة الإسلامية لم تتطرق للأمر في إعلامها الرسمي قبل هذه اللحظة، ومع ذلك لم يثر حفيظة طالبان غير الدولة الإسلامية التي بمحاربتها؛ نالت الإمارة الوطنية -ومثلها الإدارة السورية- أوراق الاعتماد الدولية.

نعم، فما اعترف به خطاب "الإمارة" ونَطقه رغمًا عنها، أنّ الدولة الإسلامية رأس حربة في نصرة التوحيد، وهي المتن والحاشية والميمنة والميسرة والطليعة في الدفاع عنه، وتحت ظلاله وعلى عتباته جادت بخيرة أمرائها وجيوش أبنائها البررة الذين أمهروا التوحيد دماءهم وأفنوا لأجله زهرة شبابهم في السجون التي تتنافس وتتسابق "الإمارة والإدارة" لحراستها خدمة وتقرّبا لقيصر وأتاتورك!

أيها الدراويش الديمقراطيون، إن التوحيد الذي تحمله الدولة الإسلامية وتطبقه في عسرها ويسرها، هو الذي لأجله جلبتكم أمريكا إلى طاولة المؤامرات عليه، وأدخلتكم بيت الطاعة لحربه، إنه التوحيد الذي تترزقون به على الموائد الصليبية والدولية، بينما تدفع الدولة الإسلامية أثمانا أخدودية لحفظه ونصرته والموت تحت رايته عبيدا لله تعالى، فهذه هي الحرية وما عداها باطل.


• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 482
السنة السادسة عشرة - الخميس 14 شعبان 1446 هـ

• لقراءة المقال كاملاً، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

ضم حق قول كلب اينما توجه لا يات بخير اذا حاكم 23 لا يحرر شيءا بل 10 هميقوا واذا ...

ضم حق قول
كلب اينما توجه لا يات بخير
اذا حاكم 23 لا يحرر شيءا بل 10 هميقوا
واذا محكوم 32 ينحيلك لقمه من فمك

وبِالْوالِديْنِ إِحْسانًا [2/2] فبر الوالدين، والامتناع عن عقوقهما والتعدي عليهما، حق واجب على ...

وبِالْوالِديْنِ إِحْسانًا

[2/2]
فبر الوالدين، والامتناع عن عقوقهما والتعدي عليهما، حق واجب على كل مسلم، ولا يمنع من أداء هذا الحق إليهما كونهما من عصاة المسلمين الذين يرتكبون الذنوب والآثام، مع بقائهما على التوحيد، بل ولا كونهما من المشركين بالله -من غير المرتدين والكفرة المحاربين- فعن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنهما- قالت: «قدمتْ عليّ أمي وهي مشركة في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستفتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلت: وهي راغبة، أفأصل أمّي؟ قال: (نعم صلي أمّك) [متفق عليه]، وقد قال بعض أهل التفسير إن آية: {لا ينْهاكُمُ اللّهُ عنِ الّذِين لمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ولمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أنْ تبرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إِليْهِمْ إِنّ اللّه يُحِبُّ الْمُقْسِطِين} [الممتحنة: 8]، نزلت في أسماء وأمها.

ولكن وجوب بر الوالدين ومصاحبتهما في الدنيا بالمعروف، لا يعنيان بحال موافقتهما في شركهما أو طاعتهما في معصية الله -عز وجل- والعياذ بالله، بل يبرأ المسلم من والديه المشركين وما هما عليه من الشرك، كما فعل إمام الموحدين إبراهيم -عليه السلام- قال تعالى: {وما كان اسْتِغْفارُ إِبْراهِيم لِأبِيهِ إِلّا عنْ موْعِدةٍ وعدها إِيّاهُ فلمّا تبيّن لهُ أنّهُ عدُوٌّ لِلّهِ تبرّأ مِنْهُ إِنّ إِبْراهِيم لأوّاهٌ حلِيمٌ} [التوبة: 114]، ويخالفان في دعوتهما إلى الشرك بالله، كما أمر سبحانه: {وإِنْ جاهداك على أنْ تُشْرِك بِي ما ليْس لك بِهِ عِلْمٌ فلا تُطِعْهُما} [لقمان: 15]، ومثله الأمر بعدم طاعتهما فيما فيه معصية لله جل جلاله، لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: (لا طاعة لمخلوق في معصية الله) [رواه أحمد].
فعن أبي عثمان: أن سعدا قال: «نزلت هذه الآية فيّ: {وإِنْ جاهداك على أنْ تُشْرِك بِي ما ليْس لك بِهِ عِلْمٌ فلا تُطِعْهُما} [لقمان: 15]، قال: كنت برا بأمي، فلما أسلمت، قالت: يا سعد! ما هذا الدين الذي قد أحدثت؟ لتدعن دينك هذا، أو لا آكل، ولا أشرب حتى أموت، فتُعيّر بي، فيقال: يا قاتل أمه، قلت: لا تفعلي يا أمه، إني لا أدع ديني هذا لشيء، فمكثت يوما لا تأكل ولا تشرب وليلة، وأصبحت وقد جهدت، فلما رأيت ذلك، قلت: يا أمه! تعلمين -والله- لو كان لك مائة نفس، فخرجت نفسا نفسا، ما تركت ديني، إن شئت فكلي أو لا تأكلي، فلما رأت ذلك، أكلتْ» [سير أعلام النبلاء].

وإننا لنعلم أن بعض الآباء والأمهات يصدون أبناءهم عن الجهاد في سبيل الله، ويمنعونهم من الهجرة إلى ديار الإسلام، ويهددونهم بالغضب عليهم إن خالفوا أوامرهم في ذلك، والجواب على ذلك أن لا طاعة على الابن لهما في ذلك، بل الواجب عليه أن يهاجر ويجاهد في سبيل الله، ليؤدي ما عليه من حق لله تعالى، فحقوقه سبحانه مقدمة على حقوق العباد، مع استمرار البر لهما، والدعاء لهما بالهداية.

وإن من أعظم البر للوالدين دعوتهما إلى الحق وترك المعاصي والذنوب، باللين والموعظة الحسنة، مع التزام جانب الإحسان في التعامل معهما، لأن ذلك من أهم موجبات قبولهما الدعوة، قال تعالى: {ادْعُ إِلى سبِيلِ ربِّك بِالْحِكْمةِ والْموْعِظةِ الْحسنةِ وجادِلْهُمْ بِالّتِي هِي أحْسنُ} [النحل: 125]، والرفق ما كان في شيء إلا زانه، فالكلمة الطيبة وقعها في النفوس طيب جميل الأثر، فلا ينبغي التكبر عليهما في دعوتهما ولا مسبّتهما في نصحهما.

وليجعل الأبناء نصب أعينهم هدي نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- في دعوة عمّه (الذي هو بمثابة الأب) حتى آخر لحظات حياته، فقد روى البخاري عن ابن المسيب، عن أبيه، أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وعنده أبو جهل، فقال: (أي عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله)، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: «يا أبا طالب، ترغب عن ملة عبد المطلب؟» فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيء كلمهم به: «على ملة عبد المطلب»، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: (لأستغفرن لك، ما لم أُنْه عنه)، فنزلت: {ما كان لِلنّبِيِّ والّذِين آمنُوا أنْ يسْتغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِين ولوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بعْدِ ما تبيّن لهُمْ أنّهُمْ أصْحابُ الْجحِيمِ} [التوبة: 113]. ونزلت: {إِنّك لا تهْدِي منْ أحْببْت} [القصص: 56].
ومن الجدير بالمجاهد في سبيل الله أن يكون أبر الناس بأبويه، وأبعد الناس عن عقوقهما وإيذائهما، لأنه من أكثر الناس سعيا إلى تكميل إيمانه، الذي لا يمكن أن يكتمل مع ارتكاب كبيرة العقوق، وعليه أن يعلم أن جهاده وقتاله في سبيل الله لن يرفعا عنه إثم تضييع حقوق غيره عليه، وعلى رأسهم الوالدين، حتى وإن كان والداه من المعارضين لخروجه، خوفا عليه، أو حرصا على دنياه، فإن ذلك لا يمنعه من صلتهما، والإحسان إليهما، ودعوتهما إلى الحق، والدعاء لهما بالرحمة في الدنيا والآخرة ما داما على الإسلام.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 48
الثلاثاء 25 ذو الحجة 1437 ه‍ـ

• لقراءة المقال كاملاً، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [1/2] • قرن الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه العزيز بين طاعته ...

وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا

[1/2]
• قرن الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه العزيز بين طاعته وعدم الإشراك به وشكره وبين بر الوالدين والإحسان إليهما، كما في قوله سبحانه: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14]، فقرن بين شكره على نعمه، وشكر والديه على معروفهما، وقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [البقرة: 83]، وقوله {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23]، فقرن سبحانه بين توحيده وعبادته والإحسان إلى الوالدين.

كما إن كثيرا من الأحاديث النبوية حثت على بر الوالدين، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (أمك)، قال: ثم من؟ قال: (ثم أمك)، قال: ثم من؟ قال: (ثم أمك)، قال: ثم من؟ قال: (ثم أبوك)» [متفق عليه].

وأخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «سألت رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: (الصلاة على وقتها)، قلت: ثم أي؟ قال: (بر الوالدين)، قلت: ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله)».

وإن هذا البر الواجب بحق الوالدين يكون أوكد في حالة بلوغهما أو أحد منهما سن الكبر، وذلك لأن الإنسان إذا هرم زادت حاجته إلى من يعوله ويقوم على حوائجه، كما تزداد الحاجة إلى الصبر عليه لما يعتريه من ضعف في الفهم والعقل، كما قال تعالى: {وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ} [يس: 68]، وقال سبحانه: {ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا} [الحج: 5].

ولذلك نجد أن الله تعالى قد خص حالة الكبر بالذكر، فقال: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23-24]؛ قال القرطبي: «خص حالة الكبر لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى بره لتغير الحال عليهما بالضعف والكبر، فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزمه من قبل، لأنهما في هذه الحالة قد صارا كلّا عليه، فيحتاجان أن يلي منهما في الكبر ما كان يحتاج في صغره أن يليا منه، فلذلك خص هذه الحالة بالذكر. وأيضا فطول المكث للمرء يوجب الاستثقال للمرء عادة ويحصل الملل ويكثر الضجر فيظهر غضبه على أبويه وتنتفخ لهما أوداجه، ويستطيل عليهما بدالة البنوة وقلة الديانة، وأقل المكروه ما يظهره بتنفسه المتردد من الضجر، وقد أُمر أن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة، وهو السالم من كل عيب فقال: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23]».

وإذا عُرف هذا، وجب على الابن البار الساعي لمرضاة ربه تعالى تجنب كل ما قد يسيء إلى والديه من قول أو فعل، وبذل ما في استطاعته في سبيل الإحسان إليهما ورد شيء من معروفهما عليه، وإن كان ذلك صعب الإدراك خاصة في جانب الأم التي برها آكد من بر الأب، والدليل أن خصّها الله تعالى بذكر أتعابها منذ الحمل وحتى الوضع والإرضاع، قال عز وجل: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14]، وقال أيضا: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15]، وقد تقدم ذكر حديث «أمك ثم أمك ثم أمك».

وأما عقوق الوالدين فقد عدّه النبي -صلى الله عليه وسلم- من الكبائر؛ فعن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر)، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين...)» الحديث [رواه البخاري].
ولما كان بر الوالدين سببا لدخول الجنة، فقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من مغبة إضاعة الولد حقوق والديه فيوصد بعقوقه لهما هذا السبب، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه) قيل: من يا رسول الله؟ قال: (من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة)» [رواه مسلم].


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 48
الثلاثاء 25 ذو الحجة 1437 ه‍ـ

• لقراءة المقال كاملاً، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

من صفات علماء السوء [3/3] • خامساً: التأثُّر بالتخذيل والإرجاف والتهديد، والحَيْدة عن الحق ...

من صفات علماء السوء

[3/3]
• خامساً: التأثُّر بالتخذيل والإرجاف والتهديد، والحَيْدة عن الحق بسببه

وهذا أيضاً من صفات علماء السوء: الرجوع عن الحق بعد تيقُّنه وإظهار الباطل انصياعاً وخنوعاً لأهواء الطواغيت كي تسلم لهم دنياهم، فما أعظمها من جريمة! وما أشدَّها من خيانة!

كما في قصة بلعام بن باعوراء وهُوَ رجل من مَدِينَة الجبارين، لو اجتمع علماء السوء في زماننا كلهم ما بلغوا عُشْرَ علم بلعام، إذ قال ابن عباس -رضي الله عنهما- عنه: «وكان يعلم اسمَ الله الأكبر» [تفسير ابن أبي حاتم]، ما يشير إلى مرتبة عالية في العلم، وقال بعض السلف: «كان مُجاب الدعوة ولا يسأل اللهَ شيئا إلاّ أعطاه إياه...» ومع هذا فلما زاغ عن المنهج، وراغ عن الحق الأبْلج، شُبِّه بالكلب!

وذلك أن موسى -عليه السلام- لما نزل بالجبارين، أتى بلعامَ بنو عمه وقومه فقالوا: «إن موسى رجل جديد، ومعه جنود كثيرة وإنّه إن يظهر علينا يهلكنا، فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه»؛ قال: «إني إن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي»، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، فسلخ ما كان عليه [تفسير ابن أبي حاتم]، قال الله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} [الأعراف: 175-176].

فبلعام {أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} سكن إلى الدنيا وإلى ملذاتها، معرضاً عن آيات الله، حتى غلب عليه هواه كالكلب لاهثاً أبداً.

عن مجاهد قال: «مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل بما فيه» [تفسير الطبري]، وقال القرطبي: «وهذا المثل في قول كثير من أهل العلم بالتأويل عام في كل من أوتي القرآن فلم يعمل به» [تفسير القرطبي]، وما أكثرهم في زماننا.

وهذه بعض الصفات التي بيّنها الله تعالى لعلماء السوء ليفضحهم، ويذكّر عباده باجتنابهم، وعدم السماع منهم، أو الأخذ عنهم، ونجد أنه -سبحانه- ذكر وصفهم ولم يسمّهم بالعلماء رغم معرفتهم بأحكام الله، ولكنهم لما فقدوا الخشية من الله، وتركوا العمل بما عرفوا، لم ينفعهم علمهم، بل كان سببا في لعنهم في الدنيا والآخرة، ووصفهم بأبشع الأوصاف، وإدخالهم في نار جهنم، بل وجعل الله اتباع الأحبار والرهبان -وهم سلف علماء السوء المحرّفين لدين الله- وطاعتهم في كفرهم شركا أكبر مخرجا من الملة، كما قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31]، فلا يُعذر أحد في كفره بتقليده لعلماء الطواغيت، بل الواجب على كل إنسان أن يجتهد في طلب الحق والعمل به، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 48
الثلاثاء 25 ذو الحجة 1437 ه‍ـ

• لقراءة المقال كاملاً، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

من صفات علماء السوء [2/3] ثالثاً: الصّدّ عن سبيل الله إن عالم السوء بسلوكه طريق الضلال ...

من صفات علماء السوء

[2/3]
ثالثاً: الصّدّ عن سبيل الله

إن عالم السوء بسلوكه طريق الضلال والفساد يحرص أشد الحرص على أطر الناس على طريقه وصدهم عن طريق الحق، إذ يخشى أن يُكذِّب فعلُه قولَه إن أظهر للناس الآيات الشرعية دون تلبيس وتدليس، فيعمد إلى التحريف وليّ النصوص ليكون الأمر موافقاً لحاله وهواه، فلذلك تجده يصدّ الشباب عن الجهاد لأنه راكنٌ إلى الدنيا مفتونٌ بالقعود، ولأنه يخشى من الصدع بالحق تراه يلبّس الحق بالباطل ويجعل ذلك أصل دعوته؛ ويظهره على أنه عين الحكمة والكياسة، فلا هو أظهر الحق، ولا هو كتمه واكتفى، بل لبّس وألْبَس، وراغ ودلّس، فقال على الله بغير علم ليصد عن سبيل الله كما فعلت من قبل الأحبار والرهبان، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: ٣٤].

رابعاً: الحِرْصُ الشديد على الدنيا

ما ألجأ علماء السوء إلى إخفائهم الحق وتلبيسهم إلا حب الدنيا والحرص عليها، ولم يُلزمهم أحد أو يكرههم على النفاق والكذب على الله والكفر، بل حرصهم على وظائف الطواغيت ورواتبها أكثر ما تسبب لهم بذلك، فدافِعُ بعضهم هو الحرص على الجاه والقرب من السلاطين، وبعضهم غرّهم خروجهم في الشاشات وما يُعْطَونه مِن أعطيات! فثقُل عليهم الاحتجاب القسري عن الشهرة والأضواء بسبب كلمة حق! فآثَرَ أن يكتم مَا أَنزَلَ اللّهُ -مما لا يريد الطواغيت إظهاره للناس- واشترى به ثمناً قليلاً، وقد قال الله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: ١٧٤]، وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [آل عمران: ١٨٧]، وقال ابن القيم: «كل من آثر الدُّنْيَا من أهل الْعلم واستحبها فَلَا بُد أَن يَقُول على الله غير الحق» [الفوائد].

• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 48
الثلاثاء 25 ذو الحجة 1437 ه‍ـ

• لقراءة المقال كاملاً، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

من صفات علماء السوء [1/3] كنا قد بيّنّا في مقالة سابقة المفهوم الصحيح لمسمى أولي العلم وذكرنا ...

من صفات علماء السوء

[1/3]
كنا قد بيّنّا في مقالة سابقة المفهوم الصحيح لمسمى أولي العلم وذكرنا أهم الخصائص التي صاروا بها أئمة في الدين، وبان من خلال الشرع أن علماء السوء والضلالة لا يدخلون أبداً في زمرة العلماء مهما حفظوا وصنّفوا، ومهما ذاع صيتهم، بل هم أشبه باليهود الذين علموا ثم كتموا وما عملوا بل ودعوا إلى الضلال، ولكثرة علماء السوء في زماننا الذين دأبوا على تضليل عباد الله فلا بد من ذكر صفاتهم ليكون الناس على بينة من الأمر.

• أولاً: كتمان الحق

إنّ منْ غايات العلم بثّه وبيانه للناس لتعلّق هدايتهم ومصالحهم به، فكان كتمانه وعدم إظهاره من أعظم المحرمات، وأشد الموبقات، ولذلك أخذ الله الميثاق على كل من أعطاه الكتب وعلمه العلم، أن يبين للناس ولا يكتم ما يحتاجون إليه، قال الله تعالى: {وإذْ أخذ اللّه ميثاق الّذين أوتوا الْكتاب لتبيّننّه للنّاس ولا تكْتمونه فنبذوه وراء ظهورهمْ واشْتروْا به ثمنًا قليلًا فبئْس ما يشْترون} [آل عمران: ١٨٧].

فكان عالم السوء خائناً لدين الله كافراً بنعمة العلم متسببّاً في ضلال الناس، ولذلك قضى الله بلعنه، وجعل لعنة الناس عليه؛ لسعيه في غشّ الخلْق بكتْمان الحق عنهم، قال الله تعالى: {إنّ الّذين يكْتمون ما أنزلْنا من الْبيّنات والْهدىٰ من بعْد ما بيّنّاه للنّاس في الْكتاب أولٰئك يلْعنهم اللّه ويلْعنهم اللّاعنون} [آل عمران: 159].

وإنّ أعظم ما كتمه علماء السوء عن الناس، بيان حال الطواغيت وحكم الله فيهم، إذ قد أمرنا الله باجتناب الطواغيت والكفر بهم، وجعل هذا من أصل التوحيد والإيمان، فلما رأى الناس علماءهم المبرّزين يداهنون الحكام الطواغيت ويصمتون عن شركهم وفسادهم، بل يفتون بجواز الشرك للمصلحة، صار كثير منهم يؤمنون بالطواغيت، ويوالونهم، ويدخلون في دينهم، بل صاروا جنداً لهم، وسبب هذه الردّة كلها كتمان علماء السوء الحقّ ولبْسهم إياه بالباطل.

فالناظر إلى جزيرة العرب مثلاً يجد أن آل سلول ما تجرّؤوا على إظهار كثيرٍ من الكفر والفساد، وما اتّبعهم فئام من الناس على الردة إلا بسبب هيئة كبار العملاء وابن باز وابن عثيمين والفوزان وآل الشيخ المعاصرين وأمثالهم... وذلك بسبب كتْم هؤلاء الحق وعدم تبيينهم حال آل سلول للناس، بل زيادةً في التلبيس: وصفوهم بـ «ولاة الأمر»، وزعموا أنّهم أئمة شرعيّون!

وكتموا عن الخلق حكم المراسيم التشريعية الطاغوتية وحكم إقامة القواعد الصليبية في البلاد وحكم استحلال الربا... فانخدع كثير من الناس بهم، وضلّوا، وارتدوا، فكان لهم نصيب من وزر من تبعهم من الناس، دون أن ينقص من أوزار الأتباع شيئا.

وعين الحال في مصر فسبب ضلال الناس واتباعهم لحسني مبارك ثم السيسي هو شيوخ الأزهر ومدّعو «السلفية»، وكذا سبب ولوج الناس في شرك البرلمانات والانتخابات هم طواغيت الإخوان المرتدين وحزب الظلام، وهذه الصورة نجدها في سائر البلاد.

• ثانياً: التبديل والتحريف في الشرع

ومن سمات علماء السوء أنهم يبدّلون الشرع ويحرّفونه -إن لم يستطيعوا كتمانه- بتأويلات فاسدة للنصوص الشرعية، وصرْفها عن معناها الحق إلى معنى باطل، كما قال تعالى عن اليهود: {يحرّفون الْكلم عنْ مواضعه} [النساء: ٤٦].
ثم ينسبون هذا التحريف والتأويل الباطل إلى الله سبحانه، فهم يحرّفون المعاني المرادة من النصوص إلى معانٍ باطلة ويوهمون الناس أن هذا هو المراد من كتاب الله، فيكون لهم بذلك نفي المعنى الحق، وإثبات المعنى الباطل، وسلفهم في ذلك اليهود الذين دأبوا على نسبة تحريفهم النصوص لله تعالى، كما قال سبحانه: {وإنّ منْهمْ لفريقًا يلْوون ألْسنتهمْ بالْكتاب لتحْسبوه من الْكتاب وما هو من الْكتاب ويقولون هو منْ عنْد اللّه وما هو منْ عنْد اللّه ويقولون على اللّه الْكذب وهمْ يعْلمون} [آل عمران: 78].

فالنصوص الشرعية الآمرة بالجهاد دأب علماء السوء إلى تحريف معناها القتالي إلى معان أخرى، ليصرفوا الناس عن قتال الكفرة والمرتدين، وفوق ذلك ابتدعوا للجهاد معاني ما أنزل الله بها من سلطان، بل هي تناقض حقيقة الجهاد، كزعمهم أن الجهاد هو الانتساب إلى جيوش الطواغيت، أو الدخول في العملية الديموقراطية الشركية لمنافسة العلمانيين على منازعة الله في حكمه وتشريعه للأحكام، وغير ذلك من الأفعال المخرجة من الملة التي يحاول أولئك الملاعين إلصاقها بذروة سنام الإسلام.

وكذا النصوص الشرعية الآمرة بالصدع بالحق عمد علماء السوء إلى تعطيلها وعدم العمل بها زاعمين أن الله أمر بذلك! مستدلين بقوله سبحانه: {ولا تلْقوا بأيْديكمْ إلى التّهْلكة} [البقرة: 195].
مع أن المقصود بالتهلكة ترك الجهاد، كما بيّن ذلك الصحابي أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- إذ قال: «فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد» [رواه أبو داود]، فما أقْبح علماء السوء وما أقبح تلبيسهم!


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 48
الثلاثاء 25 ذو الحجة 1437 ه‍ـ

• لقراءة المقال كاملاً، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

السلطان محمود الغزنوي محطم الأوثان وناصر السنة (٢/٢) أما أعظم فتوحات هذا السلطان في تحطيم ...

السلطان محمود الغزنوي محطم الأوثان وناصر السنة

(٢/٢)
أما أعظم فتوحات هذا السلطان في تحطيم الأصنام وأعظمها أثرا هو هدمه لمعبود الوثنيين الأعظم الصنم (سومنات) سنة (416 هـ)، قال ابن الأثير في وصفه: «وهذا الصنم كان أعظم أصنام الهند، وهم يحجون إليه كل ليلة خسوف، فيجتمع عنده ما ينيف على مائة ألف إنسان... وكانوا يحملون إليه كل علق نفيس، ويعطون سدنته كل مال جزيل، وله من الموقوف ما يزيد على عشرة آلاف قرية».

ولم يكن ما دعا السلطان لتكلف المشقة في غزوه وهدمه هو ما فيه من مال وذخائر، ولكنه أراد قطع دابر عبادة الأصنام بهدم سيدها عند الهنود، قال ابن الأثير: «كان يمين الدولة كلما فتح من الهند فتحا، وكسر صنما يقول الهنود: إن هذه الأصنام قد سخط عليها سومنات، ولو أنه راض عنها لأهلك من تقصدها بسوء، فلما بلغ ذلك يمين الدولة عزم على غزوه وإهلاكه ظنا منه أن الهنود إذا فقدوه، ورأوا كذب ادعائهم الباطل، دخلوا في الإسلام فاستخار الله تعالى وسار عن غزنة عاشر شعبان من هذه السنة، في ثلاثين ألف فارس من عساكره سوى المتطوعة».

وأما الطريق للوصول إلى هذا الصنم فكان شاقا خطرا لأنه يقتضي عبور الصحراء، ولكن كل هذه المخاطر لم تثن عزم السلطان الموحّد عن هدم هذا الوثن. قال ابن الأثير: «فلما قطع المفازة رأى في طرفها حصونا مشحونة بالرجال، وعندها آبار قد غوروها ليتعذر عليه حصرها، فيسر الله تعالى فتحها عند قربه منها بالرعب الذي قذفه في قلوبهم، وتَسلَّمها، وقتل سكانها وأهلك أوثانها، وامتاروا منها الماء وما يحتاجون إليه»، وقد وصل السلطان إلى سومنات بعد قفار قطعها وأقوام حاربهم وحصون حاصرها، قال ابن الأثير: «فوصلها يوم الخميس منتصف ذي القعدة فرأى حصنا حصينا مبنيا على ساحل البحر بحيث تبلغه أمواجه، وأهله على الأسوار يتفرجون على المسلمين، واثقين أن معبودهم يقطع دابرهم ويهلكهم»، وهكذا هي عقلية عُبّاد الأوثان ولكن أنّى لهم الوقوف أمام جند التوحيد الذين يجاهدون في سبيل الله ليطهروا الأرض من رجس الشرك وأهله.

يروي لنا ابن الأثير تفاصيل المعركة، وصدمة الوثنيين بعدم تحريك معبودهم أي ساكن أمام من جاء يهدمه ويحطمه، وهم الذين عقدوا عليه الآمال وزعموا أن ما فني من أصنامهم بسبب غضب هذا المعبود عليه، لكونهم يؤمنون أن معبوداتهم تتقاتل فيما بينها، قال ابن الأثير: «فرأى الهنود من المسلمين قتالا لم يعهدوا مثله، ففارقوا السور فنصب المسلمون عليه السلالم، وصعدوا إليه وأعلنوا بكلمة الإخلاص، وأظهروا شعار الإسلام، فحينئذ اشتد القتال، وعظم الخطب وتقدم جماعة الهنود إلى سومنات، فعفروا له خدودهم، وسألوه النصر، وأدركهم الليل فكف بعضهم عن بعض، فلما كان الغد بكر المسلمون إليهم وقاتلوهم، فأكثروا في الهنود القتل، وأجلوهم عن المدينة إلى بيت صنمهم سومنات، فقاتلوا على بابه أشد قتال، وكان الفريق منهم بعد الفريق يدخلون إلى سومنات فيعتنقونه ويبكون، ويتضرعون إليه، ويخرجون فيقاتلون إلى أن يقتلوا، حتى كاد الفناء يستوعبهم، فبقي منهم القليل، فدخلوا البحر إلى مركبين لهم لينجوا فيهما، فأدركهم المسلمون فقتلوا بعضا وغرق بعض»، وأما مصير الصنم سومنات، «فأخذه يمين الدولة فكسره، وأحرق بعضه، وأخذ بعضه معه إلى غزنة، فجعله عتبة الجامع»، فأُهين الصنم أيّما إهانة بعد تحطيمه.

وقد غنم المسلمون في هذه الغزوة ما عوضوا به ما أنفقوه في جهادهم رزقا من الله -عز وجل- قال ابن الأثير: «وقيمة ما في البيوت تزيد على عشرين ألف ألف دينار، فأخذ الجميع، وكان عدد القتلى يزيد على خمسين ألف قتيل».

واستمر السلطان محمود الغزنوي في جهاده حتى توفاه الله –عز وجل- سنة (421 هـ)، وقد كان لعمله وجهاده في الهند -رحمه الله- أثر كبير في استقرار الإسلام في الهند قرونا طويلة، وكذلك كان لهدمه صنمهم سومنات أثر كبير على الوثنيين، ولم يتوقف حرص السلطان الغزنوي وجهاده في سبيل الله على قتال المشركين، بل كان أيضا سيفا مسلطا على رقاب المبتدعة والزنادقة الباطنيين، فقمع البدعة وأحيى السنة، وارتفع الأثر في عهده رحمه الله.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 50
الخميس 12 محرم 1438 ه‍ـ

• لقراءة المقال كاملاً، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد

السلطان محمود الغزنوي محطم الأوثان وناصر السنة (١/٢) إن كسر الأوثان وتحريقها صورة من صور الكفر ...

السلطان محمود الغزنوي محطم الأوثان وناصر السنة

(١/٢)
إن كسر الأوثان وتحريقها صورة من صور الكفر بالطاغوت حرص عليها الأنبياء من لدن خليل الرحمن إبراهيم -عليه السلام- وتبعه على ذلك كليم الله موسى -عليه السلام- في تحريقه لعجل بني إسرائيل المعبود، وكذلك خاتم النبيين محمد -عليه الصلاة والسلام- الذي حطّم أصنام العرب في مكة، وحرّق وهدّم اللات والعُزّة ومناة وهبل وغيرها من الأوثان، وعلى ذلك سار الصحابة والتابعون ومن سار على هديهم إلى يومنا هذا.
وإننا نجد في قصص السابقين مَن اتبع الأنبياء -عليهم السلام- جاعلا تحطيم أصنام المشركين أعظم هدف له في الحياة، فيسعى إليه، ويقاتل فيه، ويقطع للوصول إليه المفاوز، ويجتاز إليه المهالك، ومنهم الغازي محمود بن سبكتكين -رحمه الله- الذي لقبه الناس بمحطّم الأصنام لكثرة ما حطم منها، ولعظم الأصنام التي حطمها، وإن كانت هذه واحدة من مآثر كثيرة أخرى كنصرته للسنة وقمعه للبدعة وحرصه على وحدة صف المسلمين ببيعته للخليفة العباسي، وطاعته له.

ولد السلطان محمود بن سبكتكين في المحرم من سنة (360 هـ) في مدينة غزنة من أرض خراسان، وقد استقر له الحكم بعد وفاة أبيه سنة (387 هـ)، ثم تفرّغ بعدها لجهاد المشركين في الهند وتحطيم أصنامهم، ونشر الإسلام في بلادهم.

ففي سنة (396 هـ) سار السلطان محمود الغزنوي إلى قلعة (كواكير) وكان بها ستمائة صنم للوثنيين، فافتتحها وأحرق الأصنام فيها [انظر: الكامل لابن الأثير].

وفي سنة (398 هـ) عاد الغزنوي مجددا ليغزو بلاد الهند، قال ابن الأثير: «فانتهى إلى شاطئ نهر هندمند، فلاقاه هناك إبرهمن بال بن إندبال في جيوش الهند، فاقتتلوا مليا من النهار وكادت الهند تظفر بالمسلمين، ثم إن الله تعالى نصره عليهم، فظفر بهم المسلمون فانهزموا على أعقابهم، وأخذهم المسلمون بالسيف، وتبع يمين الدولة أثر إبرهمن بال، حتى بلغ قلعة بهيم نغر، وهي على جبل عال كان الهند قد جعلوه خزانة لصنمهم الأعظم... فلما رأى الهنود كثرة جمعه، وحرصهم على القتال، وزحفهم إليهم مرة بعد أخرى، خافوا وجبنوا، وطلبوا الأمان، وفتحوا باب الحصن، وملك المسلمون القلعة، وصعد يمين الدولة إليها في خواص أصحابه وثقاته، فأخذ منها من الجواهر ما لا يُحدّ، ومن الدراهم تسعين ألف ألف درهم شاهية»، فأذل الله المشركين وطواغيتهم، وكُسرت الأوثان والأصنام، وغنم المسلمون ما كان يُنذر لصنم الهند الأعظم من المعادن والجواهر.
وكذلك فعل السلطان الغزنوي سنة (400 هـ) إذ سار في بلاد الهند مستبيحا لها منكسا وهادما للأصنام فيها، وفي سنة (405هـ) سار السلطان لغزو (تانيشر) كما سماها ابن الأثير أو (تهانسير) كما تسمى اليوم، قال ابن الأثير: «فلما قاربوا مقصدهم لقوا نهرا شديد الجرية، صعب المخاضة، وقد وقف صاحب تلك البلاد على طرفه، يمنع من عبوره، ومعه عساكره وفيَلته التي كان يدل بها. فأمر يمين الدولة شجعان عسكره بعبور النهر، وإشغال الكافر بالقتال ليتمكن باقي العسكر من العبور، ففعلوا ذلك، وقاتلوا الهنود، وشغلوهم عن حفظ النهر، حتى عبر سائر العسكر في المخاضات، وقاتلوهم من جميع جهاتهم إلى آخر النهار، فانهزم الهند، وظفر المسلمون، وغنموا ما معهم من أموال وفيلة».

وقد ذكر بعض المؤرّخين أن ملكا من ملوك الهند عرض على السلطان الكفّ عن هدم أوثانهم ومعابدهم، قائلا: «أعلم أن ذلك شيء تتقربون به إلى ربكم، ولكن أما كفاكم ما تقربتم به من هدم الأصنام والمعابد، لا سيما في قلعة نكركرت؟» ووعده ببذل الأموال الكثيرة له، فأبى السلطان ذلك ورفض ما عنده وبيّن أن قتالهم هو لإعلاء كلمة الله ولنيل رضوانه، لا من أجل الدنيا الفانية، ثم أسرع السلطان إلى المعبد ليُحطّم أصنامهم، إلا صنما واحدا، أخذه معه ليُداس في بلده.

وفي سنة (407 هـ) كان من جملة فتوحات السلطان وصوله إلى معبد من أحصن الأبنية، قال ابن الأثير: «ولهم به من الأصنام كثير، منها خمسة أصنام من الذهب الأحمر المرصع بالجواهر، وكان فيها من الذهب ستمائة ألف وتسعون ألفا وثلاثمائة مثقال، وكان بها من الأصنام المصوغة من النقرة نحو مائتي صنم، فأخذ يمين الدولة ذلك جميعه، وأحرق الباقي، وسار نحو قنوج... وأخذ قلاعها وأعمالها، وهي سبع على الماء المذكور، وفيها قريب من عشرة آلاف بيت صنم، يذكرون أنها عملت من مائتي ألف سنة إلى ثلاثمائة ألف كذبا منهم وزورا، ولما فتحها أباحها عسكره».


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 50
الخميس 12 محرم 1438 ه‍ـ

• لقراءة المقال كاملاً، تواصل - تيليغرام:
@wmc111at
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
14 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً