اغتنم غِناك قبل فَقْرك [1/2] الحمد لله رب العالمين، بديع السماوات والأرض ذي القوة المتين، ...

اغتنم غِناك قبل فَقْرك
[1/2]

الحمد لله رب العالمين، بديع السماوات والأرض ذي القوة المتين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد...

فإن مما يكبح جماح النفس وطلبها للدنيا وملذاتها وزخرفها هو القناعة برزق الكفاف، والرضى بما يعطي الله -تعالى- بحكمته لعباده الصالحين، ورزق الكفاف هو الذي يكون بقدر الحاجة، فلا يفضل منه شيء، فإن من قنع بهذا الرزق قد حاز الغنى الحقيقي، غنى النفس عن طلب الدنيا التي يتصارع عليها الناس ويتركون دينهم لأجلها، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (قد أفلح من أسلم، ورُزِق كفافا، وقَنَّعه الله بما آتاه) [رواه مسلم]، فلا نعمة أعظم من نعمة الإسلام، ثم رزق الكفاف والقناعة به.

• الغنى غنى النفس

إن كثيرا من الناس يرى أن الغنى إنما يكون بالثروات والكنوز والأموال، وهذا وإن كان صحيحا بمنظور عموم أهل الدنيا ألا أن الشريعة تنظر لمعنى الغنى بمنظور آخر، وهذا المعنى هو الذي يحقق السعادة الحقيقية لدى من يحمله، إنه غنى النفس، وهذا المعنى تجده في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس) [متفق عليه]، وفي الحديث إشارة إلى أن الإنسان قد يكون لديه مال ولكنه يطمع في تكثير ما عنده ويفني حياته في شهوة تحصيل الزيادة منه، ومثل هذا لا يكون غنيا بما عنده ولم يغتنم غناه لمرضاة ربه وإنما لمرضاة نفسه التي لا تشبع من زيادة المال واللهث وراء الدنيا.

وهذه هي طبيعة الإنسان، كما أخبر الله -تعالى- في كتابه: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8]، أي لحب المال لشديد، وكما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فعن أنس بن مالك، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب) [متفق عليه].

فلا ينجو من هذا الوصف إلا المسلم الكيِّس الفطن الذي يرى قرب منيته وحدوث رزيته، فيتفكر في عذاب الله وعقابه لو اشتغل بالدنيا عن طاعته، ويتفكر فيما أعده الله له من خير لو أغنى نفسه عن مزيد الدنيا واشتغل بطاعة الله وطلب جنته، واشتغل بطلب المزيد في الآخرة فلا يسعى لتلك الفتنة التي قد تورده المهالك، ولكن حين ينعم اللهُ عليه بالمال فإنه يعده من الابتلاء الذي يختبر به، ومن يعتقد هذا فسيغتنم غناه ويبقى غني النفس على كل حال فيشتري الجنة بتلك الكنوز وينفقها في سبيل الله

• أولئك هم المؤمنون حقاً

وهكذا هم الأغنياء، فريقان؛ فريق بخلوا عن نصرة دين الله والإنفاق في سبيله وكنزوا الذهب والفضة وهؤلاء هم الذين لا يؤدون زكاة أموالهم فضلا عن أن يتصدقوا، قال الله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران: 180]، وفريق اشتروا الجنة بأموالهم، واتبعوا رضوان الله -تعالى- الذي اعتبر صدقتهم قرضا حسنا فضاعفه لهم أضعافا كثيرة فكان الإنفاق هو صفة أهل الإيمان كما أن البخل صفة أهل النفاق، قال الله -تعالى- مادحا المؤمنين: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 3 - 4].



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 92
الخميس 10 ذو القعدة 1438 ه‍ـ
...المزيد

اغتنم غِناك قبل فَقْرك [2/2] • أبقيت لهم الله ورسوله ولو أمعن المسلم النظر في أفعال الصحابة ...

اغتنم غِناك قبل فَقْرك
[2/2]

• أبقيت لهم الله ورسوله

ولو أمعن المسلم النظر في أفعال الصحابة -رضي الله عنهم- لرأى في ذلك العجب العجاب، ولأدرك حقيقة اغتنام الغنى قبل الفقر، ومنهم الصديق أبو بكر وأبو حفص عمر، وإليك أخي هذه الرواية التي تظهر صورة التنافس والتسابق إلى شراء الجنة بالمال قبل أن يفنى وتضيع الفرصة، فعن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: "أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نتصدق فوافق ذلك عندي مالا، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أبقيت لأهلك؟) قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: (يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟) قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسبقه إلى شيء أبدا" [رواه الترمذي وأبو داود].

إن هؤلاء الصفوة علموا أن الدنيا تتقلب بأهلها فالغني قد يصبح فقيرا والفقير غنيا وأن الفرصة قد تفوت، فاغتنموا غناهم قبل فقرهم واشتروا الجنة بأموالهم وأنفسهم، وضؤلت في أعينهم كل كنوز الدنيا حين رضوا بالكفاف وطلبوا مرضاة ربهم وجنته حتى أتتهم الدنيا راغمة، وبشرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة وهم أحياء يمشون على الأرض فهنيئا لهم ولمن اتبعهم وهنيئا لمن اقتدى بهم واغتنم غناه قبل فقره.

• ربح البيع أبا يحيى

ومن الصحابة من أنفق كل ماله ليكمل طريق هجرته إلى الله ورسوله، فقد أدرك المشركون صهيب بن سنان -رضي الله عنه- في طريق هجرته فدلهم على ماله على أن يخلوا سبيله ففعلوا، قال صهيب رضي الله عنه: "فلما رآني -أي رسول الله، صلى الله عليه وسلم- قال: (يا أبا يحيى، ربح البيع) ثلاثا، فقلت: يا رسول الله، ما سبقني إليك أحد، وما أخبرك إلا جبريل، صلى الله عليه وسلم" [رواه الطبراني].

ومن يتأمل حال الناس اليوم فإن كثيرا منهم لا يجمع المال لينفقه في سبيل الله ويجعله وسيلة إلى الله وجنته، بل يجمع المال ليعيش في دنيا دنية، وسعادة باطنها الشقاء، وملذات عجلت لصاحبها في الدنيا في ديار الكفر، فطوبى لمن اغتنم غناه قبل فقره فاقتدى بهذا الصحابي الجليل، وطوبى لكل مهاجر اقتدى بصهيب فترك المال ومصالح الدنيا وهاجر في سبيل الله إلى دار الإسلام، وتعسا لكل منتكس اشترى بغناه ذل العيش عند الكفار وأعداء الدين.

ومن الصحابة الأغنياء المنفقين في سبيل الله عثمان بن عفان، رضي الله عنه، فعن عبد الرحمن بن سمرة، قال: جاء عثمان إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بألف دينار، قال الحسن بن واقع: وكان في موضع آخر من كتابي، في كمه، حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجره. قال عبد الرحمن: فرأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقلبها في حجره ويقول: (ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم) مرتين، [رواه الترمذي في سننه وأحمد في فضائل الصحابة].

تفكر في نفسك لو أنك أنفقت ما أنفقت وقيل لك ذلك فلا شك أنك حينها قد ملكت الدنيا بأجمعها، ومع ذلك لم يدع هذا الصحابي الجليل الإنفاق في سبيل الله، بل لم يترك فرصة للإنفاق إلا واغتنمها، وهذا هو فعل الأبرار طلاب الدرجات العلا من الجنة، وهذا هو اغتنام فرصة الغنى في وقت الحاجة والعسرة، التي قد تفوت بضياع المال والفقر، فاغتنم غناك

• وأعينهم تفيض من الدمع حزناً

أيها المقتدي بالصحابة قبل فقرك، فإن فقراء الصحابة كانوا يبكون على ضياع فرصة الجهاد بالمال أو النفس لأنهم لا يملكون مؤنة ذلك، قال الله تعالى عنهم: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة: 92].

قال الإمام الطبري رحمه الله: "ولا سبيل أيضاً على النفر الذين إذا ما جاءوك، لتحملهم، يسألونك الحُمْلان، ليبلغوا إلى مغزاهم لجهاد أعداءِ الله معك، يا محمد، قلت لهم: لا أجد حَمُولةً أحملكم عليها {تَوَلَّوْا}، يقول: أدبروا عنك، {وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا}، وهم يبكون من حزن على أنهم لا يجدون ما ينفقون، ويتحمَّلون به للجهادِ في سبيل الله" [جامع البيان].

أناس بكوا لأنهم ما وجدوا نفقة في سبيل الله لجهاد الكفار، وأناس اليوم في زماننا يبكون على المال ويعيشون في كنف الكفار والطواغيت، أناس اغتنموا فرصة غناهم قبل فقرهم على أحسن حال، وأناس استخدموا غناهم في سخط الله تعالى، فشتان بين من يسخط الله ومن يرضيه، وشتان شتان بين منزلة هذا وذاك عند الله تعالى، {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى: 7]، والحمد لله ولي الصالحين، وصلِّ اللهم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه الهداة المهتدين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 92
الخميس 10 ذو القعدة 1438 ه‍ـ
...المزيد

حرص الأنبياء على دين أهلهم الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد: فقد ...

حرص الأنبياء على دين أهلهم


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد:

فقد ظل الأنبياء دعاة إلى دين الله -سبحانه- ليلا ونهارا، سرا وعلانية، ليؤدوا أمانة البلاغ التي أوكلها الله لهم، فما من نبي إلا قال لقومه: {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} [الأعراف: 68]، وقد كان لأهليهم نصيب من دعوتهم، فإن الأنبياء يحرصون على ذلك في حياتهم وحينما يحضرهم الموت، تلك الوصايا لم تكن وصية ميراث أو قطيعة رحم أو حرص على دنيا حقيرة فانية، حاشاهم، لكنها وصية الاستسلام لله بالتوحيد ونبذ الشرك، لأن بها خلاص الرقاب من النار، وبها دخول جنة العزيز الغفار، ولنا أن نتساءل: كم من الآباء اليوم يحرصون على سلامة ذريتهم في الآخرة؟ وكم منهم آثر الفانية على الباقية؟ فهل من كانت له وصية كان فيها حظ من وصايا الأنبياء لأبنائهم؟ وهل قرأ الآباء قول الله تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [البقرة: 130 - 133]؟.

أسلم واستسلم إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- لله رب العالمين بقلبه وجوارحه، فكان إماما للموحدين، ومن هديه أنه وصَّى أبناءه ألا يموتوا إلا على الإسلام، الإسلام الذي يعني الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله، وتأمل حرص ذريته من الأنبياء على تلك الوصية، فمن ذريته حفيده نبي الله يعقوب بن إسحاق -عليهما السلام- النبي الحريص الذي وصَّى أبناءه بوصية جده إبراهيم، وعندما حضره الموت سألهم عن عبادتهم ومن يعبدون من بعده إذا توفاه الله تعالى، فكان جواب الأبناء أنهم موحدون يصرفون العبادة لله وحده، فأين هذا بين الآباء والأبناء اليوم وأين الاقتداء بهدي أولئك الأنبياء الأطهار، ولا غرابة أن يوسف الصديق -عليه السلام- بن يعقوب -عليه السلام- كان على تلك الطريقة العظيمة وهو القائل في دعوته لأهل السجن: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 40]، حيث قرر أن صرف التحاكم لغير الله شرك بالله تعالى، ولذلك أثَّرت دعوة الأنبياء في مصر وانتشرت على نطاق واسع في عهد يوسف -عليه السلام- وهذا يفسر اضطهاد فرعون مصر لذرية يعقوب بعد انتزاع فرعون الحكم من الملوك الرعاة المسلمين بني إسرائيل، فقد كان حكم فرعون يقوم على أساس وثني مناقض لتوحيد الألوهية والربوبية، وشرع الأنبياء يقوم على نقض ربوبية الطواغيت وحكمهم، وهذه هي العقيدة التي حرص نبي الله إبراهيم ونبي الله يعقوب أن يعلموها أبناءهم ويوصوهم بها عند موتهم.

ولو تأملنا آيات القرآن الذي فيه الهدى والنور وشفاء الصدور، لوجدنا من تلك الوصايا العظيمة وصية لقمان الحكيم لابنه، فأمعِن فيها النظر، وخُذ الدروس والعبر، قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].

إنها وصية بليغة في وصف الشرك من الأب الحكيم لابنه، فيها نهي عن الشرك بالله لأنه أقبح ذنب وأعظم ظلم، كيف لا يكون ظلما في حق الله سبحانه، والله -جل في علاه- خلق الخلق ودَبَّر أمورهم ورزقهم وأحياهم ثم يميتهم ثم إليه يرجعون، وبعدها يشركون به، ويعبدون طواغيت الحكم والتشريع والمتابعة، ويعبدون القبور والأوثان ويصرفون لهم أنواع العبادة، فكم من الآباء اليوم يحرصون على سلامة أبنائهم من الشرك وسوء عاقبته ولزوم الجماعة ودار الإسلام؟ وكم منهم حرص على سلامتهم من القتل بزعمه فحذَّرهم من الجهاد، ولم يحرص على عاقبة أمرهم وأوردهم المهالك، فنأى بهم إلى ديار الكفر فعرَّضهم لفساد دينهم؟ هل تفكر الآباء الذين يقرؤون القرآن بتلك الوصايا وهل أدرجوها في ثنايا وصيتهم، أم خلت تلك السطور، من ذلك العلم الجليل المأثور؟ هل يجمع الآباء الأموال ويبنون الدور، ويقيمون على التجارة ويشيدون الرياض والقصور، ثم يكتبون وصاياهم لأبنائهم في الحرص على هذا الحطام، أم يكتبون لهم وصايا الأنبياء أولي العزم الكرام؟إن كثيرا من الناس قد وقع في ظلم أبنائه وزوجته فلم يوف ما بذمته من حق تجاههم، حق البلاغ الذي أداه الرسل لأزواجهم وذرياتهم، فإن أعظم الظلم للزوجة والذرية ليس في التقصير في حقوقهم الدنيوية، بل إن أعظم الظلم في حقهم هو تركهم يجهلون أمر دينهم وعدم دعوتهم لمعرفة وفهم ما أوجبه الله عليهم في ركن الإسلام الأول، وهو ركن الشهادتين الأعظم، الذي يتضمن الإيمان بالله وتوحيده والكفر بالطواغيت، والإيمان بنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- ومتابعة شرعه وعدم تقديم الشرائع على شريعته وما جاء به من النور والهدى من عند الله، بل الأدهى من ذلك أن الآباء قد جهلوا أمر دينهم ولم يرفعوا عن أنفسهم الجهل في ظل نور الشريعة وقوة أهل الحق، بل إن كثيرا من الآباء يصدون أبناءهم عن الحق واتباع الهدى مع أن أهله مهتدون يدعونه للخير، فمن كان هذا حاله فإن أمره إلى خسار وبوار، فالفوز والبشارة ليست لمن صم أذنه عن سماع التوحيد، ولم يكفر بأهل الشرك والتنديد، بل البشارة والهداية لمن قال الله تعالى فيهم: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 17 - 18].

إن الله -تبارك وتعالى- أثنى على أنبيائه بصفات كثيرة، كل ذلك لنقتدي بهم ونتخلق بأخلاقهم، ومنهم النبي إسماعيل -عليه السلام- الذي أثنى الله –تعالى- عليه وعلى دعوته لأهله، حيث تجد صورة الأب الحريص والنبي الداعية لأهله فيسعى أن يكون أهله معه من سكان منزله في الجنة، فكان يحرص على أدائهم صلاتهم وزكاتهم وهي أعظم الأركان بعد ركن الشهادتين، قال الله -تعالى- عنه: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم: 54 - 55].

وليرجع كل أب ويتفكر ماذا قدم لأهله من النصح بالتزام التوحيد والكفر بالطاغوت والقيام في طاعة الله -تعالى- اقتداء بسيرة أولئك الأنبياء المهتدين، فهنيئا لكل أب موحد قاد أهله إلى الاستقامة والهدى، ولم يترك أهله تائهين سدى، فشتان بين من دخل النار وخسر نفسه فهو وحيد بلا أهل في النار، وبين من دخل الجنة هو وزوجه وذريته والملائكة يدخلون عليهم بالسلام من كل باب، يهنئونهم بما عملوا من الصبر والثبات على أمر الله تعالى، فنعم عقبى الدار.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 92
الخميس 10 ذو القعدة 1438 ه‍ـ
...المزيد

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ: (إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعدُه بالغداة والعشي، إن كان ...

عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ: (إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعدُه بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدك، حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة).

[متفق عليه]
...المزيد

من مقتضيات إجَابَةِ الدُّعَاءِ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله: ذَكَرَ الرجل يُطيل ...

من مقتضيات إجَابَةِ الدُّعَاءِ

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله: ذَكَرَ الرجل يُطيل السفر أشعث أغبر، يمدُّ يديه إلى السَّماء: يا رب يا رب ومطعمُه حرام، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام، فأنّى يُستجاب لذلك؟!) [مسلم]

"هذا الكلام أشار فيه ﷺ إلى آداب الدعاء، وإلى الأسباب التي تقتضي إجابته، وإلى ما يمنع من إجابته، فذكر من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة:

- أحدهما
إطالة السفر، والسفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء، كما في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: (ثلاثُ دعواتٍ مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوةُ المسافر، ودعوةُ الوالد لولده). ومتى طال السفر، كان أقرب إلى إجابة الدعاء؛ لأنه مظنة حصول انكسار النفس، والانكسار من أعظم أسباب إجابة الدعاء.

- الثاني
حصولُ التبذُّل في اللِّباس والهيئة بالشعث والاغبرار.

- الثالث
مدُّ يديه إلى السَّماء، وهو من آداب الدُّعاء التي يُرجى بسببها إِجابته.

- الرابع
الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو مِن أعظم ما يُطلب به إجابةُ الدعاء"

[جامع العلوم والحكم - لابن رجب الحنبلي رحمه الله]


◽ المصدر: إنفوغرافيك صحيفة النبأ – العدد 473
الخميس 11 جمادى الآخرة 1446هـ
...المزيد

تدجين وتجنيد! وفي سياق النضج الجاهلي لم يغب عن هؤلاء الوطنيين وهم يشرحون معالم "سوريا المستقبل" ...

تدجين وتجنيد!

وفي سياق النضج الجاهلي لم يغب عن هؤلاء الوطنيين وهم يشرحون معالم "سوريا المستقبل" أن يُظهروا تمايزهم عن الدولة الإسلامية مع أن هذا التمايز لا تخطئه العين، لكنهم حريصون على تذكير المعنيين بأنهم على منهاج النظام الدولي ومواثيقه الجاهلية! وليسوا بحال على منهاج النبوة الذي يكلفهم الكثير.

على النقيض تماما، من سلوك دول الكفر المتلائم مع "الجهاديين المدجنين"؛ تقاطرت نفس هذه الدول الكافرة على إعلان خشيتها وتكرار تحذيراتها من استغلال الدولة الإسلامية للأحداث الجارية، وفي هذا السياق نفسّر سلسلة الغارات الكثيفة التي شنها التحالف الصليبي على مواقع الدولة الإسلامية في "وسط سوريا" قبيل الحدث بأسابيع قليلة، ثم كررها تزامنا مع الحدث رغم بعد "الوسط" عن حدود دويلة يهود.

ولأن التحليلات تصيب وتخطىء، ولأن التقلبات والمتغيرات السياسية لا تهدأ؛ فإن من سياسة (النبأ) ربط المسلمين بالعقائد والمناهج فإنها لا تتبدل بمرور الأيام ولا بتغير الأحداث لأن ميزان الشرع ثابت، خلافا لسياسة الحركات والأحزاب الجاهلية ومناهجها المتغيرة.

في البعد الإيماني للحدث، ظهر تدبير اللطيف الخبير وحكمته البالغة في دفع هؤلاء الشركاء المتشاكسين بعضهم ببعض، ما نتج عنه فكاك أسارى المسلمين بعد سنوات طويلة من التعذيب في سجون "الأقلية" النصيرية، وإن كانت الصورة التي جرى عليها الحال، لم تحقق للمسلمين شفاء وثأرا تاما من أئمة الكفر وجزاري النظام النصيري، لحكمة قدرها الله تعالى، ولعل شفاء صدور المؤمنين والمؤمنات واكتمال فصول ثأرهم يكون على أيدي الأُسد الغضاب الذين يعاقبون المعتدي بأحكام الشريعة لا أحكام الدستور، فلا تأخذهم في الله لومة لائم سلفهم محمد ﷺ وصحبه {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}.

في السياق المنهجي، أظهرت الأحداث الأخيرة مجددا تشوّه مفهوم "التحرير" عند العامة والخاصة، فيوم سقطت المناطق في أيدي المليشيات الكردية قالوا تحررت! ويوم سقطت في أيدي النصيرية قالوا تحررت! ويوم سقطت في أيدي الصحوات التركية أو الأمريكية قالوا تحررت! والقاسم المشترك بين هذه الحالات المتباينة هو انحياز الدولة الإسلامية منها بعد أن حكمتها بالشريعة الإسلامية، فهل "التحرر" عند هؤلاء هو التحرر من حكم الإسلام؟!

إن التحرير يعني أن يعلو المكان والإنسان أحكام الشريعة الإسلامية، فتحكم المسلم في أقواله وأفعاله، بل حتى في حبه وبغضه وموالاته ومعاداته، وبالنظر إلى واقع الشام، فلا شك أن التحرير بمفهومه الشرعي ما يزال مفقودا.

وعليه، فمن كان خلافه مع الأسد وعائلته وحاشيته وصورته وتمثاله، فقد انتهت ثورته، ومن كان خلافه مع نظام مرتد يقوم على تعطيل الشريعة والاحتكام للمجالس الانتخابية والدساتير الكفرية وحماية المراقد الوثنية وموالاة الكافرين دولا وأقليات، بحجة "العلاقات الدولية" و"التنسيق الوطني"، فإن المشكلة ما زالت قائمة، بل ستتفاقم، ولذلك سيتواصل الجهاد على ثرى الشام لأن غايته سيادة الشريعة ونبذ الشرك، أما الثورة فتتوقف عند حدود صناديق الاقتراع؛ {وَمَنْ كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا}.


◽ المصدر: صحيفة النبأ – العدد 473
الخميس 11 جمادى الآخرة 1446هـ

مقال:
تدجين وتجنيد!
...المزيد

تدجين وتجنيد! لم تعد هناك حاجة مُلحة إلى تجنيد ميليشيات جديدة لحرب المجاهدين، فقد وصلت أساليب ...

تدجين وتجنيد!

لم تعد هناك حاجة مُلحة إلى تجنيد ميليشيات جديدة لحرب المجاهدين، فقد وصلت أساليب "مكافحة الإرهاب" إلى مرحلة متقدمة يتم فيها احتواء وتدجين "جهاديين سابقين" للقيام بالمهمة، بما يضمن مصالح النظام الدولي الكفري، ويشبع رغبة المفتونين بالحكم، رأينا ذلك في نسخ عديدة أبرزها "حكومة طالبان" وأحدثها "حكومة الإنقاذ" وكلاهما دخل القصور الرئاسية بموافقة الجهات المعنية.

وكنا طرحنا قبل سنوات أن سبب عدم سقوط النظام النصيري "رسميا" رغم سقوطه "فعليا"، هو "غياب البديل"! لأن البديل كان آنذاك إما الدولة الإسلامية، أو الفوضى العارمة التي تهدد أيضا حدود اليهود، ولذلك حالت الجهود "الأمريكية اليهودية الروسية الإيرانية" مجتمعة دون إسقاطه، لكن يبدو أنه خلال هذه السنوات وعبر "إستراتيجية التدجين"، تم إنضاج البديل على نار هادئة بعد أن صنع من مقره في "إدلب" نسخة مصغرة لشكل "سوريا المستقبل" وصدّر صورة مقبولة دولية لنظام وطني "غليظ" مع الأكثرية المؤمنة "رقيق" مع "الأقلية" الكافرة.

تدجين وترويض هذه الهيئات يتم عبر مسارات طويلة في أقبية مراكز الدراسات والاستخبارات، تمر بعمليات فحص واختبارات عديدة للتأكد من مدى جدية وتفاني هذه الهيئات في محاربة الجهاد وهدم العقيدة!، وتستمر في ذلك السقوط حتى تصل إلى "مرحلة نضج" تمكّنها من استلام التكاليف الحكومية الأمنية أو الإدارية، كما رأينا مؤخرا في سوريا ومن قبل في أفغانستان.

وبناء عليه، توالت تصريحات مسؤولين يهود وأمريكيين وروس وإيرانيين وغيرهم حول "فتح قنوات اتصال" مباشرة وغير مباشرة مع "المعارضة السورية!" بعد تسلّمها الحكم خلفا للنظام النصيري، هذه الاتصالات لم تكن وليدة اللحظة الثورية، فلم يستيقظ قادة هذه الدول على أخبار سقوط المدن والبلدات بسرعة الآليات! ليقولوا يا للهول!، لقد سقط الأسد! علينا أن نتصل بقادة المعارضة الآن! وأن ننسق معهم قبل فوات الأوان! ليس هذا ما حدث، إن ما حدث عملية إبدال مدروسة للنظام النصيري بنظام جديد يحارب الشرع بـ"الشرع!".

أما عن أسباب إذعان الحركات الجهادية إلى هذا المسار الجاهلي، ولماذا تنكث غزلها وتنقلب على أعقابها؟! فالأسباب والتفسيرات كثيرة طويلة طول مسارات الحرب على الجهاد التي ترعاها قوى الكفر، لكن لعل أبرزها: وصول هؤلاء "الجهاديين المدجنين" إلى نتيجة حاسمة أنه لا جدوى من سلوك سبيل الجهاد في إحداث التغيير المنشود، لأنهم سيصطدمون بكل قوى الكفر العالمي وسيدفعون أثمانا كبيرة لم تطقها قلوبهم المريضة ولا نفوسهم المروّضة فيجنحون إلى مداهنة ومسايرة الجاهلية الدولية بدلا من مصادمتها ومفاصلتها، وصارت تلك عندهم حنكة ونضجا بعد أن كانت ردة وخيانة ونكوصا.

ولذلك بعد 13 عاما من "الجهاد الثوري" في الشام، أصبح الولاء والبراء "طائفية" وفُسّرت الثورة بأنها "قتال اضطراري" ضد "أسرة حاكمة" متسلطة رفضت الحوار وتقاسم السلطة! وليست حربا دينية ضد نظام نصيري كافر حتى بدون "صيدانيا" ومشتقاته، ولذلك خلت خطابات "مهووس السُّلطة واللَّقطة" من وصف النظام بــ"النصيري" خشية أن تُحسب عليه! وهو ما لا يقبله رعاة النظام الجديد ولا دستورهم الجاهلي المزمع تفصيله قريبا ليناسب مقاس "سوريا المستقبل" مع قرب أفول حدود "سايكس - بيكو" وبروز حدود "نتنياهو - ترامب".


◽ المصدر: صحيفة النبأ – العدد 473
الخميس 11 جمادى الآخرة 1446هـ

مقال:
تدجين وتجنيد!
...المزيد

الحمو الموت • الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: روى ...

الحمو الموت

• الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

روى البخاري ومسلم عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- حديثا عظيما، وهو أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حذر تحذيرا شديدا من اختلاط الرجال بالنساء ومن التقارب بين الجنسين، وشدد أكثر على مسألة جلوس الزوجة مع أخ الزوج أو قريبه، فقال: (إياكم والدخول على النساء)، قال رجل: «أفرأيت الحمو؟» قال: (الحمو الموت).

قال النووي في رياض الصالحين: «الحمو قريب الزوج كأخيه وابن أخيه وابن عمه».

وقال النووي أيضا: «وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (الحمو الموت)، فمعناه أن الخوف منه أكثر من غيره، والشر يتوقع منه، والفتنة أكثر لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة من غير أن يُنكَر عليه بخلاف الأجنبي، والمراد بالحمو هنا: أقارب الزوج، غير آبائه وأبنائه، فأما الآباء والأبناء فمحارم لزوجته تجوز لهم الخلوة بها ولا يوصفون بالموت، وإنما المراد الأخ وابن الأخ والعم وابنه ونحوهم ممن ليس بمحرم، وعادة الناس المساهلة فيه ويخلو بامرأة أخيه فهذا هو الموت وهو أولى بالمنع من الأجنبي لما ذكرناه».

ولا ريب أن قريبات الزوجة أيضا فتنة للزوج فتحرم الخلوة بهن وأن يتركن الاحتجاب منه لأن النساء أعظم فتنة على الرجال كما قال صلى الله عليه وسلم: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) [متفق عليه].

ولا يصح أن يتذرع الرجل أو المرأة بالحرص أو العفة ونحو ذلك فقد وصف الله الإنسان بأنه ضعيف {وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا} فقد يُقال لنا إن فلانا من الأقارب مأمون الجانب معروف بالأدب والعفة، فنقول: ينبغي أن نسلّم ألّا أحد معصوم من الشيطان، وأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم حتى لو كان هذا الرجل صالحا، فإن للشيطان مداخل وحيلًا كثيرة، ينبغي لمن أراد صيانة نفسه وعرضه أن يتأمل فيها ويتجنب القرب منها.

ولذلك سد الشارع كل الطرق التي قد تساعد في الوصول إلى الحرام؛ فحرّم على المرأة أن تتبرج وأن تخضع في القول للأجانب وأن تتعطر عند خروجها من بيتها وغير ذلك، لأن ذلك مدعاة ومُحسّن ومقرّب إلى المحظور و(من حام حول الحمى يوشك أن يرتع فيه) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لا يخلونّ رجل بامرأة إلا مع ذي محرم) [متفق عليه]، وقال صلى الله عليه وسلم: (ألا لا يخلونّ رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان) [رواه الترمذي]، وقال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس بينها وبينه محرم) [رواه الإمام أحمد].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «كان عمر بن الخطاب يأمر العُزاب ألا يسكنوا بين المتأهلين، وألا يسكن المتأهل بين العزاب، وهكذا فعل المهاجرون لما قدموا المدينة على عهد النبي، صلى الله عليه وسلم» وما هذا إلا خوف الفتنة، وهو المجتمع النقي الطاهر الديّن العفيف، رضي الله عنهم ورحمهم.

فعلى المسلم أن يحذر كل الحذر من هذا المنكر ويدفعه عنه كما يدفع النار أن تحرقه، وحرقٌ أعظم من حرق، فحرق الجسد أخف من حرق الدين والعرض والمروءة، و(من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) [رواه مسلم]، فانظر أقاربك وجيرانك فحيث وجدت هذا المنكر فامتثل أمر نبيك -صلى الله عليه وسلم- وغيّره. إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد والله أعلى وأحكم ولا حول ولا قوة إلا به.


◽ المصدر: صحيفة النبأ – العدد 24
السنة السابعة - الثلاثاء 19 جمادى الآخرة 1437 هـ

مقال:
الحمو الموت
...المزيد

وإن تعُدُّوا نعمة الله لا تُحصوها • الزواج والنسل والسكن وتتابع الآيات في ذكر مِنن الله ...

وإن تعُدُّوا نعمة الله لا تُحصوها

• الزواج والنسل والسكن

وتتابع الآيات في ذكر مِنن الله علينا، قال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [النحل: 72]، فقد يسر الله للناس أسباب بناء الحياة الاجتماعية بالزواج وتكثير الذرية، وجعل المودة والمحبة وسيلة دوام هذه النعمة وهي نعمة على نعمة! فالزوجة للأنس بها والسكن إليها كما قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21].

ومن النعم التي ذكرها الله في سورة النحل قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ}، حين يستكمل الجنين نموَّه ويصبح في حالة يمكنه معها العيش خارج رحم أمه، وذلك الحين لا يعلمه إلا الله، {لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} في غاية الجهل والضعف، فسبحان من ألهم الرضيع التقام الثدي ومن سخَّر له إخراج الغائط والبول وهو لا يملك من أمره شيئا!

{وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78]، وشكر هذه النعم بأن لا تستخدم فيما يغضب الله، فلا تنظر إلى حرام ولا تستمع إلى منكر.

وهيأ الله للإنسان أسباب الراحة الجسدية والنفسية في حياته فقال: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} لراحة بدنه واطمئنان نفسه، فهو الذي خلق ما يحتاج في بنائه كالطين والحجر والخشب والحديد، وكذلك الجلود في البيوت المتنقلة: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ}، وعلَّمهم كيف يشيدونها.

وجعل في بيوتكم هذه أثاثا كالوسائد والبسط، تستتمون به الراحة والسكن: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80].

وأنعم علينا بالحماية والوقاية فقال: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا}، فالأشجار والصخور لتظلنا من حر الشمس، والجبال معاقلَ وحصوناً نتحصن فيها من السيول والأعاصير ونحوها.

قال: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} أي قمصان تقيكم الحر والبرد، {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} أي الدروع تقيكم في القتال، {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل: 81].

فهذه بعض نعم الله -تعالى- التي ذكَّرنا بها في موضع واحد فقط من المواضع الكثيرة في كتابه الكريم، وإن العبد المؤمن لَيعرف حقيقة نعم الله عليه، ويعرف كيف يقابلها بالشكر لمنعمها، سبحانه وتعالى، ويعرف خطورة نسيان هذه النعم، وخطورة كفرانها، فهو الفقير دوما إلى الله تعالى، والله هو الغني الحميد.

• النعم التي لا تحصى.. والعبد الشكور

وقد قال الله -تعالى- في ثنايا السورة: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 18]، فنِعم الله أكثر بكثير مما ذُكر، والنبيه يستدل بالقليل على الكثير، ثم إن العاجز عن إحصاء النعم هو أعجز عن شكرها، ولذا فإن الله غفور رحيم لمن قام بوسعه، ولو عبدت الله ما عبدت فلن تشكر الله حق شكره، وخير الشاكرين محمد صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة -رضي الله عنها- أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت له: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا؟) [رواه البخاري].

ثم ذكر الله حال الجاحدين لأنعم الله: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشرِكُونَ * لِيَكفرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 53 - 55]، فذمُّ الله للجاحدين يتتالى، والجحود يسير وكثير، والكفار جاحدون، ومن المسلمين من فيه جحود. فلا تكن يا عبد الله في غفلة من هذا وتظن أن الآيات في الكفار فقط، بل في طائفة من المسلمين شيء منه؛ فمن الجحود ما يكون من حال الرجل بعد المرض والالتجاء الشديد لله، من الإعراض عنه -تعالى- بعد الشفاء، ومن الجحود دعاء الله الرزقَ وصرفه في المنكرات، ومن الجحود الانتفاع بخيرات الأرض واللهو بها عن العبادة، ومن الجحود كثرة المال وقلة الصدقة، ومن الجحود سماع العلم وترك العمل، ومن الجحود صحة الجسم ونشاطه وترك الجهاد في سبيل الله، ومن الجحود كثرة العيال والشُحُّ بهم أن يُقتلوا في مرضاة الله، ومن الجحود أن يكون درب الهجرة متيسرا فيتركها، وأجحد منه من يمُنُّ الله عليه بالعيش في ديار المسلمين ثم يفِرُّ إلى ديار الكافرين!


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 92
الخميس 10 ذو القعدة 1438 ه‍ـ
...المزيد

وإن تعُدُّوا نعمة الله لا تُحصوها • الزواج والنسل والسكن وتتابع الآيات في ذكر مِنن الله ...

وإن تعُدُّوا نعمة الله لا تُحصوها

• الزواج والنسل والسكن

وتتابع الآيات في ذكر مِنن الله علينا، قال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [النحل: 72]، فقد يسر الله للناس أسباب بناء الحياة الاجتماعية بالزواج وتكثير الذرية، وجعل المودة والمحبة وسيلة دوام هذه النعمة وهي نعمة على نعمة! فالزوجة للأنس بها والسكن إليها كما قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21].

ومن النعم التي ذكرها الله في سورة النحل قوله تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ}، حين يستكمل الجنين نموَّه ويصبح في حالة يمكنه معها العيش خارج رحم أمه، وذلك الحين لا يعلمه إلا الله، {لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا} في غاية الجهل والضعف، فسبحان من ألهم الرضيع التقام الثدي ومن سخَّر له إخراج الغائط والبول وهو لا يملك من أمره شيئا!

{وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78]، وشكر هذه النعم بأن لا تستخدم فيما يغضب الله، فلا تنظر إلى حرام ولا تستمع إلى منكر.

وهيأ الله للإنسان أسباب الراحة الجسدية والنفسية في حياته فقال: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} لراحة بدنه واطمئنان نفسه، فهو الذي خلق ما يحتاج في بنائه كالطين والحجر والخشب والحديد، وكذلك الجلود في البيوت المتنقلة: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ}، وعلَّمهم كيف يشيدونها.

وجعل في بيوتكم هذه أثاثا كالوسائد والبسط، تستتمون به الراحة والسكن: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80].

وأنعم علينا بالحماية والوقاية فقال: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا}، فالأشجار والصخور لتظلنا من حر الشمس، والجبال معاقلَ وحصوناً نتحصن فيها من السيول والأعاصير ونحوها.

قال: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} أي قمصان تقيكم الحر والبرد، {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} أي الدروع تقيكم في القتال، {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل: 81].

فهذه بعض نعم الله -تعالى- التي ذكَّرنا بها في موضع واحد فقط من المواضع الكثيرة في كتابه الكريم، وإن العبد المؤمن لَيعرف حقيقة نعم الله عليه، ويعرف كيف يقابلها بالشكر لمنعمها، سبحانه وتعالى، ويعرف خطورة نسيان هذه النعم، وخطورة كفرانها، فهو الفقير دوما إلى الله تعالى، والله هو الغني الحميد.

• النعم التي لا تحصى.. والعبد الشكور

وقد قال الله -تعالى- في ثنايا السورة: {وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 18]، فنِعم الله أكثر بكثير مما ذُكر، والنبيه يستدل بالقليل على الكثير، ثم إن العاجز عن إحصاء النعم هو أعجز عن شكرها، ولذا فإن الله غفور رحيم لمن قام بوسعه، ولو عبدت الله ما عبدت فلن تشكر الله حق شكره، وخير الشاكرين محمد صلى الله عليه وسلم، فعن عائشة -رضي الله عنها- أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت له: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أحب أن أكون عبدا شكورا؟) [رواه البخاري].

ثم ذكر الله حال الجاحدين لأنعم الله: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشرِكُونَ * لِيَكفرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 53 - 55]، فذمُّ الله للجاحدين يتتالى، والجحود يسير وكثير، والكفار جاحدون، ومن المسلمين من فيه جحود. فلا تكن يا عبد الله في غفلة من هذا وتظن أن الآيات في الكفار فقط، بل في طائفة من المسلمين شيء منه؛ فمن الجحود ما يكون من حال الرجل بعد المرض والالتجاء الشديد لله، من الإعراض عنه -تعالى- بعد الشفاء، ومن الجحود دعاء الله الرزقَ وصرفه في المنكرات، ومن الجحود الانتفاع بخيرات الأرض واللهو بها عن العبادة، ومن الجحود كثرة المال وقلة الصدقة، ومن الجحود سماع العلم وترك العمل، ومن الجحود صحة الجسم ونشاطه وترك الجهاد في سبيل الله، ومن الجحود كثرة العيال والشُحُّ بهم أن يُقتلوا في مرضاة الله، ومن الجحود أن يكون درب الهجرة متيسرا فيتركها، وأجحد منه من يمُنُّ الله عليه بالعيش في ديار المسلمين ثم يفِرُّ إلى ديار الكافرين!


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 92
الخميس 10 ذو القعدة 1438 ه‍ـ
...المزيد

وإن تعُدُّوا نعمة الله لا تُحصوها إن صاحب الشِيَم يشكر من أسدى إليه فضلا ونعمة، يشكره بقلبه ...

وإن تعُدُّوا نعمة الله لا تُحصوها

إن صاحب الشِيَم يشكر من أسدى إليه فضلا ونعمة، يشكره بقلبه وبأفعاله، وبلسانه بذكره بالخير بين الناس، وإنَّ أكرم المنعمين هو الله سبحانه، الذي بيَّن بعض نعمه في سورة عظيمة من كتابه العظيم، وهي سورة النحل، نقف عند بعضها قليلا، فهي مما يزيد في تعظيمه وشكره.

• الأنعام.. منافع وجَمال

قال الله في مَطلع السورة: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا}، وهي الإبل والبقر والغنم، {لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ} من البرد بجعل أشعارها وأصوافها وجلودها لباسا وفرشا وأغطية، {وَمَنَافِعُ} كحمل المتاع والتنقل بين الديار، {وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ} [النحل: 5]، من لحومها ومن ألبانها، كما قال في موضع آخر من السورة: {وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ} [النحل: 66]، فهو لبن أبيض خالص من الشوائب، سهل شربه، وهو يتولد ممَّا في الكرش من الفرث -وهي الأعشاب والأشواك التي تتغذى منها الأنعام- ومن الدم، ومع ذلك فلا صفة فيه من صفات الفرث والدم!

وقال: {وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [النحل: 7]، فهي تنقل الأشياء الثقيلة من مكان إلى آخر دون عناء منا ولا تعب، ولولا تسخير الله إياها لنا للحقتنا أعظم المشقة، فللَّه الحمد على ذلك.

ثم ذكر نعمة الليل والنهار، {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} [النحل: 12]، فالليل لنسكن فيه ونرتاح، والنهار لنكدح فيه ونعتاش، ولا يغني أحدهما عن الآخر في إقامة الحياة المتزنة، وفي الشمس إنضاج الثمار ودفء الأجواء وفيها الضياء، وقدَّر بُعد الشمس عن الأرض لئلا يصل من ضوئها وحرارتها إلا بمقدار الحاجة، وأي زيادة أو نقص في هذا المقدار الموزون يجعل الأرض غير صالحة لاستمرار الحياة فيها، {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [الحجر: 21].

قال تعالى: {وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِہِ} [النحل: 12]، تسير بأمر الله، وبها نهتدي إلى الاتجاهات كما قال بعد عدة آيات: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16]، فهي علامات يُهتدى بها إلى القبلة وإلى غيرها من أرض الله الواسعة والبلدان البعيدة والبحار الشاسعة، وإلى أوقات فصول السنة من حيث بدايتها ونهايتها وإلى معرفة موسم الحصاد وفيضان الأنهار، وهي كذلك زينة للسماء، {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} [النحل: 13].

• النحل والعسل

ثم ذكر الله بعد آيات، نعمة كبيرة في خِلْقَةٍ صغيرةٍ، سُميت باسمها هذه السورة العظيمة وهي النحلة، قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 68 - 69]، إن هذا الوحي والإلهام الإلهي يظهر لنا في سَير هذه الحشرة الضعيفة، فالمتأمل في النحل يجد أنها تسير وفق نظام دقيق، وهذا النظام لم يأت عبثا، إنما هو الإلهام والإرشاد الذي قذفه الله في نفس النحل فبنت مملكة تسمى "مملكة النحل"، وأن الله جعل في كل خلية نحل ملكة عليها، وأن النحل يسلك السبل من حيث شاء في هذا الجو العظيم والبراري الشاسعة والأودية والجبال الشاهقة، بحثا عن الزهر والثمر ليتغذى منه، ثم تعود كل نحلة إلى بيتها وما لها فيه من يرقات وعسل، لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة، وبيوتها محكمة في غاية الإتقان في تسديسها ورصها، بحيث لا يكون بينها خلل، فتخرج الشمع من أجسادها، وتقيء العسل من فيها، ثم تصبح من غدٍ إلى مراعيها.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 92
الخميس 10 ذو القعدة 1438 ه‍ـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
13 رجب 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً