مقال - الإبتلاء بالجوع الحمد لله ذي الفضل وافر النعم، سريع الحساب على الكافرين شديد النقم، ...

مقال - الإبتلاء بالجوع

الحمد لله ذي الفضل وافر النعم، سريع الحساب على الكافرين شديد النقم، والصلاة والسلام على من رفع الله به البشرية من ظلمات الجاهلية لأعلى القمم، وعلى آله وصحابته وجنده أهل الهمم، أما بعد :

قال الله تعالى: { إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } [الإنسان2-3]
وعن أبي جحيفة، أنه تجشأ في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: (أقصر من جشائك، فإن أطول الناس جوعا يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا)، قال أبو جحيفة: فما شبعت منذ ثلاثين سنة. [الترمذي وابن ماجه].

نطرق في هذه السطور أسماع أهل اليقين الثابتين، وأصحاب الصبر والعزائم الذين لا تنزل عليهم نازلة إلا عاجلوها بحسن ظنهم برب العالمين، الذين يوطن سبحانه بالبلاء نفوسهم لتسموا وترتقي ولا تبالي بحطام دنيا زائلة ولا تلتفت لتخاذل المنهزمين المدبرين ومكر الكافرين.
قال عز من قائل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155].

"أي لنختبرنكم بشيء من خوف ينالكم من عدوكم وبسنة تصيبكم ينالكم فيها مجاعة وشدة وتعذر المطالب عليكم فتنقص لذلك أموالكم، وحروب تكون بينكم وبين أعدائكم من الكفار، فينقص لها عددكم، وموت ذراريكم، وأولادكم، وجدوب تحدث، فتنقص لها ثماركم. كل ذلك امتحان مني لكم واختبار مني لكم، فيتبين صادقوكم في إيمانهم من كاذبيكم فيه، ويعرف أهل البصائر في دينهم منكم من أهل النفاق فيه والشك والارتياب". [تفسير الطبري]


• البلاء امتحان وتنقية للقلوب

فأقر الله البلاء على عباده وصفوة خلقه؛ لأجل امتحانهم وتنقية قلوبهم وانتشالها من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، فيجازيهم بما صبروا جنات وعيون وزوجات حسان وما تشتهي الأنفس من طيبات، ومن رحمة الله بعباده المؤمنين أنه جعل لكل بلاء دواء ولكل ضيق مخرجا، وأسوق لكم ما ترويه أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- عن حاله صلى الله عليه وسلم في مأكله: "عن مسروق قال: دخلت على عائشة، فدعت لي بطعام فقالت: «كل، فلقل ما أشبع من الطعام، ولو شئت أن أبكي لبكيت» قال: قلت: ومم ذاك؟ قالت: «أذكر الحال التي فارق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا، ما شبع في يوم مرتين من خبز بر حتى لحق بالله»" متفق عليه.

ما شبع بأبي وأمي من الخبز وهو أعز خلق الله على الله، فأي بساطة عاشها الحبيب، وأي قلة مرت عليه صلوات ربي وسلامه عليه، وما جزع وما تملكه القنوط من فرج الله بل دعا إلى الله بأكمل صورة حتى أتاه اليقين، وسار على نهجه صحابته الكرام، فما مر بهم جوع وفاقة إلا زادتهم يقينا وتسليما وإصرارا على الاستمرار في الدرب الموصلة إلى موعود الله.

وعن عروة، عن عائشة أنها قالت: "كان يمر بنا هلال وهلال ما يوقد في بيت من بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، قال: قلت لخالتي: على أي شيء كنتم تعيشون؟ قالت: على الأسودين: الماء والتمر" [مسند أحمد].


• ابتلى الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه بالجوع

وما هي إلا السنن أيها الموحدون، لا بد أن تمضي على أهل التوحيد في كل دولة، فتمر بهم البلايا والخطوب وتصيبهم الفاقة والجوع، فالصبر الصبر، والعزيمة العزيمة، والله لو نجا من الجوع والبلاء أحد لنجا منه حبيب الله وخليله صلى الله عليه وسلم الذي كان كما ذكر عنه جابر بن عبد الله قال: "لما كان يوم الخندق نظرت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فوجدته قد وضع بينه وبين إزاره حجيرا يقيم به صلبه من الجوع".

فانظر، كيف أن الله عزوجل قد أجرى الأقدار على رسوله صلى الله عليه وسلم، فمر بحالة الجوع الشديدة هذه، ثم جعله للمؤمنين أسوة حسنة بالصبر عليه، ولم تكن هذه طارئة أو مؤقتة بحياته -صلى الله عليه وسلم- وإنما كان جل حياته صابرا على الجوع وشظف العيش بأبي هو وأمي، عن قتادة قال: "كنا نأتي أنس بن مالك وخبازه قائم، وقال: كلوا، فما أعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رغيفا مرققا، حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه قط"..

وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبيت الليالي المتتابعة طاويا، وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير. رواه الترمذي.

وهكذا تعلم صحابته الكرام الصبر في سبيل الله على الجوع من نبيهم صلى الله عليه وسلم، فهذا سعد بن أبي وقاص يقول: "رأيتنا نغزو وما لنا طعام إلا ورق الحبلة وهذا السمر (من نباتات البادية)، وإن أحدنا ليضع كما تضع الشاة"..

وهذا أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول:
"والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع..".

ويقول رضي الله عنه وأرضاه:
"لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حجرة عائشة رضي الله عنها مغشيا علي، فيجيء الجائي، فيضع رجله على عنقي، ويرى أني مجنون وما بي من جنون، ما بي إلا الجوع" [رواه البخاري].


• بالإيثار والصدقة تقوى الصفوف وتتآلف النفوس

واعلم أن الابتلاء طريق لابد أن يمر به أتباع الأنبياء، واعلم أنه بحسن الظن واليقين والتوكل على رب العالمين والطلب منه آناء الليل وأطراف النهار: يبدل الله الحال إلى غير حال وبالتراحم والإيثار والصدقة يقوي الله بعضنا بعضا ويجعل من هذه المحنة منحة وبشارة لمن صبر، وحسرة وندامة لمن انتكس وشك وفر، فكم أسرفنا في المأكل والمشرب وكنا لا نلقي بالا لما نرمي من طعام أو شراب.

فحلت حكمته سبحانه وتعالى علينا لنرجع ونتفكر ونتدبر فله وحده الأمر من قبل ومن بعد.

فلنر الله عز وجل من أنفسنا خيرا، فهذه الدار دار ممر لا دار مقر، وإنما المؤمن فيها كراكب استظل بظل شجرة ثم راح وتركها، فلا نثقلها بما يلصقها بعالم الأرض بكثرة الشهوات والتفكر بالملذات، وإنما نلحقها بذاك العالم العلوي، ذلك العالم الذي أعده الله لمن آمن به وصدق بوعده الذي "فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" والذي لا ينال إلا بالمشقة والجهد والصبر في هذه الدنيا الفانية.

إن من تعلق قلبه بما عند الله وتيقن بعاقبة صبره على الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، من نعيم الآخرة المقيم: هان عليه ما يكابد في هذه الدنيا القصيرة الحقيرة، والتي لو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء، كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نسأل الله أن يجعلنا من الصابرين على أمره، وأن يوفينا أجرنا يوم القيامة بغير حساب.
والحمد لله رب العالمين


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 164
الخميس 4 جمادى الأولى 1440 هـ
...المزيد

مقال - الإبتلاء بالجوع الحمد لله ذي الفضل وافر النعم، سريع الحساب على الكافرين شديد النقم، ...

مقال - الإبتلاء بالجوع

الحمد لله ذي الفضل وافر النعم، سريع الحساب على الكافرين شديد النقم، والصلاة والسلام على من رفع الله به البشرية من ظلمات الجاهلية لأعلى القمم، وعلى آله وصحابته وجنده أهل الهمم، أما بعد :

قال الله تعالى: { إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } [الإنسان2-3]
وعن أبي جحيفة، أنه تجشأ في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: (أقصر من جشائك، فإن أطول الناس جوعا يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا)، قال أبو جحيفة: فما شبعت منذ ثلاثين سنة. [الترمذي وابن ماجه].

نطرق في هذه السطور أسماع أهل اليقين الثابتين، وأصحاب الصبر والعزائم الذين لا تنزل عليهم نازلة إلا عاجلوها بحسن ظنهم برب العالمين، الذين يوطن سبحانه بالبلاء نفوسهم لتسموا وترتقي ولا تبالي بحطام دنيا زائلة ولا تلتفت لتخاذل المنهزمين المدبرين ومكر الكافرين.
قال عز من قائل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155].

"أي لنختبرنكم بشيء من خوف ينالكم من عدوكم وبسنة تصيبكم ينالكم فيها مجاعة وشدة وتعذر المطالب عليكم فتنقص لذلك أموالكم، وحروب تكون بينكم وبين أعدائكم من الكفار، فينقص لها عددكم، وموت ذراريكم، وأولادكم، وجدوب تحدث، فتنقص لها ثماركم. كل ذلك امتحان مني لكم واختبار مني لكم، فيتبين صادقوكم في إيمانهم من كاذبيكم فيه، ويعرف أهل البصائر في دينهم منكم من أهل النفاق فيه والشك والارتياب". [تفسير الطبري]


• البلاء امتحان وتنقية للقلوب

فأقر الله البلاء على عباده وصفوة خلقه؛ لأجل امتحانهم وتنقية قلوبهم وانتشالها من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، فيجازيهم بما صبروا جنات وعيون وزوجات حسان وما تشتهي الأنفس من طيبات، ومن رحمة الله بعباده المؤمنين أنه جعل لكل بلاء دواء ولكل ضيق مخرجا، وأسوق لكم ما ترويه أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- عن حاله صلى الله عليه وسلم في مأكله: "عن مسروق قال: دخلت على عائشة، فدعت لي بطعام فقالت: «كل، فلقل ما أشبع من الطعام، ولو شئت أن أبكي لبكيت» قال: قلت: ومم ذاك؟ قالت: «أذكر الحال التي فارق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا، ما شبع في يوم مرتين من خبز بر حتى لحق بالله»" متفق عليه.

ما شبع بأبي وأمي من الخبز وهو أعز خلق الله على الله، فأي بساطة عاشها الحبيب، وأي قلة مرت عليه صلوات ربي وسلامه عليه، وما جزع وما تملكه القنوط من فرج الله بل دعا إلى الله بأكمل صورة حتى أتاه اليقين، وسار على نهجه صحابته الكرام، فما مر بهم جوع وفاقة إلا زادتهم يقينا وتسليما وإصرارا على الاستمرار في الدرب الموصلة إلى موعود الله.

وعن عروة، عن عائشة أنها قالت: "كان يمر بنا هلال وهلال ما يوقد في بيت من بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، قال: قلت لخالتي: على أي شيء كنتم تعيشون؟ قالت: على الأسودين: الماء والتمر" [مسند أحمد].


• ابتلى الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه بالجوع

وما هي إلا السنن أيها الموحدون، لا بد أن تمضي على أهل التوحيد في كل دولة، فتمر بهم البلايا والخطوب وتصيبهم الفاقة والجوع، فالصبر الصبر، والعزيمة العزيمة، والله لو نجا من الجوع والبلاء أحد لنجا منه حبيب الله وخليله صلى الله عليه وسلم الذي كان كما ذكر عنه جابر بن عبد الله قال: "لما كان يوم الخندق نظرت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فوجدته قد وضع بينه وبين إزاره حجيرا يقيم به صلبه من الجوع".

فانظر، كيف أن الله عزوجل قد أجرى الأقدار على رسوله صلى الله عليه وسلم، فمر بحالة الجوع الشديدة هذه، ثم جعله للمؤمنين أسوة حسنة بالصبر عليه، ولم تكن هذه طارئة أو مؤقتة بحياته -صلى الله عليه وسلم- وإنما كان جل حياته صابرا على الجوع وشظف العيش بأبي هو وأمي، عن قتادة قال: "كنا نأتي أنس بن مالك وخبازه قائم، وقال: كلوا، فما أعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رغيفا مرققا، حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه قط"..

وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبيت الليالي المتتابعة طاويا، وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير. رواه الترمذي.

وهكذا تعلم صحابته الكرام الصبر في سبيل الله على الجوع من نبيهم صلى الله عليه وسلم، فهذا سعد بن أبي وقاص يقول: "رأيتنا نغزو وما لنا طعام إلا ورق الحبلة وهذا السمر (من نباتات البادية)، وإن أحدنا ليضع كما تضع الشاة"..

وهذا أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول:
"والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع..".

ويقول رضي الله عنه وأرضاه:
"لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حجرة عائشة رضي الله عنها مغشيا علي، فيجيء الجائي، فيضع رجله على عنقي، ويرى أني مجنون وما بي من جنون، ما بي إلا الجوع" [رواه البخاري].


• بالإيثار والصدقة تقوى الصفوف وتتآلف النفوس

واعلم أن الابتلاء طريق لابد أن يمر به أتباع الأنبياء، واعلم أنه بحسن الظن واليقين والتوكل على رب العالمين والطلب منه آناء الليل وأطراف النهار: يبدل الله الحال إلى غير حال وبالتراحم والإيثار والصدقة يقوي الله بعضنا بعضا ويجعل من هذه المحنة منحة وبشارة لمن صبر، وحسرة وندامة لمن انتكس وشك وفر، فكم أسرفنا في المأكل والمشرب وكنا لا نلقي بالا لما نرمي من طعام أو شراب.

فحلت حكمته سبحانه وتعالى علينا لنرجع ونتفكر ونتدبر فله وحده الأمر من قبل ومن بعد.

فلنر الله عز وجل من أنفسنا خيرا، فهذه الدار دار ممر لا دار مقر، وإنما المؤمن فيها كراكب استظل بظل شجرة ثم راح وتركها، فلا نثقلها بما يلصقها بعالم الأرض بكثرة الشهوات والتفكر بالملذات، وإنما نلحقها بذاك العالم العلوي، ذلك العالم الذي أعده الله لمن آمن به وصدق بوعده الذي "فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" والذي لا ينال إلا بالمشقة والجهد والصبر في هذه الدنيا الفانية.

إن من تعلق قلبه بما عند الله وتيقن بعاقبة صبره على الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، من نعيم الآخرة المقيم: هان عليه ما يكابد في هذه الدنيا القصيرة الحقيرة، والتي لو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء، كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نسأل الله أن يجعلنا من الصابرين على أمره، وأن يوفينا أجرنا يوم القيامة بغير حساب.
والحمد لله رب العالمين


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 164
الخميس 4 جمادى الأولى 1440 هـ
...المزيد

مقال - الإبتلاء بالجوع الحمد لله ذي الفضل وافر النعم، سريع الحساب على الكافرين شديد النقم، ...

مقال - الإبتلاء بالجوع

الحمد لله ذي الفضل وافر النعم، سريع الحساب على الكافرين شديد النقم، والصلاة والسلام على من رفع الله به البشرية من ظلمات الجاهلية لأعلى القمم، وعلى آله وصحابته وجنده أهل الهمم، أما بعد :

قال الله تعالى: { إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا } [الإنسان2-3]
وعن أبي جحيفة، أنه تجشأ في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: (أقصر من جشائك، فإن أطول الناس جوعا يوم القيامة أكثرهم شبعا في الدنيا)، قال أبو جحيفة: فما شبعت منذ ثلاثين سنة. [الترمذي وابن ماجه].

نطرق في هذه السطور أسماع أهل اليقين الثابتين، وأصحاب الصبر والعزائم الذين لا تنزل عليهم نازلة إلا عاجلوها بحسن ظنهم برب العالمين، الذين يوطن سبحانه بالبلاء نفوسهم لتسموا وترتقي ولا تبالي بحطام دنيا زائلة ولا تلتفت لتخاذل المنهزمين المدبرين ومكر الكافرين.
قال عز من قائل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155].

"أي لنختبرنكم بشيء من خوف ينالكم من عدوكم وبسنة تصيبكم ينالكم فيها مجاعة وشدة وتعذر المطالب عليكم فتنقص لذلك أموالكم، وحروب تكون بينكم وبين أعدائكم من الكفار، فينقص لها عددكم، وموت ذراريكم، وأولادكم، وجدوب تحدث، فتنقص لها ثماركم. كل ذلك امتحان مني لكم واختبار مني لكم، فيتبين صادقوكم في إيمانهم من كاذبيكم فيه، ويعرف أهل البصائر في دينهم منكم من أهل النفاق فيه والشك والارتياب". [تفسير الطبري]


• البلاء امتحان وتنقية للقلوب

فأقر الله البلاء على عباده وصفوة خلقه؛ لأجل امتحانهم وتنقية قلوبهم وانتشالها من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، فيجازيهم بما صبروا جنات وعيون وزوجات حسان وما تشتهي الأنفس من طيبات، ومن رحمة الله بعباده المؤمنين أنه جعل لكل بلاء دواء ولكل ضيق مخرجا، وأسوق لكم ما ترويه أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- عن حاله صلى الله عليه وسلم في مأكله: "عن مسروق قال: دخلت على عائشة، فدعت لي بطعام فقالت: «كل، فلقل ما أشبع من الطعام، ولو شئت أن أبكي لبكيت» قال: قلت: ومم ذاك؟ قالت: «أذكر الحال التي فارق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا، ما شبع في يوم مرتين من خبز بر حتى لحق بالله»" متفق عليه.

ما شبع بأبي وأمي من الخبز وهو أعز خلق الله على الله، فأي بساطة عاشها الحبيب، وأي قلة مرت عليه صلوات ربي وسلامه عليه، وما جزع وما تملكه القنوط من فرج الله بل دعا إلى الله بأكمل صورة حتى أتاه اليقين، وسار على نهجه صحابته الكرام، فما مر بهم جوع وفاقة إلا زادتهم يقينا وتسليما وإصرارا على الاستمرار في الدرب الموصلة إلى موعود الله.

وعن عروة، عن عائشة أنها قالت: "كان يمر بنا هلال وهلال ما يوقد في بيت من بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، قال: قلت لخالتي: على أي شيء كنتم تعيشون؟ قالت: على الأسودين: الماء والتمر" [مسند أحمد].


• ابتلى الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه بالجوع

وما هي إلا السنن أيها الموحدون، لا بد أن تمضي على أهل التوحيد في كل دولة، فتمر بهم البلايا والخطوب وتصيبهم الفاقة والجوع، فالصبر الصبر، والعزيمة العزيمة، والله لو نجا من الجوع والبلاء أحد لنجا منه حبيب الله وخليله صلى الله عليه وسلم الذي كان كما ذكر عنه جابر بن عبد الله قال: "لما كان يوم الخندق نظرت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فوجدته قد وضع بينه وبين إزاره حجيرا يقيم به صلبه من الجوع".

فانظر، كيف أن الله عزوجل قد أجرى الأقدار على رسوله صلى الله عليه وسلم، فمر بحالة الجوع الشديدة هذه، ثم جعله للمؤمنين أسوة حسنة بالصبر عليه، ولم تكن هذه طارئة أو مؤقتة بحياته -صلى الله عليه وسلم- وإنما كان جل حياته صابرا على الجوع وشظف العيش بأبي هو وأمي، عن قتادة قال: "كنا نأتي أنس بن مالك وخبازه قائم، وقال: كلوا، فما أعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رغيفا مرققا، حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه قط"..

وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبيت الليالي المتتابعة طاويا، وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشعير. رواه الترمذي.

وهكذا تعلم صحابته الكرام الصبر في سبيل الله على الجوع من نبيهم صلى الله عليه وسلم، فهذا سعد بن أبي وقاص يقول: "رأيتنا نغزو وما لنا طعام إلا ورق الحبلة وهذا السمر (من نباتات البادية)، وإن أحدنا ليضع كما تضع الشاة"..

وهذا أبو هريرة -رضي الله عنه- يقول:
"والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع..".

ويقول رضي الله عنه وأرضاه:
"لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حجرة عائشة رضي الله عنها مغشيا علي، فيجيء الجائي، فيضع رجله على عنقي، ويرى أني مجنون وما بي من جنون، ما بي إلا الجوع" [رواه البخاري].


• بالإيثار والصدقة تقوى الصفوف وتتآلف النفوس

واعلم أن الابتلاء طريق لابد أن يمر به أتباع الأنبياء، واعلم أنه بحسن الظن واليقين والتوكل على رب العالمين والطلب منه آناء الليل وأطراف النهار: يبدل الله الحال إلى غير حال وبالتراحم والإيثار والصدقة يقوي الله بعضنا بعضا ويجعل من هذه المحنة منحة وبشارة لمن صبر، وحسرة وندامة لمن انتكس وشك وفر، فكم أسرفنا في المأكل والمشرب وكنا لا نلقي بالا لما نرمي من طعام أو شراب.

فحلت حكمته سبحانه وتعالى علينا لنرجع ونتفكر ونتدبر فله وحده الأمر من قبل ومن بعد.

فلنر الله عز وجل من أنفسنا خيرا، فهذه الدار دار ممر لا دار مقر، وإنما المؤمن فيها كراكب استظل بظل شجرة ثم راح وتركها، فلا نثقلها بما يلصقها بعالم الأرض بكثرة الشهوات والتفكر بالملذات، وإنما نلحقها بذاك العالم العلوي، ذلك العالم الذي أعده الله لمن آمن به وصدق بوعده الذي "فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" والذي لا ينال إلا بالمشقة والجهد والصبر في هذه الدنيا الفانية.

إن من تعلق قلبه بما عند الله وتيقن بعاقبة صبره على الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات، من نعيم الآخرة المقيم: هان عليه ما يكابد في هذه الدنيا القصيرة الحقيرة، والتي لو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء، كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نسأل الله أن يجعلنا من الصابرين على أمره، وأن يوفينا أجرنا يوم القيامة بغير حساب.
والحمد لله رب العالمين


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 164
الخميس 4 جمادى الأولى 1440 هـ
...المزيد

{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، والصلاة والسلام على أشرف ...

{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني}


بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد: إن محبة الله ليست دعوى باللسان، ولا هي مشاعر جياشة، يُعبَّر عنها بكلمات رنانة متحمسة انبعثت من قلوب ميتة لا تؤمن بها، ولن يؤمن إنسانٌ بما يقول حقاً حتى يستحيل هو ترجمة حية لما ينطق، وحتى تتجسد كلماته واقعاً يعيشه، فلابد للعبد أن يطابق بين قوله وفعله وبين عقيدته وسلوكه، ولا يتم له ذلك إلا بجهدٍ ومحاولةٍ وصلةٍ بالله وحده، واستعانةٍ به وحده، واتباعٍ لمنهجه وشرعه، حتى تصير كلماته واقعاً نافعاً له ونموذجاً يُقتدى به، إذ أن الحياة الدنيا وفتنها كثيراً ما تنأى بالعبد عن ما يعتقده في قلبه ويدعو إليه، ما لم يتصل بالله ويستمد القوة منه، لأن الحياة الدنيا وشرورها أقوى منه ما لم يتصل بقوة الله، وقد يغالبها مرة ومرة ومرة وفي لحظة ضعف تنتابه يتخاذل ويتهاوى ويخسر ماضيه وحاضره ومستقبله، لأن كلماته كانت كلمات مجردة عن أفعال تؤيدها، كانت محبته ادعاءً خالياً من الاتّباع لرسول الله، والسير على هداه، وتحقيق منهجه في الحياة، لذلك كان قول الله واضحاً مبيّناً حقيقة الدين بأنه ليس كلمات مجردة عن تطبيقاتها المأمور بها، وأن محبته لا تكون بلا اتباع لما أمر به، فقال جلَّ مِنْ قائل: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[آل عمران:31]. قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأعماله".[التفسير].


- محبةُ الله هي التزام أمره ونهيه

فمحبة الله ليست كلمة فقط تقال بل هي كلمة من خلفِها تكاليف وانقياد والتزام لطاعته ودينه ظاهراً وباطناً، بهذا يكون المرء محباً لله لفظاً ومعنى، وبهذا يذوق المرء حلاوة الإيمان ذلك المذاق الفريد الجميل، وما كان له ذلك إلا بإنعام الله عليه أن هداه لحبه وشغلَه به ورزَقَه تحقيقه، وفضّله على من سواه ممن انشغل بمذاقاتٍ للحب مكذوبة، فالمحبة هي الاتباع لله ولرسوله وتحقيقٌ للمنهج القويم.

روى البخاري عن عبد الله بن هشام قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنه الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر). ومعنى محبته هنا أي يكون رضاه وطاعته مقدمة على نفس عمر وإن كان في ذلك هلاكه وهذه هي حقيقة الاتباع.

قال الخطابي في شرح الحديث: "لم يرد به حب الطبع بل أراد به حب الاختيار؛ لأن حب الإنسان نفسه طبع ولا سبيل إلى قلبه، فمعناه لا تَصْدُق في حبي حتى تُفني في طاعتي نفسك وتؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيه هلاكك".[طرح التثريب].

فهذه هي حقيقة المحبة، ثم إنه سبحانه بعد أن يهدي عبده لحبه يتكرم عليه بهائل الإنعام وعظيم الفضل؛ أن يحبه ويُلقي محبته في قلوب خلقه الصالحين من ملئِه الأعلى ويضع له القَبول في الأرض عند أهل الإيمان وذلك قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}[ مريم:96].


- يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ

ومن أهل الإيمان الذين نعتهم الله بحبه؛ أهل الجهاد الذين اختارهم لرفع رايته وتحكيم شرعه وقهر عدوه، تلك العصبة التي أتى بها سبحانه حين خذل دينَه الخلقُ، وحين ارتد من ارتد عن شرعه، أتى بها لتقرّ حكمه في الأرض، قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}[المائدة]. حبهم متبادل يحبهم ويحبونه، يتحملون في سبيله البأساء والضراء، صامدين للزلازل لا تهزّهم الفتن ولا يبالون بالبلاءات، محبتهم خالصة له وهذه هي المحبة النافعة المثمرة وكل محبة سواها ضارة باطلة.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: " فكل المحاب باطلة مضمحلة سوى محبة الله وما والاها، من محبة رسوله، وكتابه، ودينه، وأوليائه. فهذه المحبة تدوم وتدوم ثمرتها ونعيمها بدوام من تعلقت به، وفضلها على سائر المحاب كفضل من تعلقت به على ما سواه".[إغاثة اللهفان].

ثم وصفهم سبحانه بأنهم {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} نفوسهم ممتلئة حنقاً وغيظاً وعزة وإباءً على الكافرين ومن والاهم، {يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} فقط في سبيل الله ولأجل الله ولإقامة منهج الله، لا يخافون لومة لائم من أهل الشقاق والنفاق أو من غيرهم، وكيف يخافون وقد ضمنوا محبة الله ومعيّته، فهو يحبهم ويحبونه.

- لوازم محبته سبحانه وتعالى

فإذا كانت محبة العبد لربه صادقة أوقدت في قلبه الغيرة لدين الله، وحثته على القيام بأمره، والجهاد في سبيله، ومحبة أولياءه، وهذه هي المحبة في الله، ومعاداة أعداءه، وهي البغض في الله.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "فمُحب الله ورسوله يغار لله ورسوله على قدر محبته وإجلاله، وإذا خلا قلبه من الغيرة لله ولرسوله فهو من المحبة أخلى، وإن زعم أنه من المحبين، فكذب من ادعى محبة محبوب من الناس وهو يرى غيرَه ينتهك حرمة محبوبه ويسعى في أذاه ومساخطه ويستهين بحقه ويستخف بأمره وهو لا يغار لذلك بل قلبه بارد فكيف يصح لعبد أن يدعي محبة الله وهو لا يغار لمحارمه إذا انتهكت ولا لحقوقه إذا ضيعت؟ وأقل الأقسام أن يغار له من نفسه وهواه وشيطانه فيغار لمحبوبه من تفريطه في حقه وارتكابه لمعصيته، وإذا ترحلت هذه الغيرة من القلب ترحلت منه المحبة بل ترحل منه الدين وإن بقيت فيه آثاره، وهذه الغيرة هي أصل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي الحاملة على ذلك، فإن خلت من القلب لم يجاهد ولم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر، فإنه إنما يأتي بذلك غيرة منه لربه ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى علامة محبته ومحبوبيته الجهاد ".[روضة المحبين].


- ولايةُ اللهِ أصلُها المحبة

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "فالولاية أصلها الحب، فلا موالاة إلا بحب، كما أن العداوة أصلها البغض، والله ولي الذين آمنوا وهم أولياؤه، فهم يوالونه بمحبتهم له، وهو يواليهم بمحبته لهم، فالله يوالي عبده المؤمن بحسب محبته له وبهذا التوحيد في الحب أرسل الله سبحانه جميع رسله، وأنزل جميع كتبه، وأطبقت عليه دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم، ولأجله خلقت السماوات والأرض والجنة والنار، فجعل الجنة لأهله، والنار للمشركين به" [الجواب الكافي].

فولاية المسلم ومحبته لا تكون إلا لله ورسوله والذين آمنوا حتى يدخل في حزب الله الغالبون، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ}[المائدة:56].

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 195
الخميس 14 ذي الحجة 1440 هـ
...المزيد

{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني} بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، والصلاة والسلام على أشرف ...

{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني}


بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد: إن محبة الله ليست دعوى باللسان، ولا هي مشاعر جياشة، يُعبَّر عنها بكلمات رنانة متحمسة انبعثت من قلوب ميتة لا تؤمن بها، ولن يؤمن إنسانٌ بما يقول حقاً حتى يستحيل هو ترجمة حية لما ينطق، وحتى تتجسد كلماته واقعاً يعيشه، فلابد للعبد أن يطابق بين قوله وفعله وبين عقيدته وسلوكه، ولا يتم له ذلك إلا بجهدٍ ومحاولةٍ وصلةٍ بالله وحده، واستعانةٍ به وحده، واتباعٍ لمنهجه وشرعه، حتى تصير كلماته واقعاً نافعاً له ونموذجاً يُقتدى به، إذ أن الحياة الدنيا وفتنها كثيراً ما تنأى بالعبد عن ما يعتقده في قلبه ويدعو إليه، ما لم يتصل بالله ويستمد القوة منه، لأن الحياة الدنيا وشرورها أقوى منه ما لم يتصل بقوة الله، وقد يغالبها مرة ومرة ومرة وفي لحظة ضعف تنتابه يتخاذل ويتهاوى ويخسر ماضيه وحاضره ومستقبله، لأن كلماته كانت كلمات مجردة عن أفعال تؤيدها، كانت محبته ادعاءً خالياً من الاتّباع لرسول الله، والسير على هداه، وتحقيق منهجه في الحياة، لذلك كان قول الله واضحاً مبيّناً حقيقة الدين بأنه ليس كلمات مجردة عن تطبيقاتها المأمور بها، وأن محبته لا تكون بلا اتباع لما أمر به، فقال جلَّ مِنْ قائل: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[آل عمران:31]. قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في نفس الأمر حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأعماله".[التفسير].


- محبةُ الله هي التزام أمره ونهيه

فمحبة الله ليست كلمة فقط تقال بل هي كلمة من خلفِها تكاليف وانقياد والتزام لطاعته ودينه ظاهراً وباطناً، بهذا يكون المرء محباً لله لفظاً ومعنى، وبهذا يذوق المرء حلاوة الإيمان ذلك المذاق الفريد الجميل، وما كان له ذلك إلا بإنعام الله عليه أن هداه لحبه وشغلَه به ورزَقَه تحقيقه، وفضّله على من سواه ممن انشغل بمذاقاتٍ للحب مكذوبة، فالمحبة هي الاتباع لله ولرسوله وتحقيقٌ للمنهج القويم.

روى البخاري عن عبد الله بن هشام قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنه الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر). ومعنى محبته هنا أي يكون رضاه وطاعته مقدمة على نفس عمر وإن كان في ذلك هلاكه وهذه هي حقيقة الاتباع.

قال الخطابي في شرح الحديث: "لم يرد به حب الطبع بل أراد به حب الاختيار؛ لأن حب الإنسان نفسه طبع ولا سبيل إلى قلبه، فمعناه لا تَصْدُق في حبي حتى تُفني في طاعتي نفسك وتؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيه هلاكك".[طرح التثريب].

فهذه هي حقيقة المحبة، ثم إنه سبحانه بعد أن يهدي عبده لحبه يتكرم عليه بهائل الإنعام وعظيم الفضل؛ أن يحبه ويُلقي محبته في قلوب خلقه الصالحين من ملئِه الأعلى ويضع له القَبول في الأرض عند أهل الإيمان وذلك قوله: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا}[ مريم:96].


- يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ

ومن أهل الإيمان الذين نعتهم الله بحبه؛ أهل الجهاد الذين اختارهم لرفع رايته وتحكيم شرعه وقهر عدوه، تلك العصبة التي أتى بها سبحانه حين خذل دينَه الخلقُ، وحين ارتد من ارتد عن شرعه، أتى بها لتقرّ حكمه في الأرض، قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}[المائدة]. حبهم متبادل يحبهم ويحبونه، يتحملون في سبيله البأساء والضراء، صامدين للزلازل لا تهزّهم الفتن ولا يبالون بالبلاءات، محبتهم خالصة له وهذه هي المحبة النافعة المثمرة وكل محبة سواها ضارة باطلة.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: " فكل المحاب باطلة مضمحلة سوى محبة الله وما والاها، من محبة رسوله، وكتابه، ودينه، وأوليائه. فهذه المحبة تدوم وتدوم ثمرتها ونعيمها بدوام من تعلقت به، وفضلها على سائر المحاب كفضل من تعلقت به على ما سواه".[إغاثة اللهفان].

ثم وصفهم سبحانه بأنهم {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} نفوسهم ممتلئة حنقاً وغيظاً وعزة وإباءً على الكافرين ومن والاهم، {يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} فقط في سبيل الله ولأجل الله ولإقامة منهج الله، لا يخافون لومة لائم من أهل الشقاق والنفاق أو من غيرهم، وكيف يخافون وقد ضمنوا محبة الله ومعيّته، فهو يحبهم ويحبونه.

- لوازم محبته سبحانه وتعالى

فإذا كانت محبة العبد لربه صادقة أوقدت في قلبه الغيرة لدين الله، وحثته على القيام بأمره، والجهاد في سبيله، ومحبة أولياءه، وهذه هي المحبة في الله، ومعاداة أعداءه، وهي البغض في الله.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "فمُحب الله ورسوله يغار لله ورسوله على قدر محبته وإجلاله، وإذا خلا قلبه من الغيرة لله ولرسوله فهو من المحبة أخلى، وإن زعم أنه من المحبين، فكذب من ادعى محبة محبوب من الناس وهو يرى غيرَه ينتهك حرمة محبوبه ويسعى في أذاه ومساخطه ويستهين بحقه ويستخف بأمره وهو لا يغار لذلك بل قلبه بارد فكيف يصح لعبد أن يدعي محبة الله وهو لا يغار لمحارمه إذا انتهكت ولا لحقوقه إذا ضيعت؟ وأقل الأقسام أن يغار له من نفسه وهواه وشيطانه فيغار لمحبوبه من تفريطه في حقه وارتكابه لمعصيته، وإذا ترحلت هذه الغيرة من القلب ترحلت منه المحبة بل ترحل منه الدين وإن بقيت فيه آثاره، وهذه الغيرة هي أصل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي الحاملة على ذلك، فإن خلت من القلب لم يجاهد ولم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر، فإنه إنما يأتي بذلك غيرة منه لربه ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى علامة محبته ومحبوبيته الجهاد ".[روضة المحبين].


- ولايةُ اللهِ أصلُها المحبة

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: "فالولاية أصلها الحب، فلا موالاة إلا بحب، كما أن العداوة أصلها البغض، والله ولي الذين آمنوا وهم أولياؤه، فهم يوالونه بمحبتهم له، وهو يواليهم بمحبته لهم، فالله يوالي عبده المؤمن بحسب محبته له وبهذا التوحيد في الحب أرسل الله سبحانه جميع رسله، وأنزل جميع كتبه، وأطبقت عليه دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم، ولأجله خلقت السماوات والأرض والجنة والنار، فجعل الجنة لأهله، والنار للمشركين به" [الجواب الكافي].

فولاية المسلم ومحبته لا تكون إلا لله ورسوله والذين آمنوا حتى يدخل في حزب الله الغالبون، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ}[المائدة:56].

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 195
الخميس 14 ذي الحجة 1440 هـ
...المزيد

لم تذهب حتى تعود! بصورة مراوغة، بدأت مخابرات الدول الصليبية تشيع في الأوساط الإعلامية عند ...

لم تذهب حتى تعود!


بصورة مراوغة، بدأت مخابرات الدول الصليبية تشيع في الأوساط الإعلامية عند حديثها عن الدولة الإسلامية عبارة "عائدة وتتمدد"، في إشارة إلى التطورات التي شهدتها الشهور الماضية، والتي دفعت قيادة الجيش الأمريكي والأمم المتحدة إلى إصدار تقارير تحذيرية من تصاعد قوة الدولة الإسلامية في مركز عمليات التحالف الصليبي الدولي المشكل لقتالها، أي في العراق والشام، والتي تهدد باستعادة الدولة الإسلامية التمكين في هذه المناطق، وكذلك إشارة إلى التصاعد في عمليات جنود الخلافة في مناطق مختلفة من العالم، وما صدر أخيرا من إعلان لتواجدهم في مناطق أخرى، اعتبره المحللون بمثابة أحداث "تمدد" جديدة للدولة الإسلامية في العالم.

ويبني أصحاب النظرة الجديدة إلى مستقبل الحرب على الدولة الإسلامية توقعاتهم على مؤشرات عديدة، هي الأسس الشرعية والنظرية والمادية التي يقوم عليها التمكين بكل حال.

فمما يتعلق بالمؤشرات العقدية يقر الصليبيون بفشلهم الذريع في تحريف منهج الدولة الإسلامية، والنجاح المحدود في تشويه هذا المنهج عن طريق وصمه بالخارجية وما شابه، مستدلين على ذلك باستمرار تمسك جنود الخلافة به رغم الحرب الشرسة عليهم، وكذلك استمرار وتصاعد النصرة والتأييد لها من المسلمين في مناطق العالم المختلفة، وما دامت العقيدة قوية منتشرة فستبقى الدولة الإسلامية جاذبة للمجاهدين الذين يقوون أصولها ويشيدون بنيانها بإذن الله تعالى.

ومن المؤشرات المعتمدة لديهم أيضا، ما يتوقعونه من أعداد للمجاهدين المستعدين للانضمام إلى صفوفها في حال حصول التمكين، والذي يقدرونه بأقل من 20 ألفا من المسلمين في العراق والشام فقط، وهو رقم بالرغم من تواضعه عن حقيقة الواقع، فإنه يبدو بالنسبة إليهم مخيفا، بالنظر إلى كونه يمثل أضعاف ما كان عليه المجاهدون حين فتحَ اللهُ عليهم الأرض ومكن لهم فيها.

وكذلك ينظر الصليبيون بعين التوجس إلى ما يقوم به جنود الخلافة من عمل دؤوب لهدم ما يبنيه أولياؤهم المرتدون من سلطات في المناطق التي تحت أيديهم، من خلال قتل من ينصبونهم لإدارة هذه المناطق، ودفع الكثيرين إلى التوبة عن موالاتهم أو الفرار منها، الأمر الذي يهدد بسحق البنيان الهش للحكم فيها، وإعادة الدولة الإسلامية ملْء الفراغ الحاصل لحكمها مجددا بشرع الله تعالى، ولو قبْل تحقيق التمكين الكامل في الأرض، خاصة وهم ينظرون إلى الخبرات الكبيرة للمجاهدين في إدارة مناطق التمكين في ظل خوضهم للتجارب في هذا المجال على مدى السنوات الماضية.

وفي الوقت نفسه يتابع الصليبيون "حصاد المجاهدين" ليراقبوا تطور حجم العمل العسكري والأمني، ومقدار الخسائر في صفوف أوليائهم، في ظل حالة الاستنزاف المستمر لهم على أيدي جنود الخلافة، ويستدلوا بذلك على تصاعد قوة جنود الخلافة، وتراجع قوة المشركين الذين يقاتلونهم، رغم أن هذا المؤشر لا يظهر حقيقة الواقع بدقة، حيث أن طبيعة الحرب التي يخوضها المجاهدون تتطلب منهم عدم الإعلان عن كل أعمالهم، ولا عن حقيقة انتشارهم، أو حتى العمل بشكل يعكس قدراتهم الحقيقية، لكون طبيعة المعارك في بعض المناطق لا تحتمل التواجد الكثيف ولا التصعيد السريع للعمل، خشية تهديد استمراريته على المدى الطويل.

وتسعى أجهزة الاستخبارات في الوقت نفسه إلى التقصي عن أي معلومات تفيدها في معرفة الموارد المالية للدولة الإسلامية، حجمها، ونموها، ومصادرها، وطريقة وحجم إنفاقها، لتتمكن بذلك من تقدير إمكانيات الدولة الإسلامية الحالية والمستقبلية على تمويل عمل دواوينها المختلفة، وتسليح مجاهديها، والإعداد لعمليات كبرى قد تمهد لاستعادة التمكين في بعض المناطق، أو مده وتوسيعه في مناطق أخرى، أو حتى مساعدة المجاهدين في مناطق جديدة على تأسيس عملهم الجهادي، قبل الإعلان عن انضمامهم إلى جماعة المسلمين.

ومن خلال هذه المؤشرات جميعها، يتبين للصليبيين وأجهزة استخباراتهم ومراكزهم البحثية، أن الدولة الإسلامية ما زالت باقية بالفعل، بعقيدتها ومنهجها وجنودها وجهادها ونكايتها في أعدائها وتمكينها في الأرض وإقامتها للدين في مناطق عديدة منها، وأنها مقبلة -بإذن الله- على عودة سريعة وقوية إلى الأراضي التي انحازت عنها، وأن كل جهودهم الحالية لن تثمر أكثر من تأخير لهذا الأمر، طال الزمان أو قصر.

ولذلك فإن اقتراحات جديدة يجري العمل على إعدادها بناء على التوقعات السابقة، تنصب على وضع خطة لاحتواء الدولة الإسلامية بدل التركيز على هدف القضاء عليها والذي تمكن جنود الخلافة بفضل الله من إثبات صعوبة تحقيقه، خاصة مع اعتراف الصليبيين أن جهود تحالفهم الدولي المكون من 80 دولة ربما لن يكون هناك مزيد عليها في متناولهم خلال السنوات بل والعقود القادمة.

ومن الأفضل أن يكفّ الصليبيون وأولياؤهم وطوائف الكفر والردة كلهم عن الحديث عن زوال الدولة الإسلامية وعودتها، فإن هذا الأمر قد انتهى أوانه -بحمد الله تعالى- فهي ما زالت باقية، لم يُقضَ عليها كما زعم الكذابون ولن يكون ذلك أبدا -بإذن الله- وما زال جنودها يوسّعون من جبهات قتالهم للمشركين يوما بعد يوما حتى تصير الأرض كلها ساحة جهاد واحدة بين فسطاط الإيمان الذي لا نفاق فيه وفسطاط الكفر الذي لا إيمان فيه، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 195
الخميس 14 ذي الحجة 1440 هـ
...المزيد

لم تذهب حتى تعود! بصورة مراوغة، بدأت مخابرات الدول الصليبية تشيع في الأوساط الإعلامية عند ...

لم تذهب حتى تعود!


بصورة مراوغة، بدأت مخابرات الدول الصليبية تشيع في الأوساط الإعلامية عند حديثها عن الدولة الإسلامية عبارة "عائدة وتتمدد"، في إشارة إلى التطورات التي شهدتها الشهور الماضية، والتي دفعت قيادة الجيش الأمريكي والأمم المتحدة إلى إصدار تقارير تحذيرية من تصاعد قوة الدولة الإسلامية في مركز عمليات التحالف الصليبي الدولي المشكل لقتالها، أي في العراق والشام، والتي تهدد باستعادة الدولة الإسلامية التمكين في هذه المناطق، وكذلك إشارة إلى التصاعد في عمليات جنود الخلافة في مناطق مختلفة من العالم، وما صدر أخيرا من إعلان لتواجدهم في مناطق أخرى، اعتبره المحللون بمثابة أحداث "تمدد" جديدة للدولة الإسلامية في العالم.

ويبني أصحاب النظرة الجديدة إلى مستقبل الحرب على الدولة الإسلامية توقعاتهم على مؤشرات عديدة، هي الأسس الشرعية والنظرية والمادية التي يقوم عليها التمكين بكل حال.

فمما يتعلق بالمؤشرات العقدية يقر الصليبيون بفشلهم الذريع في تحريف منهج الدولة الإسلامية، والنجاح المحدود في تشويه هذا المنهج عن طريق وصمه بالخارجية وما شابه، مستدلين على ذلك باستمرار تمسك جنود الخلافة به رغم الحرب الشرسة عليهم، وكذلك استمرار وتصاعد النصرة والتأييد لها من المسلمين في مناطق العالم المختلفة، وما دامت العقيدة قوية منتشرة فستبقى الدولة الإسلامية جاذبة للمجاهدين الذين يقوون أصولها ويشيدون بنيانها بإذن الله تعالى.

ومن المؤشرات المعتمدة لديهم أيضا، ما يتوقعونه من أعداد للمجاهدين المستعدين للانضمام إلى صفوفها في حال حصول التمكين، والذي يقدرونه بأقل من 20 ألفا من المسلمين في العراق والشام فقط، وهو رقم بالرغم من تواضعه عن حقيقة الواقع، فإنه يبدو بالنسبة إليهم مخيفا، بالنظر إلى كونه يمثل أضعاف ما كان عليه المجاهدون حين فتحَ اللهُ عليهم الأرض ومكن لهم فيها.

وكذلك ينظر الصليبيون بعين التوجس إلى ما يقوم به جنود الخلافة من عمل دؤوب لهدم ما يبنيه أولياؤهم المرتدون من سلطات في المناطق التي تحت أيديهم، من خلال قتل من ينصبونهم لإدارة هذه المناطق، ودفع الكثيرين إلى التوبة عن موالاتهم أو الفرار منها، الأمر الذي يهدد بسحق البنيان الهش للحكم فيها، وإعادة الدولة الإسلامية ملْء الفراغ الحاصل لحكمها مجددا بشرع الله تعالى، ولو قبْل تحقيق التمكين الكامل في الأرض، خاصة وهم ينظرون إلى الخبرات الكبيرة للمجاهدين في إدارة مناطق التمكين في ظل خوضهم للتجارب في هذا المجال على مدى السنوات الماضية.

وفي الوقت نفسه يتابع الصليبيون "حصاد المجاهدين" ليراقبوا تطور حجم العمل العسكري والأمني، ومقدار الخسائر في صفوف أوليائهم، في ظل حالة الاستنزاف المستمر لهم على أيدي جنود الخلافة، ويستدلوا بذلك على تصاعد قوة جنود الخلافة، وتراجع قوة المشركين الذين يقاتلونهم، رغم أن هذا المؤشر لا يظهر حقيقة الواقع بدقة، حيث أن طبيعة الحرب التي يخوضها المجاهدون تتطلب منهم عدم الإعلان عن كل أعمالهم، ولا عن حقيقة انتشارهم، أو حتى العمل بشكل يعكس قدراتهم الحقيقية، لكون طبيعة المعارك في بعض المناطق لا تحتمل التواجد الكثيف ولا التصعيد السريع للعمل، خشية تهديد استمراريته على المدى الطويل.

وتسعى أجهزة الاستخبارات في الوقت نفسه إلى التقصي عن أي معلومات تفيدها في معرفة الموارد المالية للدولة الإسلامية، حجمها، ونموها، ومصادرها، وطريقة وحجم إنفاقها، لتتمكن بذلك من تقدير إمكانيات الدولة الإسلامية الحالية والمستقبلية على تمويل عمل دواوينها المختلفة، وتسليح مجاهديها، والإعداد لعمليات كبرى قد تمهد لاستعادة التمكين في بعض المناطق، أو مده وتوسيعه في مناطق أخرى، أو حتى مساعدة المجاهدين في مناطق جديدة على تأسيس عملهم الجهادي، قبل الإعلان عن انضمامهم إلى جماعة المسلمين.

ومن خلال هذه المؤشرات جميعها، يتبين للصليبيين وأجهزة استخباراتهم ومراكزهم البحثية، أن الدولة الإسلامية ما زالت باقية بالفعل، بعقيدتها ومنهجها وجنودها وجهادها ونكايتها في أعدائها وتمكينها في الأرض وإقامتها للدين في مناطق عديدة منها، وأنها مقبلة -بإذن الله- على عودة سريعة وقوية إلى الأراضي التي انحازت عنها، وأن كل جهودهم الحالية لن تثمر أكثر من تأخير لهذا الأمر، طال الزمان أو قصر.

ولذلك فإن اقتراحات جديدة يجري العمل على إعدادها بناء على التوقعات السابقة، تنصب على وضع خطة لاحتواء الدولة الإسلامية بدل التركيز على هدف القضاء عليها والذي تمكن جنود الخلافة بفضل الله من إثبات صعوبة تحقيقه، خاصة مع اعتراف الصليبيين أن جهود تحالفهم الدولي المكون من 80 دولة ربما لن يكون هناك مزيد عليها في متناولهم خلال السنوات بل والعقود القادمة.

ومن الأفضل أن يكفّ الصليبيون وأولياؤهم وطوائف الكفر والردة كلهم عن الحديث عن زوال الدولة الإسلامية وعودتها، فإن هذا الأمر قد انتهى أوانه -بحمد الله تعالى- فهي ما زالت باقية، لم يُقضَ عليها كما زعم الكذابون ولن يكون ذلك أبدا -بإذن الله- وما زال جنودها يوسّعون من جبهات قتالهم للمشركين يوما بعد يوما حتى تصير الأرض كلها ساحة جهاد واحدة بين فسطاط الإيمان الذي لا نفاق فيه وفسطاط الكفر الذي لا إيمان فيه، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 195
الخميس 14 ذي الحجة 1440 هـ
...المزيد

مقال: عنوان السعادة (شكرٌ وصبرٌ واستغفار) قال الإمام شمسُ الدين أبو عبد الله محمد بن قيّم ...

مقال: عنوان السعادة


(شكرٌ وصبرٌ واستغفار)

قال الإمام شمسُ الدين أبو عبد الله محمد بن قيّم الجوزية -رحمه الله- في "الوابلُ الصيّبِ من الكلِمِ الطيّب":

"بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهُ سبحانه وتعالى المسؤولُ المرجوُّ الإجابة أن يتولاكم في الدنيا والآخرة، وأن يُسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وأن يجعلكم ممن إذا أُنعِم عليه شكَر، وإذا ابتُليَ صبَر، وإذا أذنب استغفر، فإن هذه الأمور الثلاثة عنوان سعادة العبد، وعلامة فلاحه في دنياه وأُخراه، ولا ينفكٌّ عبدٌ عنها أبداً، فإن العبدَ دائمُ التقلب بين هذه الأطباق الثلاث.


- إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر

الأول: نِعمٌ من الله تعالى تترادف عليه، فقيْدُها (الشكر) وهو مبنيٌ على ثلاثة أركان: الاعتراف بها باطناً، والتحدث بها ظاهراً، وتصريفها في مرضاة وليّها ومُسدِيها ومُعطيها، فإذا فعلَ ذلك فقد شكرها مع تقصيره في شكرها.

الثاني: محنٌ من الله تعالى يبتليه بها، ففرضُه فيها (الصبر) والتسليم.

والصبر: حبس النفس عن التسخّط بالمقدور، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية كاللطم وشقّ الثياب ونتف الشعر ونحوه.
فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة، فإذا قام به العبد كما ينبغي انقلبت المحنةُ في حقه منحة، واستحالت البليةُ عطيّة، وصار المكروه محبوباً، فإن الله سبحانه وتعالى لم يبْتلِهِ ليُهْلِكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته.

فإن لله تعالى على العبد عبوديةً في الضراء، كما له عليه عبودية في السراء، وله عليه عبودية فيما يكره، كما له عليه عبودية فيما يُحب، وأكثر الخلق يُعطون العبودية فيما يحبون.

والشأن في إعطاء العبودية في المكاره، ففيه تفاوت مراتب العباد، وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى، فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية، ومباشرة زوجته الحسناء التي يحبها عبودية، ونفقته عليها وعلى عياله ونفسه عبودية.

هذا والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية، وتركه المعصية التي اشتدت دواعي نفسُه إليها من غير خوف من الناس عبودية، ونفقته في الضراء عبودية، ولكن فرقٌ عظيم بين العبودتين.

فمن كان عبداً لله في الحالتين، قائماً بحقه في المكروه والمحبوب، فذلك الذي تناوله قوله تعالى: {أليس الله بكاف عبده} [الزمر: 25]، وفي القراءة الأخرى {عباده} وهما سواء، لأن المفرد مضاف فيعم عموم الجمع.

فالكفاية التامة مع العبودية التامة، والناقصة مع الناقصة، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

وهؤلاء هم عباده الذين ليس لعدوه عليهم سلطان، قال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر: 22].

ولما علِم عدو الله إبليس أن الله تعالى لا يُسْلِم عباده إليه ولا يسلّطه عليهم قال: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: 82-83]. وقال تعالى: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين * وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك} [سبأ: 21].
فلم يجعل لعدوه سلطاناً على عباده المؤمنين، فإنهم في حِرْزِه وكلاءته، وحفظه وتحت كَنَفِه، وإن اغتال عدُّوه أحدَهم كما يغتال اللصُ الرجلَ الغافل فهذا لا بد منه، لأن العبد قد بُلي بالغفلة والشهوة والغضب، ودخوله على العبد من هذه الأبواب الثلاثة ولو احترز العبد ما احترز، فلا بد له من غفلة ولا بد له من شهوة ولا بد له من غضب.

وقد كان آدم أبو البشر (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من أحلم الخلق وأرجحهم عقلاً وأثبتهم، ومع هذا فلم يزل به عدوُّ الله حتى أوقعه فيه، فما الظن بفراشة الحِلْمِ ومن عقلُه في جنب عقل أبيه كتفلةٍ في بحر؟!

ولكن عدوُّ الله لا يخلُصُ إلى المؤمن إلا غيلةً على غِرةٍ وغفلة، فيوقعه ويظن أنه لا يستقبل ربه عز وجل بعدها، وأن تلك الوقعة قد اجتاحته وأهلكته، وفضل الله تعالى ورحمته وعفوه ومغفرته وراء ذلك كله.


- الانكسار باب التوبة والاستغفار

فإذا أراد الله بعبده خيراً فتَح له من أبواب (التوبة) والندم والانكسار والذل والافتقار والاستعانة به وصِدق اللَّجأ إليه ودوام التضرع والدعاء والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات، ما تكون تلك السيئة به سبب رحمته، حتى يقول عدو الله: يا ليتني تركته ولم أُوْقِعهُ.

وهذا معنى قول بعض السلف: إن العبد ليعمل الذنب يدخل به الجنة، ويعمل الحسنة يدخل بها النار، قالوا: كيف؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصْبَ عينيه، منه مشفقاً وجلاً باكياً نادماً، مستحياً من ربه تعالى، ناكسَ الرأس بين يديه، منكسرَ القلب له، فيكون ذلك الذنب أنفع له من طاعات كثيرة بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادة العبد وفلاحه، حتى يكون ذلك الذنب سبب دخوله الجنة.

ويفعل الحسنة فلا يزال يمنّ بها على ربه، ويتكبر بها، ويرى نفسه ويعجب بها ويستطيل بها ويقول فعلت وفعلت، فيورثه من العجب والكبر والفخر والاستطالة ما يكون سبب هلاكه.

فإذا أراد الله تعالى بهذا المسكين خيراً ابتلاه بأمر يَكْسرُه به ويُذِلُّ به عُنُقَه ويُصَغّرُ به نفسه عنده، وإن أراد به غير ذلك خلّاهُ وعُجْبَه وكِبْرَه، وهذا هو الخذلان الموجب لهلاكه، فإن العارفين كلهم مجمعون على أن التوفيق أن لا يكِلَكَ اللهُ تعالى إلى نفسك، والخذلان أن يكِلَكَ اللهُ تعالى إلى نفسك.

فمن أراد الله به خيراً فتح له باب الذل والانكسار، ودوام اللَّجَأِ إلى الله تعالى والافتقار إليه، ورؤية عيوب نفسه وجهلها وعدوانها، ومشاهدة فضل ربه وإحسانه ورحمته وجوده وبِرّه وغَناه وحمده.
فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين الجناحين، لا يمكنه أن يسير إلا بهما، فمتى فاته واحد منهما فهو كالطير الذي فقد أحد جناحيه.


- وإذا أذنب استغفَر

قال شيخ الإسلام: "العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المِنّة ومطالعة عيب النفس والعمل".

وهذا معنى قوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في الحديث الصحيح من حديث بريدة رضي الله تعالى عنه: (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) [رواه البخاري].

فجمع في قوله (صلى الله عليه وسلم): "أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي"، بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل.

فمشاهدة المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لوليّ النعم والإحسان، ومطالعةُ عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل وقت، وأن لا يرى نفسه إلا مُفلساً.

وأقربُ باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس فلا يرى لنفسه حالاً ولا مقاماً ولا سبباً يتعلق به ولا وسيلة منه يمنّ بها، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصِّرْف، والإفلاس المحْض، دخولَ من كسر الفقرُ والمسكنةُ قلبَه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه فانصدع، وشملته الكَسْرةُ من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربه عز وجل، وكمال فاقته وفقره إليه، وأن في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة، وضرورة كاملة إلى ربه تبارك وتعالى، وأنه إن تخلى عنه طرفة عين هَلَكَ وخسِر خسارة لا تُجْبَر، إلا أن يعود اللهُ تعالى عليه ويتداركه برحمته.

ولا طريق إلى الله أقرب من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الدعوى. والعبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها: حب كامل، وذل تام.

ومنشأ هذين الأصلين عن ذيْنِكَ الأصليْن المتقدميْن، وهما: مشاهدة المنة التي تورث المحبة، ومطالعة عيب النفس والعمل التي تورث الذل التام، وإذا كان العبد قد بنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يظفر عدوه به إلا على غِرّة وغفلة، وما أسرع ما يُنْعشُهُ اللهُ عز وجل ويَجْبُره ويتداركه برحمته". [التبويبات بتصرف].



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 194
الخميس 7 ذو الحجة 1440 هـ
...المزيد

مقال: عنوان السعادة (شكرٌ وصبرٌ واستغفار) قال الإمام شمسُ الدين أبو عبد الله محمد بن قيّم ...

مقال: عنوان السعادة


(شكرٌ وصبرٌ واستغفار)

قال الإمام شمسُ الدين أبو عبد الله محمد بن قيّم الجوزية -رحمه الله- في "الوابلُ الصيّبِ من الكلِمِ الطيّب":

"بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهُ سبحانه وتعالى المسؤولُ المرجوُّ الإجابة أن يتولاكم في الدنيا والآخرة، وأن يُسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وأن يجعلكم ممن إذا أُنعِم عليه شكَر، وإذا ابتُليَ صبَر، وإذا أذنب استغفر، فإن هذه الأمور الثلاثة عنوان سعادة العبد، وعلامة فلاحه في دنياه وأُخراه، ولا ينفكٌّ عبدٌ عنها أبداً، فإن العبدَ دائمُ التقلب بين هذه الأطباق الثلاث.


- إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر

الأول: نِعمٌ من الله تعالى تترادف عليه، فقيْدُها (الشكر) وهو مبنيٌ على ثلاثة أركان: الاعتراف بها باطناً، والتحدث بها ظاهراً، وتصريفها في مرضاة وليّها ومُسدِيها ومُعطيها، فإذا فعلَ ذلك فقد شكرها مع تقصيره في شكرها.

الثاني: محنٌ من الله تعالى يبتليه بها، ففرضُه فيها (الصبر) والتسليم.

والصبر: حبس النفس عن التسخّط بالمقدور، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية كاللطم وشقّ الثياب ونتف الشعر ونحوه.
فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة، فإذا قام به العبد كما ينبغي انقلبت المحنةُ في حقه منحة، واستحالت البليةُ عطيّة، وصار المكروه محبوباً، فإن الله سبحانه وتعالى لم يبْتلِهِ ليُهْلِكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته.

فإن لله تعالى على العبد عبوديةً في الضراء، كما له عليه عبودية في السراء، وله عليه عبودية فيما يكره، كما له عليه عبودية فيما يُحب، وأكثر الخلق يُعطون العبودية فيما يحبون.

والشأن في إعطاء العبودية في المكاره، ففيه تفاوت مراتب العباد، وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى، فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية، ومباشرة زوجته الحسناء التي يحبها عبودية، ونفقته عليها وعلى عياله ونفسه عبودية.

هذا والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية، وتركه المعصية التي اشتدت دواعي نفسُه إليها من غير خوف من الناس عبودية، ونفقته في الضراء عبودية، ولكن فرقٌ عظيم بين العبودتين.

فمن كان عبداً لله في الحالتين، قائماً بحقه في المكروه والمحبوب، فذلك الذي تناوله قوله تعالى: {أليس الله بكاف عبده} [الزمر: 25]، وفي القراءة الأخرى {عباده} وهما سواء، لأن المفرد مضاف فيعم عموم الجمع.

فالكفاية التامة مع العبودية التامة، والناقصة مع الناقصة، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

وهؤلاء هم عباده الذين ليس لعدوه عليهم سلطان، قال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر: 22].

ولما علِم عدو الله إبليس أن الله تعالى لا يُسْلِم عباده إليه ولا يسلّطه عليهم قال: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: 82-83]. وقال تعالى: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين * وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك} [سبأ: 21].
فلم يجعل لعدوه سلطاناً على عباده المؤمنين، فإنهم في حِرْزِه وكلاءته، وحفظه وتحت كَنَفِه، وإن اغتال عدُّوه أحدَهم كما يغتال اللصُ الرجلَ الغافل فهذا لا بد منه، لأن العبد قد بُلي بالغفلة والشهوة والغضب، ودخوله على العبد من هذه الأبواب الثلاثة ولو احترز العبد ما احترز، فلا بد له من غفلة ولا بد له من شهوة ولا بد له من غضب.

وقد كان آدم أبو البشر (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من أحلم الخلق وأرجحهم عقلاً وأثبتهم، ومع هذا فلم يزل به عدوُّ الله حتى أوقعه فيه، فما الظن بفراشة الحِلْمِ ومن عقلُه في جنب عقل أبيه كتفلةٍ في بحر؟!

ولكن عدوُّ الله لا يخلُصُ إلى المؤمن إلا غيلةً على غِرةٍ وغفلة، فيوقعه ويظن أنه لا يستقبل ربه عز وجل بعدها، وأن تلك الوقعة قد اجتاحته وأهلكته، وفضل الله تعالى ورحمته وعفوه ومغفرته وراء ذلك كله.


- الانكسار باب التوبة والاستغفار

فإذا أراد الله بعبده خيراً فتَح له من أبواب (التوبة) والندم والانكسار والذل والافتقار والاستعانة به وصِدق اللَّجأ إليه ودوام التضرع والدعاء والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات، ما تكون تلك السيئة به سبب رحمته، حتى يقول عدو الله: يا ليتني تركته ولم أُوْقِعهُ.

وهذا معنى قول بعض السلف: إن العبد ليعمل الذنب يدخل به الجنة، ويعمل الحسنة يدخل بها النار، قالوا: كيف؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصْبَ عينيه، منه مشفقاً وجلاً باكياً نادماً، مستحياً من ربه تعالى، ناكسَ الرأس بين يديه، منكسرَ القلب له، فيكون ذلك الذنب أنفع له من طاعات كثيرة بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادة العبد وفلاحه، حتى يكون ذلك الذنب سبب دخوله الجنة.

ويفعل الحسنة فلا يزال يمنّ بها على ربه، ويتكبر بها، ويرى نفسه ويعجب بها ويستطيل بها ويقول فعلت وفعلت، فيورثه من العجب والكبر والفخر والاستطالة ما يكون سبب هلاكه.

فإذا أراد الله تعالى بهذا المسكين خيراً ابتلاه بأمر يَكْسرُه به ويُذِلُّ به عُنُقَه ويُصَغّرُ به نفسه عنده، وإن أراد به غير ذلك خلّاهُ وعُجْبَه وكِبْرَه، وهذا هو الخذلان الموجب لهلاكه، فإن العارفين كلهم مجمعون على أن التوفيق أن لا يكِلَكَ اللهُ تعالى إلى نفسك، والخذلان أن يكِلَكَ اللهُ تعالى إلى نفسك.

فمن أراد الله به خيراً فتح له باب الذل والانكسار، ودوام اللَّجَأِ إلى الله تعالى والافتقار إليه، ورؤية عيوب نفسه وجهلها وعدوانها، ومشاهدة فضل ربه وإحسانه ورحمته وجوده وبِرّه وغَناه وحمده.
فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين الجناحين، لا يمكنه أن يسير إلا بهما، فمتى فاته واحد منهما فهو كالطير الذي فقد أحد جناحيه.


- وإذا أذنب استغفَر

قال شيخ الإسلام: "العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المِنّة ومطالعة عيب النفس والعمل".

وهذا معنى قوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في الحديث الصحيح من حديث بريدة رضي الله تعالى عنه: (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) [رواه البخاري].

فجمع في قوله (صلى الله عليه وسلم): "أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي"، بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل.

فمشاهدة المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لوليّ النعم والإحسان، ومطالعةُ عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل وقت، وأن لا يرى نفسه إلا مُفلساً.

وأقربُ باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس فلا يرى لنفسه حالاً ولا مقاماً ولا سبباً يتعلق به ولا وسيلة منه يمنّ بها، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصِّرْف، والإفلاس المحْض، دخولَ من كسر الفقرُ والمسكنةُ قلبَه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه فانصدع، وشملته الكَسْرةُ من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربه عز وجل، وكمال فاقته وفقره إليه، وأن في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة، وضرورة كاملة إلى ربه تبارك وتعالى، وأنه إن تخلى عنه طرفة عين هَلَكَ وخسِر خسارة لا تُجْبَر، إلا أن يعود اللهُ تعالى عليه ويتداركه برحمته.

ولا طريق إلى الله أقرب من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الدعوى. والعبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها: حب كامل، وذل تام.

ومنشأ هذين الأصلين عن ذيْنِكَ الأصليْن المتقدميْن، وهما: مشاهدة المنة التي تورث المحبة، ومطالعة عيب النفس والعمل التي تورث الذل التام، وإذا كان العبد قد بنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يظفر عدوه به إلا على غِرّة وغفلة، وما أسرع ما يُنْعشُهُ اللهُ عز وجل ويَجْبُره ويتداركه برحمته". [التبويبات بتصرف].



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 194
الخميس 7 ذو الحجة 1440 هـ
...المزيد

يلعنون "أستانة" ويتبركون بمخرجاتها لعقود من الزمن، لعن النظامُ النصيري الطاغوت (أنور السادات) ...

يلعنون "أستانة" ويتبركون بمخرجاتها


لعقود من الزمن، لعن النظامُ النصيري الطاغوت (أنور السادات) وجعل منه رمزا للخيانة والعمالة لليهود والصليبيين، وكذا فعلت الأحزابُ القومية، وأختها المنتسبة إلى الإسلام زورا من مشتقات الإخوان المرتدين، ليتبيّن لاحقا أن سبب عداوة الطاغوت (حافظ الأسد) له، ورفضه للاتفاق الذي عقده مع اليهود في (كامب ديفيد) إنما كان لعدم انتظاره أن يكون الأخير معه في المفاوضات، وأن يشاركه توقيع الاتفاق، لا لكون ما فعله خيانة وعمالة كما كان يُردد في بياناته الحزبية، ونشراته الإعلامية.

وقد رأينا أيضا الإخوان المرتدين والقوميين العروبيين وإخوانهم من الاشتراكيين وغيرهم يلعنون الطاغوت (ياسر عرفات) لتوقيعه اتفاق (أوسلو) مع اليهود، وينبزونه بالخيانة والعمالة لذلك، في الوقت الذي رأيناهم على مدى ربع قرن ملتزمين بهذا الاتفاق ومخرجاته، فرحين بما أوتوه بفضله من أموال ووظائف، وأوراق ثبوتية وتسهيلات في الحركة والنشاط، وقدرات أكبر على التنظيم والتحزب، بل وتشكيل الحكومات، وتعيين الوزراء والسفراء، وعقد الاتفاقيات، وحماية لفصائلهم وسلاحهم، بل نرى أكثرهم اليوم يُعلنون مطالبتهم بدولةٍ على أساس حدود اتفاق (أوسلو) ومخرجاته، فهم يتبرّكون بالاتفاق الذي يَلعنون من وقّع عليه!

واليوم نرى تكرارا لهذه المسرحيات النفاقية في الشام، تلعبُ فيها فصائلُ الصحوات المرتدة دورَ الرافض لاجتماعات "أستانة"، وتَلعن المشاركين فيه من "المعارضة"، وتُعلن رفضها لكل ما يخرج عن تلك الاجتماعات من قرارات، في الوقت الذي تُطبّق فيه على الأرض كلَ تلك القرارات بالتزام وإخلاص، وتُذعن لكل ما تريده منها الحكومةُ التركية المرتدة التي تُعتبر مُمثلاً عنها وناطقاً باسمها في تلك الاجتماعات مع النظام النصيري والممثلين عنه من الروس والإيرانيين.

ليتبيّن أن عداء الفصائل لمؤتمر "أستانة" إنما سببه عدم دعوتها لحضوره، والمشاركة في التوقيع على قراراته، بغضّ النظر عن طبيعتها، إذ يكفيها من ذلك أن تَعتبر ذلك -لو جرى- اعترافاً من الطواغيت والصليبيين بوجودها، واهتماماً برأيها فيما يتعلق بمستقبل الصراع مع النظام النصيري، الذي تزعم أنها وحدها من يُقرره.

وهكذا رأينا أولئك المرتدين يرافقون الأرتال التركية الداخلة إلى إدلب، ويعينونها على إنشاء القواعد العسكرية ونقاط المراقبة التي وظيفتها مراقبة وضمان تنفيذ مقررات "أستانة" و"سوتشي".

ورأينا خطوط الصراع تلتزم بالخط الواصل بين تلك النقاط، فلا يكون قتال، أو يكون بشكل تظاهري لا أكثر عندما يتقدم الجيشُ النصيري إلى المناطق التي وافق الأتراكُ على جعلها في أيديهم، كما حصل في مناطق "شرق السكة"، ويكون دفاعٌ مستميتٌ وقتالٌ شرسٌ في المناطق التي لم يحصل اتفاق بين الأتراك والروس على دخول الجيش النصيري إليها، كما حصل مؤخرا في "جنوب إدلب"، ورأينا من يَلعنون الهدن، ويخوّنون الموافقين عليها، أكثر الناس التزاما بها، ثم باتوا لا يخجلون من إعلان الموافقة عليها، والتصريح بأن قتالهم للجيش النصيري لن يكون إلا في إطار "حق الدفاع عن النفس"، ويعنون بذلك أنهم ملتزمون تماما بحدود السيطرة التي ترسمها نقاطُ المراقبة التركية، بحيث لا يكون أي فعل من الجيش النصيري عدوانا ما لم يتجاوز هذه الحدود التي رسمتها "أستانة".

ومن تابع التصريحات بخصوص اجتماع "أستانة" الأخير، لا يغيب عنه تراجعٌ في حدة الرفض لها، وخفوتٌ في الأصوات اللاعنة لمن حضرها، خشيةً من إغضاب الحكومة التركية المرتدة من جهة، ومن جهة أخرى لأن أكثر قادة الصحوات باتوا لا يخفون مطالباتهم أن يكونوا هم الممثلين لصف "المعارضة" في "أستانة" وغيرها من المؤتمرات وجلسات التفاوض، باعتبارهم هم من يملك الوجود على الأرض في إدلب وحلب، بخلاف ممثلي "الائتلاف" و"هيئة التفاوض" المرتدين.

وكذلك فإن تلك الفصائل المرتدة تسعى جهدها للظهور بمظهر الملتزِم بأيّ قرارات تُصدرها الدولُ الصليبية وحكومات الطواغيت الموالية لها، لظنها أن ذلك سيؤدي إلى رضاهم عن حكمها الطاغوتي للمناطق التي يسيطرون عليها، وإمكان القَبول بدخولهم في شراكةٍ مع العلمانيين بل وحتى النظام النصيري في حكومات مستقبلية، بعد يأسهم من أن يكونوا بديلاً مقبولاً -من الدول الصليبية- عن ذلك النظام.

وبينما لا زال مرتدو الصحوات يزعمون أن ثورتهم "مستمرة" وأن هدف "إسقاط النظام" لم يبرح على رأس أولوياتهم، فإنهم يردون على من لامهم على التزامهم بمقررات "أستانة" المختلفة بأن لا بديل عنها إلا مصير الرقة والموصل، ويقصدون بذلك التعرض للقصف وتهديد سيطرتهم الهشّة على المناطق التي يُمنّونَ أنفسهم أن يحكموها بأي ثمن، وهم بذلك يُقرّون على أنفسهم، أنهم امتنعوا عن إقامة الدين والالتزام بشرائعه للحفاظ على استمرارية ثورتهم زعموا، ثم هم اليوم يتخلون عن تلك الأهداف المزعومة بل ويتخلون عن "الثورة" ذاتها للحفاظ على ما بقي تحت أيديهم من أرض يحكمونها بغير شرع الله تعالى، ثم لن يطول بهم الزمن حتى يتخلوا عن تلك الأرض أيضا وما عليها من سكان، ويسلموها للنظام النصيري للحفاظ على ما بأيديهم من أموال السحت التي جمعوها من عرق ودماء أتباعهم السفهاء، والحفاظ على مناصبهم في الفصائل التي يأملون أن تتحول إلى مناصب في النظام الطاغوتي الجديد الذي يجري العمل على تأسيسه في "أستانة" وغيرها.

وكما هو الحال في كلِ كفرٍ يركبه المجرمون أو معصية يستبيحونها، لن يطول الزمان بهؤلاء المرتدين حتى تتحول "أستانة" ومقرراتها إلى وثنٍ معبود يتبركون به طلباً للحفاظ على مكتسباتهم التي سيهددها النصيريةُ وحلفاؤهم باستمرار، وسيصير التزامُهم بها وبشريعتها من أحب العبادات التي يتقربون بها إلى الصليبيين وأوليائهم من طواغيت تركيا وقطر، كحال إخوانهم المرتدين من أتباع "حماس" مع "أوسلو"، ولن يزيد الله تعالى الظالمين إلا خسارا.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 194
الخميس 7 ذو الحجة 1440 هـ
...المزيد

يلعنون "أستانة" ويتبركون بمخرجاتها لعقود من الزمن، لعن النظامُ النصيري الطاغوت (أنور السادات) ...

يلعنون "أستانة" ويتبركون بمخرجاتها


لعقود من الزمن، لعن النظامُ النصيري الطاغوت (أنور السادات) وجعل منه رمزا للخيانة والعمالة لليهود والصليبيين، وكذا فعلت الأحزابُ القومية، وأختها المنتسبة إلى الإسلام زورا من مشتقات الإخوان المرتدين، ليتبيّن لاحقا أن سبب عداوة الطاغوت (حافظ الأسد) له، ورفضه للاتفاق الذي عقده مع اليهود في (كامب ديفيد) إنما كان لعدم انتظاره أن يكون الأخير معه في المفاوضات، وأن يشاركه توقيع الاتفاق، لا لكون ما فعله خيانة وعمالة كما كان يُردد في بياناته الحزبية، ونشراته الإعلامية.

وقد رأينا أيضا الإخوان المرتدين والقوميين العروبيين وإخوانهم من الاشتراكيين وغيرهم يلعنون الطاغوت (ياسر عرفات) لتوقيعه اتفاق (أوسلو) مع اليهود، وينبزونه بالخيانة والعمالة لذلك، في الوقت الذي رأيناهم على مدى ربع قرن ملتزمين بهذا الاتفاق ومخرجاته، فرحين بما أوتوه بفضله من أموال ووظائف، وأوراق ثبوتية وتسهيلات في الحركة والنشاط، وقدرات أكبر على التنظيم والتحزب، بل وتشكيل الحكومات، وتعيين الوزراء والسفراء، وعقد الاتفاقيات، وحماية لفصائلهم وسلاحهم، بل نرى أكثرهم اليوم يُعلنون مطالبتهم بدولةٍ على أساس حدود اتفاق (أوسلو) ومخرجاته، فهم يتبرّكون بالاتفاق الذي يَلعنون من وقّع عليه!

واليوم نرى تكرارا لهذه المسرحيات النفاقية في الشام، تلعبُ فيها فصائلُ الصحوات المرتدة دورَ الرافض لاجتماعات "أستانة"، وتَلعن المشاركين فيه من "المعارضة"، وتُعلن رفضها لكل ما يخرج عن تلك الاجتماعات من قرارات، في الوقت الذي تُطبّق فيه على الأرض كلَ تلك القرارات بالتزام وإخلاص، وتُذعن لكل ما تريده منها الحكومةُ التركية المرتدة التي تُعتبر مُمثلاً عنها وناطقاً باسمها في تلك الاجتماعات مع النظام النصيري والممثلين عنه من الروس والإيرانيين.

ليتبيّن أن عداء الفصائل لمؤتمر "أستانة" إنما سببه عدم دعوتها لحضوره، والمشاركة في التوقيع على قراراته، بغضّ النظر عن طبيعتها، إذ يكفيها من ذلك أن تَعتبر ذلك -لو جرى- اعترافاً من الطواغيت والصليبيين بوجودها، واهتماماً برأيها فيما يتعلق بمستقبل الصراع مع النظام النصيري، الذي تزعم أنها وحدها من يُقرره.

وهكذا رأينا أولئك المرتدين يرافقون الأرتال التركية الداخلة إلى إدلب، ويعينونها على إنشاء القواعد العسكرية ونقاط المراقبة التي وظيفتها مراقبة وضمان تنفيذ مقررات "أستانة" و"سوتشي".

ورأينا خطوط الصراع تلتزم بالخط الواصل بين تلك النقاط، فلا يكون قتال، أو يكون بشكل تظاهري لا أكثر عندما يتقدم الجيشُ النصيري إلى المناطق التي وافق الأتراكُ على جعلها في أيديهم، كما حصل في مناطق "شرق السكة"، ويكون دفاعٌ مستميتٌ وقتالٌ شرسٌ في المناطق التي لم يحصل اتفاق بين الأتراك والروس على دخول الجيش النصيري إليها، كما حصل مؤخرا في "جنوب إدلب"، ورأينا من يَلعنون الهدن، ويخوّنون الموافقين عليها، أكثر الناس التزاما بها، ثم باتوا لا يخجلون من إعلان الموافقة عليها، والتصريح بأن قتالهم للجيش النصيري لن يكون إلا في إطار "حق الدفاع عن النفس"، ويعنون بذلك أنهم ملتزمون تماما بحدود السيطرة التي ترسمها نقاطُ المراقبة التركية، بحيث لا يكون أي فعل من الجيش النصيري عدوانا ما لم يتجاوز هذه الحدود التي رسمتها "أستانة".

ومن تابع التصريحات بخصوص اجتماع "أستانة" الأخير، لا يغيب عنه تراجعٌ في حدة الرفض لها، وخفوتٌ في الأصوات اللاعنة لمن حضرها، خشيةً من إغضاب الحكومة التركية المرتدة من جهة، ومن جهة أخرى لأن أكثر قادة الصحوات باتوا لا يخفون مطالباتهم أن يكونوا هم الممثلين لصف "المعارضة" في "أستانة" وغيرها من المؤتمرات وجلسات التفاوض، باعتبارهم هم من يملك الوجود على الأرض في إدلب وحلب، بخلاف ممثلي "الائتلاف" و"هيئة التفاوض" المرتدين.

وكذلك فإن تلك الفصائل المرتدة تسعى جهدها للظهور بمظهر الملتزِم بأيّ قرارات تُصدرها الدولُ الصليبية وحكومات الطواغيت الموالية لها، لظنها أن ذلك سيؤدي إلى رضاهم عن حكمها الطاغوتي للمناطق التي يسيطرون عليها، وإمكان القَبول بدخولهم في شراكةٍ مع العلمانيين بل وحتى النظام النصيري في حكومات مستقبلية، بعد يأسهم من أن يكونوا بديلاً مقبولاً -من الدول الصليبية- عن ذلك النظام.

وبينما لا زال مرتدو الصحوات يزعمون أن ثورتهم "مستمرة" وأن هدف "إسقاط النظام" لم يبرح على رأس أولوياتهم، فإنهم يردون على من لامهم على التزامهم بمقررات "أستانة" المختلفة بأن لا بديل عنها إلا مصير الرقة والموصل، ويقصدون بذلك التعرض للقصف وتهديد سيطرتهم الهشّة على المناطق التي يُمنّونَ أنفسهم أن يحكموها بأي ثمن، وهم بذلك يُقرّون على أنفسهم، أنهم امتنعوا عن إقامة الدين والالتزام بشرائعه للحفاظ على استمرارية ثورتهم زعموا، ثم هم اليوم يتخلون عن تلك الأهداف المزعومة بل ويتخلون عن "الثورة" ذاتها للحفاظ على ما بقي تحت أيديهم من أرض يحكمونها بغير شرع الله تعالى، ثم لن يطول بهم الزمن حتى يتخلوا عن تلك الأرض أيضا وما عليها من سكان، ويسلموها للنظام النصيري للحفاظ على ما بأيديهم من أموال السحت التي جمعوها من عرق ودماء أتباعهم السفهاء، والحفاظ على مناصبهم في الفصائل التي يأملون أن تتحول إلى مناصب في النظام الطاغوتي الجديد الذي يجري العمل على تأسيسه في "أستانة" وغيرها.

وكما هو الحال في كلِ كفرٍ يركبه المجرمون أو معصية يستبيحونها، لن يطول الزمان بهؤلاء المرتدين حتى تتحول "أستانة" ومقرراتها إلى وثنٍ معبود يتبركون به طلباً للحفاظ على مكتسباتهم التي سيهددها النصيريةُ وحلفاؤهم باستمرار، وسيصير التزامُهم بها وبشريعتها من أحب العبادات التي يتقربون بها إلى الصليبيين وأوليائهم من طواغيت تركيا وقطر، كحال إخوانهم المرتدين من أتباع "حماس" مع "أوسلو"، ولن يزيد الله تعالى الظالمين إلا خسارا.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 194
الخميس 7 ذو الحجة 1440 هـ
...المزيد

ومن خلال هذه المؤشرات جميعها، يتبين للصليبيين وأجهزة استخباراتهم ومراكزهم البحثية، أن الدولة ...

ومن خلال هذه المؤشرات جميعها، يتبين للصليبيين وأجهزة استخباراتهم ومراكزهم البحثية، أن الدولة الإسلامية ما زالت باقية بالفعل، بعقيدتها ومنهجها وجنودها وجهادها ونكايتها في أعدائها وتمكينها في الأرض وإقامتها للدين في مناطق عديدة منها، وأنها مقبلة -بإذن الله- على عودة سريعة وقوية إلى الأراضي التي انحازت عنها، وأن كل جهودهم الحالية لن تثمر أكثر من تأخير لهذا الأمر، طال الزمان أو قصر.

ولذلك فإن اقتراحات جديدة يجري العمل على إعدادها بناء على التوقعات السابقة، تنصب على وضع خطة لاحتواء الدولة الإسلامية بدل التركيز على هدف القضاء عليها والذي تمكن جنود الخلافة بفضل الله من إثبات صعوبة تحقيقه، خاصة مع اعتراف الصليبيين أن جهود تحالفهم الدولي المكون من 80 دولة ربما لن يكون هناك مزيد عليها في متناولهم خلال السنوات بل والعقود القادمة.

ومن الأفضل أن يكفّ الصليبيون وأولياؤهم وطوائف الكفر والردة كلهم عن الحديث عن زوال الدولة الإسلامية وعودتها، فإن هذا الأمر قد انتهى أوانه -بحمد الله تعالى- فهي ما زالت باقية، لم يُقضَ عليها كما زعم الكذابون ولن يكون ذلك أبدا -بإذن الله- وما زال جنودها يوسّعون من جبهات قتالهم للمشركين يوما بعد يوما حتى تصير الأرض كلها ساحة جهاد واحدة بين فسطاط الإيمان الذي لا نفاق فيه وفسطاط الكفر الذي لا إيمان فيه، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 195
الخميس 14 ذي الحجة 1440 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
15 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً