"التيار الجهادي" المزعوم والولاءات المتناقضة من جديد يبدي مرتدو الصحوات في الشام غضبهم من ...

"التيار الجهادي" المزعوم والولاءات المتناقضة


من جديد يبدي مرتدو الصحوات في الشام غضبهم من التصريحات المخزية لقادة حركة "حماس" المرتدة، والتي يؤكدون فيها على التحالف والولاء مع الروافض والنصيرية في إيران والعراق والشام، ويمتدحون فيها طواغيتهم المشركين وقادتهم الذين أوغلوا في دماء أهل السنة والجماعة في مختلف البلدان.وينطلق قادة الحركة المرتدون من أصولهم "الإخوانية" التي قرّرت لهم منذ تأسيس جماعتهم الضالة أن المنفعة المظنونة مقدمة لديهم على نصوص الكتاب والسنة، وأن لكل منهم أن يعمل بموجب تلك المنفعة التي يستجلبها لنفسه، ولو كان في ذلك ضررا ومفسدة على إخوانه المنتسبين إلى فروع أخرى للجماعة في بلدان أخرى، فضلا عن بقية المسلمين الذين يزعمون الانتساب إليهم والولاء لهم، وأنه لا ينكر فرع من فروعهم على فرع آخر في ما يعمله مهما ولغ في الكفر والردة، واعتبار كل قراراتهم اجتهادات شرعية يؤجرون عليها مهما كان ضلالها وسوء عاقبتها.

وهكذا رأينا أتباع كل فرع منهم يوالي الطواغيت الذين ينكلون بإخوانهم في بلدان أخرى، كما حصل مع الإخوان المرتدين في سوريا الذين دخلوا في طاعة الطاغوت "جمال عبد الناصر" في أوج فترة مذابحه بحق الإخوان المرتدين في مصر، ورأيناهم كذلك يوالون الطاغوت "صدام حسين" الذي نكل بإخوانهم في العراق وشرّدهم من الأرض وأعدم بعض قادتهم، ورأينا الإخوان المرتدين في مصر يوالون الطاغوت "الخميني" في الوقت الذي كان ينكل بالمسلمين في إيران، ويرسل صواريخه وطائراته لقصف المسلمين في العراق أثناء قتاله مع حزب البعث، ورأيناهم في مختلف البلدان يوالون الطواغيت من آل سعود في الوقت الذي كان هؤلاء يدعمون فيه النصارى والشيوعيين لقتال حكومة الإخوان المرتدين في جنوب السودان.

بل وتتسع عقلية الإخوان المرتدين لقبول هذا النوع من الولاءات المتناقضة حتى داخل البلد الواحد، إذ تكرر أن يوالي طرف من الإخوان المرتدين الطواغيت الحاكمين في بعض البلدان في الوقت الذي يخوض فيه إخوانهم صراعا ضدهم، لقاء الحصول على بعض المناصب وبعض التسهيلات من أجهزة المخابرات، كما فعل الطاغوت "نحناح" في الجزائر وطواغيت "الحزب الإسلامي" في العراق على سبيل المثال.

وإن هذا الاستنكار من مرتدي الصحوات في الشام على فعل إخوانهم من طواغيت "حركة حماس" كونهم يجعلونها جزءا مما يسمونه "التيار الجهادي" ويرون في فعالها خيانة لبقية أحزاب هذا التيار المزعوم لهو أمر غريب حقا، فإن هذه الأحزاب نفسها غير بريئة اليوم مما وقعت فيه أخواتها من أحزاب الإخوان المرتدين، وشواهد السنوات الأخيرة خير دليل على صدق هذه الدعوى.

فأحزاب "التيار الجهادي" المزعوم في ليبيا موالية صراحة لتركيا وإيطاليا وغيرها من دول الناتو التي هي في اشتباك مباشر مع أحزاب أخرى منه في أفغانستان والصومال، دون أن تستنكر الأخيرة على الأولى هذه الموالاة من أخواتها لأعدائها، وأحزابه في الشام متولية لطواغيت تركيا وقطر، الداعمين لطواغيت الصومال ومالي في قتال أحزاب أخرى من التيار المزعوم في تلك البلدان، وكذلك نرى من حركة "طالبان" المرتدة التي هي رأس في تيارهم تطلب ود وصداقة المشركين في روسيا وإيران في الوقت الذي يرتكبون في المجازر بحق المسلمين في الشام، ويقاتلون منذ سنين أحزاب تيارهم التي تؤيد توجهات "طالبان" وتفرح لرؤية طواغيتها في موسكو وطهران، وعموما لا نسمع من أي أحزابهم طلبا من إخوانهم أن يتبرؤوا من الكفار والمرتدين الذين يقاتلونهم، وذلك اتباعا لقاعدة إخوانهم من أحزاب "الإخوان المرتدين" في ضبط العلاقة داخل جماعتهم أو تيارهم الخاص، وكذلك لأن أكثرهم واقعون في الأمر نفسه ويخشون أن يطلب منهم البراءة أيضا من الطواغيت والمشركين الذين يوالونهم.
وهكذا نجد أن العلاقة بين أحزاب "التيار الجهادي" المزعوم وهي تدّعي الإخاء والولاء لا ترقى حتى إلى التحالف الذي نجده بين طوائف المشركين ودولهم وهم مختلفون متفرقون في مللهم وأديانهم، فلا يجمعهم في الحقيقة إلا دعاوى عريضة بنصرة أمة المسلمين والسعي لإقامة الدين، والتي أثبتوا في مواقف كثيرة كذبهم فيها وخداعهم لمن صدقهم واتبعهم لأجلها.

وهذه الولاءات والتحالفات المتناقضة لا نراها بفضل الله أبدا داخل جماعة المسلمين، التي اجتمع شملها على إمام واحد، وحّد الله تعالى به كلمتها ورايتها وحربها وسلمها، وعصمها به من الفرقة والشتات، فإن نال كافر من مسلم في مشرق الأرض، انتقم له أخوه في مغربها، وإن سالم الإمامُ كافرا في بلد كان تأمينه واجبا على جنود الخلافة في كل مكان، فسلْمه سلْمهم وحربه حربهم، والدم الدم، والهدم الهدم، وكم رأينا من مرة غزوة يعلنها الإمام فيستجيب لأمره المجاهدون في مشارق الأرض ومغاربها، لا يتنكبون عن المشاركة فيها ما وسعهم ذلك.

ولا زلنا نرى جنود الخلافة يقاتلون الروافض في خراسان وفارس والعراق والشام واليمن وهم يرون جميعا أن حربهم في كل هذه الجبهات هي حرب واحدة ما دام عدوهم طائفة واحدة، ويرى كل منهم أن معركته ضد دول التحالف الصليبي في بلاد ما إنما هي جزء من المعركة الشاملة لإخوانه ضدهم في كل مكان.

فهذا أحد الفروق الجلية بين جماعة المسلمين وبين الأحزاب المتفرقة التي تزعم كذبا أنها جزء من تيار واحد يطلقون عليه ما يعجبهم من الأسماء، ولا يزال الخير كله في السنة والجماعة ولا يزال الشر كله في البدعة والفرقة، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 191
الخميس 15 ذو القعدة 1440 هـ
...المزيد

أخيرا رفعوا "الملا برادلي"! لا جديد ولا غرابة فيما جرى مؤخرا في المشهد الأفغاني، فما رسمه ...

أخيرا رفعوا "الملا برادلي"!


لا جديد ولا غرابة فيما جرى مؤخرا في المشهد الأفغاني، فما رسمه "اتفاق السلام" بين الصليبيين والمرتدين في الدوحة جرى تطبيقه بينهم على الأرض في كابل، ومَن تابع مراحل عملية السلام منذ بدايتها، يدرك تماما أن الانسحاب الأمريكي كان قرارا لا عودة فيه بالنسبة للإدارة الأمريكية، بدأه "ترامب" وأتمّه "بايدن"، وأنّ سقوط البلاد في أيدي طالبان كان نتيجة طبيعية بعلم ورضا مَن وقّع على الاتفاق.

ولنعد قليلا إلى الوراء، يوم آوت طالبان المهاجرين وأقامت الشريعة -منقوصة- قصفتها أمريكا وأسقطت حكمها في كابل، وبعد أن تخلت طالبان عن ذلك وتعهدت بأنها لن تسمح بتكرار "خطيئة منهاتن" أعادت أمريكا الحكم إلى طالبان ومنحتها كابل دون أن تطلق طلقة واحدة!

لقد أرادت أمريكا ترسيخ فكرة مفادها أن جهود بضعة أعوام فقط من محادثات السلام في الفنادق الفارهة أعادت طالبان لسدة الحكم، بينما قتال 20 عاما لم يجلب لها سوى الدمار والخراب، لقد خططت أمريكا جيدا ليكون ذلك نصرا للسلام لا للإسلام! وللمفاوضات لا للجهاد! ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وقد تخفى هذه الغاية الخبيثة حاليا بين زحمة الأحداث، لكن تأثيرها سيظهر غدا عندما يتحول مزيد من "المقاتلين" إلى "مفاوضين" يصولون ويجولون في قاعات الفنادق كارهين تاركين الخنادق!؛ هذا أخطر ما في الأمر، وهو الهزيمة بعينها لو يدركون.

ولقد رأينا كيف كان التنسيق المباشر بين القوات الأمريكية وطالبان أثناء التقدم نحو كابل، وكيف استمرت عمليات الإخلاء لآلاف الصليبيين والجواسيس في أجواء من الثقة العالية بين الجانبين!، تنسيق وثقة لم تكن تمنحها أمريكا لحكومات طاغوتية قديمة، بينما منحتها لطالبان بعد ساعات فقط من دخولها كابل!

وبرغم وضوح ما جرى وأنه لم يكن سوى عملية انتقال سلمي للحكم من طاغوت إلى آخر، وباعتراف قادة الميليشيا أنفسهم الذين أكّدوا مرارا على أن سيطرتهم على المدن جاءت في سياق الاتفاقيات في حدود "التسليم والاستلام" وليس بالقتال؛ إلا أن أطرافا عديدة وعلى رأسها القاعدة والسرورية والإخوان المرتدون أبوا إلا أن يكملوا السيناريو الأمريكي القطري بتصوير ما جرى على أنه "فتح وتمكين"!

إن مفهوم النصر تعرض لنكسات كبيرة في التاريخ المعاصر، تسببت بهذه النكسات الأحزاب والحركات المرتدة التي أصبحت تطلق النصر على كل ما يوافق أهواءها ويحقق مصالحها ولو كان كفرا وتنازلا!، وصارت تطلق الهزيمة والفشل على كل ما يخالف أهواءها ولو كان توحيدا وثباتا، فصار الموت في ظلال الشريعة فشلا! بينما العيش في أحضان الطواغيت ووفقا لأجنداتهم نصرا وتحريرا.

وكلما تأملنا أحوال ومناهج المطبلين والمروّجين لنموذج "طالبان الجديدة" زدنا يقينا بصحة الطريق الذي سلكته الدولة الإسلامية لنصرة التوحيد وإقامة الشريعة، فنصرة الإسلام لا تمر عبر فنادق قطر ولا سفارات روسيا والصين وإيران!! وإن النصر الذي توقع عليه أمريكا وترعاه قطر وإعلامها، وتباركه السرورية والمرجئة والإخوان لهو نصر موهوم.

ومن زاوية أخرى، فإن بسيطرة طالبان على الحكم، تسقط أكاذيب المعطّلين لحكم الشريعة من القاعدة والإخوان وغيرهم بحجة غياب "التمكين الكامل"، وحجة عدم امتلاك المعابر وغيرها من الحجج التي أفنوا أعمارهم وهم يرددونها، فها هو التمكين -وفق شروطهم- قد تحقق لطالبان؟! فهل سنرى حكما للشريعة الإسلامية قريبا في أفغانستان؟! أم ستبطل شبهة "التمكين" ويختلقون شبها أخرى فرارا من الشريعة؟!

وفي أبعاد الترويج الممنهج لنموذج "طالبان الجديدة"؛ فإن قادة التحالف الصليبي لم يتوقفوا عن الترديد أنه لا سبيل لهزيمة الدولة الإسلامية عسكريا دون محاربتها فكريا، ولا شك أن الصليبيين أدركوا فشل نموذج الإخوان المرتدين في تولي كبر الحرب الفكرية ضد الدولة الإسلامية حتى بعد وصولهم إلى سدة الحكم، فكان لا بد من البحث عن نموذج آخر يرون فيه فرصة أفضل لمجابهة الدولة الإسلامية وتقديمه كبديلا لها بين أبناء المسلمين؛ فكانت "طالبان الجديدة" هي البديل الذي يجمع بين المواجهة العسكرية والفكرية معا.

لذلك رأينا حجم الترويج الكبير لنموذج "طالبان الجديدة" ليس بعد دخول طالبان إلى كابل فحسب، بل منذ توقيع "اتفاق السلام" في الدوحة قبل نحو 14 شهرا، ومِن يومها لم تتوقف بيانات القاعدة وأخواتها عن وصف هذا الاتفاق المشبوه بالنصر والتمكين، بل حتى حركة حماس المرتدة هنأت وباركت -لأول مرة في تاريخها- لطالبان، ونشرت صورا لاجتماع ضمّ وفدا من قياداتها بوفد طالبان في الدوحة، ولم تكن حماس لتُهنئ طالبان بذلك لولا علمها -بطرق رسمية- أن طالبان الجديدة لم تعد تُوصم بالإرهاب، ولم يعد في الثناء عليها أي خطر أو ملامة؛ كل ذلك يؤكد أن التوصيات بالترويج لهذا النموذج تجري على قدم وساق، بل شارك فيها حتى الذين كانوا يصفون طالبان بالرجعية والظلامية، فهل أشرقت أنوار طالبان بعد دخولها نفق السلام؟! وليس من قبيل الصدفة أن تكون كل الأطراف التي حاربت الدولة الإسلامية، هي نفسها الأطراف التي تشارك في الترويج لنموذج طالبان في نسخته قبل الأخيرة المعدّلة في استوديوهات الدوحة.

ومن المفارقات، أن المرتدين والمنافقين اتهموا الدولة الإسلامية بعد سيطرتها على بعض مدن العراق والشام، بالعمالة لأمريكا! وأن ما جرى "مسرحية ومؤامرة كونية"، بينما تسقط أفغانستان بعواصمها ومقارها في غضون أيام دون أي قتال، ثم لا نسمع لنفس تلك الأصوات النشاز أي حديث عن "مسرحية" أو "مؤامرة" أو حتى "اتفاق"!، بل أصبح نصرا مؤزرا يمدحه المرتدون ويثني عليه الديمقراطيون ويتقبله الصليبيون.

ولو شك الصليبيون أنهم تركوا البلاد لمن يقيم حكم الإسلام فيها، لما جعلوا فيها بيتا قائما ولقصفوا مشافيها قبل معسكراتها، بل إن أمريكا لم تكلف نفسها حتى عناء التخلص من الترسانة العسكرية للجيش الأفغاني فسقطت في أيدي طالبان، بينما تقصف الطائرات الأمريكية خياما مبعثرة في صحاري ليبيا والصومال لجنود الخلافة، أتخشى أمريكا من بضع خيام تكابد لهيب الرمضاء بينما تأمن من آلاف المقاتلين المسلحين الذين انتشروا في مدن أفغانستان على مرأى أعينها؟! إنه الفرق باختصار بين سبيل الله وسبيل الطاغوت.

لقد أعلن قادة طالبان تحرير أفغانستان من داخل فنادق قطر التي تضم "قاعدة العديد" الأمريكية والتي تنطلق منها الطائرات لقصف ديار المسلمين، لقد خرج نصرهم الموهوم مِن حيث تخرج قرارات الحرب على الإسلام! فعن أي نصر يتحدثون؟ لقد فعلتها أمريكا حقا ورفعت لنا "الملا برادلي" أخيرا، ولا شك أنّ "ملالي" آخرين يجري حاليا صناعتهم في فنادق وسفارات الطواغيت وينتظرون "نصرا آخر" تمنحه لهم أمريكا أو غيرها.

إن ما جرى لا يعدو كونه استبدال طاغوت حليق بآخر ملتحٍ، الأول فشل في الحرب على الإرهاب، بينما الثاني ترى أمريكا أنه يمكن أن يكون أكثر جدوى، أما جنود الخلافة فهم يتهيأون لمرحلة جديدة من مراحل جهادهم المبارك الذي لن يتوقف بإذن الله تعالى حتى تخضع الأرض كل الأرض لحكم خالقها، فهذا هو النصر وما سواه وساوس وسراب.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 300
الخميس 10 محرم 1443 هـ
...المزيد

أخيرا رفعوا "الملا برادلي"! لا جديد ولا غرابة فيما جرى مؤخرا في المشهد الأفغاني، فما رسمه ...

أخيرا رفعوا "الملا برادلي"!


لا جديد ولا غرابة فيما جرى مؤخرا في المشهد الأفغاني، فما رسمه "اتفاق السلام" بين الصليبيين والمرتدين في الدوحة جرى تطبيقه بينهم على الأرض في كابل، ومَن تابع مراحل عملية السلام منذ بدايتها، يدرك تماما أن الانسحاب الأمريكي كان قرارا لا عودة فيه بالنسبة للإدارة الأمريكية، بدأه "ترامب" وأتمّه "بايدن"، وأنّ سقوط البلاد في أيدي طالبان كان نتيجة طبيعية بعلم ورضا مَن وقّع على الاتفاق.

ولنعد قليلا إلى الوراء، يوم آوت طالبان المهاجرين وأقامت الشريعة -منقوصة- قصفتها أمريكا وأسقطت حكمها في كابل، وبعد أن تخلت طالبان عن ذلك وتعهدت بأنها لن تسمح بتكرار "خطيئة منهاتن" أعادت أمريكا الحكم إلى طالبان ومنحتها كابل دون أن تطلق طلقة واحدة!

لقد أرادت أمريكا ترسيخ فكرة مفادها أن جهود بضعة أعوام فقط من محادثات السلام في الفنادق الفارهة أعادت طالبان لسدة الحكم، بينما قتال 20 عاما لم يجلب لها سوى الدمار والخراب، لقد خططت أمريكا جيدا ليكون ذلك نصرا للسلام لا للإسلام! وللمفاوضات لا للجهاد! ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وقد تخفى هذه الغاية الخبيثة حاليا بين زحمة الأحداث، لكن تأثيرها سيظهر غدا عندما يتحول مزيد من "المقاتلين" إلى "مفاوضين" يصولون ويجولون في قاعات الفنادق كارهين تاركين الخنادق!؛ هذا أخطر ما في الأمر، وهو الهزيمة بعينها لو يدركون.

ولقد رأينا كيف كان التنسيق المباشر بين القوات الأمريكية وطالبان أثناء التقدم نحو كابل، وكيف استمرت عمليات الإخلاء لآلاف الصليبيين والجواسيس في أجواء من الثقة العالية بين الجانبين!، تنسيق وثقة لم تكن تمنحها أمريكا لحكومات طاغوتية قديمة، بينما منحتها لطالبان بعد ساعات فقط من دخولها كابل!

وبرغم وضوح ما جرى وأنه لم يكن سوى عملية انتقال سلمي للحكم من طاغوت إلى آخر، وباعتراف قادة الميليشيا أنفسهم الذين أكّدوا مرارا على أن سيطرتهم على المدن جاءت في سياق الاتفاقيات في حدود "التسليم والاستلام" وليس بالقتال؛ إلا أن أطرافا عديدة وعلى رأسها القاعدة والسرورية والإخوان المرتدون أبوا إلا أن يكملوا السيناريو الأمريكي القطري بتصوير ما جرى على أنه "فتح وتمكين"!

إن مفهوم النصر تعرض لنكسات كبيرة في التاريخ المعاصر، تسببت بهذه النكسات الأحزاب والحركات المرتدة التي أصبحت تطلق النصر على كل ما يوافق أهواءها ويحقق مصالحها ولو كان كفرا وتنازلا!، وصارت تطلق الهزيمة والفشل على كل ما يخالف أهواءها ولو كان توحيدا وثباتا، فصار الموت في ظلال الشريعة فشلا! بينما العيش في أحضان الطواغيت ووفقا لأجنداتهم نصرا وتحريرا.

وكلما تأملنا أحوال ومناهج المطبلين والمروّجين لنموذج "طالبان الجديدة" زدنا يقينا بصحة الطريق الذي سلكته الدولة الإسلامية لنصرة التوحيد وإقامة الشريعة، فنصرة الإسلام لا تمر عبر فنادق قطر ولا سفارات روسيا والصين وإيران!! وإن النصر الذي توقع عليه أمريكا وترعاه قطر وإعلامها، وتباركه السرورية والمرجئة والإخوان لهو نصر موهوم.

ومن زاوية أخرى، فإن بسيطرة طالبان على الحكم، تسقط أكاذيب المعطّلين لحكم الشريعة من القاعدة والإخوان وغيرهم بحجة غياب "التمكين الكامل"، وحجة عدم امتلاك المعابر وغيرها من الحجج التي أفنوا أعمارهم وهم يرددونها، فها هو التمكين -وفق شروطهم- قد تحقق لطالبان؟! فهل سنرى حكما للشريعة الإسلامية قريبا في أفغانستان؟! أم ستبطل شبهة "التمكين" ويختلقون شبها أخرى فرارا من الشريعة؟!

وفي أبعاد الترويج الممنهج لنموذج "طالبان الجديدة"؛ فإن قادة التحالف الصليبي لم يتوقفوا عن الترديد أنه لا سبيل لهزيمة الدولة الإسلامية عسكريا دون محاربتها فكريا، ولا شك أن الصليبيين أدركوا فشل نموذج الإخوان المرتدين في تولي كبر الحرب الفكرية ضد الدولة الإسلامية حتى بعد وصولهم إلى سدة الحكم، فكان لا بد من البحث عن نموذج آخر يرون فيه فرصة أفضل لمجابهة الدولة الإسلامية وتقديمه كبديلا لها بين أبناء المسلمين؛ فكانت "طالبان الجديدة" هي البديل الذي يجمع بين المواجهة العسكرية والفكرية معا.

لذلك رأينا حجم الترويج الكبير لنموذج "طالبان الجديدة" ليس بعد دخول طالبان إلى كابل فحسب، بل منذ توقيع "اتفاق السلام" في الدوحة قبل نحو 14 شهرا، ومِن يومها لم تتوقف بيانات القاعدة وأخواتها عن وصف هذا الاتفاق المشبوه بالنصر والتمكين، بل حتى حركة حماس المرتدة هنأت وباركت -لأول مرة في تاريخها- لطالبان، ونشرت صورا لاجتماع ضمّ وفدا من قياداتها بوفد طالبان في الدوحة، ولم تكن حماس لتُهنئ طالبان بذلك لولا علمها -بطرق رسمية- أن طالبان الجديدة لم تعد تُوصم بالإرهاب، ولم يعد في الثناء عليها أي خطر أو ملامة؛ كل ذلك يؤكد أن التوصيات بالترويج لهذا النموذج تجري على قدم وساق، بل شارك فيها حتى الذين كانوا يصفون طالبان بالرجعية والظلامية، فهل أشرقت أنوار طالبان بعد دخولها نفق السلام؟! وليس من قبيل الصدفة أن تكون كل الأطراف التي حاربت الدولة الإسلامية، هي نفسها الأطراف التي تشارك في الترويج لنموذج طالبان في نسخته قبل الأخيرة المعدّلة في استوديوهات الدوحة.

ومن المفارقات، أن المرتدين والمنافقين اتهموا الدولة الإسلامية بعد سيطرتها على بعض مدن العراق والشام، بالعمالة لأمريكا! وأن ما جرى "مسرحية ومؤامرة كونية"، بينما تسقط أفغانستان بعواصمها ومقارها في غضون أيام دون أي قتال، ثم لا نسمع لنفس تلك الأصوات النشاز أي حديث عن "مسرحية" أو "مؤامرة" أو حتى "اتفاق"!، بل أصبح نصرا مؤزرا يمدحه المرتدون ويثني عليه الديمقراطيون ويتقبله الصليبيون.

ولو شك الصليبيون أنهم تركوا البلاد لمن يقيم حكم الإسلام فيها، لما جعلوا فيها بيتا قائما ولقصفوا مشافيها قبل معسكراتها، بل إن أمريكا لم تكلف نفسها حتى عناء التخلص من الترسانة العسكرية للجيش الأفغاني فسقطت في أيدي طالبان، بينما تقصف الطائرات الأمريكية خياما مبعثرة في صحاري ليبيا والصومال لجنود الخلافة، أتخشى أمريكا من بضع خيام تكابد لهيب الرمضاء بينما تأمن من آلاف المقاتلين المسلحين الذين انتشروا في مدن أفغانستان على مرأى أعينها؟! إنه الفرق باختصار بين سبيل الله وسبيل الطاغوت.

لقد أعلن قادة طالبان تحرير أفغانستان من داخل فنادق قطر التي تضم "قاعدة العديد" الأمريكية والتي تنطلق منها الطائرات لقصف ديار المسلمين، لقد خرج نصرهم الموهوم مِن حيث تخرج قرارات الحرب على الإسلام! فعن أي نصر يتحدثون؟ لقد فعلتها أمريكا حقا ورفعت لنا "الملا برادلي" أخيرا، ولا شك أنّ "ملالي" آخرين يجري حاليا صناعتهم في فنادق وسفارات الطواغيت وينتظرون "نصرا آخر" تمنحه لهم أمريكا أو غيرها.

إن ما جرى لا يعدو كونه استبدال طاغوت حليق بآخر ملتحٍ، الأول فشل في الحرب على الإرهاب، بينما الثاني ترى أمريكا أنه يمكن أن يكون أكثر جدوى، أما جنود الخلافة فهم يتهيأون لمرحلة جديدة من مراحل جهادهم المبارك الذي لن يتوقف بإذن الله تعالى حتى تخضع الأرض كل الأرض لحكم خالقها، فهذا هو النصر وما سواه وساوس وسراب.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 300
الخميس 10 محرم 1443 هـ
...المزيد

لي نفق. لا يضرك ما لم ترى ولا ما لم تسمع ولك كل فضاء. يا مولود. جديد ملك انتهى

لي نفق. لا يضرك ما لم ترى ولا ما لم تسمع


ولك كل فضاء. يا مولود. جديد ملك

انتهى

يا بني ادم إنما هي اعمالكم تحصى من وجد خيرا. انما عمله ومن وجد مكروها فاليلم نفسه

يا بني ادم إنما هي اعمالكم تحصى من وجد خيرا. انما عمله ومن وجد مكروها فاليلم نفسه

انتم4. ف عقونة. شر جهة5 لا يا عملاق. حوبش كولش . ولربما تبعته26. ف منتدى وتطمع مغامرة ...

انتم4. ف عقونة. شر جهة5 لا يا عملاق. حوبش كولش
.
ولربما تبعته26. ف منتدى وتطمع مغامرة كمغامرته2 -26 وحصدا لزرع. كحصده
وهذا ما لا يكون

توبة. توبة. توبة. توبة توبة

الدولة الإسلامية / صحيفة النبأ العدد 524 الإعلام الرسمي للدولة الإسلامية (أعلى الله رايتها) ...

الدولة الإسلامية / صحيفة النبأ العدد 524



الإعلام الرسمي للدولة الإسلامية (أعلى الله رايتها)
يُصدر العدد 525 من صحيفة النبأ الأسبوعية
الخميس 20 جمادى الآخرة 1447هـ


• حصاد الأجناد من ١٣ إلى ١٩ جمادى الآخرة
• الافتتاحية بعنوان: ثورة حتى القصر
• أخبار مبشّرة من مختلف ولايات الدولة الإسلامية
• إنفوغرافيك: طهارة الجرح والقطع



للإطلاع والتحميل، قم بنسخ الرابط التالي ووضعه في محرك البحث:
https://gofile.io/d/96mNEJ


أو بالتواصل معنا على منصة التيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

مقال: خبيئة العمل الصالح الحمد لله رب العالمين، هادي المؤمنين وموفّق الموحدين، المنعم المتفضل ...

مقال: خبيئة العمل الصالح


الحمد لله رب العالمين، هادي المؤمنين وموفّق الموحدين، المنعم المتفضل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، والصلاة والسلام على نبي الهدى البشير النذير الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه ومن استنّ بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
قال الله تعالى: {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [سورة البقرة:٢٧١]

"وقوله: {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} أي: إن أظهرتموها فنعم شيء هي، وقوله: {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها" [ابن كثير]، وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّ من السبعة الذين يظلّهم الله تعالى يوم القيامة في ظلّه يوم لا ظلَّ إلا ظلّه، (رجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه) [متفقٌ عليه]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من استطاع منكم أن يكون له خَبْءٌ مِن عملٍ صالح فليفعل) [رواه ابن أبي شيبة وغيره بسند صحيح]، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ يحبُّ العبدَ التَّقيَّ، الغنيَّ، الخفيَّ) [رواه مسلم]
ورحم الله الزاهد الورِع بشر بن الحارث حيث قال: "لا يجد حلاوةَ الآخرة رجل يحب في الدنيا أن يعرفه الناس".

إن أحوال الصادقين المخبتين في كل زمان وحين، تختلف باختلاف مجاهدة العبد نفسه على الإخلاص وطلبِ الوصول لأعلى مراتب الأعمال الصالحة، التي يتقربون بها إلى خالقهم جلّ في علاه، وهم بذلك يريدون رضى الرحمن وحده لِعلمهم أن الغاية هي رضاه سبحانه لا رضى سواه، ولا يتحقق ذلك إلا بصدق الإرادة وسلامة القلب من الشوائب والعوالق والموانع التي تحول بين العبد وبين الوصول لذروة الإخلاص.

وفيما يأتي سنذكر بعضا من أحوال أولئك الذين وفقهم الله تعالى للتخلص من أمراض القلوب التي ابتُلي بها الكثيرون اليوم كحب الظهور والسعي للحصول على مكانة في قلوب العباد على حساب إخلاصهم لله، وما أكثر من جعل الله له صدّا وبغضا في قلوب العباد رغم الظاهر الذي يدل على الصلاح والعبادة، وما سبب لذلك غير الخبايا التي لا يعلمها سوى الله علام الغيوب، فلذلك حريٌ بالمرء أن يجعل لنفسه خبيئة عمل صالح بينه وبين الله تعالى فهي من أسباب الثبات على الدين، وهي أيضا من أسباب زوال الكربات كما ورد في حق أصحاب الغار حين أطبقت عليهم الصخرة فاستحضر كل واحد منهم الخبيئة التي بينه وبين الله تعالى، فكانت سببا في نجاتهم من الكربة التي كانوا فيها، قال ابن القيم رحمه الله: "الذنوب الخفيات أسباب الانتكاسات، وعبادة الخفاء أصل الثبات".

وأبواب العبادات الخفيّة كثيرة كالصلاة في جوف الليل، والسعي في حوائج الضعفاء والمساكين ومواساتهم دون علم أحد، وصدقات السر التي تطفئ غضب الرب سبحانه، وتلاوة آيات الله وتدبرها، أو إغاثة ملهوف، أو صيام خفي، أو دعاء وخلوة تعقبها دمعة تنحدر من عينك منهمرة مع توبة صادقة، أو استغفار وذكر الله لا يتفطّن له أحد، والله لا يضيع أجر المحسنين.

ومن صور حياة أولئك الأفذاذ من الصحابة والتابعين والسلف الميامين الذين أشهر الله أعمالهم بعد موتهم ليكونوا قدوة للسالكين فأعلى الله ذكرهم في الأرض رغم حرصهم على إخفاء أعمالهم.

الإمام زين العابدين علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه وأرضاه الذي كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به.
قال عمرو بن ثابت: "لما مات علي بن الحسين فغسّلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره، فقالوا: ما هذا؟ قالوا: كان يحمل جُرب الدقيق -يعني أكياس الدقيق- ليلاً على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة، وكان من خبره رحمه الله أنه كان إذا ناول المسكين الصدقة قبّله ثم ناوله". [البداية والنهاية]

وهذا داود بن أبي هند يصوم أربعين سنة لا يعلم به أهله، كان له دكان يأخذ طعامه في الصباح فيتصدق به، فإذا جاء الغداء أخذ غداءه فتصدق به، فإذا جاء العشاء تعشّى مع أهله!!. [سير أعلام النبلاء]
وكان رحمه الله يقوم الليل أكثر من عشرين سنة، ولم تعلم زوجته بذلك، فسبحان الله كيف ربّوا تلك النفوس على الإخلاص؟ ما ذاك إلا بشيء وقر في القلوب، وحملوها على إخفاء الأعمال الصالحة، فهذه زوجته أقرب الناس إليه وألصق الناس به لا تعلم، يقوم عشرين سنة أو أكثر خفية، فأي حرص هذا على إخفاء الأعمال الصالحة وأي مجاهدة للنفس تلك؟، وذكر عن أيوب السختياني أنه كان يقوم الليل كله فيخفي ذلك، فإذا كان عند الصبح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة. [سير أعلام النبلاء]

"وحاصر مسلمة بن عبد الملك حصنا فأصابهم فيه جهد عظيم فندب الناس إلى نقب منه فما دخله أحد فجاء رجل من الجند فدخله ففتح الله عليهم فنادى منادي مسلمة، أين صاحب النقب فما جاء أحد حتى نادى مرتين أو ثلاثا أو أربعا، فجاء في الرابعة رجل فقال: أنا أيها الأمير صاحب النقب آخذ عهودا ومواثيق ثلاث: لا تسودوا اسمي في صحيفة ولا تأمروا لي بشيء، ولا تشغلوني عن أمري، قال: فقال له مسلمة: قد فعلنا ذلك بك. قال: فغاب بعد ذلك فلم يُر قال: فكان مسلمة بعد ذلك يقول في دبر صلاته: اللهم اجعلني مع صاحب النقب" [تاریخ ابن عساکر]

وقد ذكر عبدة بن سليمان المروزي قال: "كنا في سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدو ولما التقى الجمعان خرج رجل للمبارزة فبرز إليه رجل فقتله ثم آخر فقتله ثم آخر فقتله، ثم دعا إلى البِراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة ثم طعنه فقتله فازدحم الناس، فزاحمت فإذا هو ملثم وجهه، فأخذت بطرف ثوبه فمددته، فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا.

فلله دَرّهم من رجال أتقياء أنقياء أخفياء، كانوا رحمهم الله يحرصون على الخبيئة الصالحة لما وجدوا فيها من لذة زيّنت قلوبهم بالإيمان والقرب من الرحيم المنان، فهي عبادة من اعتادها طَهُر قلبه وتهذبت نفسه، إنها عبادات السر وطاعات الخفاء، حيث لا يطلع عليها أحد سوى المولى الجليل، فأنت عندئذ تقدّم العبادة له وحده غير راجٍ منزلة عند أحد من الخلق، أو منتظر أجرا منهم مهما قلّ أو كثُر، وهي سبيل لا يستطيعها المنافقون الكذابون أبدًا؛ لأنهم لا يرجون من عملهم إلا الرياء والثناء.

فهنيئا لمن حرص أن تكون له خبيئة صالحة يدّخرها ليوم فقره وذُلّه، ليوم تشخص فيه الأبصار، ليوم تُبْلى فيه السرائر، ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
إنْ لم يكن للهِ فعلك خالصًا
فكلّ بناءٍ قد بنيْتَ خرابُ
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 299
الخميس 3 محرم 1443 هـ
...المزيد

مقال: خبيئة العمل الصالح الحمد لله رب العالمين، هادي المؤمنين وموفّق الموحدين، المنعم المتفضل ...

مقال: خبيئة العمل الصالح


الحمد لله رب العالمين، هادي المؤمنين وموفّق الموحدين، المنعم المتفضل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، والصلاة والسلام على نبي الهدى البشير النذير الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه ومن استنّ بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
قال الله تعالى: {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [سورة البقرة:٢٧١]

"وقوله: {إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} أي: إن أظهرتموها فنعم شيء هي، وقوله: {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} فيه دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها" [ابن كثير]، وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّ من السبعة الذين يظلّهم الله تعالى يوم القيامة في ظلّه يوم لا ظلَّ إلا ظلّه، (رجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه) [متفقٌ عليه]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من استطاع منكم أن يكون له خَبْءٌ مِن عملٍ صالح فليفعل) [رواه ابن أبي شيبة وغيره بسند صحيح]، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ يحبُّ العبدَ التَّقيَّ، الغنيَّ، الخفيَّ) [رواه مسلم]
ورحم الله الزاهد الورِع بشر بن الحارث حيث قال: "لا يجد حلاوةَ الآخرة رجل يحب في الدنيا أن يعرفه الناس".

إن أحوال الصادقين المخبتين في كل زمان وحين، تختلف باختلاف مجاهدة العبد نفسه على الإخلاص وطلبِ الوصول لأعلى مراتب الأعمال الصالحة، التي يتقربون بها إلى خالقهم جلّ في علاه، وهم بذلك يريدون رضى الرحمن وحده لِعلمهم أن الغاية هي رضاه سبحانه لا رضى سواه، ولا يتحقق ذلك إلا بصدق الإرادة وسلامة القلب من الشوائب والعوالق والموانع التي تحول بين العبد وبين الوصول لذروة الإخلاص.

وفيما يأتي سنذكر بعضا من أحوال أولئك الذين وفقهم الله تعالى للتخلص من أمراض القلوب التي ابتُلي بها الكثيرون اليوم كحب الظهور والسعي للحصول على مكانة في قلوب العباد على حساب إخلاصهم لله، وما أكثر من جعل الله له صدّا وبغضا في قلوب العباد رغم الظاهر الذي يدل على الصلاح والعبادة، وما سبب لذلك غير الخبايا التي لا يعلمها سوى الله علام الغيوب، فلذلك حريٌ بالمرء أن يجعل لنفسه خبيئة عمل صالح بينه وبين الله تعالى فهي من أسباب الثبات على الدين، وهي أيضا من أسباب زوال الكربات كما ورد في حق أصحاب الغار حين أطبقت عليهم الصخرة فاستحضر كل واحد منهم الخبيئة التي بينه وبين الله تعالى، فكانت سببا في نجاتهم من الكربة التي كانوا فيها، قال ابن القيم رحمه الله: "الذنوب الخفيات أسباب الانتكاسات، وعبادة الخفاء أصل الثبات".

وأبواب العبادات الخفيّة كثيرة كالصلاة في جوف الليل، والسعي في حوائج الضعفاء والمساكين ومواساتهم دون علم أحد، وصدقات السر التي تطفئ غضب الرب سبحانه، وتلاوة آيات الله وتدبرها، أو إغاثة ملهوف، أو صيام خفي، أو دعاء وخلوة تعقبها دمعة تنحدر من عينك منهمرة مع توبة صادقة، أو استغفار وذكر الله لا يتفطّن له أحد، والله لا يضيع أجر المحسنين.

ومن صور حياة أولئك الأفذاذ من الصحابة والتابعين والسلف الميامين الذين أشهر الله أعمالهم بعد موتهم ليكونوا قدوة للسالكين فأعلى الله ذكرهم في الأرض رغم حرصهم على إخفاء أعمالهم.

الإمام زين العابدين علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه وأرضاه الذي كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به.
قال عمرو بن ثابت: "لما مات علي بن الحسين فغسّلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره، فقالوا: ما هذا؟ قالوا: كان يحمل جُرب الدقيق -يعني أكياس الدقيق- ليلاً على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة، وكان من خبره رحمه الله أنه كان إذا ناول المسكين الصدقة قبّله ثم ناوله". [البداية والنهاية]

وهذا داود بن أبي هند يصوم أربعين سنة لا يعلم به أهله، كان له دكان يأخذ طعامه في الصباح فيتصدق به، فإذا جاء الغداء أخذ غداءه فتصدق به، فإذا جاء العشاء تعشّى مع أهله!!. [سير أعلام النبلاء]
وكان رحمه الله يقوم الليل أكثر من عشرين سنة، ولم تعلم زوجته بذلك، فسبحان الله كيف ربّوا تلك النفوس على الإخلاص؟ ما ذاك إلا بشيء وقر في القلوب، وحملوها على إخفاء الأعمال الصالحة، فهذه زوجته أقرب الناس إليه وألصق الناس به لا تعلم، يقوم عشرين سنة أو أكثر خفية، فأي حرص هذا على إخفاء الأعمال الصالحة وأي مجاهدة للنفس تلك؟، وذكر عن أيوب السختياني أنه كان يقوم الليل كله فيخفي ذلك، فإذا كان عند الصبح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة. [سير أعلام النبلاء]

"وحاصر مسلمة بن عبد الملك حصنا فأصابهم فيه جهد عظيم فندب الناس إلى نقب منه فما دخله أحد فجاء رجل من الجند فدخله ففتح الله عليهم فنادى منادي مسلمة، أين صاحب النقب فما جاء أحد حتى نادى مرتين أو ثلاثا أو أربعا، فجاء في الرابعة رجل فقال: أنا أيها الأمير صاحب النقب آخذ عهودا ومواثيق ثلاث: لا تسودوا اسمي في صحيفة ولا تأمروا لي بشيء، ولا تشغلوني عن أمري، قال: فقال له مسلمة: قد فعلنا ذلك بك. قال: فغاب بعد ذلك فلم يُر قال: فكان مسلمة بعد ذلك يقول في دبر صلاته: اللهم اجعلني مع صاحب النقب" [تاریخ ابن عساکر]

وقد ذكر عبدة بن سليمان المروزي قال: "كنا في سرية مع ابن المبارك في بلاد الروم، فصادفنا العدو ولما التقى الجمعان خرج رجل للمبارزة فبرز إليه رجل فقتله ثم آخر فقتله ثم آخر فقتله، ثم دعا إلى البِراز فخرج إليه رجل فطارده ساعة ثم طعنه فقتله فازدحم الناس، فزاحمت فإذا هو ملثم وجهه، فأخذت بطرف ثوبه فمددته، فإذا هو عبد الله بن المبارك فقال: وأنت يا أبا عمرو ممن يشنع علينا.

فلله دَرّهم من رجال أتقياء أنقياء أخفياء، كانوا رحمهم الله يحرصون على الخبيئة الصالحة لما وجدوا فيها من لذة زيّنت قلوبهم بالإيمان والقرب من الرحيم المنان، فهي عبادة من اعتادها طَهُر قلبه وتهذبت نفسه، إنها عبادات السر وطاعات الخفاء، حيث لا يطلع عليها أحد سوى المولى الجليل، فأنت عندئذ تقدّم العبادة له وحده غير راجٍ منزلة عند أحد من الخلق، أو منتظر أجرا منهم مهما قلّ أو كثُر، وهي سبيل لا يستطيعها المنافقون الكذابون أبدًا؛ لأنهم لا يرجون من عملهم إلا الرياء والثناء.

فهنيئا لمن حرص أن تكون له خبيئة صالحة يدّخرها ليوم فقره وذُلّه، ليوم تشخص فيه الأبصار، ليوم تُبْلى فيه السرائر، ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
إنْ لم يكن للهِ فعلك خالصًا
فكلّ بناءٍ قد بنيْتَ خرابُ
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 299
الخميس 3 محرم 1443 هـ
...المزيد

بوادي الشام.. جنان ونار! بينما يعيش النصيرية والنصارى الروس في بوادي الشام حسرة وضنكا ونزيفا ...

بوادي الشام.. جنان ونار!


بينما يعيش النصيرية والنصارى الروس في بوادي الشام حسرة وضنكا ونزيفا مستمرا في الأرواح والمعدات، يحيا جنود الخلافة في تلك البوادي حياة طيبة تنعم فيها قلوبهم بلذة البذل وحلاوة الإيمان وإنْ تعبت منهم الأجساد والأبدان، بعد أن عمروها بالتوحيد والجهاد والرباط، فصارت جنة يأوي إليها المؤمنون، ونارا يحترق فيها الكافرون.

فمنذ أكثر من عامين تشنّ القوات الروسية والنصيرية حملة في إثر حملة على بوادي الشام، وما إنْ يزعموا نجاح الأولى حتى تأتي أختها فتنسف أكاذيبها، حتى أصبحت المواقع الإخبارية الروسية تنسب الفشل والتعثر إلى الجيش النصيري لتتهرب مِن وصف جيشها الصليبي بذلك، رغم أنه هو الذي يقود ويسيّر هذه الحملات.

وقد زجّوا بالمئات من عناصر الجيش النصيري والميليشيات الإيرانية وميليشيات محلية من مرتدي الصحوات، كما سحبوا العديد من قواتهم المنتشرة في أرياف إدلب وحماة، وأرسلوهم إلى البادية للمشاركة في القتال الممتد على محاور واسعة استهلكت قواتهم وأنهكت جنودهم، فأصبحت مشاهد احتراق حافلاتهم وتفحُّم جنودهم عالقة في الأذهان، وصارت أرتالهم صيدا لمفارز العبوات، فلجأ الروس الصليبيون إلى سياسة القصف الجوي، ثم إلى الإنزالات الجوية كحلٍ بديلٍ عن التقدم الميداني الذي كلّفهم كثيرا، ثم بدأوا مؤخرا بالاعتماد على ميليشيات إيرانية لتنفيذ الإنزالات، بعد أن فقدوا عددا من جنودهم في إنزالات فاشلة، وهم من فشل إلى آخر سائرون.

لقد تحقق في بوادي الإيمان مفهوم "الفلاح" تماما كما تحقق من قبل في المدن؛ فإن الفلاح كل الفلاح هو في البقاء على طاعة الله وعبادته في كل الأحوال، طاعته في الرخاء والشدة، في العسر واليسر، وإقامة دينه ما استطاع المسلمون إلى ذلك سبيلا، فقد أفلح المجاهدون يوم أقاموا الشريعة في المدن ولم يرضوا بكل الأوهام التي أرادت ثنيهم عن إقامة حكم الله تعالى فيها، كما أفلحوا اليوم في البوادي وميادين العسرة بثباتهم على الإيمان والجهاد وإبقاء جذوته مشتعلة تحرق الكافرين وتستنزف طاقاتهم.

إن تلك البوادي المقفرة عامرة بالإيمان واليقين والقربات والخلوة برب البريات، فهي توفّر للمجاهد بيئة إيمانية يتمناها كلُّ من جرّب العيش تحت حكم الطواغيت، كما تُحقق ترابطا عقديا وأخوة إيمانية فريدة يسمع عنها الناس في الخطب ويقرأون عنها في الكتب، بينما يعيشها جنود الخلافة يوما بيوم وساعة بساعة، برجال نزّاع من قبائل ودول شتى جمَعهم التوحيد وجراح المسلمين التي لن تبرأ بغير الجهاد والطعان.

إن المجاهدين في تلك البوادي يعيشون نعيم الهداية ولذة التعب في سبيل الله تعالى، وانشراح الصدر والتوفيق إلى الهدى، فيرون الحق حقا والباطل باطلا لا تُزاحم أفئدتهم شبهات ولا تُدافع جوارحهم شهوات، يَحيون جنة الدنيا التي قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إنّ في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"، وبيّن مراده بها تلميذُه ابن القيم رحمه الله بقوله: "الإقبال على الله تعالى، والإنابة إليه، والرضا به وعنه، وامتلاء القلب من محبته واللهج بذكره، والفرح والسرور بمعرفته" وعدّ ذلك "ثوابا عاجلا وجنة، وعيشا لا نسبة لعيش الملوك إليه البتة"، وهو عين ما قصده أئمة السلف بقولهم: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه، لجالدونا عليه بالسيوف!".

هكذا يعيش المجاهدون في تلك البوادي لمن يسأل عن أحوالهم، ويتعجب من صمودهم وبقائهم، يعيشون في جنة الدنيا التي أدرك معناها السلف الأوائل فتنافسوها وحرصوا عليها طمعا في جنة الآخرة، فلا سبيل إلى تلك بغير هذه.

إنهم يعيشون الحياة الطيبة التي وعد الله بها عباده المؤمنين في الدنيا، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، ولقد تعددت أقوال المفسّرين في معنى قوله: (حياة طيبة)؛ بين "السعادة، والقناعة، وحلاوة الطاعة، والرزق الحلال، والعبادة والانشراح بها"، وعلّق ابن كثير رحمه الله على ذلك بقوله: "والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله".

فالمجاهدون في البوادي يعيشون حياة طيبة بمفهوم القرآن الكريم ومقياسه لا مقاييس البشر، حياة طيبة بسكون النفس وطمأنينة القلب وعدم الالتفات إلى ما يفسده ويحجبه عن خالقه، ويكدّر صفو الإيمان به تعالى، يعيشون بصدر منشرح وقلب مستبشر بأقدار الله تعالى، وإنْ لاقت أجسادهم ما لاقت من الجراح والجوع والتعب.


لقد عاش جنود الخلافة بدرا كما عاشوا أُحدا وتحزّبت عليهم الأحزاب، وما زال سفْر أمجادهم يقلّب صفحات العزة والثبات والاستعلاء بالإيمان على الباطل، كما عاشوا الهجرة بحذافيرها في تلك البوادي والفيافي التي هاجروا إليها وتركوا أهلهم وديارهم وتحملوا كل هذه المشاق والصعاب في هذا الطريق سيرا على خطى نبيهم عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام، وهم ينتظرون وعد الله تعالى لهم بأن يعوّضهم بأفضل مما جادوا به في الدنيا والآخرة معا إن شاء الله.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}، قال الطبري رحمه الله: "لنُسكننهم في الدنيا مسكنا يرضونه صالحا"، وقال ابن كثير: "أخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا، فقال: (ولأجر الآخرة أكبر) أي: مما أعطيناهم في الدنيا".

فالمجاهدون المهاجرون مهما قاسوا من المحن في جهادهم -والتي لن يخلو منها جهاد إلى أبد الدهر-، فإنهم موعودون بنص القرآن الكريم من الله تعالى أن يبوئهم ويُنزلهم في الدنيا منزلا حسنا وفي الآخرة أجرا أكبر وأعظم، قال الطبري: "ولثواب الله إياهم على هجرتهم فيه، في الآخرة أكبر لأن ثوابه إياهم هنالك الجنة التي يدوم نعيمها ولا يبيد".

تلك أحوال جنود الدولة الإسلامية في بوادي الشام وكل بوادي الجهاد التي أضحت قواعد عسكرية ومدارس شرعية وصوامع عبادة وأنْسٍ بالله تعالى، يُجدّدون فيها إيمانهم ويرصّون فيها صفوفهم، ثم يصبّحون عدو الله وعدوهم بلظى صولاتهم، ولهيب غاراتهم.

وكما قال الشيخ أبو حمزة القرشي -حفظه الله- في خطابه الأخير: "إلى أسد البوادي في ولاية الشام، لله دركم من رجال، تعجز الكلمات عن وصفكم ولو كتبنا لذلك ألف مقال". فالكلمات حقا تعجز وتقْصُر عن وصف مآثرهم وبطولاتهم وكيف للكلمات أن توفي الدماء حقها؟! لكن من نافلة القول أن نوصيهم كسائر إخوانهم المجاهدين بالثبات على هذا الدرب فهم أهله وأبطاله وكماته، ونذكّرهم بأنهم اليوم في مرحلة قريبة من تلك التي عاشها إخوانهم في بوادي العراق قديما، وكيف كانت تلك المعسكرات الغائرة في عمق الصحراء منطلقا رئيسا بعد سنوات نحو المدن وتجديد بنيان الدولة الإسلامية، بل إنّ بوداي الشام اليوم ثمرة من ثمرات بوادي العراق، وأنتم اليوم -بإذن الله تعالى- غرس لثمرة أخرى ستثمر حيث شاء الله تعالى وقدّر.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 299
الخميس 3 محرم 1443 هـ
...المزيد

بوادي الشام.. جنان ونار! بينما يعيش النصيرية والنصارى الروس في بوادي الشام حسرة وضنكا ونزيفا ...

بوادي الشام.. جنان ونار!


بينما يعيش النصيرية والنصارى الروس في بوادي الشام حسرة وضنكا ونزيفا مستمرا في الأرواح والمعدات، يحيا جنود الخلافة في تلك البوادي حياة طيبة تنعم فيها قلوبهم بلذة البذل وحلاوة الإيمان وإنْ تعبت منهم الأجساد والأبدان، بعد أن عمروها بالتوحيد والجهاد والرباط، فصارت جنة يأوي إليها المؤمنون، ونارا يحترق فيها الكافرون.

فمنذ أكثر من عامين تشنّ القوات الروسية والنصيرية حملة في إثر حملة على بوادي الشام، وما إنْ يزعموا نجاح الأولى حتى تأتي أختها فتنسف أكاذيبها، حتى أصبحت المواقع الإخبارية الروسية تنسب الفشل والتعثر إلى الجيش النصيري لتتهرب مِن وصف جيشها الصليبي بذلك، رغم أنه هو الذي يقود ويسيّر هذه الحملات.

وقد زجّوا بالمئات من عناصر الجيش النصيري والميليشيات الإيرانية وميليشيات محلية من مرتدي الصحوات، كما سحبوا العديد من قواتهم المنتشرة في أرياف إدلب وحماة، وأرسلوهم إلى البادية للمشاركة في القتال الممتد على محاور واسعة استهلكت قواتهم وأنهكت جنودهم، فأصبحت مشاهد احتراق حافلاتهم وتفحُّم جنودهم عالقة في الأذهان، وصارت أرتالهم صيدا لمفارز العبوات، فلجأ الروس الصليبيون إلى سياسة القصف الجوي، ثم إلى الإنزالات الجوية كحلٍ بديلٍ عن التقدم الميداني الذي كلّفهم كثيرا، ثم بدأوا مؤخرا بالاعتماد على ميليشيات إيرانية لتنفيذ الإنزالات، بعد أن فقدوا عددا من جنودهم في إنزالات فاشلة، وهم من فشل إلى آخر سائرون.

لقد تحقق في بوادي الإيمان مفهوم "الفلاح" تماما كما تحقق من قبل في المدن؛ فإن الفلاح كل الفلاح هو في البقاء على طاعة الله وعبادته في كل الأحوال، طاعته في الرخاء والشدة، في العسر واليسر، وإقامة دينه ما استطاع المسلمون إلى ذلك سبيلا، فقد أفلح المجاهدون يوم أقاموا الشريعة في المدن ولم يرضوا بكل الأوهام التي أرادت ثنيهم عن إقامة حكم الله تعالى فيها، كما أفلحوا اليوم في البوادي وميادين العسرة بثباتهم على الإيمان والجهاد وإبقاء جذوته مشتعلة تحرق الكافرين وتستنزف طاقاتهم.

إن تلك البوادي المقفرة عامرة بالإيمان واليقين والقربات والخلوة برب البريات، فهي توفّر للمجاهد بيئة إيمانية يتمناها كلُّ من جرّب العيش تحت حكم الطواغيت، كما تُحقق ترابطا عقديا وأخوة إيمانية فريدة يسمع عنها الناس في الخطب ويقرأون عنها في الكتب، بينما يعيشها جنود الخلافة يوما بيوم وساعة بساعة، برجال نزّاع من قبائل ودول شتى جمَعهم التوحيد وجراح المسلمين التي لن تبرأ بغير الجهاد والطعان.

إن المجاهدين في تلك البوادي يعيشون نعيم الهداية ولذة التعب في سبيل الله تعالى، وانشراح الصدر والتوفيق إلى الهدى، فيرون الحق حقا والباطل باطلا لا تُزاحم أفئدتهم شبهات ولا تُدافع جوارحهم شهوات، يَحيون جنة الدنيا التي قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إنّ في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة"، وبيّن مراده بها تلميذُه ابن القيم رحمه الله بقوله: "الإقبال على الله تعالى، والإنابة إليه، والرضا به وعنه، وامتلاء القلب من محبته واللهج بذكره، والفرح والسرور بمعرفته" وعدّ ذلك "ثوابا عاجلا وجنة، وعيشا لا نسبة لعيش الملوك إليه البتة"، وهو عين ما قصده أئمة السلف بقولهم: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه، لجالدونا عليه بالسيوف!".

هكذا يعيش المجاهدون في تلك البوادي لمن يسأل عن أحوالهم، ويتعجب من صمودهم وبقائهم، يعيشون في جنة الدنيا التي أدرك معناها السلف الأوائل فتنافسوها وحرصوا عليها طمعا في جنة الآخرة، فلا سبيل إلى تلك بغير هذه.

إنهم يعيشون الحياة الطيبة التي وعد الله بها عباده المؤمنين في الدنيا، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، ولقد تعددت أقوال المفسّرين في معنى قوله: (حياة طيبة)؛ بين "السعادة، والقناعة، وحلاوة الطاعة، والرزق الحلال، والعبادة والانشراح بها"، وعلّق ابن كثير رحمه الله على ذلك بقوله: "والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله".

فالمجاهدون في البوادي يعيشون حياة طيبة بمفهوم القرآن الكريم ومقياسه لا مقاييس البشر، حياة طيبة بسكون النفس وطمأنينة القلب وعدم الالتفات إلى ما يفسده ويحجبه عن خالقه، ويكدّر صفو الإيمان به تعالى، يعيشون بصدر منشرح وقلب مستبشر بأقدار الله تعالى، وإنْ لاقت أجسادهم ما لاقت من الجراح والجوع والتعب.


لقد عاش جنود الخلافة بدرا كما عاشوا أُحدا وتحزّبت عليهم الأحزاب، وما زال سفْر أمجادهم يقلّب صفحات العزة والثبات والاستعلاء بالإيمان على الباطل، كما عاشوا الهجرة بحذافيرها في تلك البوادي والفيافي التي هاجروا إليها وتركوا أهلهم وديارهم وتحملوا كل هذه المشاق والصعاب في هذا الطريق سيرا على خطى نبيهم عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام، وهم ينتظرون وعد الله تعالى لهم بأن يعوّضهم بأفضل مما جادوا به في الدنيا والآخرة معا إن شاء الله.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}، قال الطبري رحمه الله: "لنُسكننهم في الدنيا مسكنا يرضونه صالحا"، وقال ابن كثير: "أخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا، فقال: (ولأجر الآخرة أكبر) أي: مما أعطيناهم في الدنيا".

فالمجاهدون المهاجرون مهما قاسوا من المحن في جهادهم -والتي لن يخلو منها جهاد إلى أبد الدهر-، فإنهم موعودون بنص القرآن الكريم من الله تعالى أن يبوئهم ويُنزلهم في الدنيا منزلا حسنا وفي الآخرة أجرا أكبر وأعظم، قال الطبري: "ولثواب الله إياهم على هجرتهم فيه، في الآخرة أكبر لأن ثوابه إياهم هنالك الجنة التي يدوم نعيمها ولا يبيد".

تلك أحوال جنود الدولة الإسلامية في بوادي الشام وكل بوادي الجهاد التي أضحت قواعد عسكرية ومدارس شرعية وصوامع عبادة وأنْسٍ بالله تعالى، يُجدّدون فيها إيمانهم ويرصّون فيها صفوفهم، ثم يصبّحون عدو الله وعدوهم بلظى صولاتهم، ولهيب غاراتهم.

وكما قال الشيخ أبو حمزة القرشي -حفظه الله- في خطابه الأخير: "إلى أسد البوادي في ولاية الشام، لله دركم من رجال، تعجز الكلمات عن وصفكم ولو كتبنا لذلك ألف مقال". فالكلمات حقا تعجز وتقْصُر عن وصف مآثرهم وبطولاتهم وكيف للكلمات أن توفي الدماء حقها؟! لكن من نافلة القول أن نوصيهم كسائر إخوانهم المجاهدين بالثبات على هذا الدرب فهم أهله وأبطاله وكماته، ونذكّرهم بأنهم اليوم في مرحلة قريبة من تلك التي عاشها إخوانهم في بوادي العراق قديما، وكيف كانت تلك المعسكرات الغائرة في عمق الصحراء منطلقا رئيسا بعد سنوات نحو المدن وتجديد بنيان الدولة الإسلامية، بل إنّ بوداي الشام اليوم ثمرة من ثمرات بوادي العراق، وأنتم اليوم -بإذن الله تعالى- غرس لثمرة أخرى ستثمر حيث شاء الله تعالى وقدّر.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 299
الخميس 3 محرم 1443 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
30 رجب 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً