كواسر الجهاد (6) المواقف الخالدة الحمد لله عالي الشان، والصلاة والسلام على مربي الشجعان، ...

كواسر الجهاد (6) المواقف الخالدة


الحمد لله عالي الشان، والصلاة والسلام على مربي الشجعان، نبينا محمد وعلى آله وصحبة أصدق الناس جنان، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.

ففي حومة الوغى، ومنزل الأبطال في سوح الجهاد، تسبق النفوس أجسادَها لتسطير مواقف حاسمة خالدة، فتُخمَد إثرها نار الكافرين، ويُهزم فريقهم، ينبري لتلك المواقف جبال الصدق والبذل، وتلك المواقف متفرقة في سبُلها يجمعها تغيير الموازين، وتحقق النصر للمسلمين.


• فتيان قتلا فرعون الأمة!

في معركة بدر كان يقود جيش الكافرين فرعون الأمة أبو جهل، وفي موقف يبين أن كل جندي في الإسلام يستطيع فعل العجائب لنصرة هذا الدين، قال عبد الرحمن بن عوف: "إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن فكأني لم آمن بمكانهما إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم أرني أبا جهل! فقلت يا ابن أخي وما تصنع به؟ قال عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه -وفي رواية: أخبرت أنه يسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم! والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا- فقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله، قال: فما سرني أني بين رجلين مكانهما فأشرت لهما إليه فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، -وفي رواية: فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال: (أيكما قتله؟)، فقال كل واحد منهما: أنا قتلت، فقال: (هل مسحتما سيفيكما؟) قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: (كلاكما قتله) وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. [البخاري ومسلم]

ثم جاء فأجهز عليه ابن مسعود قال: أدركت أبا جهل يوم بدر صريعا، قال ومعي سيف لي فجعلت أضربه ولا يحيك فيه ومعه سيف له فضربت يده فوقع السيف فأخذته ثم كشفت المغفر عن رأسه فضربت عنقه ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: الله الذي لا إله إلا هو، قلت: الله الذي لا إله إلا هو قال: الله الذي لا إله إلا هو قلت: الله الذي لا إله إلا هو قال: انطلق فاستثبت، فانطلقت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن جاءكم يسعى مثل الطير يضحك فقد صدق فانطلقت فاستثبت ثم جئت وأنا أسعى مثل الطائر أضحك أخبرته فقال انطلق فأرني مكانه فانطلقت معه فأريته إياه فلما وقف عليه حمد الله ثم قال هذا فرعون هذه الأمة. [النسائي]


• إن الحرب خدعة

ومن المواقف ما يحتاج فيه إلى الخدعة للعدو فيجعل الله بها سببا في هزيمة الكافرين، ومثال ذلك ما جرى يوم الخندق، لما هزم الله الأحزاب وحده، وذلك أن نعيم بن مسعود بن عامر الغطفاني رضي الله عنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إني قد أسلمت فمرني بما شئت، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنت رجل واحد فخذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة).

فذهب من حينه ذلك إلى بني قريظة -وكان عشيراً لهم في الجاهلية- فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه فقال يا بني قريظة! إنكم قد حاربتم محمداً، وإن قريشاً إن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا شمروا إلى بلادهم وتركوكم ومحمداً فانتقم منكم.

قالوا: فما العمل يا نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا لقد أشرت بالرأي.

ثم نهض إلى قريش فقال لأبي سفيان ولهم: تعلمون ودي ونصحي لكم؟ قالوا نعم.

قال: إن يهود ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يمالئونه عليكم. ثم ذهب إلى قومه غطفان فقال لهم مثل ذلك.

فلما كان ليلة السبت في شوال بعثوا إلى يهود: إنا لسنا بأرض مقام فانهضوا بنا غداً نناجز هذا الرجل، فأرسل إليهم اليهود: إن اليوم يوم السبت، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهناً، فلما جاءهم الرسل بذلك قالت قريش: صدقنا والله نعيم بن مسعود، وبعثوا إلى يهود: إنا والله لا نرسل لكم أحداً فاخرجوا معنا، فقالت قريظة: صدق والله نعيم، وأبوا أن يقاتلوا معهم. وأرسل الله عز وجل على قريش ومن معهم الخور والريح تزلزلهم، فجعلوا لا يقر لهم قرار، ولا تثبت لهم خيمة ولا طنب، ولا قدر ولا شيء، فلما رأوا ذلك ترحلوا من ليلتهم تلك. [الفصول]، وقال ابن كثير معلِّقا على القصة: "وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصة نعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة". [البداية والنهاية]

• ثبات وبأس يوم حنين

ومن المواقف ما تكون ثباتا يثبت بها الجيش كله، ففي يوم حنين لما ولى بعض المسلمين، ضرب النبي صلى الله عليه وسلم موقفا عظيما في الثبات، قال البراء رضي الله عنه: "لقد رأيته على بغلته البيضاء وأبو سفيان آخذ بلجامها والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنا النبي لا كذب، وزاد غيره: أنا ابن عبد المطلب، قيل فما روى يومئذ أحد كان أشد منه، وقال غيره نزل النبي صلى الله عليه وسلم عن بغلته، وذكر مسلم عن العباس قال فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض على بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركابه، ثم نادى يا للمسلمين -الحديث-، وقيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب -ولا يغضب إلا لله- لم يقم لغضبه شيء، وقال ابن عمر ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال علي رضي الله عنه إنا كنا إذا حمي البأس ويروى اشتد البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو كان من أشد الناس يومئذ بأسا". [الشفا]


• خالد يوم مؤتة

وربما يكون الموقف أن يُحافظ على من بقي من جيش المسلمين، كما حدث في غزوة مؤتة، لما أخذ خالد بن الوليد الراية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآن حمي الوطيس.

قال الواقدي: فحدثني العطاف بن خالد قال: لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد فلما أصبح غدا، وقد جعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته وميسرته ميمنته قال: فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم، وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين، قال: فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. [البداية والنهاية]، وقال ابن كثير: أن خالد لما أخذ الراية حاش بالقوم المسلمين حتى خلصهم من أيدي الكافرين من الروم والمستعربة، فلما أصبح وحول الجيش ميمنة وميسرة ومقدمة وساقة كما ذكره الواقدي توهم الروم أن ذلك عن مدد جاء إلى المسلمين، فلما حمل عليهم خالد هزموهم بإذن الله والله أعلم.

ونحو هذا ما قام به المثنى بن حارثة يوم الجسر، إذ "حَمَى المثنى وفرسان من المسلمين الناس ونادى يا أيها الناس إنا دونكم فاعبروا على هينتكم ولا تدهشوا فإنا لن نزايل حتى نراكم من ذلك الجانب ولا تغرقوا أنفسكم" [تاريخ الطبري]


• في فتح الاسكندرية

وبعض المواقف ما فيها أن يجدد المجاهد بيع نفسه لله ليفتح الله للمسلمين، وتلك يقوم لها من أحب الله وأحبه، جاء في إحدى روايات فتح الاسكندرية: أن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: إني أهب نفسي لله تعالى وأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين، فوضع سلماً إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام ثم صعد وأمرهم إذا سمعوا تكبيره يجيبونه جميعا؛ فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبر ومعه السيف، وتحامل الناس على السلم حتى نهاهم عمرو خوفاً أن ينكسر السلم، وكبر الزبير تكبيرة فأجابه المسلمون من خارج، فلم يشك أهل الحصن أن العرب قد اقتحموا جميعاً الحصن فهربوا وعمد الزبير بأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه واقتحم المسلمون الحصن. فلما خاف المقوقس على نفسه ومن معه سأل عمرو ابن العاص الصلح. [النجوم الزاهرة]


• في فتوح إفريقية

أما ابنه عبد الله بن الزبير فكان منه أعجب من ذلك، ففي فتوح إفريقية قال ابن الزبير: "هجم علينا جرجير في معسكرنا في عشرين ومائة ألف، فأحاطوا بنا ونحن في عشرين ألفا. واختلف الناس على عبد الله بن أبي سرح، فدخل فسطاطا له فخلا فيه، ورأيت أنا غرة من جرجير بصرت به خلف عساكره على برذون أشهب معه جاريتان تظللان عليه بريش الطواويس، وبينه وبين جنده أرض بيضاء ليس بها أحد، فخرجت إلى ابن أبي سرح فندب لي الناس، فاخترت منهم ثلاثين فارسا وقلت لسائرهم: البثوا على مصافكم، وحملت في الوجه الذي رأيت فيه جرجير وقلت لأصحابي: احملوا لي ظهري، فو الله ما نشبت أن خرقت الصف إليه فخرجت صامدا له، وما يحسب هو ولا أصحابه إلا أني رسول إليه، حتى دنوت منه فعرف الشر، فوثب على برذونه وولى مدبرا، فأدركته ثم طعنته، فسقط، ثم دففت عليه بالسيف، ونصبت رأسه على رمح وكبرت، وحمل المسلمون، فارفض أصحابه من كل وجه، وركبنا أكتافهم". [تاريخ الإسلام]

تلك مواقف خالدة، مضى أصحابها وحطوا رحالهم في الجنان كما نحسبهم، وما زالت مآثرهم حية، فاصنع لنفسك موقفا يكون لك ذخرا عند الله تعالى، فما الدنيا إلا صندوق عمل وعند الله في ذاك الجزاء، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 329
الخميس 7 شعبان 1443 هـ
...المزيد

كواسر الجهاد (6) المواقف الخالدة الحمد لله عالي الشان، والصلاة والسلام على مربي الشجعان، ...

كواسر الجهاد (6) المواقف الخالدة


الحمد لله عالي الشان، والصلاة والسلام على مربي الشجعان، نبينا محمد وعلى آله وصحبة أصدق الناس جنان، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.

ففي حومة الوغى، ومنزل الأبطال في سوح الجهاد، تسبق النفوس أجسادَها لتسطير مواقف حاسمة خالدة، فتُخمَد إثرها نار الكافرين، ويُهزم فريقهم، ينبري لتلك المواقف جبال الصدق والبذل، وتلك المواقف متفرقة في سبُلها يجمعها تغيير الموازين، وتحقق النصر للمسلمين.


• فتيان قتلا فرعون الأمة!

في معركة بدر كان يقود جيش الكافرين فرعون الأمة أبو جهل، وفي موقف يبين أن كل جندي في الإسلام يستطيع فعل العجائب لنصرة هذا الدين، قال عبد الرحمن بن عوف: "إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن فكأني لم آمن بمكانهما إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم أرني أبا جهل! فقلت يا ابن أخي وما تصنع به؟ قال عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه -وفي رواية: أخبرت أنه يسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم! والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا- فقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله، قال: فما سرني أني بين رجلين مكانهما فأشرت لهما إليه فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، -وفي رواية: فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال: (أيكما قتله؟)، فقال كل واحد منهما: أنا قتلت، فقال: (هل مسحتما سيفيكما؟) قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: (كلاكما قتله) وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. [البخاري ومسلم]

ثم جاء فأجهز عليه ابن مسعود قال: أدركت أبا جهل يوم بدر صريعا، قال ومعي سيف لي فجعلت أضربه ولا يحيك فيه ومعه سيف له فضربت يده فوقع السيف فأخذته ثم كشفت المغفر عن رأسه فضربت عنقه ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: الله الذي لا إله إلا هو، قلت: الله الذي لا إله إلا هو قال: الله الذي لا إله إلا هو قلت: الله الذي لا إله إلا هو قال: انطلق فاستثبت، فانطلقت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن جاءكم يسعى مثل الطير يضحك فقد صدق فانطلقت فاستثبت ثم جئت وأنا أسعى مثل الطائر أضحك أخبرته فقال انطلق فأرني مكانه فانطلقت معه فأريته إياه فلما وقف عليه حمد الله ثم قال هذا فرعون هذه الأمة. [النسائي]


• إن الحرب خدعة

ومن المواقف ما يحتاج فيه إلى الخدعة للعدو فيجعل الله بها سببا في هزيمة الكافرين، ومثال ذلك ما جرى يوم الخندق، لما هزم الله الأحزاب وحده، وذلك أن نعيم بن مسعود بن عامر الغطفاني رضي الله عنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إني قد أسلمت فمرني بما شئت، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنت رجل واحد فخذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة).

فذهب من حينه ذلك إلى بني قريظة -وكان عشيراً لهم في الجاهلية- فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه فقال يا بني قريظة! إنكم قد حاربتم محمداً، وإن قريشاً إن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا شمروا إلى بلادهم وتركوكم ومحمداً فانتقم منكم.

قالوا: فما العمل يا نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا لقد أشرت بالرأي.

ثم نهض إلى قريش فقال لأبي سفيان ولهم: تعلمون ودي ونصحي لكم؟ قالوا نعم.

قال: إن يهود ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يمالئونه عليكم. ثم ذهب إلى قومه غطفان فقال لهم مثل ذلك.

فلما كان ليلة السبت في شوال بعثوا إلى يهود: إنا لسنا بأرض مقام فانهضوا بنا غداً نناجز هذا الرجل، فأرسل إليهم اليهود: إن اليوم يوم السبت، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهناً، فلما جاءهم الرسل بذلك قالت قريش: صدقنا والله نعيم بن مسعود، وبعثوا إلى يهود: إنا والله لا نرسل لكم أحداً فاخرجوا معنا، فقالت قريظة: صدق والله نعيم، وأبوا أن يقاتلوا معهم. وأرسل الله عز وجل على قريش ومن معهم الخور والريح تزلزلهم، فجعلوا لا يقر لهم قرار، ولا تثبت لهم خيمة ولا طنب، ولا قدر ولا شيء، فلما رأوا ذلك ترحلوا من ليلتهم تلك. [الفصول]، وقال ابن كثير معلِّقا على القصة: "وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصة نعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة". [البداية والنهاية]

• ثبات وبأس يوم حنين

ومن المواقف ما تكون ثباتا يثبت بها الجيش كله، ففي يوم حنين لما ولى بعض المسلمين، ضرب النبي صلى الله عليه وسلم موقفا عظيما في الثبات، قال البراء رضي الله عنه: "لقد رأيته على بغلته البيضاء وأبو سفيان آخذ بلجامها والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنا النبي لا كذب، وزاد غيره: أنا ابن عبد المطلب، قيل فما روى يومئذ أحد كان أشد منه، وقال غيره نزل النبي صلى الله عليه وسلم عن بغلته، وذكر مسلم عن العباس قال فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض على بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركابه، ثم نادى يا للمسلمين -الحديث-، وقيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب -ولا يغضب إلا لله- لم يقم لغضبه شيء، وقال ابن عمر ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال علي رضي الله عنه إنا كنا إذا حمي البأس ويروى اشتد البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو كان من أشد الناس يومئذ بأسا". [الشفا]


• خالد يوم مؤتة

وربما يكون الموقف أن يُحافظ على من بقي من جيش المسلمين، كما حدث في غزوة مؤتة، لما أخذ خالد بن الوليد الراية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآن حمي الوطيس.

قال الواقدي: فحدثني العطاف بن خالد قال: لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد فلما أصبح غدا، وقد جعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته وميسرته ميمنته قال: فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم، وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين، قال: فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. [البداية والنهاية]، وقال ابن كثير: أن خالد لما أخذ الراية حاش بالقوم المسلمين حتى خلصهم من أيدي الكافرين من الروم والمستعربة، فلما أصبح وحول الجيش ميمنة وميسرة ومقدمة وساقة كما ذكره الواقدي توهم الروم أن ذلك عن مدد جاء إلى المسلمين، فلما حمل عليهم خالد هزموهم بإذن الله والله أعلم.

ونحو هذا ما قام به المثنى بن حارثة يوم الجسر، إذ "حَمَى المثنى وفرسان من المسلمين الناس ونادى يا أيها الناس إنا دونكم فاعبروا على هينتكم ولا تدهشوا فإنا لن نزايل حتى نراكم من ذلك الجانب ولا تغرقوا أنفسكم" [تاريخ الطبري]


• في فتح الاسكندرية

وبعض المواقف ما فيها أن يجدد المجاهد بيع نفسه لله ليفتح الله للمسلمين، وتلك يقوم لها من أحب الله وأحبه، جاء في إحدى روايات فتح الاسكندرية: أن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: إني أهب نفسي لله تعالى وأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين، فوضع سلماً إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام ثم صعد وأمرهم إذا سمعوا تكبيره يجيبونه جميعا؛ فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبر ومعه السيف، وتحامل الناس على السلم حتى نهاهم عمرو خوفاً أن ينكسر السلم، وكبر الزبير تكبيرة فأجابه المسلمون من خارج، فلم يشك أهل الحصن أن العرب قد اقتحموا جميعاً الحصن فهربوا وعمد الزبير بأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه واقتحم المسلمون الحصن. فلما خاف المقوقس على نفسه ومن معه سأل عمرو ابن العاص الصلح. [النجوم الزاهرة]


• في فتوح إفريقية

أما ابنه عبد الله بن الزبير فكان منه أعجب من ذلك، ففي فتوح إفريقية قال ابن الزبير: "هجم علينا جرجير في معسكرنا في عشرين ومائة ألف، فأحاطوا بنا ونحن في عشرين ألفا. واختلف الناس على عبد الله بن أبي سرح، فدخل فسطاطا له فخلا فيه، ورأيت أنا غرة من جرجير بصرت به خلف عساكره على برذون أشهب معه جاريتان تظللان عليه بريش الطواويس، وبينه وبين جنده أرض بيضاء ليس بها أحد، فخرجت إلى ابن أبي سرح فندب لي الناس، فاخترت منهم ثلاثين فارسا وقلت لسائرهم: البثوا على مصافكم، وحملت في الوجه الذي رأيت فيه جرجير وقلت لأصحابي: احملوا لي ظهري، فو الله ما نشبت أن خرقت الصف إليه فخرجت صامدا له، وما يحسب هو ولا أصحابه إلا أني رسول إليه، حتى دنوت منه فعرف الشر، فوثب على برذونه وولى مدبرا، فأدركته ثم طعنته، فسقط، ثم دففت عليه بالسيف، ونصبت رأسه على رمح وكبرت، وحمل المسلمون، فارفض أصحابه من كل وجه، وركبنا أكتافهم". [تاريخ الإسلام]

تلك مواقف خالدة، مضى أصحابها وحطوا رحالهم في الجنان كما نحسبهم، وما زالت مآثرهم حية، فاصنع لنفسك موقفا يكون لك ذخرا عند الله تعالى، فما الدنيا إلا صندوق عمل وعند الله في ذاك الجزاء، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 329
الخميس 7 شعبان 1443 هـ
...المزيد

مؤسسة الفرقان - فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ كلمة صوتيّة ...

مؤسسة الفرقان - فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ



فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ
كلمة صوتيّة للمتحدّث الرّسمي للدّولة الإسلامية
الشيخ المجاهد أبي عمر المهاجر (حفظه الله تعالى)


الحمد لله القويّ المتين، معزّ عباده الموحدين ومذلّ أعدائه الكافرين، والصلاة والسلام على المبعوث بالسيف رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

قال تعالى: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}. [الأحزاب - الآية 23]

ننعى إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وإلى مجاهدي الدولة الإسلامية الخليفة المجاهد العالم العامل العابد أمير المؤمنين الشيخ أبا إبراهيم الهاشميّ القرشيّ، والمتحدّث الرسميّ للدولة الإسلامية الشيخ المهاجر أبا حمزة القرشيّ -تقبلهما الله-، اللذين قتلا مقبلين غير مدبرين خلال الأيام الماضية، ونسأل الله أن يتقبّلهما مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

عين جودي على أسود النّزال
واسكبي الدّمع من سحاب ثقال

قتل الشّيخ والخطوب جسام
بعد عقدين من ورود المعالي

فارس الحرب قد ترجّل عنها
تحت ظلّ الرّصاص والأهوال

يا أميرا للمؤمنين كفانا
أنّكم أهل حلقة وقتال

حاكم حكّم الشّريعة فينا
فنعمنا بها بخير ظلال

عالم عابد مجاهد صدق
صاحب السّبق مستفيض الخصال

إنّ في القتل للرّجال فخارا
وجسورا لهم لخير مآل

وأبو حمزة المهاجر ليث
صادق القول صادق الأفعال

قد رمى بالبيان كلّ جبان
بسهام كانت بغير نصال

سعّر الحرب وانتضى كلّ سيف
من جنود الإسلام والأبطال

رحم الله شيخنا كم تمنّى
أنّ بالقتل خاتم الأعمال

عزم الأسد أن سنثأر حتّى
ترتوي الأرض من دماء الرّجال

قد سمعنا فيما روي وعلمنا
لا تنال الجنان بالآمال

وكان الشيخ أبو إبراهيم الهاشميّ قد تولى إمرة المؤمنين خلفا للشيخ أبي بكر البغداديّ -تقبله الله- فكان خير خلف لخير سلف -نحسبهم والله حسيبهم-، تولّى الإمرة في وقت لا يحسد عليه فثبت لها ثبات الجبال وقام بها كما تقوم الرجال بمحض توفيق من الله عزّ وجل، فلقد أعانه الله على ما ابتلاه، فبايعه المسلمون وتوحّد تحت رايته المجاهدون فرصّ الصفوف وخاض الحتوف وأعمل السيف في رقاب الكفار والمرتدين وكلّ من عادى الله ورسوله، وأعاد الحرب عليهم خضراء جذعة وأياما زرقاوية، وكان آخر البطولات وأشرف الإنجازات تحرير عدد من الأسرى من سجن غويران في ملحمة لا يستطيعها إلا جنود الدولة الإسلامية وقادتها، بمعركة في عقر دار الملاحدة أظهرت عجزهم وهشاشة بنيانهم الذي أسّس على شفا جرف هار وسينهار بهم -إن شاء الله-، فكانت تلك خاتمة أعماله حتّى قتل حيث يحبّ أن يقتل في ساحة من ساحات الوغى وهو يراغم أعداء الله الصليبيين وأعوانهم ويناجزهم، مقبلا غير مدبر نحسبه والله حسيبه.

وأما الشيخ المهاجر أبو حمزة القرشيّ -تقبله الله- فارس الإعلام التقيّ الخفيّ، صاحب الصوت النديّ، الذي دوّت كلماته ووصل صداها إلى كلّ أصقاع الأرض، فزلزل الطواغيت بعباراته وشفى صدور المؤمنين ببشرياته وكان خير وزير ومعين لأمير المؤمنين، كلّف متحدثا رسميّا للدولة الإسلامية خلفا للشيخ أبي الحسن المهاجر -تقبله الله- واستمرّ على ثغره محرّضا للمؤمنين ناقضا لشبه المرجفين داعيا إلى الصراط المستقيم بلسان صدق مبين حتى أتاه اليقين نحسبه والله حسيبه.

ولم يتأخّر مجلس شورى الدولة الإسلامية، فبعد مقتل الشيخ أبي إبراهيم القرشيّ بايع أهل الحلّ والعقد من المجاهدين الشيخ المجاهد الجليل والسيف الصقيل أبا الحسن الهاشميّ القرشيّ -حفظه الله- أميرا للمؤمنين وخليفة للمسلمين، عملا بوصية الشيخ أبي إبراهيم، ولقد قبل البيعة -بارك الله فيه-، فنسأل الله أن يعينه ويرعاه، ويسدّد على طريق الحقّ رأيه وخطاه، ونسأله سبحانه أن يلهمه الرشاد وأن يفتح على يديه البلاد.

فيا أيها المسلمون في كلّ مكان قوموا وبايعوا أمير المؤمنين وخليفة المسلمين فإنّه من أهل السبق والصدق -نحسبه والله حسيبه- ولو أمكننا لكشفنا عن اسمه ورسمه ولكن لكل مقام مقال، فلا تتأخّروا ولا تتوانوا عن مبايعته فلقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: (من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية). وإنا لا نعلم حاكما غيره يحكّم شرع الله فيما مكّنه الله، ويجاهد في سبيل الله.

ويا جنود الخلافة في كل الولايات {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، واستعدّوا وشمّروا عن سواعد الجدّ والاجتهاد، فلقد كشّرت الحرب عن أنيابها وتعاظم أوارها، وتولّى زمامها إمام همام وفارس مقدام، في عينيه أمارتها وفي يديه إمارتها، أعدّ للأهوال ليوثا واثبة وأسودا غاضبة، فلن يفرح الكفار والمشركون والمرتدون بمقتل أمرائنا وأئمتنا، فإن دماءنا لا تطلّ وإن حديدنا لا يفلّ، وإن أمريكا حامية الصليب عاجزة عن إطفاء نور الله، وهي تحاول جاهدة في كلّ مرة تقتل فيها إماما من أئمة الموحدين ومجاهدا من المجاهدين أن تعلن القضاء على الدولة الإسلامية -أعزها الله- أو إضعافها ولكن يخزيها الله في كلّ مرة وينقلب الأمر من محاولة لزعزعة صفوف المسلمين والمجاهدين إلى تثبيت لهم وتعزيز ثقتهم، برؤيتهم لأمرائهم يردون حياض المنايا غير آبهين، ويقتلون في سوح الوغى مجندلين، فهذا أعظم دليل على صدق المنهج وصحّة الطريق.

فيا أسود التوحيد وفرسان الميادين وحماة العقيدة والدين، الله الله في جهادكم، والسمع والطاعة ولزوم الجماعة، ادعوا إلى سبيل ربكم باللسان والسنان، وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وانصروا المسلمين المستضعفين أينما كانوا، واحرصوا على فكاك أسراكم فما هانوا، فهو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو وصية أمير المؤمنين أبي إبراهيم -تقبله الله- الّتي بلّغكم إيّاها بالفعل لا بالقول، ونشدّد عليكم بأخذ الثأر لأئمّتكم وإخوانكم وأخواتكم، تقرّبوا إلى الله بقطف رؤوس أعدائه وإزهاق نفوسهم واعلموا أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرا وأن العاقبة للمتقين.

تأهّب فذي فتن ماحقات
فأين السّبيل وأين النّجاة
نجاتك حيث الجماعة كانت
وحيث الإمام بها والهداة
سبيلك للحقّ فالزمه حتّى
تموت عليه فيحلو الممات
خلافتنا جمعت شملنا
وكان لنا قبل ذاك الشّتات
بناها الثّقات بأشلائهم
وإنّا على الدّرب أسد أباة
لنصرة دين وتحكيم شرع
ودار بها تأمن المحصنات

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 329
الخميس 7 شعبان 1443 هـ
...المزيد

jpg صورة مملكة مملوءة بالفايري يامر ملائكة بالارواح من عنده الا من يشاء

jpg صورة مملكة مملوءة بالفايري

يامر ملائكة بالارواح من عنده الا من يشاء

مؤسسة الفرقان - فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ كلمة صوتيّة ...

مؤسسة الفرقان - فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ



فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ
كلمة صوتيّة للمتحدّث الرّسمي للدّولة الإسلامية
الشيخ المجاهد أبي عمر المهاجر (حفظه الله تعالى)


الحمد لله القويّ المتين، معزّ عباده الموحدين ومذلّ أعدائه الكافرين، والصلاة والسلام على المبعوث بالسيف رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

قال تعالى: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}. [الأحزاب - الآية 23]

ننعى إلى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وإلى مجاهدي الدولة الإسلامية الخليفة المجاهد العالم العامل العابد أمير المؤمنين الشيخ أبا إبراهيم الهاشميّ القرشيّ، والمتحدّث الرسميّ للدولة الإسلامية الشيخ المهاجر أبا حمزة القرشيّ -تقبلهما الله-، اللذين قتلا مقبلين غير مدبرين خلال الأيام الماضية، ونسأل الله أن يتقبّلهما مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

عين جودي على أسود النّزال
واسكبي الدّمع من سحاب ثقال

قتل الشّيخ والخطوب جسام
بعد عقدين من ورود المعالي

فارس الحرب قد ترجّل عنها
تحت ظلّ الرّصاص والأهوال

يا أميرا للمؤمنين كفانا
أنّكم أهل حلقة وقتال

حاكم حكّم الشّريعة فينا
فنعمنا بها بخير ظلال

عالم عابد مجاهد صدق
صاحب السّبق مستفيض الخصال

إنّ في القتل للرّجال فخارا
وجسورا لهم لخير مآل

وأبو حمزة المهاجر ليث
صادق القول صادق الأفعال

قد رمى بالبيان كلّ جبان
بسهام كانت بغير نصال

سعّر الحرب وانتضى كلّ سيف
من جنود الإسلام والأبطال

رحم الله شيخنا كم تمنّى
أنّ بالقتل خاتم الأعمال

عزم الأسد أن سنثأر حتّى
ترتوي الأرض من دماء الرّجال

قد سمعنا فيما روي وعلمنا
لا تنال الجنان بالآمال

وكان الشيخ أبو إبراهيم الهاشميّ قد تولى إمرة المؤمنين خلفا للشيخ أبي بكر البغداديّ -تقبله الله- فكان خير خلف لخير سلف -نحسبهم والله حسيبهم-، تولّى الإمرة في وقت لا يحسد عليه فثبت لها ثبات الجبال وقام بها كما تقوم الرجال بمحض توفيق من الله عزّ وجل، فلقد أعانه الله على ما ابتلاه، فبايعه المسلمون وتوحّد تحت رايته المجاهدون فرصّ الصفوف وخاض الحتوف وأعمل السيف في رقاب الكفار والمرتدين وكلّ من عادى الله ورسوله، وأعاد الحرب عليهم خضراء جذعة وأياما زرقاوية، وكان آخر البطولات وأشرف الإنجازات تحرير عدد من الأسرى من سجن غويران في ملحمة لا يستطيعها إلا جنود الدولة الإسلامية وقادتها، بمعركة في عقر دار الملاحدة أظهرت عجزهم وهشاشة بنيانهم الذي أسّس على شفا جرف هار وسينهار بهم -إن شاء الله-، فكانت تلك خاتمة أعماله حتّى قتل حيث يحبّ أن يقتل في ساحة من ساحات الوغى وهو يراغم أعداء الله الصليبيين وأعوانهم ويناجزهم، مقبلا غير مدبر نحسبه والله حسيبه.

وأما الشيخ المهاجر أبو حمزة القرشيّ -تقبله الله- فارس الإعلام التقيّ الخفيّ، صاحب الصوت النديّ، الذي دوّت كلماته ووصل صداها إلى كلّ أصقاع الأرض، فزلزل الطواغيت بعباراته وشفى صدور المؤمنين ببشرياته وكان خير وزير ومعين لأمير المؤمنين، كلّف متحدثا رسميّا للدولة الإسلامية خلفا للشيخ أبي الحسن المهاجر -تقبله الله- واستمرّ على ثغره محرّضا للمؤمنين ناقضا لشبه المرجفين داعيا إلى الصراط المستقيم بلسان صدق مبين حتى أتاه اليقين نحسبه والله حسيبه.

ولم يتأخّر مجلس شورى الدولة الإسلامية، فبعد مقتل الشيخ أبي إبراهيم القرشيّ بايع أهل الحلّ والعقد من المجاهدين الشيخ المجاهد الجليل والسيف الصقيل أبا الحسن الهاشميّ القرشيّ -حفظه الله- أميرا للمؤمنين وخليفة للمسلمين، عملا بوصية الشيخ أبي إبراهيم، ولقد قبل البيعة -بارك الله فيه-، فنسأل الله أن يعينه ويرعاه، ويسدّد على طريق الحقّ رأيه وخطاه، ونسأله سبحانه أن يلهمه الرشاد وأن يفتح على يديه البلاد.

فيا أيها المسلمون في كلّ مكان قوموا وبايعوا أمير المؤمنين وخليفة المسلمين فإنّه من أهل السبق والصدق -نحسبه والله حسيبه- ولو أمكننا لكشفنا عن اسمه ورسمه ولكن لكل مقام مقال، فلا تتأخّروا ولا تتوانوا عن مبايعته فلقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: (من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية). وإنا لا نعلم حاكما غيره يحكّم شرع الله فيما مكّنه الله، ويجاهد في سبيل الله.

ويا جنود الخلافة في كل الولايات {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، واستعدّوا وشمّروا عن سواعد الجدّ والاجتهاد، فلقد كشّرت الحرب عن أنيابها وتعاظم أوارها، وتولّى زمامها إمام همام وفارس مقدام، في عينيه أمارتها وفي يديه إمارتها، أعدّ للأهوال ليوثا واثبة وأسودا غاضبة، فلن يفرح الكفار والمشركون والمرتدون بمقتل أمرائنا وأئمتنا، فإن دماءنا لا تطلّ وإن حديدنا لا يفلّ، وإن أمريكا حامية الصليب عاجزة عن إطفاء نور الله، وهي تحاول جاهدة في كلّ مرة تقتل فيها إماما من أئمة الموحدين ومجاهدا من المجاهدين أن تعلن القضاء على الدولة الإسلامية -أعزها الله- أو إضعافها ولكن يخزيها الله في كلّ مرة وينقلب الأمر من محاولة لزعزعة صفوف المسلمين والمجاهدين إلى تثبيت لهم وتعزيز ثقتهم، برؤيتهم لأمرائهم يردون حياض المنايا غير آبهين، ويقتلون في سوح الوغى مجندلين، فهذا أعظم دليل على صدق المنهج وصحّة الطريق.

فيا أسود التوحيد وفرسان الميادين وحماة العقيدة والدين، الله الله في جهادكم، والسمع والطاعة ولزوم الجماعة، ادعوا إلى سبيل ربكم باللسان والسنان، وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، وانصروا المسلمين المستضعفين أينما كانوا، واحرصوا على فكاك أسراكم فما هانوا، فهو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو وصية أمير المؤمنين أبي إبراهيم -تقبله الله- الّتي بلّغكم إيّاها بالفعل لا بالقول، ونشدّد عليكم بأخذ الثأر لأئمّتكم وإخوانكم وأخواتكم، تقرّبوا إلى الله بقطف رؤوس أعدائه وإزهاق نفوسهم واعلموا أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرا وأن العاقبة للمتقين.

تأهّب فذي فتن ماحقات
فأين السّبيل وأين النّجاة
نجاتك حيث الجماعة كانت
وحيث الإمام بها والهداة
سبيلك للحقّ فالزمه حتّى
تموت عليه فيحلو الممات
خلافتنا جمعت شملنا
وكان لنا قبل ذاك الشّتات
بناها الثّقات بأشلائهم
وإنّا على الدّرب أسد أباة
لنصرة دين وتحكيم شرع
ودار بها تأمن المحصنات

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 329
الخميس 7 شعبان 1443 هـ
...المزيد

الشهر الذي يغفل الناس عنه! الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله ...

الشهر الذي يغفل الناس عنه!


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.

كنتَ وما زلتَ بين الشهور والأيام شامة لأنك لرمضان آية وعلامة، فطوبى لمن حقق فيك الاستقامة، ويا حسرة من حظه منك التفريط والندامة.

إن المواسم والأوقات الفاضلة في حياة المسلمين لها اهتمام خاص، ومن هذه المواسم شهر شعبان وهو شهر يغفل عن فضله الكثيرون وسمي شعبان لأن العرب كانوا يتشعبون فيه للغزو.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وسمي شعبان لتشعبهم في طلب المياه أو في الغارات بعد أن يخرج شهر رجب الحرام وهذا أولى من الذي قبله وقيل فيه غير ذلك" ا.هـ. [فتح الباري]

وذكر ابن كثير رحمه الله عن السخاوي أنه قال في سبب تسميته "شعبان: من تشعب القبائل وتفرقها للغارة ويجمع على شعابين وشعبانات".ا.هـ [التفسير]

ولهذا الشهر فضائل كثيرة ومزايا عديدة منها:

أن الأعمال ترفع فيه، وأن الناس يغفلون عن العبادة فيه وعبادة الله في أوقات الغفلة لها عند الله شأن عظيم، ففي صحيح مسلم عن معقل بن يسار رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (العبادة في الهرج كهجرة إلي)، قال الإمام النووي رحمه الله: "المراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا أفراد" ا.هـ [شرح مسلم]

والذي يدل على أن الأعمال ترفع في شعبان وأن الناس في غفلة عنه ما رواه أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: (ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) [رواه أبو داود والنسائي].

ومما يبين فضل هذا الشهر كثرة صيام النبي صلى الله عليه وسلم فيه لحديث أسامة السابق ولحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان" [متفق عليه].

وفي رواية لمسلم: "كان يصوم شعبان كله كان يصوم شعبان إلا قليلا". قال الإمام النووي رحمه الله: "قال العلماء وإنما لم يستكمل غير رمضان لئلا يظن وجوبه" ا.هـ [شرح مسلم]

ومن فوائد صيام هذا الشهر أن صاحبه يأتيه رمضان وقد تمرن على الصيام واعتاده. قال ابن رجب رحمه الله: "وقد قيل: في صوم شعبان معنى آخر: أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة بل قد تمرن على الصيام واعتاده ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط.

ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي رمضان وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن" ا.هـ [لطائف المعارف]

ومن فضائله أن صوم يوم من شعبان يعدل يومين من غيره ففي الصحيحين عن عمران بن حصين رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له -أو لآخر-: (أصمت من سرر شعبان؟) قال: لا، قال: (فإذا أفطرت، فصم يومين). والصحيح أن معنى سرر أي آخر الشهر. غير أنه يحرم تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين لمن لم تكن له عادة بالتطوع بل يصومه احتياطا لرمضان؛ لما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه، فليصم ذلك اليوم)، قال الإمام النووي رحمه الله: "فيه التصريح بالنهي عن استقبال رمضان بصوم يوم ويومين لمن لم يصادف عادة له أو يصله بما قبله فإن لم يصله ولا صادف عادة فهو حرام" ا.هـ [شرح مسلم]

وكذلك يحرم صيام يوم الشك لمن لم يكن له عادة في صيامه فعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم". [ذكره البخاري تعليقا ووصله غيره وهو حسن].

قال القاضي أبوبكر بن العربي المالكي رحمه الله: "وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الشك على معنى الاحتياط للعبادة؛ وذلك لأن العبادة إنما يحتاط لها إذا وجبت، وقبل ألا تجب لا احتياط شرعا، وإنما تكون بدعة ومكروها".ا.هـ [أحكام القرآن]

وقال ابن القيم رحمه الله: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن تكون له عادة توافق ذلك اليوم، ونهى عن صوم يوم الشك، وما ذاك إلا لئلا يتخذ ذريعة إلى أن يلحق بالفرض ما ليس منه". [إعلام الموقعين]

ويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الناس الهلال في ليلته، قال الأمير الصنعاني رحمه الله: "واعلم أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال في ليله بغيم ساتر أو نحوه فيجوز كونه من رمضان وكونه من شعبان والحديث وما في معناه يدل على تحريم صومه" ا.هـ [سبل السلام]

وكذلك يحرم تخصيص عبادة معينة في يوم معين في هذا الشهر كتخصيص ليلة النصف من شعبان بقيام ونهارها بصيام؛ لأن في هذا زيادة في الدين لم يشرعها رب العالمين قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} قال ابن كثير رحمه الله: "هذه أكبر نعم الله، عز وجل، على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم، صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف، كما قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} أي: صدقا في الأخبار، وعدلا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل الدين لهم تمت النعمة عليهم" ا.هـ [التفسير]

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد)، قال الإمام النووي رحمه الله: "الرد هنا بمعنى المردود ومعناه فهو باطل غير معتد به وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات" ا.هـ [شرح مسلم]

وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يصح بل حديثها موضوع مصنوع.
قال القاضي ابن العربي رحمه الله: "وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول عليه، لا في فضلها، ولا في نسخ الآجال فيها، فلا تلتفتوا إليها".ا.هـ. [أحكام القرآن]

"قال أهل التعديل والتجريح: وليس في حديث ليلة النصف من شعبان حديث يصح. فتحفظوا عباد الله من مفتر يروي لكم حديثا يسوقه في معرض الخير، واستعمال الخير ينبغي أن يكون مشروعا من الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا صح أنه كذب، خرج من المشروعية، وكان مستعمله من خدمة الشيطان لاستعماله حديثا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل الله به من سلطان".ا.هـ [الباعث على إنكار البدع والحوادث]

وقال الإمام النووي رحمه الله: "الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب وهي ثنتى عشرة ركعة تصلى بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة في رجب وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة وهاتان الصلاتان بدعتان ومنكران قبيحتان" ا.هـ [المجموع]

وقال ابن القيم رحمه الله: "ومنها -أي من الأحاديث الموضوعة- أحاديث صلاة ليلة النصف من شعبان". ا.هـ [المنار المنيف]

وخير من هذه البدع والمنكرات كلها ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني، فأستجيب له من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له).

وهذا من فضل الله تعالى وكرمه ورحمته بهذه الأمة أن جعل ذلك في كل ليلة من العام فله الحمد أولا وآخرا. والعجب كل العجب ممن يترك الصحيح الصريح ويبحث عن الضعيف ويعمل بالموضوع والله المستعان.

وأخيرا فمن كان عليه قضاء من رمضان فلا يجوز له تأخيره حتى دخول رمضان الذي يليه من غير عذر فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان" [مسلم]. قال الإمام النووي رحمه الله: "وإنما كانت تصومه في شعبان لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم معظم شعبان فلا حاجة له فيهن حينئذ في النهار ولأنه إذا جاء شعبان يضيق قضاء رمضان فإنه لا يجوز تأخيره عنه" ا.هـ [شرح مسلم]

فطوبى لمن اجتهد في عمله فيما يستقبل من هذه الأيام الفاضلة بما يدخره من دنياه لآخرته والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 328
الخميس 30 رجب 1443 هـ
...المزيد

الشهر الذي يغفل الناس عنه! الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله ...

الشهر الذي يغفل الناس عنه!


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.

كنتَ وما زلتَ بين الشهور والأيام شامة لأنك لرمضان آية وعلامة، فطوبى لمن حقق فيك الاستقامة، ويا حسرة من حظه منك التفريط والندامة.

إن المواسم والأوقات الفاضلة في حياة المسلمين لها اهتمام خاص، ومن هذه المواسم شهر شعبان وهو شهر يغفل عن فضله الكثيرون وسمي شعبان لأن العرب كانوا يتشعبون فيه للغزو.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وسمي شعبان لتشعبهم في طلب المياه أو في الغارات بعد أن يخرج شهر رجب الحرام وهذا أولى من الذي قبله وقيل فيه غير ذلك" ا.هـ. [فتح الباري]

وذكر ابن كثير رحمه الله عن السخاوي أنه قال في سبب تسميته "شعبان: من تشعب القبائل وتفرقها للغارة ويجمع على شعابين وشعبانات".ا.هـ [التفسير]

ولهذا الشهر فضائل كثيرة ومزايا عديدة منها:

أن الأعمال ترفع فيه، وأن الناس يغفلون عن العبادة فيه وعبادة الله في أوقات الغفلة لها عند الله شأن عظيم، ففي صحيح مسلم عن معقل بن يسار رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (العبادة في الهرج كهجرة إلي)، قال الإمام النووي رحمه الله: "المراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا أفراد" ا.هـ [شرح مسلم]

والذي يدل على أن الأعمال ترفع في شعبان وأن الناس في غفلة عنه ما رواه أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: (ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) [رواه أبو داود والنسائي].

ومما يبين فضل هذا الشهر كثرة صيام النبي صلى الله عليه وسلم فيه لحديث أسامة السابق ولحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان" [متفق عليه].

وفي رواية لمسلم: "كان يصوم شعبان كله كان يصوم شعبان إلا قليلا". قال الإمام النووي رحمه الله: "قال العلماء وإنما لم يستكمل غير رمضان لئلا يظن وجوبه" ا.هـ [شرح مسلم]

ومن فوائد صيام هذا الشهر أن صاحبه يأتيه رمضان وقد تمرن على الصيام واعتاده. قال ابن رجب رحمه الله: "وقد قيل: في صوم شعبان معنى آخر: أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة بل قد تمرن على الصيام واعتاده ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط.

ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن ليحصل التأهب لتلقي رمضان وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن" ا.هـ [لطائف المعارف]

ومن فضائله أن صوم يوم من شعبان يعدل يومين من غيره ففي الصحيحين عن عمران بن حصين رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له -أو لآخر-: (أصمت من سرر شعبان؟) قال: لا، قال: (فإذا أفطرت، فصم يومين). والصحيح أن معنى سرر أي آخر الشهر. غير أنه يحرم تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين لمن لم تكن له عادة بالتطوع بل يصومه احتياطا لرمضان؛ لما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه، فليصم ذلك اليوم)، قال الإمام النووي رحمه الله: "فيه التصريح بالنهي عن استقبال رمضان بصوم يوم ويومين لمن لم يصادف عادة له أو يصله بما قبله فإن لم يصله ولا صادف عادة فهو حرام" ا.هـ [شرح مسلم]

وكذلك يحرم صيام يوم الشك لمن لم يكن له عادة في صيامه فعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم". [ذكره البخاري تعليقا ووصله غيره وهو حسن].

قال القاضي أبوبكر بن العربي المالكي رحمه الله: "وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الشك على معنى الاحتياط للعبادة؛ وذلك لأن العبادة إنما يحتاط لها إذا وجبت، وقبل ألا تجب لا احتياط شرعا، وإنما تكون بدعة ومكروها".ا.هـ [أحكام القرآن]

وقال ابن القيم رحمه الله: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن تكون له عادة توافق ذلك اليوم، ونهى عن صوم يوم الشك، وما ذاك إلا لئلا يتخذ ذريعة إلى أن يلحق بالفرض ما ليس منه". [إعلام الموقعين]

ويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الناس الهلال في ليلته، قال الأمير الصنعاني رحمه الله: "واعلم أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال في ليله بغيم ساتر أو نحوه فيجوز كونه من رمضان وكونه من شعبان والحديث وما في معناه يدل على تحريم صومه" ا.هـ [سبل السلام]

وكذلك يحرم تخصيص عبادة معينة في يوم معين في هذا الشهر كتخصيص ليلة النصف من شعبان بقيام ونهارها بصيام؛ لأن في هذا زيادة في الدين لم يشرعها رب العالمين قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} قال ابن كثير رحمه الله: "هذه أكبر نعم الله، عز وجل، على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم، صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا جعله الله خاتم الأنبياء، وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف، كما قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} أي: صدقا في الأخبار، وعدلا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل الدين لهم تمت النعمة عليهم" ا.هـ [التفسير]

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد)، قال الإمام النووي رحمه الله: "الرد هنا بمعنى المردود ومعناه فهو باطل غير معتد به وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات" ا.هـ [شرح مسلم]

وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يصح بل حديثها موضوع مصنوع.
قال القاضي ابن العربي رحمه الله: "وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول عليه، لا في فضلها، ولا في نسخ الآجال فيها، فلا تلتفتوا إليها".ا.هـ. [أحكام القرآن]

"قال أهل التعديل والتجريح: وليس في حديث ليلة النصف من شعبان حديث يصح. فتحفظوا عباد الله من مفتر يروي لكم حديثا يسوقه في معرض الخير، واستعمال الخير ينبغي أن يكون مشروعا من الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا صح أنه كذب، خرج من المشروعية، وكان مستعمله من خدمة الشيطان لاستعماله حديثا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينزل الله به من سلطان".ا.هـ [الباعث على إنكار البدع والحوادث]

وقال الإمام النووي رحمه الله: "الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب وهي ثنتى عشرة ركعة تصلى بين المغرب والعشاء ليلة أول جمعة في رجب وصلاة ليلة نصف شعبان مائة ركعة وهاتان الصلاتان بدعتان ومنكران قبيحتان" ا.هـ [المجموع]

وقال ابن القيم رحمه الله: "ومنها -أي من الأحاديث الموضوعة- أحاديث صلاة ليلة النصف من شعبان". ا.هـ [المنار المنيف]

وخير من هذه البدع والمنكرات كلها ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني، فأستجيب له من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له).

وهذا من فضل الله تعالى وكرمه ورحمته بهذه الأمة أن جعل ذلك في كل ليلة من العام فله الحمد أولا وآخرا. والعجب كل العجب ممن يترك الصحيح الصريح ويبحث عن الضعيف ويعمل بالموضوع والله المستعان.

وأخيرا فمن كان عليه قضاء من رمضان فلا يجوز له تأخيره حتى دخول رمضان الذي يليه من غير عذر فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان" [مسلم]. قال الإمام النووي رحمه الله: "وإنما كانت تصومه في شعبان لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم معظم شعبان فلا حاجة له فيهن حينئذ في النهار ولأنه إذا جاء شعبان يضيق قضاء رمضان فإنه لا يجوز تأخيره عنه" ا.هـ [شرح مسلم]

فطوبى لمن اجتهد في عمله فيما يستقبل من هذه الأيام الفاضلة بما يدخره من دنياه لآخرته والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 328
الخميس 30 رجب 1443 هـ
...المزيد

مقال: حروبٌ صليبية - صليبية استيقظ النصارى الكافرون بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، ...

مقال: حروبٌ صليبية - صليبية


استيقظ النصارى الكافرون بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، وقد أصبحت بلدانهم أكوامًا من الركام والجثث، وكان الموت والدمار هو القاسم المشترك الأكبر بينهم، فقرروا أن لا يسمحوا باندلاع هذه الحروب مجددا داخل بلدانهم، فأنشأوا "الهيئات" وأقاموا "الاتحادات" بهدف تجنيب بلدانهم الحروب وتصديرها وجعلها حكرا على بلاد المسلمين، ودعموا لسنوات طويلة "حروبا بالوكالة" وخاضوا في أسوأ الظروف "حروبا باردة"؛ وكل ذلك لتجنّب الصدام الدموي المباشر داخل ديارهم حتى أتاها شبح الحرب يُهدِّدها مِن جديد، وهكذا هم في عداوة دائمة مهما حاولوا أن يوقفوها أو يؤخّروها، ولله الأمر مِن قبل ومِن بعد.

وقد قال الحكيم الخبير سبحانه واصفًا أحوالهم: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}[المائدة:14]؛ قال ابن كثير رحمه الله مفسّرا الآية: "أي: فألقينا بينهم العداوة والتباغض لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة"، وقال القرطبي رحمه الله: "{فَأَغْرَيْنَا} أي: هيّجنا، وقيل: ألصقنا بهم"، وقال غيرهم من المفسرين: "أي: سلّطنا بعضهم على بعض، وصار بينهم من الشرور والإحن ما يقتضي بغض بعضهم بعضا ومعاداة بعضهم بعضا إلى يوم القيامة".

وما يجري اليوم من حرب دموية مباشرة بين الصليبيين الأرثوذكس -روسيا وأوكرانيا-، ما هو إلا مثال على هذه العقوبة المسلّطة عليهم الملتصقة بهم، ولن نخوض تخريصا أو رجما بالغيب حول نتيجة ومجريات الحرب الدائرة حاليا، مِن حيث استمرارها وتوسّعها لتدخل فيها دول صليبية أخرى، أو تتوقف بسيطرة روسيا على أوكرانيا ووضع حكومة موالية لها… أيّا ما كانت النتيجة فإن مما لا شكّ فيه أنّ هناك تبعات كبيرة لهذه الحرب ستغيّر كثيرا من قوانين "السلم والحرب" بين هذه الدول.

علمًا أن الخطوة الروسية بالهجوم على أوكرانيا ليست مفاجئة، وهي ترجمة عملية لحالة التنافس المتصاعد بين أمريكا وروسيا على السيطرة على دول "أوروبا الشرقية" خصوصًا بعد سياسة "الدعم والاحتواء" التي اتبعتها أمريكا تجاه تلك الدول وزادت مؤخرا، وهو ما اعتبرته روسيا "تهديدا كبيرا" يهدف في النهاية إلى "إسقاط نظام الحكم في موسكو واستبداله بنظام صديق لأمريكا".

ميدانيًا، فإن هذه الحرب "الروسية - الأوكرانية" طالت أو قصرت ما هي إلا بداية وتوطئة لـ"الحروب الصليبية - الصليبية" المقبلة، وما صور الدمار والموت الذي أصاب الطرفين إلا مشهد صغير جدا لما ستكون عليه الأوضاع عند اندلاع الحروب الكبرى بينهم، وما نراه اليوم في أوكرانيا الصليبية سيمتد إلى عواصم صليبية أبعد وأعمق -بإذن الله- حاولت لسنوات أن تنجو من ذلك، ولكن هيهات.

شرعيًا، فإن ما جرى وسيجري بين الصليبيين؛ إلى جانب أنه عقاب مسلّط عليهم لكفرهم بالله تعالى؛ فإنّه أيضا "سنة كونية" لا تستطيع كل قوى الكفر أن توقفها ولو اجتمعت، ألا وهي "سنة التدافع" والتي تكون بين الحق والباطل، وتكون أيضا بين الباطل والباطل، حيث يتصارع الكافرون على الدنيا وحطامها وبسط سيطرتهم عليها، وهو تدافع خاص يتفرع عن سنة التدافع العام لقوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ}، ويعبّر عن ذلك أيضا قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، قال ابن زيد رحمه الله: "أي: نسلّط بعض الظلمة على بعض، فيهلكه ويذله" [تفسير القرطبي].

ولقد رأينا مِن أحوال الناس بُعدا كبيرا عن ميزان الولاء والبراء، فيما يتعلق بموقفهم من هذه الحرب، فبعضهم يؤيّد أوكرانيا الصليبية ضد ما أسموه "الاحتلال الروسي!" وبعضهم يؤيّد روسيا الصليبية باعتبارها حليفًا لـ"محوره المقاوم!" وعدوا لأمريكا! وآخرين ينتظرون وضوح نتيجة المعركة ليحسم موقفه من الانحياز إلى أحد الفريقين الصليبيين!

وكان مِن غير المستغرب انخراط ميليشيات الردة الشيشانية في القتال إلى جانب روسيا الصليبية ووصف البلاعمة لهم بـ"المجاهدين!"، ومثاله انخراط ميليشيات الكفر من دول أوروبا الصليبية للقتال إلى جانب أوكرانيا، بل إن هذا الاصطفاف خلف ما يسمّونه "المحور الأمريكي والروسي" سيزداد حدة وتصاعدا في السنوات القادمة، وستكشف هذه الحرب والحروب التي تليها أنه في كل بلد "قاديروف" مرتد يقاتل على منهاج بوتين! تماما كما كشفت حروبٌ خلت أنّ في كل بلد "كرزاي" مرتد يقاتل على منهاج بوش!

على الهامش، ها هم الصليبيون يأكلون صنم "ديمقراطيتهم" ويطحنونه بألسنتهم في سبيل مصالحهم، في حين ما يزال مرتدةُ الأعراب تطوف بذلك الصنم! وتنادي بحمايته وإدامة التضرع إليه والتوسل به! في إصرار عجيب على الحنث العظيم.

ومما ينبغي التحذير منه في مثل هذه الأوقات، تصاعد نشاط الدجاجلة الصغار ووسائل إعلامهم في تهوين الكفر للناس، كما رأينا من دعوتهم للمسلمين القاطنين في روسيا وأوكرانيا للالتحاق والمشاركة في هذه الحرب قتالا في سبيل الطاغوت!

ونود أن نشير هنا إلى لفتة مهمة، وهي أنه مهما تعقّد المشهد وتصاعدت الأحداث وتداخلت المواقف، فإن شيئا لن يُغيّر حقيقة أن الله تعالى إلهٌ واحدٌ لا شريك له وأن العبودية حقٌ له وحده، وأن الحق حقٌ والباطل باطلٌ، وأن الحلال بيّنٌ والحرام بيّنٌ، وأن على المسلمين أنْ يختاروا الانحياز والتبعية المطلقة لدين الله تعالى وحده، والولاء للمؤمنين فقط والبراءة من الكافرين كافة بغض النظر عن محاورهم القديمة أو الجديدة، وأن تعليق الآمال هو فقط على الفئة المؤمنة التي تقاتل في سبيل الله تعالى المشركين كافة، والتي كانت كل هذه الأحلاف قبل بضع سنوات تقاتلها كتفا إلى كتف في حلف صليبي عالمي انقسم على نفسه أو يوشك بإذن الله تعالى.

كما ينبغي على المسلم أن يُغلّب جانب الاعتبار وهو يرى مشاهد الحرب والدمار الذي ما يزال في بدايته، وأن يتذكر أن هذه الدنيا كلها إلى خراب وزوال، وأن أهوال الحروب مهما عظمت فإنها لا تقارن بأهوال يوم القيامة، يوم تزلزل الأرض والقلوب وتُدك الجبال وتتطاير الصحف، ويكون دعاء الأنبياء: "اللهم سلِّم سلِّم!"، فيسارع المسلم إلى التوبة والأوبة والالتحاق بمركب النجاة قبل أن يُقال: لا عاصم!

وعودا على ذي بدء، فإن الحروب "الصليبية - الصليبية" ما زالت في بدايتها، فاللهم أدِم حروبهم وخالف بين قلوبهم، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق، وانصرنا عليهم أجمعين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 328
الخميس 30 رجب 1443 هـ
...المزيد

مقال: حروبٌ صليبية - صليبية استيقظ النصارى الكافرون بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، ...

مقال: حروبٌ صليبية - صليبية


استيقظ النصارى الكافرون بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، وقد أصبحت بلدانهم أكوامًا من الركام والجثث، وكان الموت والدمار هو القاسم المشترك الأكبر بينهم، فقرروا أن لا يسمحوا باندلاع هذه الحروب مجددا داخل بلدانهم، فأنشأوا "الهيئات" وأقاموا "الاتحادات" بهدف تجنيب بلدانهم الحروب وتصديرها وجعلها حكرا على بلاد المسلمين، ودعموا لسنوات طويلة "حروبا بالوكالة" وخاضوا في أسوأ الظروف "حروبا باردة"؛ وكل ذلك لتجنّب الصدام الدموي المباشر داخل ديارهم حتى أتاها شبح الحرب يُهدِّدها مِن جديد، وهكذا هم في عداوة دائمة مهما حاولوا أن يوقفوها أو يؤخّروها، ولله الأمر مِن قبل ومِن بعد.

وقد قال الحكيم الخبير سبحانه واصفًا أحوالهم: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}[المائدة:14]؛ قال ابن كثير رحمه الله مفسّرا الآية: "أي: فألقينا بينهم العداوة والتباغض لبعضهم بعضا، ولا يزالون كذلك إلى قيام الساعة"، وقال القرطبي رحمه الله: "{فَأَغْرَيْنَا} أي: هيّجنا، وقيل: ألصقنا بهم"، وقال غيرهم من المفسرين: "أي: سلّطنا بعضهم على بعض، وصار بينهم من الشرور والإحن ما يقتضي بغض بعضهم بعضا ومعاداة بعضهم بعضا إلى يوم القيامة".

وما يجري اليوم من حرب دموية مباشرة بين الصليبيين الأرثوذكس -روسيا وأوكرانيا-، ما هو إلا مثال على هذه العقوبة المسلّطة عليهم الملتصقة بهم، ولن نخوض تخريصا أو رجما بالغيب حول نتيجة ومجريات الحرب الدائرة حاليا، مِن حيث استمرارها وتوسّعها لتدخل فيها دول صليبية أخرى، أو تتوقف بسيطرة روسيا على أوكرانيا ووضع حكومة موالية لها… أيّا ما كانت النتيجة فإن مما لا شكّ فيه أنّ هناك تبعات كبيرة لهذه الحرب ستغيّر كثيرا من قوانين "السلم والحرب" بين هذه الدول.

علمًا أن الخطوة الروسية بالهجوم على أوكرانيا ليست مفاجئة، وهي ترجمة عملية لحالة التنافس المتصاعد بين أمريكا وروسيا على السيطرة على دول "أوروبا الشرقية" خصوصًا بعد سياسة "الدعم والاحتواء" التي اتبعتها أمريكا تجاه تلك الدول وزادت مؤخرا، وهو ما اعتبرته روسيا "تهديدا كبيرا" يهدف في النهاية إلى "إسقاط نظام الحكم في موسكو واستبداله بنظام صديق لأمريكا".

ميدانيًا، فإن هذه الحرب "الروسية - الأوكرانية" طالت أو قصرت ما هي إلا بداية وتوطئة لـ"الحروب الصليبية - الصليبية" المقبلة، وما صور الدمار والموت الذي أصاب الطرفين إلا مشهد صغير جدا لما ستكون عليه الأوضاع عند اندلاع الحروب الكبرى بينهم، وما نراه اليوم في أوكرانيا الصليبية سيمتد إلى عواصم صليبية أبعد وأعمق -بإذن الله- حاولت لسنوات أن تنجو من ذلك، ولكن هيهات.

شرعيًا، فإن ما جرى وسيجري بين الصليبيين؛ إلى جانب أنه عقاب مسلّط عليهم لكفرهم بالله تعالى؛ فإنّه أيضا "سنة كونية" لا تستطيع كل قوى الكفر أن توقفها ولو اجتمعت، ألا وهي "سنة التدافع" والتي تكون بين الحق والباطل، وتكون أيضا بين الباطل والباطل، حيث يتصارع الكافرون على الدنيا وحطامها وبسط سيطرتهم عليها، وهو تدافع خاص يتفرع عن سنة التدافع العام لقوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ}، ويعبّر عن ذلك أيضا قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، قال ابن زيد رحمه الله: "أي: نسلّط بعض الظلمة على بعض، فيهلكه ويذله" [تفسير القرطبي].

ولقد رأينا مِن أحوال الناس بُعدا كبيرا عن ميزان الولاء والبراء، فيما يتعلق بموقفهم من هذه الحرب، فبعضهم يؤيّد أوكرانيا الصليبية ضد ما أسموه "الاحتلال الروسي!" وبعضهم يؤيّد روسيا الصليبية باعتبارها حليفًا لـ"محوره المقاوم!" وعدوا لأمريكا! وآخرين ينتظرون وضوح نتيجة المعركة ليحسم موقفه من الانحياز إلى أحد الفريقين الصليبيين!

وكان مِن غير المستغرب انخراط ميليشيات الردة الشيشانية في القتال إلى جانب روسيا الصليبية ووصف البلاعمة لهم بـ"المجاهدين!"، ومثاله انخراط ميليشيات الكفر من دول أوروبا الصليبية للقتال إلى جانب أوكرانيا، بل إن هذا الاصطفاف خلف ما يسمّونه "المحور الأمريكي والروسي" سيزداد حدة وتصاعدا في السنوات القادمة، وستكشف هذه الحرب والحروب التي تليها أنه في كل بلد "قاديروف" مرتد يقاتل على منهاج بوتين! تماما كما كشفت حروبٌ خلت أنّ في كل بلد "كرزاي" مرتد يقاتل على منهاج بوش!

على الهامش، ها هم الصليبيون يأكلون صنم "ديمقراطيتهم" ويطحنونه بألسنتهم في سبيل مصالحهم، في حين ما يزال مرتدةُ الأعراب تطوف بذلك الصنم! وتنادي بحمايته وإدامة التضرع إليه والتوسل به! في إصرار عجيب على الحنث العظيم.

ومما ينبغي التحذير منه في مثل هذه الأوقات، تصاعد نشاط الدجاجلة الصغار ووسائل إعلامهم في تهوين الكفر للناس، كما رأينا من دعوتهم للمسلمين القاطنين في روسيا وأوكرانيا للالتحاق والمشاركة في هذه الحرب قتالا في سبيل الطاغوت!

ونود أن نشير هنا إلى لفتة مهمة، وهي أنه مهما تعقّد المشهد وتصاعدت الأحداث وتداخلت المواقف، فإن شيئا لن يُغيّر حقيقة أن الله تعالى إلهٌ واحدٌ لا شريك له وأن العبودية حقٌ له وحده، وأن الحق حقٌ والباطل باطلٌ، وأن الحلال بيّنٌ والحرام بيّنٌ، وأن على المسلمين أنْ يختاروا الانحياز والتبعية المطلقة لدين الله تعالى وحده، والولاء للمؤمنين فقط والبراءة من الكافرين كافة بغض النظر عن محاورهم القديمة أو الجديدة، وأن تعليق الآمال هو فقط على الفئة المؤمنة التي تقاتل في سبيل الله تعالى المشركين كافة، والتي كانت كل هذه الأحلاف قبل بضع سنوات تقاتلها كتفا إلى كتف في حلف صليبي عالمي انقسم على نفسه أو يوشك بإذن الله تعالى.

كما ينبغي على المسلم أن يُغلّب جانب الاعتبار وهو يرى مشاهد الحرب والدمار الذي ما يزال في بدايته، وأن يتذكر أن هذه الدنيا كلها إلى خراب وزوال، وأن أهوال الحروب مهما عظمت فإنها لا تقارن بأهوال يوم القيامة، يوم تزلزل الأرض والقلوب وتُدك الجبال وتتطاير الصحف، ويكون دعاء الأنبياء: "اللهم سلِّم سلِّم!"، فيسارع المسلم إلى التوبة والأوبة والالتحاق بمركب النجاة قبل أن يُقال: لا عاصم!

وعودا على ذي بدء، فإن الحروب "الصليبية - الصليبية" ما زالت في بدايتها، فاللهم أدِم حروبهم وخالف بين قلوبهم، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق، وانصرنا عليهم أجمعين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 328
الخميس 30 رجب 1443 هـ
...المزيد

مكتب صورة تبون ف خلفية اول مشروع ف لكلاس من افراد ليس كبيرا لكن يجد مطلوب اومن

مكتب
صورة تبون ف خلفية
اول مشروع ف لكلاس من افراد ليس كبيرا
لكن يجد مطلوب اومن
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
26 رجب 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً