531 📜 صفات المنافقين (3) ثقُلت عليهم النصوص فكرهوها، وأعياهم حملها فألقوها عن أكتافهم ووضعوها، ...

531 📜 صفات المنافقين (3)

ثقُلت عليهم النصوص فكرهوها، وأعياهم حملها فألقوها عن أكتافهم ووضعوها، وتفلتت منهم السنن أن يحفظوها فأهملوها، وصالت عليهم نصوص الكتاب والسنة فوضعوا لها قوانين ردوها بها ودفعوها.

ولقد هتك الله أستارهم! وكشف أسرارهم، وضرب لعباده أمثالهم، واعلم أنه كلما انقرض منهم طوائف، خلَفهم أمثالُهم، فذكَر أوصافهم لأوليائه ليكونوا منها على حذر، وبيّنها لهم فقال: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}، هذا شأن من ثقلت عليه النصوص، فرآها حائلة بينه وبين بدعته وهواه، فهي في وجهه كالبنيان المرصوص، فباعها بمحصل من الكلام الباطل، واستبدل منها بالفصوص، فأعقبهم ذلك أن أفسد عليهم إعلانهم وإسرارهم، {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}.

أسرّوا سرائر النفاق، فأظهرها الله على صفحات الوجوه منهم، وفلتات اللسان! ووسمهم لأجلها بسيماء لا يخفون بها على أهل البصائر والإيمان، وظنوا أنهم إذ كتموا كفرهم وأظهروا إيمانهم، راجوا على الصيارف والنقاد. كيف؟ والناقد البصير قد كشفها لكم: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ}.

✍ أحوالهم يوم الحشر

فكيف إذا جُمعوا ليوم التلاق، وتجلى الله -جل جلاله- للعباد وقد كشف عن ساق؟ وَدُعوا إلى السجود فلا يستطيعون {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ}، أم كيف بهم إِذا حُشروا إلى جسر جهنم؟ وهو أدق من الشعرة، وأحدّ من الحسام، وهو دحض مزلة، مظلم، لا يقطعه أحد إلا بنور يبصر به مواطئ الأقدام، فقسّمت بين الناس الأنوار، وهم على قدر تفاوتها في المرور والذهاب، وأُعطوا نورا ظاهرا مع أهل الإسلام، كما كانوا بينهم في هذه الدار يأتون بالصلاة والزكاة والحج والصيام، فلما توسطوا الجسر عصفت على أنوارهم أهوية النفاق فأطفأت ما بأيديهم من المصابيح! فوقفوا حيارى لا يستطيعون المرور، فضُرب بينهم وبين أهل الإيمان بسور له باب، ولكن قد حيل بين القوم وبين المفاتيح، باطنه -الذي يلي المؤمنين- فيه الرحمة، وما يليهم من قبلهم العذاب والنقمة، ينادون مَن تقدّمهم مِن وفد الإيمان، ومشاعل الركب تلوح على بُعدٍ كالنجوم تبدو لناظر الإنسان: {انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} لنتمكن في هذا المضيق من العبور، فقد طفئت أنوارنا، ولا جواز اليوم إلا بمصباح من النور؛ {قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا}، حيث قسمت الأنوار، فهيهات الوقوف لأحد في مثل هذا المضمار! كيف نلتمس الوقوف في هذا المضيق؟ فهل يلوي اليوم أحد على أحد في هذا الطريق؟ وهل يلتفت اليوم رفيق إلى رفيق؟ فذكّروهم باجتماعهم معهم وصحبتهم لهم في هذه الدار، كما يُذكّر الغريبُ صاحب الوطن بصحبته له في الأسفار {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ}، نصوم كما تصومون، ونصلي كما تصلوّن، ونقرأ كما تقرأون، ونتصدق كما تصدقون، ونحج كما تحجون؟ فما الذي فرّق بيننا اليوم حتى انفردتم دوننا بالمرور؟ قالوا: بلى ولكنكم كانت ظواهركم معنا وبواطنكم مع كل ملحد، وكل ظلوم كفور {وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.

✍ لئلا تستوحِشوا!

لا تستطِل أوصاف القوم، فالمتروك -والله- أكثر من المذكور! كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم!، لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور.

فلا خلت بقاع الأرض منهم لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات، وتتعطل بهم أسباب المعايش، وتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات، سمع حذيفة رضي الله عنه رجلًا يقول: اللهم أهلك المنافقين، فقال: "يا ابن أخي، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قلة السالك!".


✍️ خوف السلف من النفاق

تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين، لعلمهم بدقّه وجلّه، وتفاصيله وجمله، ساءت ظنونهم بنفوسهم، حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين، قال عمر بن الخطاب لحذيفة رضي الله عنهما: "يا حذيفة، نشدتك بالله، هل سماني لك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم منهم؟! قال: لا. ولا أزكي بعدك أحدا"، وقال ابن أبي مُليكة: "أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل" ذكره البخاري، وذكر عن الحسن البصري: "ما أمنه إلا منافق، وما خافه إلا مؤمن"، ولقد ذكر عن بعض الصحابة: أنه كان يقول في دعائه: "اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق! قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يرى البدن خاشعا والقلب ليس بخاشع".

تالله لقد مُلئت قلوب القوم إيمانا ويقينا، وخوفهم من النفاق شديد وهمهم لذلك ثقيل، وسواهم كثير منهم لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، وهم يدّعون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل!

✍️ أركان النفاق أربع

زَرْع النفاق ينبت على ساقيتين: ساقية الكذب، وساقية الرياء، ومخرجهما من عينين: عين ضعف البصيرة، وعين ضعف العزيمة، فإذا تمت هذه الأركان الأربع، استحكم نبات النفاق وبنيانه، ولكنه بمدارج السيول على شفا جُرُف هار، فإذا شاهدوا سيل الحقائق يوم تُبلى السرائر، وكشف المستور، وبعثر ما في القبور، وحُصّل ما في الصدور؛ تبيّن حينئذ لمن كانت بضاعته النفاق، أن حواصله التي حصّلها كانت كالسراب؛ {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.

✍️ أشهر أماراتهم!

قلوبهم عن الخيرات لاهية، وأجسادهم إليها ساعية، والفاحشة في فجاجهم فاشية، وإذا سمعوا الحق كانت قلوبهم عن سماعه قاسية، وإذا حفروا الباطل وشهدوا الزور، انفتحت أبصار قلوبهم، وكانت آذانهم واعية.

فهذه -والله- أمارات النفاق، فاحذرها أيها الرجل قبل أن تنزل بك القاضية، إذا عاهدوا لم يفوا، وإن وعدوا أخلفوا، وإن قالوا لم ينصفوا، وإن دُعوا إلى الطاعة وقفوا، وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول؛ صَدَفوا، وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أغراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا، فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان، والخزي والخسران، فلا تثق بعهودهم، ولا تطمئن إلى وعودهم، فإنهم فيها كاذبون، وهم لما سواها مخالفون {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}.

تمّت، وصلى اللهُ وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

[صفات المنافقين/ لابن القيم رحمه الله]


الخميس 3 شعبان 1447هـ
...المزيد

📜صفات المنافقين 2 ٥٣٠ يتربصون الدوائر بأهل السنة والقرآن، فإن كان لهم فتح من الله، قالوا: ألم ...

📜صفات المنافقين 2

٥٣٠

يتربصون الدوائر بأهل السنة والقرآن، فإن كان لهم فتح من الله، قالوا: ألم نكن معكم؟ وأقسموا على ذلك بالله جهد أيمانهم، وإن كان لأعداء الكتاب والسنة من النصرة نصيب، قالوا: ألم تعلموا أن عقد الإخاء بيننا محكم، وأن النسب بيننا قريب؟

فيا من يريد معرفتهم، خذ صفاتهم من كلام رب العالمين، فلا تحتاج بعده دليلا: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}، يعجب السامِعَ قول أحدهم لحلاوته ولينه، ويشهد الله على ما في قلبه من كذبه ومينه، فتراه عند الحق نائما، وفي الباطل على الأقدام، فخذ وصفهم من قول القدوس السلام: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}.

أوامرهم التي يأمرون بها أتباعهم متضمنة لفساد البلاد والعباد، ونواهيهم عما فيه صلاحهم في المعاش والمعاد، وأحدهم تلقاهُ بين جماعة أهل الإيمان في الصلاة والذكر والزهد والاجتهاد، {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}، فهم جنس بعضه يشبه بعضا، يأمرون بالمنكر بعد أن يفعلوه! وينهون عن المعروف بعد أن يتركوه، ويبخلون بالمال في سبيل الله ومرضاته أن ينفقوه، كم ذكّرهم الله بنعمه فأعرضوا عن ذكره ونسوه؟ وكم كشف حالهم لعباده المؤمنين ليجتنبوه؟ فاسمعوا أيها المؤمنون: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

إن حاكمتهم إلى صريح الوحي وجدتهم عنه نافرين، وإن دعوتهم إلى حكم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، رأيتهم عنه معرضين، فلو شهدت حقائقهم لرأيت بينها وبين الهدى أمدا بعيدا، ورأيتها معرضة عن الوحي إعراضا شديدا {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا}، فكيف لهم بالفلاح والهدى! بعدما أصيبوا في عقولهم وأديانهم؟ وأنى لهم التخلص من الضلال والردى؟ وقد اشتروا الكفر بإيمانهم؟ فما أخسر تجارتهم البائرة! وقد استبدلوا بالرحيق المختوم حريقا {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا}.

نشب زقوم الشبه والشكوك في قلوبهم، فلا يجيدون له مسيغا {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا}.

تبا لهم، ما أبعدهم عن حقيقة الإيمان! وما أكذب دعواهم للتحقيق والعرفان، فالقوم في شأن وأتباع الرسول في شأن.

لقد أقسم الله جل جلاله في كتابه بنفسه المقدسة قسما عظيما يعرف مضمونه أولو البصائر، فقلوبهم منه على حذر إجلالا له وتعظيما، فقال تعالى تحذيرا لأوليائه وتنبيها على حال هؤلاء وتفهيما: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

تسبق يمين أحدهم كلامه من غير أن يعترض عليه، لعلمه أن قلوب أهل الإيمان لا تطمئن إليه، فيتبرأ بيمينه من سوء الظن به وكشف ما لديه، وكذلك أهل الريبة يكذبون، ويحلفون ليحسب السامع إنهم صادقون قد: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

تبا لهم! برزوا إلى البيداء مع ركب الإيمان، فلما رأوا طول الطريق وبُعْدَ الشقة نكصوا على أعقابهم ورجعوا، وظنوا أنهم يتمتعون بطيب العيش ولذة المنام في ديارهم، فما متعوا به ولا بتلك الهجعة انتفعوا، فما هو إلا أن صاح بهم الصائح فقاموا عن موائد أطعمتهم والقوم جياع ما شبعوا، فكيف حالهم عند اللقاء؟ وقد عرفوا ثم أنكروا، وعموا بعد ما عاينوا الحق وأبصروا {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ}.


أحسن الناس أجساما وأخلبهم لسانا وألطفهم بيانا وأخبثهم قلوبا وأضعفهم جنانا، فهم كالخشب المسندة التي لا ثمر لها، قد قلعت من مغارسها فتساندت إلى حائط يقيمها، لئلا يطأها السالكون، {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}.

يؤخرون الصلاة عن وقتها الأول إلى شَرَق الموتى، فالصبح عند طلوع الشمس، والعصر عند الغروب، وينقرونها نقر الغراب، إذ هي صلاة الأبدان لا صلاة القلوب، ويلتفتون فيها التفاتة الثعلب، إذ يتيقن أنه مطرود مطلوب، ولا يشهدون الجماعة، بل إن صلى أحدهم ففي البيت أو الدكان، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر، وإذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان. هذه معاملتهم للخلق، وتلك معاملتهم للخالق، فخذ وصفهم من أول (المطففين) وآخر (والسماء والطارق)، فلا ينبئك عن أوصافهم مثل خبير: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}، فما أكثرهم! وهم الأقلون، وما أجبرهم! وهم الأذلون، وما أجهلهم! وهم المتعالمون، وما أغرهم بالله! إذ هم بعظمته جاهلون! {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ}.

إن أصاب أهل الكتاب والسنّة عافية ونصر وظهور، ساءهم ذلك وغمهم، وإن أصابهم ابتلاء من الله وامتحان يمحّص به ذنوبهم ويكفر به عنهم سيئاتهم، أفرحهم ذلك وسرّهم، وهذا يحقق إرثهم وإرث من عداهم، ولا يستوي مَن موروثه الرسول ومَن موروثهم المنافقون: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ * قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}، وقال تعالى في شأن السَلَفين المختلفين، والحق لا يندفع بمكابرة أهل الزيغ والتخليط: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}.

كره الله طاعاتهم لخبث قلوبهم وفساد نياتهم، فثبّطهم عنها وأقعدهم وأبغض قربهم منه وجواره، لميلهم إلى أعدائه، فطردهم عنه وأبعدهم، وأعرضوا عن وحيه فأعرض عنهم، وأشقاهم وما أسعدهم، وحكم عليهم بحكم عدل لا مطمع لهم في الفلاح بعده إلا أن يكونوا من التائبين، فقال تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ}، ثم ذكر حكمته في تثبيطهم وإقعادهم، وطردهم عن بابه وإبعادهم، وإن ذلك من لطفه بأوليائه وإسعادهم، فقال وهو أحكم الحاكمين: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}.

[صفات المنافقين/ لابن القيم رحمه الله]


الخميس 26 رجب 1447هـ
...المزيد

🌃رسائل الفجر١٤٤٧/٨/٥🌃 من ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه" والعوض أنواع مختلفة,وأجلها الأنس بالله ...

🌃رسائل الفجر١٤٤٧/٨/٥🌃
من ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه" والعوض أنواع مختلفة,وأجلها الأنس بالله ومحبته, وطمأنينة القلب به, وقوته ونشاطه وفرحه ورضاه عن ربه تعالى
🔻 🔻 🔻
من ترك المألوفات والعوائد صادقا مخلصا لله فانه لا يجد في تركها مشقة إلا في أول وهلة ليمتحن صدقه, فان صبر على تلك المشقة قليلا استحالت لذة
🔻 🔻 🔻
من اشتغل بالله عن نفسه وعن الناس, كفاه الله مؤونة نفسه ومؤونة الناس, ومن اشتغل بنفسه أو بالناس عن الله وكّله الله إلى نفسه وإلى الناس
🔻 🔻 🔻
الأصول التي تنبني عليها سعادة العبد ثلاثة, التوحيد وضده الشرك, والسنة وضدها البدعة, والطاعة وضدها المعصية.
https://t.me/azzadden
...المزيد

ثم يوسف حقيقي يستعيد ملكه https://l.top4top.io/p_3675l65bl1.jpg اربع ملوك ياتيهم احدهم بكيس ...

ثم يوسف حقيقي يستعيد ملكه
https://l.top4top.io/p_3675l65bl1.jpg

اربع ملوك ياتيهم احدهم بكيس ثور ذءب فهد دب

وعلم زمان لا يحتاج لترجمان قال رسول الله للمتجشا كف علينا جشاءك وسدت صحف موسى وابراهيم الافق ...

وعلم زمان لا يحتاج لترجمان
قال رسول الله للمتجشا كف علينا جشاءك
وسدت صحف موسى وابراهيم الافق ف بني اسرائيل

ثم بكى مايبكيك شوق حبيب لحبيبه نحل وقائده نقار والفردوس

ثم بكى
مايبكيك
شوق حبيب لحبيبه نحل وقائده نقار والفردوس

قال سبيها.حمام وعلي اثمها هاه انتقاد حكيم لطيف واكثره عدوان

قال سبيها.حمام وعلي اثمها

هاه انتقاد حكيم لطيف واكثره عدوان

إنفوغرافيك: شَعبَان ▪ غفلة الناس عنه عن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم ...

إنفوغرافيك: شَعبَان


▪ غفلة الناس عنه

عن أسامة بن زيد قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان! قال: (ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم) [النسائي].


▪ مشروعية صيامه

عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان" [متفق عليه].


▪ تهيئة لرمضان

قال ابن رجب: "صيامه كالتمرين على صيام رمضان، لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن على الصيام واعتاده، ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته، فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط" [لطائف المعارف].


▪ ليلة النصف من شعبان

تخصيص ليلة النصف من شعبان أو نهارها بصوم أو صلاة أو قراءة أو احتفال، من البدع المحدثة في الدين، قال القرطبي: "ليس في ليلة النصف من شعبان حديث يُعوّل عليه، لا في فضلها، ولا في نسخ الآجال فيها" [أحكام القرآن].


▪ صيام يوم الشك وقبله

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجلٌ كان يصوم صومه، فليَصم ذلك اليوم) [متفق عليه].


▪ صلاة الألفية

وهي مائة ركعة تقرأ فيها سورة الإخلاص ألف مرة، قال ابن القيم: "ومن الأحاديث الموضوعة: أحاديث صلاة ليلة النصف من شعبان" [المنار المنيف]، وقال النووي عنها وعن صلاة الرغائب: "هاتان الصلاتان بدعتان مذمومتان، ومنكران قبيحان" [المجموع].



• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 530
السنة السابعة عشرة - الخميس 03 شعبان 1447 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

لتكن غويران إنها معركة اليقين التي عبّر عنها أصحاب بيعة الموت عندما رفعوا شعارهم "المنية لا ...

لتكن غويران

إنها معركة اليقين التي عبّر عنها أصحاب بيعة الموت عندما رفعوا شعارهم "المنية لا الدنية" وتعاهدوا على أن يخرجوا من هذه المعركة أحرارا، أو يُقتلوا عبيدا لله تعالى، ونحسبهم قد أتمّوا بيعتهم والله حسيبهم، فخرج مَن خرج منهم حرا مِن الأسر إلى قطعات الأرض التي يورثها الله مَن يشاء مِن عباده، وقُتل مَن قُتل منهم مقبلا غير مدبر صادقا ما عاهد الله عليه نحسبهم، ومنهم من ينتظر إحدى الحسنيين.

وبالعودة إلى ما بدأنا به، هل رأيتم دولة -غير دولة الإسلام- يُعلن أعداؤها القضاء عليها كل عام مرة أو مرتين، ثم لا هم يتوبون ولا يذكّرون؟! هذا ما يجري منذ "جيب" الباغوز وحتى معركة غويران التي جمعت بين هدم الأسوار وحرب الاستنزاف في ملحمة بطولية أبرّ فيها أمراء الدولة الإسلامية بأيمانهم ولبوا نداء نبيّهم صلى الله عليه وسلم بفكاك العاني، فلم يجدوا غير الدماء بريد وفاء ودليل صدق فجادوا بها عن طيب خاطر شوقا إلى باريهم -سبحانه- في يوم المزيد.

وليس سرا في الختام أن نخاطب أسرى المسلمين في كل مكان، فنقول إن معركة غويران صفحة من كتاب ثأر وسجل نصر لمّا تكتمل فصوله بعد! فأبشروا وأمّلوا خيرا وتذكروا وصية الخليفة أبي بكر البغدادي -تقبله الله تعالى- إليكم حين قال مخاطبا إياكم: "إنا والله ما نسيناكم ولكم حق علينا، ولن ندخر أي وسيلة في سبيل استنقاذكم، فاثبتوا على العهد، وكونوا عونا لإخوانكم المجاهدين بالدعاء وصدق الالتجاء إليه سبحانه، فإن الأمر كله بيديه، والفرج من عنده، ولن يغلب عسر يسرين"، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



• المصدر:
مقتطف من صحيفة النبأ - العدد 323
معركة غويران والجيب الأخير
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
8 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً