533📜 بُستان رمضان لا شك أنّ بستان رمضان عامر بالكثير من الخيرات والنعم، أشجار مثمرة وظلال وارفة ...

533📜 بُستان رمضان

لا شك أنّ بستان رمضان عامر بالكثير من الخيرات والنعم، أشجار مثمرة وظلال وارفة وعيون عذبة وحدائق غنّاء، كما لا يخفى أنّ في كل بستان تخرج حشائش ضارة وهوام تفسد على الزائر غايته وتقطعه عن مراده، فكان لزاما على زائر هذا البستان مطالعة دليله ومعرفه سُبل الانتفاع به، ليسهل عليه قطف ثماره، والتمتع بظلاله والارتواء من معينه، لذا يحتاج الزائر قبل بدء الزيارة إلى وضع جدول أعمال تفصيلي، يراعي مدة مكوثه القصيرة، كي لا يخرج منه إلا سعيدا رابحا.

▪فضائل رمضان

إن رمضان شهر عظيم، فضّله الله على سائر شهور السنة، فيه أُنزل القرآن جملة واحدة إلى البيت المعمور، ثم أُنزل منجّما بحسب الوقائع والأحداث لقوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ}، وفيه ليلة خير من ألف شهر، {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}، فإذا كانت الليلة الأولى من رمضان لم يبق باب من أبواب الجنة إلا فُتح، ولا باب من أبواب النار إلا أُغلق، وتُغلّ الشياطين، كما أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء رمضان؛ فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين)، فرض الله صيامه في السنة الثانية من الهجرة. ووعد من صامه طلبا لوجهه وثوابه أن يغفر له ما تقدم من ذنبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غُفر له ما تقدم من ذنبه) [البخاري].

▪هكذا يستقبلون رمضان

ولعظمة هذا الشهر الفضيل، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم يفرحون بحلوله، ويُعدّون العدة قبل قدومه، يُسَخِّرون له جهدهم وأوقاتهم وأموالهم، ليس في التسابق إلى الأسواق تلهفا على شراء الأطعمة والمشروبات، وتحضير مختلف الأطباق والمأكولات، بل في التأهب والتشمير عن سواعد الجد لمختلف العبادات، من الصيام والقيام والتلاوة والجهاد والصدقات.

واستعدادا لموسم رمضان كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الصيام في شعبان، كما ورد من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان" [البخاري].

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم في رمضان، ما ذكره ابن القيم رحمه الله فقال: "كان من هديه -صلى الله عليه وسلم- في شهر رمضان الإكثار من أنواع العبادات، فكان جبريل يدارسه القرآن في رمضان، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان، يكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف. وكان يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره به من الشهور" [زاد المعاد]. كما كان من هديه -صلى الله عليه وسلم- أنه يعجل الإفطار ويؤخّر السحور (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) [متفق عليه].

أما الجهاد في سبيل الله فحدّث ولا حرج، فرمضان شهر الغزوات والفتوحات، إذ كان صلى الله عليه وسلم يجهز فيه الجيوش ويعقد فيه الألوية وكان المسلمون يتسابقون فيه إلى حياض الموت وميادين الشهادة.

▪احذروا أعداء رمضان

وفي المقابل، كما يستعد أهل التقوى لاستقبال رمضان واستغلاله؛ تستعد العقارب والهوام الضارة للمكر بالمسلمين وصرفهم عن عباداتهم، وذلك عبر بث العشرات من البرامج والمرئيات الساقطة والهابطة التي تبدد وقت الصائم في الحرام وتحارب الحياء وتنافي غاية الصيام، وتشيع أجواء الفجور في أجل الأوقات والشهور، فهؤلاء هم أعداء رمضان الذين ينبغي الحذر منهم.

ويلحق بذلك بل يزيد عليه مكرا وخطرا، إنتاج ما يسمونه بـ "المسلسلات الدينية" التي يُمثّل فيها الحثالة والساقطون أدوار الصحابة والتابعين! في امتهان صارخ لمكانة السلف وخير القرون، فليُعظّم المسلم قدر عظماء الإسلام في قلبه، وليحذر متابعة هؤلاء المتاجرين بالدين، المستهزئين به، وليتذكّر قوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}.

فالحذر الحذر من تفويت أكبر قدر من الأجر والثواب في هذا الشهر العظيم، إنْ قدر الله لك إدراكه هذا العام، فربما يكون هو الأخير في حياتك، وإياك أن تنتهك حرمته فالمعصية فيه تعظم عن غيره! ثم لا تنس أن تتعلم من فقه الصيام ما تصح به عبادتك ويستقيم به صيامك وقيامك، وهو يسير متاح لكل مسلم، وهو من العلم الواجب الذي يأثم العبد بالتقصير فيه.

▪إلى تجار المسلمين

ثم هذه نصيحة إلى تجار المسلمين، إياكم من استغلال هذا الشهر بالاحتكار وزيادة الأسعار، فيضيق الحال على المسلمين ويعسر عليهم التفرغ للعبادة، فتجمع -أيها المسكين- بين إثم الاحتكار وإثم إشغال الناس عن عبادتهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحتكر إلا خاطئ) [مسلم].

وإلى أرباب الأعمال، خصوصا المهن والحرف التي تتطلب جهدا بدنيا كبيرا، غضوا الطرف عن المسلمين في هذا الشهر الكريم، فالربح والرزق بيد الله وحده، وهو يبارك لمن يشاء، فأحسنوا إلى عُمّالكم وارأفوا بحالهم، فمن لا يرحم الناس لا يرحمه الله، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يرحم الله من لا يرحم الناس) [البخاري].

فهذا دليل متواضع لرمضان، نضعه بين يديك -أخي المسلم- ليكون لك عونا على حسن استقبال هذا الموسم الكبير، فبستان رمضان قد اقترب موعد افتتاحه السنوي، وهو أيام معدودات، تتنزل فيها الرحمة والبركات، فسارعوا إلى البر والإحسان، وتنافسوا فيه، فهو خير ما تنافس فيه الصالحون، فيا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أدبر! وتزودوا فإن خير الزاد التقوى، والحمد لله رب العالمين.
...المزيد

533📜 【غزوة نيامي دلالات وعبر】 تمثّل غزوة نيامي المباركة مرحلة جديدة في جهاد الدولة الإسلامية في ...

533📜 【غزوة نيامي دلالات وعبر】

تمثّل غزوة نيامي المباركة مرحلة جديدة في جهاد الدولة الإسلامية في أرض إفريقية، تؤْذن بمزيد من النمو والبركة في تلك الولايات البعيدة التي صارت مركزا متقدما للجهاد النقي في أرضٍ كانت لعقودٍ خلت نهبًا لمخططات ومشاريع الغزو الصليبي والاستخفاف العالمي.

الهجوم جاء هذه المرة "غير تقليدي" أبدا، وهو الوصف الذي دأب المحللون المحليون والصليبيون على إطلاقه على الهجمات الإفريقية المباركة، تقليلا من شأنها وانتقاصا من تأثيرها في مسرح الأحداث العالمية، لكن لم تعد أوصاف الانتقاص تتسع للخرق الكبير الذي أحدثه الهجوم المبارك.

فقد استهدف الهجوم أكبر موقع عسكري حيوي لقوات النيجر وحلفائها ووقع في العاصمة وليس في منطقة ريفية هامشية أو صحراوية نائية، واستهدف عصب القوة العسكرية الجوية لدويلة يتبجح قادتها كثيرا بخبرتهم القديمة في مواجهة الإرهاب، قبل أن يظهر جيشهم على حقيقته في هجوم المطار، -أو عفوا- لم يظهر أبدا.

الروس الذين استجار بهم طواغيت إفريقية، حاولت وسائل إعلام مقربة من "فيلقهم" ادّعاء دور البطولة وتعمّدوا فضح جبن وخور وفشل حلفائهم النيجريين، لكن ما تؤكده رواية المجاهدين أن الروس وحلفاءهم معا لم يجرؤوا على مواجهة أسود الاقتحام في أرض المطار، بينما حاولت جهات مجهولة إنقاذ الموقف متأخرا بشنّ العديد من الغارات الجوية ولكن بعد أن حقق المجاهدون أهدافهم وأتموا هجومهم.

لا تخطئ عين الناظر بركة الجهاد في أرض إفريقية التي اعتاد الناس أن ينظروا إليها كـ "درجة ثانية" في كل شيء، بينما تتربع اليوم على ذروة السنام، وترفع راية الجهاد والشريعة التي وصلتهم بعد ملاحم إخوانهم في العراق والشام، فحافَظوا عليها خفاقة وأخذوها بقوة وأذكوا جذوتها.

يسر قلب المؤمن وهو يرى إخوانه المجاهدين الأفارقة العجم، تتكسر كلماتهم بالعربية، لكن عزائمهم لم تنكسر أمام جيوش الكفر التي تولت كبر الحملة على الولايات الإفريقية، تتلعثم شفاههم بالعربية لكن أفعالهم تنطق بالتوحيد والثبات على منهاج النبوة، وهذا ما يفعله التوحيد والجهاد النقي بأصحابه وحملته، ذلك الذي يتخطى كل الأعراق والفوارق واللغات والبلاد، لكنه يقف عند حدود الشريعة لا يتخطاها فهو بها يمتد ويشتد.

وفي المقابل، يتملك قلب المرء الوجل وهو يرى إخوانه العجم يتقدمون صفوف الجهاد ويتسابقون على بلوغ قممه ورقيّ مراقيه، بينما يتخلف أبناء العرب الأقحاح عن ذلك، ويتثاقلون إلى الأرض ويقعدون عن أداء هذه الفريضة التي جعلها الله -بحكمته وعدله- سبيل خلاص هذه الأمة مما هي فيه من الذل والهوان.

يتخلف أبناء العرب عن الهجرة والجهاد في ميادين القتال وسوح النزال، بينما يُقبل عليها الأعاجم من كل حدب وصوب ليقودوا ملاحم العصر ويردوا عادية الكفر عن أمة الضاد!

لا شيء يتبادر إلى ذهن القارئ غير عقوبة الاستبدال التي لا تشاور ولا تحابي عند استنفار المسلمين للجهاد دفاعا عن دينهم وحرماتهم كما هو حالنا اليوم، لقوله تعالى: {إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، فالمتخلف عن الجهاد -من غير ذوي الأعذار- آثم مرتكب لمعصية القعود.

حري بشباب المسلمين القاعدين -ومَن في حكمهم- أن يحذروا ويخشوا على أنفسهم الاستبدال، وأن يتفقدوا إيمانهم فالجهاد مرآته وثمرته، وليتدبروا وليقفوا طويلا عند قوله تعالى في الآية السابقة: {وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا}، قال ابن كثير رحمه الله: "أي: ولا تضروا الله شيئا بتوليكم عن الجهاد ونكولكم وتثاقلكم عنه".

ومثلها قوله سبحانه: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم}، قال البغوي رحمه الله: "بل يكونوا أمثل منكم وأطوع لله منكم". وساق قول الحسن: "هم العجم".

ثم تأمل أيها القاعد ما في قوله تعالى: {وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا} وقوله: {ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم}، من التقريع والتوبيخ للعبد الفطن، ما يخلع قلبه ويُديم وجله وقلقه، إنه تقريع ولوم من الكبير المتعالي -سبحانه- يخبركَ أنكَ إنْ تخلّفتَ عن سبيله فلن تضرّه أبدا، فهو غني عنك وعن سائر الخلق برهم وفاجرهم، وأنت الفقير المحتاج إليه، ليس هذا فحسب؛ بل ينذرك مولاك سلفا أنّك إنْ فعلتَ ذلك؛ استبدلكَ بقوم آخرين أطوع له منك يحبهم ويحبونه، فأي حسرة تفوق هذا الاستبدال؟! فيا حسرة المتخلّفين عن نداء رب العالمين، ويا خسارة القاعدين المتثاقلين.

كل هذه المعاني الجهادية والعبر الإيمانية نستخلصها اليوم ونسوقها على عتبة غزوة نيامي المباركة، التي سطّرها أبناء الكريهة في الساحل من الأنصار والمهاجرين وفي مقدمتهم إخواننا العجم، وخطوا بدمائهم وتضحياتهم فصلا جديدا من فصول بطولات الدولة الإسلامية في الساحة الإفريقية التي تشتد وتمتد بفضل الله تعالى.

إن التوفيق والبركة والنصر الإلهي لا يُشترط له لغة معينة، ولا عرق معين ولا ساحة معينة، فالأرض لا تقدّس أهلها وإن كانت مقدسة فعلا، إنه يتنزل على من يعمل بأسبابه السماوية والأرضية، ويراعي فيه السنن الإلهية ويبذل له غاية جهده ومنتهى تضحياته وثمرة فؤاده؛ عربيا كان أو أعجميا شرقيا أو غربيا، ولكل مجتهد نصيب، فأروا الله من أنفسكم خيرا.
...المزيد

533📜 نور السنة وظلمة البدعة "فصاحب السنة: حي القلب، مستنير القلب، وصاحب البدعة: ميت القلب ...

533📜 نور السنة وظلمة البدعة

"فصاحب السنة: حي القلب، مستنير القلب، وصاحب البدعة: ميت القلب مظلمه.

وقد ذكر الله سبحانه هذين الأصلين في كتابه في غير موضع وجعلهما صفة أهل الإيمان وجعل ضدهما صفة من خرج عن الإيمان، فإن القلب الحي المستنير هو الذي عقل عن الله، وأذعن وفهم عنه، وانقاد لتوحيده، ومتابعة ما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقلب الميت المظلم الذي لم يعقل عن الله ولا انقاد لما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا يصف سبحانه هذا الضرب من الناس بأنهم أموات غير أحياء، وبأنهم في الظلمات لا يخرجون منها، ولهذا كانت الظلمة مستولية عليهم في جميع جهاتهم فقلوبهم مظلمة ترى الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وأعمالهم مظلمة، وأقوالهم مظلمة، وأحوالهم كلها مظلمة، وقبورهم ممتلئة عليهم ظلمة.

وإذا قسمت الأنوار دون الجسر للعبور عليه بقوا في الظلمات، ومدخلهم في النار مظلم، وهذه الظلمة هي التي خلق فيها الخلق أولا، فمن أراد الله سبحانه وتعالى به السعادة أخرجه منها إلى النور، ومن أراد به الشقاوة تركه فيها، كما روى الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله تعالى أن يجعل له نورا في قلبه وسمعه وبصره وشعره وبشره ولحمه وعظمه ودمه ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله وخلفه وأمامه وأن يجعل ذاته نورا، فطلب صلى الله عليه وسلم النور لذاته ولأبعاضه ولحواسه الظاهرة والباطنة ولجهاته الست.

وقال أبي بن كعب رضي الله عنه: "المؤمن مدخله من نور، ومخرجه من نور، وقوله نور، وعمله نور"، وهذا النور بحسب قوته وضعفه يظهر لصاحبه يوم القيامة فيسعى بين يديه ويمينه، فمن الناس من يكون نوره كالشمس، وآخر كالنجم، وآخر كالنخلة السحوق، وآخر دون ذلك حتى إن منهم من يعطى نورا على رأس إبهام قدمه يضيء مرة ويطفئ أخرى، كما كان نور إيمانه ومتابعته في الدنيا كذلك، فهو هذا بعينه يظهر هناك للحس والعيان.

وقال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا..} الآية [الشورى: 52] فسمى وحيه وأمره روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح، وسماه نورا؛ لما يحصل به من الهدى واستنارة القلوب والفرقان بين الحق والباطل.

وقد اختلف في الضمير في قوله عز وجل: {وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا} فقيل: يعود على الكتاب، وقيل: على الإيمان، والصحيح أنه يعود على الروح، في قوله: {رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} فأخبر تعالى أنه جعل أمره روحا ونورا وهدى، ولهذا ترى صاحب اتباع الأمر والسنة قد كُسي من الروح والنور وما يتبعهما من الحلاوة والمهابة والجلالة والقبول ما قد حرمه غيره، كما قال الحسن: "إن المؤمن رُزق حلاوة ومهابة"، وقال جل وعلا: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ..} الآية [البقرة: 257] فأولياؤهم يعيدونهم إلى ما خلقوا فيه، من ظلمة طبائعهم وجهلهم وأهوائهم، وكلما أشرق لهم نور النبوة والوحي وكادوا أن يدخلوا فيه منعهم أولياؤهم منه وصدّوهم، فذلك إخراجهم إياهم من النور إلى الظلمات.

وقال جل وعلا: {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا..} الآية [الأنعام: 122] فأحياه سبحانه وتعالى بروحه الذي هو وحيه وهو روح الإيمان والعلم، وجعل له نورا يمشي به بين أهل الظلمة كما يمشي الرجل بالسراج المضيء في الظلمة، فهو يرى أهل الظلمة في ظلماتهم وهم لا يرونه كالبصير الذي يمشي بين العميان.

الخارجون عن طاعة الرسل يتقلبون في الظلمات وأتباعهم يتقلبون في الأنوار

والخارجون عن طاعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ومتابعتهم يتقلبون في عشر ظلمات: ظلمة الطبع، وظلمة الجهل، وظلمة الهوى، وظلمة القول، وظلمة العمل، وظلمة المدخل، وظلمة المخرج، وظلمة القبر، وظلمة القيامة، وظلمة دار القرار، فالظلمة لازمة لهم في دورهم الثلاث.

وأتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يتقلبون في عشرة أنوار، ولهذه الأمة ونبيها من النور ما ليس لأمة غيرها ولا لنبي غيره، فإن لكل نبي منهم نورين، ولنبيها صلى الله عليه وسلم تحت كل شعرة من رأسه وجسده نور تام، كذلك صفته وصفة أمته في الكتب المتقدمة.




وقال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحديد: 28] وفي قوله: {تَمْشُونَ بِهِ} إعلام بأن تصرفهم وتقلبهم الذي ينفعهم إنما هو النور، وأن مشيهم بغير النور غير مجد عليهم، ولا نافع لهم بل ضرره أكثر من نفعه.

وفيه: أن أهل النور هم أهل المشي في الناس، ومن سواهم أهل الزمانة والانقطاع فلا مشي لقلوبهم ولا لأحوالهم، ولا لأقوالهم، ولا لأقدامهم إلى الطاعات، وكذلك لا تمشي على الصراط إذا مشت بأهل الأنوار أقدامهم.

وفي قوله تعالى: {تَمْشُونَ بِهِ} نكتة بديعة وهي: أنهم يمشون على الصراط بأنوارهم كما يمشون بها بين الناس في الدنيا، ومن لا نور له فإنه لا يستطيع أن ينقل قدما عن قدم على الصراط، فلا يستطيع المشي أحوج ما يكون إليه.

والله سبحانه وتعالى سمّى نفسه نورًا، وجعل كتابه نورًا، ورسوله -صلى الله عليه وسلم- نورًا، ودينه نورًا، واحتجب عن خلقه بالنور، وجعل دار أوليائه نورًا يتلألأ، قال الله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35]، وقد فُسّر قوله: {نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} بكونه: منوِر السماوات والأرض، وهادي أهل السماوات والأرض، فبنوره اهتدى أهل السماوات والأرض..

وقوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ..} هذا مَثَل لنوره في قلب عبده المؤمن، كما قال أُبيُّ بن كعب وغيره.

وقد اختلف في مفسِّر الضمير في {نُورِهِ}.. والصحيح أنه يعود على الله عز وجل، والمعنى: مثل نور الله سبحانه وتعالى في قلب عبده، وأعظم عباده نصيبًا من هذا النور رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

وهذا النور يضاف إلى الله تعالى: إذ هو مُعطيه لعبده وواهبه إياه، ويضاف إلى العبد: إذ هو محله وقابله، فيضاف إلى الفاعل والقابل، ولهذا النور فاعل وقابل ومحل وحامل ومادة، وقد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل.
فالفاعل: هو الله تعالى، مفيض الأنوار، الهادي لنوره من يشاء، والقابل: العبد المؤمن، والمحل: قلبه، والحامل: همته وعزيمته وإرادته، والمادة: قوله وعمله.

وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية فيه من الأسرار والمعاني وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره ما تقر به عيون أهله وتبتهج به قلوبهم".
I
[اجتماع الجيوش الإسلامية/ لابن القيم].


الخميس 17 شعبان 1447هـ
...المزيد

532 📜 【الشبيحة والهول!】 ما تزال أحداث شرق الفرات تلقي بظلالها على المشهد السوري، وفي القلب منه ...

532 📜 【الشبيحة والهول!】

ما تزال أحداث شرق الفرات تلقي بظلالها على المشهد السوري، وفي القلب منه قضية أسرى المجاهدين الذين تتنافس اليوم الحكومات والميليشيات والإدارات الكافرة على مسك ملفهم وإحكام قيدهم، خدمةً لعيون أمريكا الصليبية.

وبعد خروج هذا الملف من أيدي الإدارة الكردية الشيوعية واستقراره في أيدي الحكومة السورية المرتدة، ها هي الحكومة العراقية الرافضية تستعد هي الأخرى لتأخذ دورا إضافيا في منظومة الحرب على أسرى المجاهدين وعوائلهم وأطفالهم في أكبر عملية أسر جماعي للأطفال والنساء بمباركة وتحريض طواغيت العالم وحكوماتهم وشيوخهم وإعلامييهم ومفكريهم ومؤسسات إنسانيتهم العوراء.

تُذكّرنا هذه الأحداث بقضية سجن صيدنايا الذي ذرف عليه الثوار دموع التماسيح وحوّلوه متحفا لالتقاط الصور التذكارية، بينما جفّت دموعهم وتبلّدت مشاعرهم اليوم أمام صيدنايا الجولاني في مخيم الهول، بل تورطوا في الجريمة ذاتها بالتكتم عليها والسعي لإخفاء ملابساتها وقلب حقائقها وصرف الأنظار عنها، مقابل تحسين صورة المجرم الذي يستأسد على النساء والأطفال، وتصويره على أنه حارسهم! في تناقض فجّ لا تجتمع أركانه إلا في مخيلات عبدة الطاغوت.

وحاليا تعكف جهات أمنية تابعة للنظام، عبر منصات غير رسمية على بث حالة من التضليل الإعلامي المتعمد، بهدف حجب أنظار الناس عن سلوك شبيحة الجولاني في التعامل مع مخيم الهول؛ من خلال تسليط الضوء على بعض السجون والمخيمات الخاضعة للحكومة الرافضية في هذا الوقت بالذات، ليس حبا بأسرى المسلمين هناك بل استغلالا لمعاناتهم في تخفيف الضغط الإعلامي عن نظامهم السوري!

فهؤلاء الكفرة الفجرة لم يكتفوا بالتورط في تأييد وتشييد النظام المرتد في حربه على الإسلام، بل تعدوا ذلك إلى المتاجرة بأعراض المسلمين واتخاذها ورقة لابتزاز المجاهدين تارة، وتارة أخرى لصرف الأنظار عن ممارسات نظامهم الهمجي الذي يُحكم قبضته على الأسر المكلومة في الهول.

إن استغلال ورقة الهول ليس جديدا على الساحة، وهو قاسم مشترك استوت فيه الأطراف الكافرة الثلاثة؛ الإدارة الشيوعية والإدارة الثورية والحكومة الرافضية، فكل طرف يجذب هذه الورقة على النحو الذي يخدم مصالحه، فالإدارة الكردية استغلت الملف في تهديد خصومها واستجلاب الدعم الدولي لها، والنظام السوري استغل الملف لإثبات جدارته وتثبيت أوراق اعتماده في "مكافحة الإرهاب" لدى أسياده الصليبيين، أما الحكومة الرافضية فهي تستغل الملف بشكل خاص في تصفية حساباتها مع من مرّغوا أنفها في التراب وكشفوا للعالم سوأة جيشها الرافضي بغير غطاء الطيران الأمريكي.
وقد أُسقط في أيدي بعض المفتونين بالنظام الجديد، بعد أن رأوا جنود الجولاني يُطْبقون الحصار على مخيم الهول من جميع الجهات وينتشرون كالجراد على بواباته وينشرون القناصات على أبراجه، خشية فرار طفل أو أمّ من هذه الأهوال! في صورة أعادت للأذهان سريعا ما كان عليه الحال قبل أسابيع قليلة فقط، يوم كان الهول تحت سيطرة شبيحة "قنديل" قبل أن يستلمه شبيحة الجولاني.

كما انصدم بعض الواهمين بالنظام، بعدما انتشرت الأخبار عن قتل جنود النظام لأحد زملائهم السابقين بتهمة تهريب عدد من عوائل مخيمات الأهوال، حيث لم تشفع له سابقته ولا صلته عند جلاوزة النظام وزنادقة الثورة الذين حققوا المفاصلة التامة مع معسكر الإيمان في وقت قياسي تفوّقوا فيه -كفرا وردة- على كثير من الجيوش العربية التي شابت في الكفر!

ودعونا نتوقف قليلا عند هذا الحدث الذي تغافل عنه الإعلام الثوري ولم يلق تفاعلا من قبل نشطاء الثورة وشُهّاد زورها الذين فاقوا نشطاء النظام النصيري انحطاطًا ووضاعةً كأنّ شخصياتهم ذابت في شخصيات النظام القديم، فأنبتت لنا مسوخا بشرية، أخذت من رجس النظام السابق والحالي بحظ وافر، فتضلّعت خسةً ودناءةً فاقت كل وصف، ولا عجب إنها شنشنة الطواغيت وحاشيتهم، ومهما تغيّرت قشورها وجلودها فالأصل واحد.
لكن الأمر الذي نحتاج أن نتوقف عنده طويلا، هو ماهية العقيدة العسكرية التي يعتنقها جنود "الجيش العربي السوري" الذين نفّذوا المهمة القذرة بدم بارد مع سبق إصرار وترصد! وبأوامر صريحة من "وزارة داخليتهم" التي يديرها "شبيح" أمني ضالع في العديد من الجرائم والمهام السرية القذرة بحق المجاهدين وعوائلهم كأنه تخرّج من أحد أفرع مخابرات النظام لا الثورة!

متى وأين وكيف وصل جنود الثورة -جنود النظام الجديد- إلى هذه الحالة من الدناءة والانحطاط والافتقار لأدنى درجات المروءة التي تمكث جيوش الطواغيت العربية سنوات حتى توصل أفرادها إلى هذه الحالة الهمجية الفريدة في الانحدار والتخلي عن كل القيم إلى الحد الذي يدفعهم لقتل أحد زملائهم بتهمة شريفة؛ كان جنود الإدارة الشيوعية يغضون الطرف عنها أحيانا مقابل بعض الفتات!


لم تتسع صدور جنود الإدارة السورية لجندي سابق في صفوفهم جريرته المساهمة في تهريب بعض المسلمات من الأهوال، بينما اتسعت لجميع الطوائف الكافرة من الدروز والعلوية والرافضة والنصارى، فما هذه العقيدة القتالية التي جعلتهم يطلقون النار على زميلهم دون تردد؟! بينما يقفون صفا واحدا كالخُشب المُسندة حمايةً لشجرة التثليث أو حمايةً لمعبدٍ رافضي يُسب فيه صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

نحن نخبركم أي عقيدة قتالية هذه، إنها عقيدة الجيوش العلمانية الكافرة، الذين تخرّجوا من المدارس العسكرية الغربية، التي تتقن صناعة الطواغيت وتحوّلهم إلى عبدة للطاغوت بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

يقول أحد إخواننا التائبين من إحدى الجيوش العربية المرتدة: كان الجيش في تدريباته يأمرهم بسب الذات الإلهية مرارا بصوت عال -والعياذ بالله- ويجبرهم على تصرفات قذرة غير بشرية خلال الدورات العسكرية "المتقدمة" ليقطعوا أي صلة بين هذا الجندي مع أي نزعة دينية أو خلقية أو بشرية مستقيمة قد تقف حاجزا بينه وبين بعض المهام الأمنية القذرة، هذه بعض طرق الجيوش العلمانية في صناعة جنودها الكفرة.

لكن ما هي طريقة "الجيش العربي السوري" في صناعة جنوده وإيصالهم إلى هذا المستوى المتقدم في الكفر والعربدة؟! ثم إنْ كان هذا سلوك جنود جيش الجولاني بعد أول عام لهم في الحكم، فليبشر أهل سوريا بنظام أسوأ من سابقه، لن يلبث جنوده طويلا حتى يُخرجوا "الشبيحَ" الحقير الذي بداخلهم، ومن لم يُخرجه منهم، سيخرجونه من صفوفهم كما فعلوا بآخرين.

ختاما، هذه رسالة لكل الغيارى من شباب المسلمين في الشام ممن يرون ويسمعون ما يحل بالحرائر في سجون شبيحة الجولاني في الهول وغيره، نقول لكم إن الموت على عتبات السجون ذودا عن هذه الحرمات، ميتة يحبها الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وهي والله دأب أولي العزمات من السابقين الأولين من المجاهدين الذين غيّبتهم القبور والسجون، والحر تكفيه الإشارة.

الخميس 10 شعبان 1447هـ
...المزيد

530📜 معضلة المشروع الكردي يكاد لم يبق طرف ولا جهة سورية لم تحتفل بسيطرة الميليشيات الكردية ...

530📜 معضلة المشروع الكردي

يكاد لم يبق طرف ولا جهة سورية لم تحتفل بسيطرة الميليشيات الكردية الكافرة على بلدة "الباغوز" بوصفها "الجيب الأخير" للدولة الإسلامية آنذاك، الجميع صفق وهلل شامتا فرحا بهذا الانتصار الشيوعي المزعوم الذي ألبسوه ثوب الثورة والوطنية، حتى أن كثيرا منهم شاركهم -يومها- احتفالهم بعيد " النوروز" وشربوا معا نخب انتصار الثورة على الخوارج.

اليوم، تذكر الثوار السوريون فجأة أن المشروع الكردي مشروع انفصالي انقسامي عدائي مدفوع بأجندة خارجية، فاشتعلت المعارك مجددا بين أبناء الوطن في "سوريا الحرة والموحدة" في حلب الشهباء، ضمن فصل جديد من فصول الثورة الجاهلية التي ليس للإسلام فيها نصيب إلا كنصيب "أحمد" من الشرع! ومع أن دخول الميليشيات الكردية إلى باغوز الإيمان كان على جثث المسلمين من المجاهدين الثابتين وذراريهم من الولدان والنساء والضعفة، بعد موجة قصف صليبي جنوني أمام عدسات الإعلام، ومع ذلك عده الثوار التكفيريون حقيقة -نصرا مؤزرا على "الخوارج" وتطهيرا لسوريا من "الدخلاء".

طوال مراحل الثورة المختلفة، تراوحت مواقف الفصائل الثورية من الميليشيات الكردية، بين المد والجزر والعداء والصلح، بحسب المصلحة السياسية البحتة والآنية، ففي وقت حربهم على الدولة الإسلامية يصوّرهم الإعلام الثوري على أنهم جزء لا يتجزأ من النسيج السوري ضد الخوارج المارقين، وعندما تتصادم معهم الفصائل، يصيرهم إعلام الثورة جواسيس وخونة انفصاليين و "قنديليين" كما هو الحال اليوم بعد صدامهم الأخير مع النظام الجديد.

وحدها الدولة الإسلامية من خاصمت وفاصلت وقاتلت وحاربت وأحبت وأبغضت ووالت وعادت في الله تعالى، ولذلك لم تضطرب مواقفها يمنة ويسرة ولم تتبدل أحكامها بين عشية وضحاها، ولم تغير اصطفافاتها بين الشيء ونقيضه كما يحدث اليوم مع الثوار، تارة أعداء وتارة شركاء، وهذا هو الفرق بين من تُحرّكه العقائد، ومن تُحرّكه المصالح.

أما جذور المشروع الكردي فهو قديم قدم خرائط وخطط الغزو الصليبي اليهودي للمنطقة، فهو مشروع دعمه الغزاة -وخصوصا اليهود- منذ منتصف الستينيات، ليكون جسما دخيلا وأداة تفتيت للمنطقة، وحليفا متقدما وعمقا إستراتيجيا لدويلة اليهود، ضمن الجدر العديدة التي غرسها اليهود في مناطقنا من خلف الستار الأمريكي والأوروبي وغيره، وهو ما يفسر السبب الذي يجعل ملف الأكراد شائكا معقدا أمام الدول، لأنه لا أحد له سلطة فعلية عليه غير صناعه وداعميه الأوائل.

وهذا سبب صموده إلى اليوم في مواطنه الرئيسة في شمال العراق، وجنوب شرق تركيا، وشمال غرب إيران، وأخيرا شرق سوريا حيث "الإدارة الذاتية" التي ما يزال ملفها عالقا لا قدرة للنظام السوري على حسمه حتى الآن، لأن الكلمة الفصل فيه تأتي من الخارج، و"الخارج" حتى اللحظة لم يحسم موقفه المتراوح بين العقدة اليهودية والرغبة الأمريكية.

تاريخيًا، كانت فكرة الدعم اليهودي للمشروع الكردي بنسخته الأولى في کردستان العراق"تطبيقا عمليا لنظرية الطاغوت الماكر "بن غوريون" أول رئيس وزراء لليهود، وحملت اسم "نظرية الأطراف" وتقوم على فكرة إنشاء علاقات نفعية متغلغلة مع "أطراف معتدلة" داخل بلاد الشام والجزيرة والأناضول ما يسمى بـ"الشرق الأوسط"- لدعم المشروع اليهودي التوسعي الذي كان غريبا بين محيطه في بداياته، وكل ما نراه اليوم من مفرزات "التطبيع" هو نتاج عملي لهذه النظرية اليهودية البنغريونية وأخواتها المشابهة.


وهكذا استمر الدعم اليهودي والصليبي للمشروع الكردي كأداة لتقسيم وتجزئة المنطقة على قاعدة "فرق تسد" التي يدمنها الغزاة، وكذلك كحالة نفعية متبادلة إذ شكلت كردستان العراق" على سبيل المثال، قاعدة أمنية متقدمة للأنشطة اليهودية والأمريكية الاستخبارية قرب إيران والعراق، حتى ارتبط اسم "أربيل" بالموساد اليهودي والمخابرات الأمريكية، إلى غيرها من المصالح السياسية والاقتصادية المشتركة ولا ننسى أن دويلة اليهود دعمت علنا ورسميا انفصال "كردستان العراق".

وفي سوريا تلقى المشروع الكردي دفعة قوية، عندما تم توظيفه في الحرب على الدولة الإسلامية في سوريا، فصبّ الصليبيون الدعم صبّا على الميليشيات الكردية بوصفها شريكا محليا وآمنا في الحرب على الإرهاب على مقربة من اليهود، وصنعوا لها "إدارة ذاتية" قومية كفرية على غرار كردستان العراق"، ومن يومها لا يجرؤ أحد من فصائل الثورة على أن يواجه المشروع الكردي مواجهة حقيقية، لأن الذي منح "الإدارة الذاتية" لـ "مظلوم عبدي " هو ذاته الذي منح "الإدارة السورية" لـ "الجولاني".

يتناغم "الحلم" الكردي" بإقامة دولة قومية كبرى تجمع شتاتهم، مع "الحلم اليهودي" المشابه الذي يرى في المشروع الكردي حليفا لا دينيا مقبولا، وأداة "آمنة" في ضرب خصوم اليهود في المنطقة مقارنة بأدوات أخرى لا تتناسب مع العقدة اليهودية الخانقة.

وفقا لكل المعطيات السابقة، غدا مشروع "دولة كردستان الكبرى" بمراحله ومقدماته في العراق وسوريا، جدارا من جدر الحماية المتقدمة عن دويلة يهود في العالم العربي، وبرغم سنفونية العداء العربية التقليدية لليهود، إلا أنه لم يحارب أحد هذا المشروع القومي تدينا إلا الدولة الإسلامية التي قاتلتهم في شمال العراق وشرق سوريا جهادا في سبيل الله بعيدا عن المصالح السياسية، قتال إيمان وكفر، وهو ما يفسّر التدخل المسعور للتحالف الدولي في المعارك التي اقتربت من "أربيل" و"كوباني " العواصم التقليدية للحلم الكردي القومي، والمعامل الخلفية للجهد الأمني اليهودي والصليبي.

كل ما سبق حول جذور وحقيقة المشروع الكردي القومي، يدركه المجاهدون منذ عقود طويلة بفضل الله تعالى، لكننا نعيد التذكير به اليوم تزامنا مع تجدُّد الصراع الكردي السوري الجاهلي بين البيادق الأمريكية المتنافسة، ليقف المسلم من جميع هذه البيادق والصراعات موقف المؤمن الفطن الذي يزن الأمور بمقياس الشرع لا مقياس الوطن، وينطلق في أحكامه على الواقع من هدي الكتاب والسنة، بعيدا عن الأهواء الشخصية والمصالح الحزبية والإملاءات الخارجية التي خنقت الساحة السوريةقديما وحديثا.

وبقدر ما يُرسّخ المسلم قواعد انطلاقه العقدية المنهجية ويُحكم وثاقها بحبل الله المتين؛ بقدر ما يثبت على هذا الطريق ويكون انحيازه لمعسكر التوحيد، وبقدر ما يفرّط في ذلك ويتهاون -ولو بالقليل-؛ بقدر ما يتردى في دركات الجاهلية بمرور الأيام حتى يجد نفسه في نهاية المطاف جنديا في معسكر الطاغوت، معادلة لا تخطىء ولا تحابي.
...المزيد

532📜 النُذر الإلهية والغفلة العالمية لا يكاد سمع المرء يخلو من أخبار هنا أو هناك عن خسوفات ...

532📜 النُذر الإلهية والغفلة العالمية

لا يكاد سمع المرء يخلو من أخبار هنا أو هناك عن خسوفات وكسوفات، عن فيضانات تُغرق مدنا كبرى، وعواصف مطرية أو نارية تأكل الأخضر واليابس، زلازل تتكاثر وأراض تنهار، جفاف يغزو بقعا وسيول تُغرق أخرى، وآيات تزداد وتتوالى حينا بعد حين، تُنذرنا وتخوّفنا، وتُذكّرنا بضعفنا والغاية من خلقنا.

▪️{وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}

إن من حكم إرسال الآيات على الناس تخويفهم ليعودوا ويتوبوا لقوله تعالى: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}، قال الإمام ابن كثير: "قال قتادة: إن الله خوّف الناس بما يشاء من آياته لعلهم يعتبرون ويذكرون ويرجعون، ذكر لنا أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود فقال: يا أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فأعتبوه".

فعلى مر العصور كانت الآيات تأتي تذكيرا وتخويفا للناس، وإيقاظا لهم من سباتهم خصوصا عند شيوع الغفلة، فمنهم من يتذكر ويتوب، وأكثرهم يعرض ويصر على غفلته، ويرى هذه الآيات المؤدِّبات أحداثا بيئية عادية كحال الكثيرين في هذا الزمان، الذي تتابعت فيه النذر وتكاثرت وما تزال في ازدياد شديد، تقابلها غفلة عالمية عارمة؛ فتجد الناس مثلا عند حدوث آية الكسوف أو الخسوف، بدل أن يصطفوا لله مصلّين وجلين قانتين؛ يصطفون خلف الشاشات والمناظير لاهين عابثين محلّقين في "الظاهرة الفلكية" غافلين عن الآيات الإلهية، وكذا تسمعهم عند حدوث أي فيضان أو إعصار مدمر، يقولون إن ذلك ناجم عن "التطرف المناخي" أو "هشاشة البنية التحتية" متغافلين متعامين عن قدرة الله تعالى، وعن حقيقة أن الدول التي كانت تفتخر بقوتها وتطورها، لم تصمد أمام جنود الله القاهرة من زلازل وبراكين مدمرة، وسيول جارفة ورياح عاصفة، وأعاصير مغرِقة وأخرى محرقة، وهكذا تراهم مع كل آية يرسلها الله تذكرة ونذيرا؛ يزداد إعراضهم وطغيانهم كما وصفهم سبحانه إذ يقول: {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا}.

▪️{مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً}

كانت عاد تتبجح بقوتها فعاثت فسادا وطغت وتجبرت، فأرسل الله عليهم ريحا عاتية اجتثتهم عن بكرة أبيهم فما أغنت عنهم قوتهم شيئا أمام جندي واحد من جنود الله، وبعدها ثمود ما اتعظوا بأسلافهم فأهلكهم الله كما فعل بمن قبلهم، وتعاقبت خلفهم أمم وأقوام كثيرة أتتهم النذر فما استجابوا لربهم وما أقلعوا عن غيّهم، فقلع الله مساكنهم وأبنيتهم وخرّت عليهم سقوفهم من فوقهم وأتاهم الموت من كل مكان، وذاك فرعون كم طغى وبغى وتجبر، واستضعف الخلق واستباح دمهم واستكبر، فأنذره الله بالرسل وخوّفه بالآيات، فما زاده ذلك إلا غيا، حتى جاءت القاضية فغرق في لجج البحر وصار لمن بعده آية.

وفي عصرنا أبت عاد وأخواتها إلا أن تترك أحفادا أشرّ منها، قد تعلموا في مدرستها ثم تتلمذوا على يد فراعنتها، فصاروا في الغي والبغي سيان، بل تفوقوا عليهم وغدوا معلمين لا متعلمين!، دول وأقوام صاروا للكفر رأسا وللباطل أصلا، طغوا وبغوا واستباحوا الحُرم والدم ولسان حالهم اليوم كحال أسلافهم بالأمس: من أشد منا قوة؟، فجاءتهم نذر العقاب والغضب، من غزو الأعاصير المدمرة التي تشل قواهم البحرية والجوية، والعواصف الثلجية التي تحبسهم في دورهم وتعطل حياتهم، والسيول التي تغرق طرقهم وتجرف منازلهم وآلياتهم، والزلازل التي تضربهم وتشردهم وتثقل اقتصادهم، حتى باتوا يقرون بأن ما يجري في العالم "ليس عاديا" وأنها "تغيرات غير مسبوقة" إلى غيرها من عبارات واعترافات العجز أمام قوة الله تعالى التي يصفونها جحودا وإلحادا بـ "قوة الطبيعة"، فأين هي إذن قوتهم التي يتبجحون أنهم "طوّعوا" الطبيعة بها؟ وأين ترساناتهم التي يفتخرون بها؟ أين بُناهم التحتية وحصونهم الأرضية التي يحتمون بها؟ وأين قلاعهم العاجية التي يتطاولون بها؟ وغيرها الكثير من الآيات والنذر الإلهية، التي تتتابع وتشتد عليهم يوما بعد يوم، وما زال حال أكثرهم كحال أكثرهم بالأمس كما أخبر تعالى: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ}.

▪️{أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ}

وما يزال أهل الكفر وأربابه يمكرون السيئات، ويتربصون بالمؤمنين الدوائر، فينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، ويبثون سمومهم من شهوات وشبهات لإغواء الخلق وإضلالهم، يفسدون في الأرض ولا يصلحون يحاربون الإسلام وهم في غيهم يعمهون، وتمادى بهم الطغيان حتى ظنوا أنهم على الأرض قادرون، وأمنوا على أنفسهم من مكر الله القائل: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ}.



وما يزال سبحانه ينذرهم ويخوّفهم بآيات بيّنات مُحرقات مُغرقات عاصفات ناسفات لا يجحدها أو ينكرها إلا مستكبر جحود، سيول تجرف عمرانا وأعاصير تجتاح حصونا، بلدان يغزوها عسكر الجفاف وأخرى تدكها جيوش الزلازل والبراكين، الأرض صارت تنتفض! والسماء تضطرب! ولا تكاد النذر تتوقف! والجحود والغفلة العالمية في ازدياد.

ومن معالم هذا الجحود بين أهل هذا الزمان، إصرارهم على رد الأمر إلى الأسباب المادية البحتة المجردة عن الإيمان بالخالق وقوته وجبروته وغضبه وعقابه، فيبررون ما يجري بـ "الاحتباس الحراري" و "النمو السكاني" وغير ذلك من المبررات والتفسيرات الصماء، ونسوا أن الله أرسل على أسلافهم من الأمم الغابرة -مِن أمثال هذه الآيات- ما أبادهم وجعلهم أحاديث ومزقهم كل ممزق؛ ولكن قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة.
ولا يخفى على كل ذي لب أن معاصي الأمم السالفة قاطبة، قد اجتمعت في هذا العصر من كفر وشرك وفسوق وشذوذ، وربا وتطفيف، بل ظهر في عصرنا من الذنوب والفواحش المصادمة للفطر البشرية ما لم تعرفه الجاهلية الأولى، ومع ذلك ما زال الناس في سكرة مطبقة وفي أمن رهيب من بأس الله وعقابه يوشك أن يحل بهم ويأخذهم على حين غرة كما فُعل بأشياعهم، قال تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}.

▪اركب معنا

أمام طوفان الكفر الجارف وعواصف الذنوب المهلكة، كان لا بد من سبيل للنجاة من غضب الجبار سبحانه، فرارا منه إليه جل شأنه، وكان لزاما على كل مسلم البحث عن سفينة نجاة توصله إلى بر الأمان، سفينة شراعها التوحيد ووقودها الجهاد، يركبها المؤمنون فيأمنون وينجون.

فيا أيها المسلمون القابعون في ديار الكفر، قد رأيتم ما رأيتم من علو الطغاة وفشو الخبث بين ظهرانيكم، ووصلكم من النذر الإلهية ما يقرع الأسماع ويقتلع القلوب، فما الذي يمنعكم عن اللحاق بركب النجاة؟ ألم يطرق مسامعكم ما أجاب به نبيكم -صلى الله عليه وسلم- زينب -رضي الله عنها- حينما سألته: "أنهلك وفينا الصالحون؟". قال: (نعم إذا كثر الخبث) [البخاري]، فإن تعذّر بعضكم بالدعوة والإصلاح، نقول لكم: حتى الإصلاح في الأوساط الجاهلية اليوم لا سبيل إليه بغير قوة وشوكة، ولا سبيل إليه دون الأسر والقتال والصدام مع الطواغيت وعسكرهم ودعاتهم! وقد جربناه قبل النفير إلى ميادين الهداية والرشاد، وهل يترك الطغاة داعيا إلى الحق حرا معافا؟!

ولو كان ما يمنعكم عن اللحاق بإخوانكم حب الدنيا وزهرتها وكراهية الموت، فالموت إذا جاء لن يرده عنكم أحد وهو قريب منكم حيث أنتم على أسرّتكم وبين أهليكم، فاتقوا الله، ولا تأمنوا مكره، واعلموا أنكم تخلفتم عن فريضة من أعظم فرائض العصر، وركنتم إلى الفانية، وعرّضتم أنفسكم لسخط الله ووعيده لمن قعد عن سبيله وتخلف عن تلبية نداءه، فانفضوا عن أنفسكم غبار القعود والتخلف عن ركب الهدى، والتحقوا بسفينة الإيمان لعلكم تنجون، {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ}.



الخميس 10 شعبان 1447هـ
...المزيد

531 📜 【هولنا وهولكم لا سواء】 بسيطرة نظام الجولاني على سجون ومخيمات الأهوال، تكتمل فصول مسرحية ...

531 📜 【هولنا وهولكم لا سواء】

بسيطرة نظام الجولاني على سجون ومخيمات الأهوال، تكتمل فصول مسرحية تسليم الحكم لطاغوت فاق سلفه "النصيري" و "الشيوعي" تبعيةً وولاءً للغرب الصليبي، وهو ما عبّر عنه ترامب في حديثه عن الإدارة الكردية قائلا: "كانوا يعملون من أجل أنفسهم أكثر مما يعملون لأجلنا" في إشارة مقصودة دقيقة بأن ترامب يريد "إدارة سورية" تعمل لأجله أكثر مما تعمل لأجل سوريا، ويبدو أن ترامب وجد بغيته أخيرا.
لقد وجد ترامب كلبا جديدا أوفى من "مظلوم عبدي!" لكن مشكلة مربّي الكلاب أنهم لا يثبتون على نوع معين مهما كان الكلب وفيّا لسيّده، فالذي أغوى ترامب بالجولاني سيغويه بغيره في يوم من الأيام، خصوصا أنه رئيس "مرحلة انتقالية" ما أسرع انتقالاتها.

وليس بعيدا عن ذلك تصريحات ضابط الإيقاع "توم باراك" الذي قال: "إن الغرض الأساسي من قوات سوريا الديمقراطية، كان كقوة قتالية ضد الدولة الإسلامية، وذلك الغرض انتهى". أي أنهم وجدوا من يقاتل لأجلهم أكثر من الإدارة الشيوعية! والعجيب أن أنصار الطاغوت السوري طاروا فرحا بتصريحات "دونالد" و "توم" وتناقلوها على نحو واسع في تصرُّفٍ لاواعي هو نتاج التربية الفرعونية القديمة: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ}.

في البعد الأمني، خطط الصليبيون جيدا للعملية وأداروها بكل حذر، خشية ارتكاب "الإدارة الكردية" أي حماقات في اللحظات الأخيرة، لأن الخطأ الأول في التعامل مع هذه "القنبلة الموقوتة" هو الخطأ الأخير، إنهم أسرى الدولة الإسلامية مَعلم الصبر والثبات، حيث كانوا هم هدف هذه العملية العسكرية التي قادتها أمريكا بنفسها بمشاركة جيوش الخسف المرتدة.

ولقد سادت حالة من التشفي والمعايرة للمجاهدين، من قبل أنصار الطاغوت السوري عقب استلام جيشهم لمخيمات الأهوال، وروّج هؤلاء أنّ جيشهم حرر النساء والأطفال الذين كانوا ضحية الهجرة والجهاد والشريعة! في تطاولٍ على فريضة الجهاد التي أرادها الله سبحانه على منهاج النبوة، ويريدها هؤلاء على منهاج "توم باراك".

يُعيّرنا هؤلاء العبيد، بالمؤمنات القانتات الصابرات على الأهوال! ونسي هؤلاء أنهم قبل غيرهم يرزحون في مخيمات أكبر من الهول تسمى مدنا محررة، يغلق عليهم حراس الطاغوت حدودها، ويفرضون عليهم ما شاءوا من المعتقدات والولاءات والتبعيات.

إن الأمة كلها ترزح في هول كبير صنعه لهم الطواغيت بأوامر صليبية يهودية -مبكّرة- وحبسوهم فيها وقالوا لهم: ارتعوا هنا مأكلكم ومشربكم، عمِّروا دنياكم وبيعوا آخرتكم، فرضخت الأكثرية وانتفضت طائفة قليلة، فعيّر ت الأكثريةُ القلةَ المؤمنة بصبرها وطهرها، بعد أن خذلتها وأمعنت في خذلانها ووقفت في معسكر عدوها.
أنتم جميعا أيها الغثاء -جنود الطاغوت وأنصاره- في هول كبير ليس بينكم وبين أهوال المراغمة وجه مقارنة، أيستوي المجاهد والقاعد؟ أيستوي الحر والعبد؟ أيستوي ناصر التوحيد، وخاذله وبائعه وناقضه؟ فأقلّوا عليهم اللوم لا أبا لأبيكم، فلن تسدوا عشر الذي سدوا.

إن أبطال الهول والشدادي وغويران يدفعون ضريبة الشريعة وأنتم تدفعون ضريبة الديمقراطية، إنهم يدفعون ضريبة التوحيد وأنتم تدفعون ضريبة العبودية للطاغوت، إنهم يدفعون ضريبة الجهاد وأنتم تدفعون ضريبة القعود، إنهم يدفعون ضريبة العز وأنتم تدفعون ضريبة الذل أضعافا مضاعفة، فلا سواء، ولقد رأوا ما رأى أصحاب نبيهم -صلى الله عليه وسلم- في معركة الأحزاب، وعيّرهم به المنافقون حينها، وإنّا على يقين بوعد الله -لمن يثبت ويمد في عمره- أن يريه فتح مكة وروما وبيت المقدس.

وإنّ تصفيق الغثاء لسيطرة الطاغوت على سجون الأهوال ورؤيتهم ذلك تحريرا للأعراض التي يأسرها منذ كان حاكم إدلب؛ هي عينة مصغرة لما هو عليه حال الأمة يوم خروج الدجال الأكبر الذي يتبعه خلق كثير كانوا من قبل يعرفون أنه هلاكهم وفتنتهم! لكنهم مع ذلك في الفتنة سقطوا، بعد أن طُبع على قلوبهم وعميت بصائرهم بما كسبته أيديهم، فأبصروا الدجّال مُخَلِّصا؛ كما أبصر هؤلاء الجولاني فاتِحا ومحرِّرا.

ولقد نص علينا القرآن الكريم خبر القوم فقال سبحانه: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}، قال ابن كثير: "يعني: ليس ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سببا للهداية... وقال تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} هذا في حق المنافقين، وقال في حق الكافرين: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ}، ولم يكونوا صما بكما عميا إلا عن الهدى". اهـ.

وهاهنا دعوة إلى طلبة العلم بضرورة صقل دراسات عقدية منهجية تساعد في الولوج إلى عقول أنصار الطواغيت وتشريحها وتوصيفها في ضوء الوحيين، فهم مهما تباعدت الديار والأزمان، واختلفت اللغات والأعراق، وتغيّرت أنظمة الحكم؛ فالطواغيت واحد، وأنصارهم سواء، مِن لدن فرعون وحتى الجولاني، ويخطئ من يتوهم وجود فرق بين طاغوت وآخر، أو بين أنصار طاغوت وآخر، وعما قريب يخرج جنود "الجولانية" كل ما في قلوبهم، ويسلكوا مسالك "الفرعونية" حذو النعل بالنعل، فهل هم إلا أتباع طاغوت شأنه شأن السيسي وابن زايد وابن سلمان؟ {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ}.

ثم هذه همسة إيمانية قرآنية في آذان إخواننا ممن ضاق صدرهم جراء هذا المد الكبير من غثاء المواقف والتبعيات؛ فلقد أصاب ذلك نبيكم -صلى الله عليه وسلم- في طريق دعوته وجهاده، فخاطبه مولاه تعالى بهذه الآيات: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}، فماذا كان التوجيه الإلهي في مثل هذه الحالات؟ قال ابن كثير: "وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم لك، انقباض وضيق صدر، فلا يهيدنك ذلك، ولا يثنينك عن إبلاغك رسالة الله، وتوكل على الله فإنه كافيك وناصرك عليهم". اهـ.

ثم تذكّروا قول اللطيف الخبير الحكم العدل سبحانه: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}، فالقصة ما زالت لها تتمة وبقية في الدنيا قبل الآخرة، وإنّا نرى مصارع القوم أقرب من ذي قبل، ولكن نسأله تعالى بمنّه وكرمه أن تكون على أيدي المؤمنين.


الخميس 3 شعبان 1447هـ
...المزيد

531 📜 صفات المنافقين (3) ثقُلت عليهم النصوص فكرهوها، وأعياهم حملها فألقوها عن أكتافهم ووضعوها، ...

531 📜 صفات المنافقين (3)

ثقُلت عليهم النصوص فكرهوها، وأعياهم حملها فألقوها عن أكتافهم ووضعوها، وتفلتت منهم السنن أن يحفظوها فأهملوها، وصالت عليهم نصوص الكتاب والسنة فوضعوا لها قوانين ردوها بها ودفعوها.

ولقد هتك الله أستارهم! وكشف أسرارهم، وضرب لعباده أمثالهم، واعلم أنه كلما انقرض منهم طوائف، خلَفهم أمثالُهم، فذكَر أوصافهم لأوليائه ليكونوا منها على حذر، وبيّنها لهم فقال: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}، هذا شأن من ثقلت عليه النصوص، فرآها حائلة بينه وبين بدعته وهواه، فهي في وجهه كالبنيان المرصوص، فباعها بمحصل من الكلام الباطل، واستبدل منها بالفصوص، فأعقبهم ذلك أن أفسد عليهم إعلانهم وإسرارهم، {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}.

أسرّوا سرائر النفاق، فأظهرها الله على صفحات الوجوه منهم، وفلتات اللسان! ووسمهم لأجلها بسيماء لا يخفون بها على أهل البصائر والإيمان، وظنوا أنهم إذ كتموا كفرهم وأظهروا إيمانهم، راجوا على الصيارف والنقاد. كيف؟ والناقد البصير قد كشفها لكم: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ}.

✍ أحوالهم يوم الحشر

فكيف إذا جُمعوا ليوم التلاق، وتجلى الله -جل جلاله- للعباد وقد كشف عن ساق؟ وَدُعوا إلى السجود فلا يستطيعون {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ}، أم كيف بهم إِذا حُشروا إلى جسر جهنم؟ وهو أدق من الشعرة، وأحدّ من الحسام، وهو دحض مزلة، مظلم، لا يقطعه أحد إلا بنور يبصر به مواطئ الأقدام، فقسّمت بين الناس الأنوار، وهم على قدر تفاوتها في المرور والذهاب، وأُعطوا نورا ظاهرا مع أهل الإسلام، كما كانوا بينهم في هذه الدار يأتون بالصلاة والزكاة والحج والصيام، فلما توسطوا الجسر عصفت على أنوارهم أهوية النفاق فأطفأت ما بأيديهم من المصابيح! فوقفوا حيارى لا يستطيعون المرور، فضُرب بينهم وبين أهل الإيمان بسور له باب، ولكن قد حيل بين القوم وبين المفاتيح، باطنه -الذي يلي المؤمنين- فيه الرحمة، وما يليهم من قبلهم العذاب والنقمة، ينادون مَن تقدّمهم مِن وفد الإيمان، ومشاعل الركب تلوح على بُعدٍ كالنجوم تبدو لناظر الإنسان: {انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ} لنتمكن في هذا المضيق من العبور، فقد طفئت أنوارنا، ولا جواز اليوم إلا بمصباح من النور؛ {قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا}، حيث قسمت الأنوار، فهيهات الوقوف لأحد في مثل هذا المضمار! كيف نلتمس الوقوف في هذا المضيق؟ فهل يلوي اليوم أحد على أحد في هذا الطريق؟ وهل يلتفت اليوم رفيق إلى رفيق؟ فذكّروهم باجتماعهم معهم وصحبتهم لهم في هذه الدار، كما يُذكّر الغريبُ صاحب الوطن بصحبته له في الأسفار {أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ}، نصوم كما تصومون، ونصلي كما تصلوّن، ونقرأ كما تقرأون، ونتصدق كما تصدقون، ونحج كما تحجون؟ فما الذي فرّق بيننا اليوم حتى انفردتم دوننا بالمرور؟ قالوا: بلى ولكنكم كانت ظواهركم معنا وبواطنكم مع كل ملحد، وكل ظلوم كفور {وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.

✍ لئلا تستوحِشوا!

لا تستطِل أوصاف القوم، فالمتروك -والله- أكثر من المذكور! كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم!، لكثرتهم على ظهر الأرض وفي أجواف القبور.

فلا خلت بقاع الأرض منهم لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات، وتتعطل بهم أسباب المعايش، وتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات، سمع حذيفة رضي الله عنه رجلًا يقول: اللهم أهلك المنافقين، فقال: "يا ابن أخي، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قلة السالك!".


✍️ خوف السلف من النفاق

تالله لقد قطع خوف النفاق قلوب السابقين الأولين، لعلمهم بدقّه وجلّه، وتفاصيله وجمله، ساءت ظنونهم بنفوسهم، حتى خشوا أن يكونوا من جملة المنافقين، قال عمر بن الخطاب لحذيفة رضي الله عنهما: "يا حذيفة، نشدتك بالله، هل سماني لك رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم منهم؟! قال: لا. ولا أزكي بعدك أحدا"، وقال ابن أبي مُليكة: "أدركت ثلاثين من أصحاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل" ذكره البخاري، وذكر عن الحسن البصري: "ما أمنه إلا منافق، وما خافه إلا مؤمن"، ولقد ذكر عن بعض الصحابة: أنه كان يقول في دعائه: "اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق! قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يرى البدن خاشعا والقلب ليس بخاشع".

تالله لقد مُلئت قلوب القوم إيمانا ويقينا، وخوفهم من النفاق شديد وهمهم لذلك ثقيل، وسواهم كثير منهم لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، وهم يدّعون أن إيمانهم كإيمان جبريل وميكائيل!

✍️ أركان النفاق أربع

زَرْع النفاق ينبت على ساقيتين: ساقية الكذب، وساقية الرياء، ومخرجهما من عينين: عين ضعف البصيرة، وعين ضعف العزيمة، فإذا تمت هذه الأركان الأربع، استحكم نبات النفاق وبنيانه، ولكنه بمدارج السيول على شفا جُرُف هار، فإذا شاهدوا سيل الحقائق يوم تُبلى السرائر، وكشف المستور، وبعثر ما في القبور، وحُصّل ما في الصدور؛ تبيّن حينئذ لمن كانت بضاعته النفاق، أن حواصله التي حصّلها كانت كالسراب؛ {يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.

✍️ أشهر أماراتهم!

قلوبهم عن الخيرات لاهية، وأجسادهم إليها ساعية، والفاحشة في فجاجهم فاشية، وإذا سمعوا الحق كانت قلوبهم عن سماعه قاسية، وإذا حفروا الباطل وشهدوا الزور، انفتحت أبصار قلوبهم، وكانت آذانهم واعية.

فهذه -والله- أمارات النفاق، فاحذرها أيها الرجل قبل أن تنزل بك القاضية، إذا عاهدوا لم يفوا، وإن وعدوا أخلفوا، وإن قالوا لم ينصفوا، وإن دُعوا إلى الطاعة وقفوا، وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول؛ صَدَفوا، وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أغراضهم أسرعوا إليها وانصرفوا، فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان، والخزي والخسران، فلا تثق بعهودهم، ولا تطمئن إلى وعودهم، فإنهم فيها كاذبون، وهم لما سواها مخالفون {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}.

تمّت، وصلى اللهُ وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

[صفات المنافقين/ لابن القيم رحمه الله]


الخميس 3 شعبان 1447هـ
...المزيد

📜صفات المنافقين 2 ٥٣٠ يتربصون الدوائر بأهل السنة والقرآن، فإن كان لهم فتح من الله، قالوا: ألم ...

📜صفات المنافقين 2

٥٣٠

يتربصون الدوائر بأهل السنة والقرآن، فإن كان لهم فتح من الله، قالوا: ألم نكن معكم؟ وأقسموا على ذلك بالله جهد أيمانهم، وإن كان لأعداء الكتاب والسنة من النصرة نصيب، قالوا: ألم تعلموا أن عقد الإخاء بيننا محكم، وأن النسب بيننا قريب؟

فيا من يريد معرفتهم، خذ صفاتهم من كلام رب العالمين، فلا تحتاج بعده دليلا: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}، يعجب السامِعَ قول أحدهم لحلاوته ولينه، ويشهد الله على ما في قلبه من كذبه ومينه، فتراه عند الحق نائما، وفي الباطل على الأقدام، فخذ وصفهم من قول القدوس السلام: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}.

أوامرهم التي يأمرون بها أتباعهم متضمنة لفساد البلاد والعباد، ونواهيهم عما فيه صلاحهم في المعاش والمعاد، وأحدهم تلقاهُ بين جماعة أهل الإيمان في الصلاة والذكر والزهد والاجتهاد، {وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}، فهم جنس بعضه يشبه بعضا، يأمرون بالمنكر بعد أن يفعلوه! وينهون عن المعروف بعد أن يتركوه، ويبخلون بالمال في سبيل الله ومرضاته أن ينفقوه، كم ذكّرهم الله بنعمه فأعرضوا عن ذكره ونسوه؟ وكم كشف حالهم لعباده المؤمنين ليجتنبوه؟ فاسمعوا أيها المؤمنون: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

إن حاكمتهم إلى صريح الوحي وجدتهم عنه نافرين، وإن دعوتهم إلى حكم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، رأيتهم عنه معرضين، فلو شهدت حقائقهم لرأيت بينها وبين الهدى أمدا بعيدا، ورأيتها معرضة عن الوحي إعراضا شديدا {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا}، فكيف لهم بالفلاح والهدى! بعدما أصيبوا في عقولهم وأديانهم؟ وأنى لهم التخلص من الضلال والردى؟ وقد اشتروا الكفر بإيمانهم؟ فما أخسر تجارتهم البائرة! وقد استبدلوا بالرحيق المختوم حريقا {فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا}.

نشب زقوم الشبه والشكوك في قلوبهم، فلا يجيدون له مسيغا {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا}.

تبا لهم، ما أبعدهم عن حقيقة الإيمان! وما أكذب دعواهم للتحقيق والعرفان، فالقوم في شأن وأتباع الرسول في شأن.

لقد أقسم الله جل جلاله في كتابه بنفسه المقدسة قسما عظيما يعرف مضمونه أولو البصائر، فقلوبهم منه على حذر إجلالا له وتعظيما، فقال تعالى تحذيرا لأوليائه وتنبيها على حال هؤلاء وتفهيما: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.

تسبق يمين أحدهم كلامه من غير أن يعترض عليه، لعلمه أن قلوب أهل الإيمان لا تطمئن إليه، فيتبرأ بيمينه من سوء الظن به وكشف ما لديه، وكذلك أهل الريبة يكذبون، ويحلفون ليحسب السامع إنهم صادقون قد: {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

تبا لهم! برزوا إلى البيداء مع ركب الإيمان، فلما رأوا طول الطريق وبُعْدَ الشقة نكصوا على أعقابهم ورجعوا، وظنوا أنهم يتمتعون بطيب العيش ولذة المنام في ديارهم، فما متعوا به ولا بتلك الهجعة انتفعوا، فما هو إلا أن صاح بهم الصائح فقاموا عن موائد أطعمتهم والقوم جياع ما شبعوا، فكيف حالهم عند اللقاء؟ وقد عرفوا ثم أنكروا، وعموا بعد ما عاينوا الحق وأبصروا {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ}.


أحسن الناس أجساما وأخلبهم لسانا وألطفهم بيانا وأخبثهم قلوبا وأضعفهم جنانا، فهم كالخشب المسندة التي لا ثمر لها، قد قلعت من مغارسها فتساندت إلى حائط يقيمها، لئلا يطأها السالكون، {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ}.

يؤخرون الصلاة عن وقتها الأول إلى شَرَق الموتى، فالصبح عند طلوع الشمس، والعصر عند الغروب، وينقرونها نقر الغراب، إذ هي صلاة الأبدان لا صلاة القلوب، ويلتفتون فيها التفاتة الثعلب، إذ يتيقن أنه مطرود مطلوب، ولا يشهدون الجماعة، بل إن صلى أحدهم ففي البيت أو الدكان، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر، وإذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان. هذه معاملتهم للخلق، وتلك معاملتهم للخالق، فخذ وصفهم من أول (المطففين) وآخر (والسماء والطارق)، فلا ينبئك عن أوصافهم مثل خبير: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}، فما أكثرهم! وهم الأقلون، وما أجبرهم! وهم الأذلون، وما أجهلهم! وهم المتعالمون، وما أغرهم بالله! إذ هم بعظمته جاهلون! {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ}.

إن أصاب أهل الكتاب والسنّة عافية ونصر وظهور، ساءهم ذلك وغمهم، وإن أصابهم ابتلاء من الله وامتحان يمحّص به ذنوبهم ويكفر به عنهم سيئاتهم، أفرحهم ذلك وسرّهم، وهذا يحقق إرثهم وإرث من عداهم، ولا يستوي مَن موروثه الرسول ومَن موروثهم المنافقون: {إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ * قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}، وقال تعالى في شأن السَلَفين المختلفين، والحق لا يندفع بمكابرة أهل الزيغ والتخليط: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}.

كره الله طاعاتهم لخبث قلوبهم وفساد نياتهم، فثبّطهم عنها وأقعدهم وأبغض قربهم منه وجواره، لميلهم إلى أعدائه، فطردهم عنه وأبعدهم، وأعرضوا عن وحيه فأعرض عنهم، وأشقاهم وما أسعدهم، وحكم عليهم بحكم عدل لا مطمع لهم في الفلاح بعده إلا أن يكونوا من التائبين، فقال تعالى: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ}، ثم ذكر حكمته في تثبيطهم وإقعادهم، وطردهم عن بابه وإبعادهم، وإن ذلك من لطفه بأوليائه وإسعادهم، فقال وهو أحكم الحاكمين: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ}.

[صفات المنافقين/ لابن القيم رحمه الله]


الخميس 26 رجب 1447هـ
...المزيد

529 📜 【الوسطية المحرّفة】 في وقتنا الحاضر أصبح كل من هبّ ودبّ من الفرق والأحزاب، يتحدثون عن ...

529 📜 【الوسطية المحرّفة】


في وقتنا الحاضر أصبح كل من هبّ ودبّ من الفرق والأحزاب، يتحدثون عن الوسطية والاعتدال في الإسلام، ينظّرون لها وينتسبون إليها ويتغنون بها ويصدّرونها محاضرهم وناصية بياناتهم، وهي منهم براء، براءة التوحيد من الغلو والإرجاء.

وأكثر هؤلاء قد حرّفوا معناها الصحيح الذي جاء به الدين الحنيف، إما لشهوة أو شبهة، وحادوا بها عن الطريق المستقيم الذي رسمه الوحي القويم، فجعلوا الوسطية بوحي شياطينهم، هي التنازل والتفريط في الولاء والبراء، والتسامح والتعايش مع الباطل والالتقاء معه في وسط الطريق، وسمّوا ذلك زورا وبهتانا "واقعية وتوازنا!"، فأعطوا الدنية في دينهم وفرّطوا في عقيدتهم باسم وسطيتهم، وفي المقابل جعلوا المجاهدين المتمسكين بدينهم القابضين على الجمر "خوارج وغلاة متنطعين!".

والحقيقة الشرعية الثابتة الناصعة أن الوسطية بمفهوم الوحي هي السير على طريق النبي -صلى الله عليه وسلم- في العقائد والشرائع والعبادات والمعاملات، لأنه أقوم الطرق وأوسطها وأعدلها، وعدم مفارقته أو الانحراف عنه مهما كانت الظروف.

ولم تكن القرون المفضلة تُصدّر مفهوم الوسطية وتطرقه كما يطرقه أدعياؤها اليوم؛ ويقدّمونها كأنها بديل مصادم للعقيدة وخصم لها!! أو كأنها باب استثنائي في الإسلام، وذلك لأن الإسلام وسط بطبعه بين الأديان كاليهودية والنصرانية، ومنهاجه وسط أصالة بين مناهج الفرق الضالة كالخوارج والمرجئة، ومع ذلك لم يقل أحد من الأئمة المعتبرين بأن أهل القرون المفضلة لم يكونوا أهل وسطية واعتدال في العقيدة والجهاد مع أنهم قاتلوا المشركين كافة وفاصلوا الجاهلية مطلقا! حتى قاتل الرجلُ أخاه، وفارق الرفيقُ خلّه وقلاه!، ومع ذلك فهم أهل الوسط والاعتدال لا ينازع في ذلك إلا متنكب أو ضال.

وخلافا لما يشتهيه دعاة الوسطية المحرّفة، فإن مفهوم الوسطية في الإسلام يرتبط ارتباطا وجوديا بملة إبراهيم -عليه السلام-، التي يبغضها المنافقون على اختلاف تشكيلاتهم وهيئاتهم، وتنزل على أسماعهم كالصواعق، وعلى قلوبهم كالجبال أو أثقل!

وقد تطرق أئمة التفسير -رحمهم الله- إلى معنى الوسطية عند تفسيرهم لقول الله عز وجل: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، فقال الطبري رحمه الله: "كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام، وبما جاءكم به من عند الله، فخصصناكم التوفيق لقبلة إبراهيم وملته، وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل؛ كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن جعلناكم أمة وسطا".

وقال ابن كثير: "والوسط هاهنا: الخيار والأجود... ولمّا جعل الله هذه الأمة وسطا، خصّها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب". ونقل البغوي في تفسيره عن الكلبي قوله في الآية: "يعني أهل دين وسط بين الغلو والتقصير لأنهما مذمومان في الدين". وروى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الآية: قال: (الوسط العدل).

وقد سرد شيخ الإسلام ابن تيمية بعض معالم وسطية الأمة وخيريتها وعدالتها، وأنها هي عين ملازمة التوحيد والتمسك به فقال رحمه الله: "خصّ الله -تبارك وتعالى- محمدا -صلى الله عليه وسلم- بخصائص ميّزه بها على جميع الأنبياء والمرسلين، وجعل له شرعة ومنهاجا، أفضل شرعة وأكمل منهاج، كما جعل أمته خير أمة أخرجت للناس... هداهم الله بكتابه ورسوله لِمَا اختلفوا فيه من الحق قبلهم، وجعلهم وسطا عدلا خيارا، فهم وسط في توحيد الله وأسمائه وصفاته، وفي الإيمان برسله وكتبه، وشرائع دينه من الأمر والنهي، والحلال والحرام" إلى أن قال: "وكذلك المسلمون وسط في الشريعة، فلم يجحدوا شرعه الناسخ لأجل شرعه المنسوخ كما فعلت اليهود، ولا غيّروا شيئا من شرعه المحكم، ولا ابتدعوا شرعا لم يأذن به الله كما فعلت النصارى، ولا غلوا في الأنبياء والصالحين كغلوّ النصارى ولا بخسوهم حقوقهم كفعل اليهود". [الجواب الصحيح].

ولمّا افترقت هذه الأمة إلى فرق وطوائف شتى، ميّز الله أهل السنة والجماعة بالخيرية وجعلهم وسطا بين باقي الفرق، فجعلهم كأهل الإسلام بين أهل الملل الأخرى، فهم وسط في باب صفات الله وأفعاله، بين المعطِّلة والممثِّلة، وبين القدرية والجبرية، ووسط في باب الإيمان والأحكام بين الخوارج والمرجئة، ووسط في الصحابة بين النواصب والروافض، إلى غيرها من المسائل التي حادت بها الفرق عن صراط الله المستقيم فاستحقت بذلك وعيده بالعذاب الأليم، كما أخرج ابن ماجه في سننه عن عوف بن مالك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار)، قيل يا رسول الله من هم؟ قال: (الجماعة).

ولا يظن ظان أن الجماعة هي السواد الأعظم من الناس أو "الأكثرية" كما يصفها أرباب الدساتير والمناهج الأرضية، فالحق لا يقاس بالعدد والكم والكثرة، بل الكثرة مذمومة في معظم آي القرآن الكريم، وقد يكون الفرد وحده جماعة إن وافق الحق وتسلح بالعلم والعمل كما قال ابن القيم: "واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق، وإن كان وحده، وإن خالفه أهل الأرض. قال عمرو بن ميمون الأودي: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: عليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة... إلى أن قال: أتدري ما الجماعة؟ قلت: لا، قال: إن جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة! الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك". [إعلام الموقعين].

واليوم يتشدق أدعياء الضلال وفقهاء الفِرق بالوسطية، وهم أبعد الناس عنها وأكثرهم مخالفة لها؛ حتى توّهموا وأوهموا الناس أن العقيدة منافس لها!، وفي المقابل يتحسس بعض أهل الحق عند ذكر الوسطية لِمَا ارتبط بها في هذا العصر من تبديل وتفريط عند محرّفيها ومخرّفيها! فنقول وبالله التوفيق: إن أهل التوحيد والجهاد، أهل الموالاة والمعاداة في الله، أهل الشدة والغلظة على الكافرين والرحمة بالمؤمنين، هم أهل الوسط والعدل والخيرية في كل عصر، رضي من رضي وسخط من سخط.

وبعد، فهذا منهاج نبيك -صلى الله عليه وسلم- أيها المسلم، وتلك سيرته شاهدة ناطقة بذلك، وفي خضم ثورة الانحراف وأربابه وفورة الباطل وفِرقه ما عليك إلا التمسك الجاد بكتاب الله وسُنة رسوله الكريم -صلى الله عليه وسلم- ولكن بفهم القرون المفضلة، وليس بفهم أدعياء الوسطية المفارقين لها نحو الباطل، المنحرفين عنها المحرّفين لمعناها بعيدا عن مشكاة النبوة ونور الوحي، فتلك وسطيتهم؛ لا وسطية الإسلام التي ندين بها ولا نتحرج منها، ونحن أولى وأحق بها، والحمد لله رب العالمين.


الخميس 19 رجب 1447هـ
...المزيد

📜【مناكفات أنداد.. ومزاودات حُسّاد!】 248 من جوار سفارة دويلة يهود في تركيا، وحيث يتجول رعايا تلك ...

📜【مناكفات أنداد.. ومزاودات حُسّاد!】
248

من جوار سفارة دويلة يهود في تركيا، وحيث يتجول رعايا تلك الدولة بحرّية وأمان من حولهم، يعلن الإخوان المرتدون ومن شابههم تكفير طواغيت "الإمارات" بعد إعلانهم العلاقة مع دويلة اليهود، ثم يدْعون بالنصر والتأييد لطاغوت تركيا، الذي زعم أنه سيقطع علاقات بلاده مع "الإمارات" بسبب ذلك!.

وهذا المشهد الهزلي الذي ترسمه الحالة التي شاهدناها خلال الأيام الماضية، يقدّم نموذجاً حيّاً لتلاعب المرتدين بالدين، وتوظيفه كأداة سياسية لا أكثر، فهم مرجئةٌ مع مَنْ يوالون، لا يجتمع مع نفْعِه لهم خطيئة، وهم خوارجُ مع مَنْ يخاصمون، لا يجتمع مع إضراره بهم حسنة! قاتلهم الله أنَّى يؤفكون.

فطواغيت "الإمارات" ومن شابههم، لم يكْفروا أمس بإعلانهم للعلاقات مع دويلة اليهود، ولا قبل أمس بوقوفهم في وجه الإخوان المرتدين ومظاهرة خصومهم العلمانيين عليهم، ولكنهم كفار مرتدون منذ حكَموا بلاد المسلمين بغير شرع رب العالمين، وهم كفار مرتدون منذ ظاهروا الصليبيين على المسلمين في خراسان والعراق وغيرها من بلدان المسلمين، وهم كفار مرتدون منذ أن نشروا أديان الكفر والإلحاد وأعانوا على ذلك، وهذا كله ممتد إلى عدة عقود من الزمان.

لكن المرتدين المنتمين إلى الأحزاب المنتسبة زوراً إلى الإسلام؛ لم يتذكروا شيئاً من تلك الكفريات، لأنهم ومن يوالون واقعون فيها، وتذكروا فقط انفتاح العلاقات، ولم يلتزموا بتطبيق هذا الحكم على أوليائهم من المرتدين كـ "مرسي" و "أردوغان" وغيرهم من الطواغيت الذين حافظوا على "المعاهدات" مع دويلة اليهود، وكذلك طواغيت قطر الذين سبقوا طواغيت "الإمارات" بالعلاقة العلنية معهم، فتلاعبوا بتطبيق الأحكام حسب أهوائهم، لعنة الله عليهم أجمعين.

ولعلَّ أحد المرتدين الموالين لطواغيت "الإمارات" قد صدَق حين اتَّهم طواغيتَ قطر ومن يوالونهم من الإخوان المرتدين، بأنهم يعترضون على العلاقات مع دويلة اليهود لا غيرةً على فلسطين وأهلها كما يزعمون؛ وإنما حسداً لهم على العلاقة مع اليهود والتي قد تزيد من حظوتهم لدى الصليبيين، وإلا فسفارة اليهود مشرعة الأبواب في تركيا ولا نكير من أولياء طواغيتها!.

وهذا عين ما كان عندما كان الهجوم الشرس على الطواغيت من آل سعود بسبب انطلاق طائرات الصليبيين من جزيرة العرب لقصف المسلمين في العراق وأفغانستان، فالسبب وراء ذلك كان رغبة طواغيت قطر أن لا يشاركهم أحد من المرتدين في جريمة مظاهرة الصليبيين على المسلمين، ولتكون قاعدة "العديد" هي الوحيدة التي تتركز فيها جيوش الصليب وتنطلق منها هجماتهم، فيكون في ذلك تثبيت لحكمهم الطاغوتي على المسلمين.

ولقد رأينا مثال ذلك أيضاً في كثير من القضايا من قبل، ففصائل الصحوات في العراق كانت تهاجم الروافض وتتهمهم بالخيانة والعمالة للصليبيين، وكان كثير منهم يحكمون بكفرهم لمظاهرتهم إيّاهم على المسلمين؛ ولكن بمجرد أن مدَّ لهم الصليبيون أياديهم هرعوا إليهم ودخلوا تحت طاعتهم! وأعلنوا موالاتهم ليقاتلوا المسلمين تحت لوائهم، فما كان هجومهم على الروافض إلا حسداً لهم على كفرهم وخيانتهم وعمالتهم لا أكثر.

كما رأينا مثل هذا الحال في الشام أيضاً، بهجوم تنظيم القاعدة المرتد على بعض الفصائل، بسبب موالاتهم للجيش التركي المرتد وللتحالف الصليبي، فكفّروهم واستباحوا دماءهم وقاتلوهم على ذلك، فلما تمكنوا من القضاء عليهم توجهوا إلى طواغيت تركيا والصليبيين يطلبون منهم أن يعاملوهم مثل ما كانوا يعاملون الفصائل المنقرضة! ويعرضون عليهم أن ينفِّذوا لهم ما كان يفعل عملاؤهم السابقون من قتال الموحدين وخيانة أهل الملة والدين.

ولهذه الأسباب فقدَ أولئك المرتدون القدرة على حشد الناس خلفهم في أكثر القضايا، بل باتوا يُسيئون إلى كل قضية يرفعون أصواتهم بها ليُظهروا أنهم آباؤها الحريصون، ويطلبون بأن يكونوا وحدهم الأوصياء فيها، ويهاجمون كل من ينافسهم عليها، ويتهمونه بالخيانة وتضييع الأمانة، حتى إنْ صارت في أيديهم عرَضوها للبيع بأبخس الأثمان، فانفضَّ الناس عن حمْل تلك القضية فضلاً عن الجهاد في سبيلها.

وهكذا لم يتفاجأ أحد بالتفاعل الباهت من عامة الناس في بلدان المسلمين مع حملة الاستنكار الكبيرة لطواغيت تركيا وقطر ومَنْ والاهم من الإخوان المرتدين، ضدَ إخوانهم من طواغيت "الإمارات" بسبب العلاقة مع دويلة يهود، فالناس صاروا يدركون أنها مناكفات أنداد ومزاودات حُسّاد، لا أكثر!.

ونسأل الله تعالى أن يفضح أولئك المرتدين، ويكشف جرائمهم للناس، ويجعل من عقوبته لهم في الدنيا آية لكل من يتلاعب بدينه أو يحرّف شريعته، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الخميس 1 محرم 1442 هـ
...المزيد

📜 【عام وعالم مضطرم】٥٢٨ عام إفرنجي منصرم عنوانه الأبرز الفشل الدولي في الحرب على الجهاد الذي ...

📜 【عام وعالم مضطرم】٥٢٨

عام إفرنجي منصرم عنوانه الأبرز الفشل الدولي في الحرب على الجهاد الذي تقوده الدولة الإسلامية بعزيمة لا تلين منذ نحو عقدين من الزمان، يوم خرجت من رحم المحنة في العراق، مرورا بالشام ومنها إلى أقاصي الأرض، وأعادت رسم خارطة الطريق على منهاج النبوة في وقت ازدهرت فيه مشاريع الضرار.

ويضطرم العالم اليوم بحروب وصراعات متلاحقة، أنتجت اصطفافات وتحالفات متقلبة، وولّدت حالة من انعدام الاستقرار واضطراب التوازنات وغياب الثقة بين "الشركاء الدوليين" الذين تحالفوا طويلا ضد الإسلام وتجاوزوا خلافاتهم لأجل محاربته، لكنهم اليوم لم يعودوا قادرين على تجاوزها فضلا عن ضبط مسارها كما كان الوضع عليه في السابق، بل دبت الخلافات بين صفوفهم واشتعلت الحروب بين معسكراتهم، متجاوزةً كل الحدود التي رسموها لضبط إيقاع النزاعات فيما بينهم، لكن يبدو أن الأمور بدأت تخرج عن السيطرة، وتفسير ذلك الواقع نجده عند الحكيم الخبير خالق الكون ومدبّر أمره القائل سبحانه: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}، ومكره تعالى تدبيره لأوليائه واستدراجه لأعدائه، ومن ذلك: إيقاع العداوة بينهم مصداقا لوعيده بهم: {فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ}.
ويشاء المولى سبحانه بفضله وتدبيره، أن يختتم الصليبيون عامهم بإخفاقات ميدانية جديدة في حربهم على المجاهدين، ويُقتل جنودهم ورعاياهم وحلفاؤهم في تدمر وأستراليا وتركيا العلمانية، ويؤسرون في بقاع أخرى من العالم خاضعة لحكم الشريعة المحمدية، نصرة للأسرى والأسيرات.

وكان من معالم هذا الإخفاق الصليبي، اضطرار أمريكا تصعيد حملاتها الجوية -عالية التكلفة- لقصف الدولة الإسلامية؛ في خطوة تأتي بمثابة اعتراف ضمني بفشلها وكذب انتصارها، فعادت اليوم ترقّع فشلها بـ "عين الوهم" في بادية الشام في ضربات استعراضية لتوريط قدم "الضبع" أكثر فأكثر في وحل الخيانة، مرورا بغاراتها الخائرة في جبال "عيل مسكاد" الشامخة خلال حملة تخطّت عامها الأول بخسائر أعوام مجتمعة في صفوف أوليائها، وليس انتهاء بغاراتها الخائبة على تخوم الساحل الإفريقي، حيث غارت صواريخهم ومعها دولاراتهم بين رماله الصفراء التي غرق حلفاؤهم فيها من قبل.
ولم يكن أتباع وأذناب أمريكا الصليبية من الحكومات والجيوش المرتدة أفضل حالا من أسيادهم خلال هذا العام، ونأخذ عينة صغيرة لأشقاهم وأخسهم؛ النظام السوري المرتد حيث لم تتوقف ضربات المجاهدين ضد قواته في المدن وأطرافها، حتى بدا أنه بحاجة إلى تجنيد سوريا بأسرها في حربه على الإرهاب حماية للمصالح الأمريكية واليهودية، ولكن هيهات فالشام خلاف ما يظنون ويمكرون.

وعند النظر إلى خارطة الصراعات والتوترات العالمية، فإنها مرشحة للمزيد من الاشتعال والتعقيد في ظل تصاعد الصراع الصيني الأمريكي، والصراع الروسي الغربي، والصراع اليهودي الإيراني، والتوغل اليهودي العسكري والسياسي خارج فلسطين، وتخلّي أوروبا عن "دبلوماسيتها" وجنوحها مرغمة نحو العسكرة، والقطيعة الغربية الإفريقية، مقابل توطيد العلاقات مع روسيا، وزيادة التوترات في القرن الإفريقي وجنوب اليمن، ولا ننسى ساحة العراق التي تغرق في أزمات مزمنة لم تنفجر بعد!، وأينما قلّبتَ ناظريك في العالم، وجدته متأرجحا بين حروب خلت وحروب أتت؛ كلها لا تخرج عن "سُنة التدافع" التي تكون بين معسكري الحق والباطل، وتكون بين معسكرات الباطل فيما بينها.

وأيًّا كان شكل العالم واضطرامه في قابل الأيام، فإنه لن يخرج عن حدود تدبير الله تعالى ومكره لعباده المؤمنين ومكره بأعدائه الكافرين، لكن هذا ليس مدعاة للركون والاصطفاف على قارعة القاعدين والمتفرجين، بل هي دعوة عامة -لكل مسلم- للانخراط المباشر في إذكاء جذوة هذه المعركة المباركة -معركة التوحيد- ضد ملل الكفر قاطبة وفي مقدمتهم النصارى واليهود، وهي دعوة لتجديد العزائم وإحياء الهمم لإشعال الجهاد في كل بقعة من بقاع الأرض تصلها أقدام الموحدين جنودا ومناصرين، أنصارا ومهاجرين.

وهي فرصة ثمينة للاستفادة من هذه الفوضى المتصاعدة في أرجاء هذا العالم المضطرم لتأديبه وتعبيده لخالقه، فالمعركة برمتها معركة إسلام وكفر وتزداد احتداما وتمايزا يوما بعد يوم، ألا فلتجعلوا -أيها المجاهدون- في كل بيت للنصارى واليهود والرافضة مأتما، وفي كل شارع مجزرة! وعند كل قارعة مذبحة! فشدّوا عليهم -أيها الموحدون- فالوقت وقت الملحمة، وتسربلوا الموت واطلبوه في مظانه، فإنه أقصر الطرق إلى الحياة؛ حياة العز أو حياة الآخرة.


ثم هذه دعوة لخلايا الجهاد في كل مكان، كل من يدين للدولة الإسلامية بالولاء وتجمعه بها رابطة السماء، ليستعلِ كل مجاهد منكم بإيمانه ولا يستأسر لعدوه، فسجونهم مقابر مظلمة يقدمونكم فيها قرابين عبودية لأمريكا الصليبية، ولتحرص كل خلايا الدولة الإسلامية أينما كانت، على قلب الطاولة على العدو وإفساد مخططاته وإفشال حملاته، وإياكم أن تكونوا لقمة سهلة لجيوشه وقواته، وليكن شعار كل واحد منكم: "أينقص الدين وأنا حي؟!" وليضع كل مجاهد نصب عينيه أنه المقاتل الأخير عن بيضة الإسلام، فليقدّم أفضل ما عنده وليبذل أغلى ما يملك فداء لدين الله ونصرة لشريعته وإعذارا إلى مولاه، فبهذا ينتصر الإسلام ويعز جنابه، وبهذا ساد وعزّ أبطاله السابقون، حتى غدا أحدهم ينبض عزةً واستعلاءً بالإيمان، يصدح بهذه الكلمات في وجه ملوك الأرض: "كُنَّا فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ وَبَلَاءٍ شَدِيدٍ، نَمَصُّ الْجِلْدَ وَالنَّوَى مِنَ الْجُوعِ، وَنَلْبَسُ الْوَبَرَ وَالشَّعَرَ، وَنَعْبُدُ الشَّجَرَ وَالْحَجَرَ، فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرَضِينَ -تَعَالَى ذِكْرُهُ وَجَلَّتْ عَظَمَتُهُ- إِلَيْنَا نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِنَا نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا -صلى الله عليه وسلم- أَنْ: "نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ، وَأَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا -صلى الله عليه وسلم- عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا؛ أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي نَعِيمٍ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَطُّ، وَمَنْ بَقِيَ مِنَّا مَلَكَ رِقَابَكُمْ" [البخاري]، هذه هي نفسية المجاهد الذي نريد، وتلك هي قواعد الحرب الوحيدة التي نؤمن بها، رُفعت الأقلام وجفت الصحف.


الخميس 12 رجب 1447هـ
...المزيد

معلومات

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً