📜أظافر من نحاس! تضج مجالسنا اليوم بكثرة القيل والقال والهمز واللمز، وما إن يلتقي اثنان أو أكثر ...

📜أظافر من نحاس!

تضج مجالسنا اليوم بكثرة القيل والقال والهمز واللمز، وما إن يلتقي اثنان أو أكثر إلا وينطلقون في غيبة أخيهم، فيطرحونه على مائدتهم ويجتمعون عليه ينهشون لحمه نهشا، وتسيل لعابهم منه دما ونتَنا، فهو لحم ميت -كما وصفه الله تعالى في كتابه- زجرا وتنفيرا، إنه لحم مسلم غابَ فاستطاب الحاضرون ذكره بما يكره، وولغت فيه ألسنتهم فلم يتقوا الله فيه ولم يحفظوا حق أخوّته، وخنس آخرون عنهم ولم ينكروا صنيعهم فكانوا مثلهم!، فيقومون جميعا -الخائض والخانس- عن ذنب كبير!

▪️حدّ الغيبة وضابطها

ويظن البعض أن حدّ الغيبة يقتصر على ذم الشخص بما ليس فيه من العيوب، لكنه في الحقيقة أوسع من ذلك بكثير، كما أخرج الإمام مسلم في صحيحه قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أتَدرونَ ما الغيبةُ؟) قالوا: اللهُ ورَسولُه أعلَمُ، قال: (ذِكرُك أخاك بما يَكرَهُ). قيلَ: أفَرَأيتَ إن كانَ في أخي ما أقولُ؟ قال: (إن كانَ فيه ما تَقولُ فقدِ اغتَبتَه، وإن لَم يَكُنْ فيه فقد بَهَتَّه).

وحول ذلك نقل القرطبي في تفسيره عن الحسن البصري قوله: "الغيبة ثلاثة أوجه، كلها في كتاب الله تعالى: الغيبة، والإفك، والبهتان، فأما الغيبة: فهو أنْ تقول في أخيك ما هو فيه، وأما الإفك فأنْ تقول فيه ما بلغك عنه، وأما البهتان: فأنْ تقول فيه ما ليس فيه". وسائر صور الغيبة لا تخرج عن هذه الأوجه الثلاثة، وضابطها جميعا: "ذكرك أخاك بما يكره"، ومَن منا يحب أن يذكره الناس بما يكره؟

▪️صور الغيبة وأمثلتها

وسطّر الإمام النووي في كتابه "الأذكار" كلاما دقيقا حول اتساع حدّ الغيبة وصورها فقال: "فأما الغيبة: فهي ذكرُك الإِنسانَ بما فيه -مما يكره-، سواء كان في بدنه أو دينه أو دنياه، أو نفسه أو خَلقه أو خُلقه، أو ماله أو ولده أو والده، أو زوجه أو خادمه أو مملوكه، أو عمامته أو ثوبه، أو مشيته وحركته وبشاشته، وخلاعته وعبوسه وطلاقته، أو غير ذلك مما يتعلق به، سواء ذكرته بلفظك أو كتابك، أو رمزتَ أو أشرتَ إليه بعينك أو يدك أو رأسك أو نحو ذلك".

ثم يستطرد النووي في سرد الأمثلة على الغيبة بما يزيد وجل القلوب السليمة من الانحدار في هذا المنزلق، فيقول: "أما البدن فكقولك: أعمى أعرج أعمش أقرع، قصير طويل أسود أصفر. وأما الدِّين فكقولك: فاسق سارق خائن، ظالم متهاون بالصلاة، متساهل في النجاسات، ليس بارًّا بوالده، لا يضعُ الزكاة مواضعَها، لا يجتنبُ الغيبة. وأما الدنيا: فقليلُ الأدب، يتهاونُ بالناس، لا يرى لأحد عليه حقًا، كثيرُ الكلام، كثيرُ الأكل أو النوم، ينامُ في غير وقته، يجلسُ في غير موضعه، وأما المتعلِّق بوالده فكقوله: أبوه فاسق، أو هندي أو نبطي أو زنجي..، وأما الخُلُق فكقوله: سيء الخلق، متكبّر، مُرَاء، عجول، جبَّار، عاجز ضعيفُ القلب، مُتهوِّر، عبوس، خليع، ونحوه. وأما الثوب: فواسع الكمّ، طويل الذيل، وَسِخُ الثوب ونحو ذلك، ويُقاس الباقي بما ذكرناه. وضابطُه: ذكرُه بما يكره". أهـ.

وتأمل ما سرده الإمام النووي من أمثلة زمانه، وأضف إليها ما شاع وذاع من أمثلة زماننا الذي صارت فيه الغيبة فاكهة المجالس لا تخلو منها ولا تحلو بدونها، ولا يُستظرف السُّمّار ويُستطرف الجلّاس إلا بها!

وتدبر هذا الحديث الذي أخرجه أبو داود عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، قالت: قُلْتُ للنبي -صلى الله عليه وسلم-: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وكَذَا -تَعْنِي قَصِيْرةً- فَقَالَ: (لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ!) فكثير مما تقدّم ذكره من الأمثلة، قد لا يقصد به المرء الذم والطعن، فيقوله دون أن يلقي له بالا، ويخوض فيه على سبيل التندّر أو المزاح أو التسلية أو غيرها من الأعذار البشرية الواهية، ومع ذلك عدّه العلماء من الغيبة، وأما ما يتعمده المرء من الذم والطعن والقدح في أخيه المسلم، والتنقيب عن عيوبه وتتبع زلاته وإشاعتها والتشفي بها، فذلك أشد خطرا وأعظم إثما وجرما.

▪️لا تغتب ولا تقبل بذلك

والواجب على المسلم أن يطهّر لسانه عن كل هذا، وينظّف مجالسه منه، ليس هذا فحسب، بل يجب عليه أيضا ألا يسمح لأحد أن يغتاب إخوانه في حضرته أو مجلسه، وألا تأخذه في الله لومة لائم في نهي غيره عن ذلك، لأن سماع الغيبة -دون إنكارها- غيبة مثلها.

وتتأكد هذه التوجيهات في حق إخواننا المجاهدين، فالغيبة ظلم للغير وإيغار للصدر وفرقة للصف، وهذا كله من مؤخّرات النصر، وكيف يقبل المجاهد أن تخرج هذه السفاسف من فمه أو تُلقى على مسامعه، وهو لا يفارقه صوت الرصاص مذكّرا إياه بيوم الرحيل؟، كيف يستسيغ ذلك المجاهد -ومثله المناصر- وعنده هدف أسمى وأغلى وهو نصرة الإسلام أو الموت دونه، فليحذر المسلم من التساهل في غيبة إخوانه حتى -لو كره شيئا منهم-، فذلك من نزغ الشيطان فإنه يتحين الفرص ليفسد بينهم، ولذلك جاء الأمر: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ}.



▪️عقاب الغيبة

ولو اعتبر العاقل بما يلاقيه المغتاب من عذاب في القبر وما بعده؛ لخاط لسانه وصم أذنه عن هذه الكبيرة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَمَّا عُرَجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ!) [أبو داود].

فقل لي -أيها المغتاب- أين الجلساء الذين شاركوك الغيبة في مجالسهم، هل سيدفعون عنك هذا العقاب أو يتحملون بعضا منه عنك؟ أم هم أول من سيغادر قبرك ويتركونك تواجه مصيرك وحدك؟!

وأما في يوم الحساب، فالخسارة أكبر، حين يطوف عليك من اغتبتهم ونهشت عرضهم، ليأخذوا من حسناتك التي هي رأس مالك، أو يلقوا عليك من سيئاتهم ليقتصوا منك! فينفطر قلبك وأنت ترى أجور أعمالك قد أصبحت من نصيب غيرك، فيا لها من حسرة وخسارة! لقوله صلى الله عليه وسلم: (‌مَن ‌كَانَت ‌لَهُ ‌مَظْلَمَةٌ ‌لأَخِيهِ ‌مِنْ ‌عِرْضِهِ ‌أَوْ ‌شَيءٍ، ‌فَلْيَتَحَلَّلْهُ ‌مِنْهُ ‌الْيَوْمَ، ‌قَبْلَ ‌أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ) [البخاري]، وأورد الإمام البيهقي عن الإمام الأوزاعي قوله: "بلغني أنه يقال للعبد يوم القيامة: قم فخذ حقك من فلان، فيقول: مالي قبله حق، فيقال: بلى ذكَرك يوم كذا وكذا بكذا وكذا". [شعب الإيمان].

ولا نجد ذما وتقريعا للغيبة تنفر منه الطباع السوية وتأباه النفوس الأبية، أشد مما ذكره الله تعالى في قوله: {وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ}، قال ابن كثير: "أي كما تكرهون هذا طبعا؛ فاكرهوا ذاك شرعا"، وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه "أنه مر على بغل ميت وهو في نفر من أصحابه فقال: والله لأن يأكل أحدكم من هذا حتى يملأ بطنه، خير له من أن يأكل لحم رجل مسلم" [الأدب المفرد].

▪️استثناءات وتنبيه!

وقد ذكر الفقهاء بعض "الاستثناءات" التي تباح فيها الغيبة ولخّصها النووي في ستة مواطن:
●"أَحَدُهَا: التَّظَلُّمُ؛ فَيَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَتَظَلَّمَ إِلَى السُّلْطَانِ وَالْقَاضِي.
●الثَّانِي: الِاسْتِغَاثَةُ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَرَدِّ الْعَاصِي إِلَى الصَّوَابِ.
●الثَّالِثُ: الِاسْتِفْتَاءُ بِأَنْ يَقُولَ لِلْمُفْتِي: ظَلَمَنِي فُلَانٌ أَوْ أَبِي أَوْ أَخِي أَوْ زَوْجِي بِكَذَا.
●الرَّابِعُ: تَحْذِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الشَّرِّ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: مِنْهَا جَرْحُ الْمَجْرُوحِينَ مِنَ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ وَالْمُصَنِّفِينَ وَذَلِكَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ بَلْ وَاجِبٌ صَوْنًا لِلشَّرِيعَةِ، وَمِنْهَا الْإِخْبَارُ بِعَيْبِهِ عِنْدَ الْمُشَاوَرَةِ فِي مُوَاصَلَته، وَمِنْهَا إِذَا رَأَيْتَ مُتَفَقِّهًا يَتَرَدَّدُ إِلَى فَاسِقٍ أَوْ مُبْتَدِعٍ يَأْخُذُ عَنْهُ عِلْمًا وَخِفْتَ عَلَيْهِ ضَرَرَهُ، فَعَلَيْكَ نَصِيحَتَهُ بِبَيَانِ حَالِهِ قَاصِدًا النَّصِيحَةَ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ لَا يَقُومُ بِهَا عَلَى وَجْهِهَا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ أَوْ لِفِسْقِهِ؛ فَيَذْكُرُهُ لِمَنْ لَهُ عَلَيْهِ وِلَايَةٌ، لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى حَالِهِ فَلَا يَغْتَرُّ بِهِ.
●الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ مُجَاهِرًا بِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ.
●السَّادِسُ: التَّعْرِيفُ فَإِذَا كَانَ مَعْرُوفًا بِلَقَبٍ جَازَ تَعْرِيفُهُ بِهِ، وَيَحْرُمُ ذِكْرُهُ بِهِ تَنَقُّصًا وَلَوْ أَمْكَنَ التَّعْرِيفُ بِغَيْرِهِ كَانَ أَوْلَى" أهـ.

لكن ننبه إخواننا في هذا الباب إلى أمر مهم، وهو أن هذه "الاستثناءات" منوطة بتحقق غرض شرعي ثابت، بضوابط حازمة، لأن الشيطان كثيرا ما يتسلل إلى النفس البشرية من هذه المواطن، فيُلبس الغيبة ثوب التظلم أو الشكوى أو النصح أو غيرها من المواطن الستة، فيتمادى المرء فيها حتى يتعدى الحد الجائز منها، وذلك بلا شك من خطوات الشيطان للوقيعة بين المسلمين، وكل أدرى بخبايا نفسه، والله أعلم بنوايا عباده وخفايا صدورهم.

فاتق الله أخي المسلم، وصن جوارحك عن أذى إخوانك، ولا تهدر حسناتك، وتب وتحلل من هذه المظالم اليوم قبل القصاص غدا في يوم عصيب {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}.

مقالات 543


الخميس 28 شوال 1447هـ
...المزيد

📜 【السنن في إهلاك الظالمين】 لله تعالى في الظالمين من خلقه شؤون وسنن لا تخطئهم ولن تفلتهم، ماضية ...

📜 【السنن في إهلاك الظالمين】

لله تعالى في الظالمين من خلقه شؤون وسنن لا تخطئهم ولن تفلتهم، ماضية فيهم لا تتبدل ولا تتحول عنهم، لم تسلم منها أسلافهم الغابرة ولن تنجو منها أخلافهم الحاضرة.

والمتأمل في دورة حياة الظالمين من الأمم والأقوام الكافرة، يجدها تسير في مسارات متكررة وتمر بمحطات متشابهة؛ بين كفر وإعراض عن الهدى واستكبار عن الحق وطغيان وبغي وإفساد وعلو، يقابله إمهال وإملاء واستدراج ومكر من الله بهم، حتى إذا أخذهم سبحانه لم يفلتهم.

إنها سنن الله تعالى في الظالمين، تعرف طريقها جيدا إليهم، ولا تملك أي قوة في الأرض أن تصدها عنهم، ومِن أظهرِ هذه السنن إهلاكهم ببعض لقوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، قال ابن كثير: "نهلك بعضهم ببعض، وننتقم من بعضهم ببعض"، وقال القرطبي: "هذا تهديد للظالم إن لم يمتنع من ظلمه، سلط الله عليه ظالما آخر"، وقال الإمام مالك: "ينتقم الله من ظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما".

ومثل ذلك ما نشهده اليوم من تسليط الصليبيين واليهود الملاعين على الرافضة المرتدين، وعقاب بعضهم ببعض بعد أن مكثوا عقودا يحاربوننا مجتمعين، ويندرج تحت هذا الباب كل الحروب والمعارك التي تندلع بين معسكرات الكفر.

ومن سنن الله تعالى في الظالمين استدراجهم قبل إهلاكهم، فالله تعالى يمهل الظالمين لا يهملهم، ليرتدع العاقل فيتوب، ويتمادى المستكبر فينقطع عذره ويتعاظم جرمه ويحقّ عليه العذاب، فيكون عذابه على قدر جرمه، ولا يظلم ربك أحدا، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته)، ثم قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [متفق عليه].

ومن صور استدراج الكافرين الإملاء بالنعم عقوبة لهم لقوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ}، قال البغوي: "هذا فتح استدراج ومكر"، وقال ابن كثير: "هذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم، عياذا بالله من مكره"، وقال الحسن: "مكر بالقوم ورب الكعبة؛ أُعطوا حاجتهم ثم أُخذوا"، وقال قتادة: "وما أخذ الله قوما قط إلا عند سكرتهم وغرتهم ونعيمهم".

وفي هذا رد على ضعاف الإيمان ممن يستبطئون هلاك الظالمين ويشكل عليهم كيف أنهم يتمادون في الكفر والغي ومع ذلك تُفتح عليهم الدنيا، فيقال لهذا كما قال البغوي وغيره: إنما هو فتح مكر واستدراج من الله، ومن مكر الله به أهلكه ولو بعد حين.

ومن سنن الله في إهلاك الظالمين أن يجمع عليهم العقوبة في الدنيا والآخرة، لقوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَىٰ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ} والعذاب الأدنى هو ما كان في الدنيا، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما من ذنب أحرى أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدخر له في الآخرة؛ من قطيعة الرحم والبغي) [الأدب المفرد]، وهذا مشاهد في كثير من نهايات الظالمين أفرادا وجماعات كما حلّّ بفرعون وقارون وشارون وصدام والقذافي وغيرهم من الطواغيت قديما وحديثا، وما ينتظرهم وأمثالهم من عذاب الآخرة أشد وأبقى.

ومن سنن الله تعالى في إهلاك الظالمين أنه سبحانه يجعلهم عبرة وآية لمن خلفهم كما قال تعالى: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ ۖ أَفَلَا يَسْمَعُونَ}.

ومن سنن الله تعالى في الظالمين أنه تعالى يضرب عليهم الفشل والحسرة مهما طغوا وبغوا وعلوا في الأرض واستولوا على أدوات البطش والقوة، لقوله تعالى في أكثر من موضع من كتابه العزيز: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}، وقوله سبحانه: {فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} فالفشل عاقبة أمرهم، والعاقبة للمتقين وحدهم.

ومن سنن الله تعالى في إهلاك الظالمين أن موعد هلاكهم لن يتخلف كما قال تعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا}، فموعد هلاكهم مقدّر في علم الله تعالى بأجل مسمى عنده، وإذا جاء لا يُرد ولا يتأخر.




ومن سنن الله في الظالمين أنه يهلكهم تارة بعذاب من عنده، وتارة بأيدي المؤمنين، وتارة باجتماع الأمرين، كما قال تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ}، قال ابن كثير: "أي ننتظر بكم هذا أو هذا، إما أن يصيبكم الله بقارعة من عنده أو بأيدينا بسبي أو قتل"، ونحو ذلك قوله تعالى: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ}.

ومن سنن الله في إهلاك الظالمين أن يستخلف المؤمنين بعدهم ويمكن في الأرض لهم، لقوله تعالى: {فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}، قال البغوي: "أي من بعد هلاكهم". فليوقن المؤمنون أن التمكين للإسلام قادم، وأن إهلاك الظالمين ببعضهم من مقدماته.

ومع أنّ سنن الله في إهلاك الظالمين والتمكين للمسلمين ماضية قادمة، إلا أنها ليست مدعاة للجمود والقعود عن بذل أسباب هذا التغيير، بل الواجب أن يبذل المسلم غاية جهده ليوافق مساره مسار هذه السنن الإلهية، ومدار هذا الجهد يقوم على تحقيق التوحيد، وما يتضمنه من الولاء والبراء والتحاكم إلى الله وحده والكفر بالطواغيت والأنداد ونبذهم ومحاربة مشاريعهم وراياتهم، ولا شك أن ذلك لن يتحقق بغير قوة الجهاد في سبيل الله تعالى، وبالتوحيد والجهاد معا، يسير المؤمن موافقا للسنن الإلهية نحو التمكين للإسلام في الأرض، وبغيرهما أو بدون أحدهما فالباب موصد.


543

الخميس 28 شوال 1447هـ
...المزيد

📜 الصبر نصف الإيمان عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم -رحمه الله- الإيمان نصفان: نصف ...

📜 الصبر نصف الإيمان

عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم -رحمه الله-

الإيمان نصفان: نصف صبرٍ، ونصف شكرٍ، قال غير واحد من السلف: "الصبر نصف الإيمان" وقال عبد الله بن مسعود: "الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شكر"، ولهذا جمع الله سبحانه بين الصبر والشكر في قوله: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}، في سورة إبراهيم، وفي سورة حم عسق، وفي سورة سبأ، وفي سورة لقمان.

▪️وقد ذُكر لهذا التنصيف اعتبارات:

●- أحدها: أن الإيمان اسم لمجموع القول والعمل والنية، وهي ترجع إلى شطرين: فعل وترك، فالفعل هو العمل بطاعة الله عز وجل وهو حقيقة الشكر، والترك هو الصبر عن المعصية، والدين كله في هذين الشيئين: فعل المأمور، وترك المحظور.

●- الاعتبار الثاني: أن الإيمان مبني على ركنين: يقين، وصبر. وهما الركنان المذكوران في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}، فباليقين يَعلم حقيقةَ الأمر والنهي، والثواب والعقاب؛ وبالصبر ينفِّذ ما أُمر به ويكفُّ نفسه عما نُهي عنه، ولا يحصل له التصديق بالأمر والنهي أنه من عند الله وبالثواب والعقاب إلا باليقين؛ ولا يمكنه الدوام على فعل المأمور وكف النفس عن فعل المحظور إلا بالصبر، فصار الصبر نصف الإيمان، والنصف الثاني الشكر، بفعل ما أمر به، وترك ما نهي عنه.

●- الاعتبار الثالث: أن الإيمان قول وعمل، والقول قول القلب واللسان، والعمل عمل القلب والجوارح.

وبيان ذلك: أن من عرف بقلبه، ولم يقر بلسانه لم يكن مؤمنًا، كما قال تعالى عن قوم فرعون: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}، وكما قال عن قوم عاد وقوم صالح: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ}، وقال موسى لفرعون: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ}؛ فهؤلاء حصل لهم قول القلب وهو: المعرفة والعلم، ولم يكونوا بذلك مؤمنين.

وكذلك من قال بلسانه وليس في قلبه، لم يكن بذلك مؤمنًا، بل كان من المنافقين.
وكذلك لو عرف بقلبه وأقر بلسانه لم يكن بمجرد ذلك مؤمنًا، حتى يأتي بعمل القلب من الحب والبغض، والموالاة والمعاداة، فيحب الله ورسوله، ويوالي أولياء الله ويعادي أعداءه، ويستسلم بقلبه لله وحده، وينقاد لمتابعة رسوله وطاعته، والتزام شريعته ظاهرًا وباطنًا.

وإذا فعل ذلك لم يكفِ في كمال إيمانه حتى يفعل ما أمر به.
فهذه الأركان الأربعة هي أركان الإيمان التي قام عليها بناؤه وهي ترجع إلى علم وعمل، ويدخل في العمل كف النفس الذي هو متعلق النهي، وكلاهما لا يحصل إلا بالصبر، فصار الإيمان نصفين: أحدهما الصبر، والثاني ما تولد عنه من العلم والعمل.

●- الاعتبار الرابع: أن النفس لها قوَّتان: قوة الإقدام، وقوة الإحجام، وهي دائمًا تتردد بين أحكام هاتين القوّتين، فتُقْدِم على ما تحبه، وتحجم عما تكرهه، والدين كله إقدام وإحجام، إقدام على طاعة الله عز وجل، وإحجام عن معاصي الله، وكل منهما لا يمكن حصوله إلا بالصبر.

●- الاعتبار الخامس: أن الدين كله رغبة ورهبة، فالمؤمن هو الراغب الراهب، قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا}، وفي الدعاء عند النوم الذي رواه البخاري في صحيحه: (اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجَّهت وجهي إليك، وفوَّضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك) فلا تجد المؤمن أبدًا إلا راغبًا راهبًا، والرغبة والرهبة لا تقوم إلا على ساق الصبر، فرهبته تحمله على الصبر، ورغبته تقوده إلى الشكر.

●- الاعتبار السادس: أن جميع ما يباشره العبد في هذه الدار لا يخرج عما ينفعه في الدنيا والآخرة، أو يضره في الدنيا والآخرة، أو ينفعه في إحدى الدارين ويضره في الأخرى، وأشرف الأقسام أن يفعل ما ينفعه في الآخرة ويترك ما يضره فيها، وهو حقيقة الإيمان، ففعل ما ينفعه هو الشكر، وترك ما يضره هو الصبر.

●- الاعتبار السابع: أن العبد لا ينفك من أمرٍ يفعله، ونهي يجتنبه، وقدرٍ يجري عليه؛ وفرضه في الثلاثة الصبر والشكر، ففِعل المأمور هو الشكر، وترك المحظور والصبر على المقدور هو الصبر.

●- الاعتبار الثامن: أن العبد فيه داعيان: داع يدعوه إلى الدنيا وشهواتها ولذاتها، وداعٍ يدعوه إلى الله والدار الآخرة وما أعد فيها لأوليائه من النعيم المقيم، فعصيان داعي الشهوة والهوى هو الصبر، وإجابة داعي الله والدار الآخرة هو الشكر.

يتبع...

2/2

●- الاعتبار التاسع: أن الدين مداره على أصلين: العزمُ والثبات، وهما الأصلان المذكوران في الحديث الذي رواه أحمد والنسائي عن النبي صلي الله عليه وسلم: (اللهم إني أسألُك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد).

وأصل الشكر صحة العزيمة، وأصل الصبر قوة الثبات، فمتى أُيّد العبد بعزيمة وثبات، فقد أُيد بالمعونة والتوفيق.

●- الاعتبار العاشر: أن الدين مبني على أصلين: الحق والصبر، وهما المذكوران في قوله تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}، ولمّا كان المطلوب من العبد هو العمل بالحق في نفسه وتنفيذه في الناس، وكان هذا هو حقيقة الشكر، لم يمكنه ذلك إلا بالصبر عليه، فكان الصبر نصف الإيمان، والله أعلم.


الخميس 21 شوال 1447هـ

542
...المزيد

📜 【القابضون على الجمر】 لا سبيل إلى النجاة والثبات على هذا الدين وسط هذه الفتن والاضطرابات ...

📜 【القابضون على الجمر】

لا سبيل إلى النجاة والثبات على هذا الدين وسط هذه الفتن والاضطرابات الشديدة، بغير التمسك بمنهاج النبوة والعضّ عليه بالنواجذ، والقبض على جمره، والصبر على مكارهه حتى يستعذبها السالك في مدارجه نحو الدار الآخرة التي هي الغاية والمنتهى.

وقد رسم النبي -صلّى الله عليه وسلّم- للمسلمين خريطة الطريق التي توصلهم إلى هذه الغاية، بل حدّد لهم بدقة متناهية معالم النجاة عليها، ممثلة بـ "التقوى، والاجتماع، والاتّباع". كان ذلك يوم أخبر النبي -صلّى الله عليه وسلّم- أمّته بوقوع الاختلاف الكثير من بعده، ودلهم على المسلك الصحيح الذي يجب عليهم سلوكه وسط هذا الاختلاف، روى العرباض بن سارية قال: وَعَظنا رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَوعظةً وَجِلتْ منها القلوبُ، وذَرَفتْ منها العُيون، فَقُلنَا: يا رَسولَ اللهِ كأنَّها مَوْعظةُ مُودِّعٍ فأوْصِنا، وفي رواية: "فماذا تعهد إلينا؟". قَالَ: (أوصيكم بتقوى اللهِ والسمعِ والطاعةِ وإنْ عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنةِ الخلفاءِ المهديّين الراشدين تمسّكوا بها، وعَضّوا عليها بالنواجذِ..) [رواه الترمذي] وقال: "حسَنٌ صَحِيح".

لقد بلغت هذه الموعظة النبوية مبلغا عظيما، حتى أدرك الصحابة خطورة الموقف وعِظم المقام فقالوا: "كأنها موعظة مودّع، فأوصِنا"، بينما تمر اليوم هذه الوصية المنهجية المصيرية على أكثر الناس كأن لم تك من قبل شيئا.

إن الاختلاف قدَرٌ حتميٌّ لله حكمته في تقديره علينا، وأشدّه الاختلاف بين الفرقة الناجية والفرق الجهنمية المنتسبة للإسلام، ولقد طال هذا الاختلاف كل شيء حولنا؛ اختلاف في العقائد والأحكام والسلوك والمعاملات، اختلاف في الوسائل والغايات، اختلاف في الفروع والأصول، اختلاف في كل شيء.

ويشتد ويتعاظم هذا الاختلاف تصاعديا في آخر الزمان كلما ابتعدنا عن صدر الإسلام الأول، وضبطه والنجاة منه لن تكون إلا بالعودة المنهجية إلى ذلك العهد الأول الأمثل، إنها معادلة واضحة، فإذا علِم المسلم ذلك فعليه أن يتبع "العهد" الذي عهد به إلينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في وصيته: (فعليكم بسنتي)، فما المقصود بهذه السنة؟ وماذا نفعل بها؟ هل نحفظ متونها ونزيّن بها مكاتبنا ونحصد من ورائها ألقابنا وشهاداتنا؟! كلا ليس هذا الاتّباع الذي يُفضي إلى الثبات والنجاة، بل المطلوب أن نلزم غرزها ونسير مسيرها ونطبّقها في واقعنا، ونتمسك بها حدّ العضّ بالنواجذ والقبض على الجمر! بكل ما تحمله هذه التوصيفات النبوية الدقيقة من معنى.

والمقصود بالسنة هنا أي: طريقته الفضلى -صلى الله عليه وسلم- وسيرته المثلى ومنهاجه القويم في التوحيد والجهاد والأخلاق وغيره، وما تفرّع عنها من سُنة الخلفاء الراشدين في حكمهم وجهادهم وسياستهم، وليس المقصود بالسنة هنا مجرد السنن القولية أو الفعلية أو الهيئة الظاهرة ونحوها، كما يحاول البعض أن يقصر الاتّباع عليها، ويُغفل جناب العقيدة التي هي أصلها، ومدار الثبات والنجاة عليها، وهي منهاج أهل السنة الذين تسمّوا وسموا بها وانتسبوا إليها.

أيها المسلم، إنك لن تبلغ مجد الثبات وحصن الاستقامة حتى تتجرع غصص الصبر وتتوسد أشواك الغربة وتقبض على جمر المخاطر في طريقك إلى مولاك، والذين يتوهمون أن يعيشوا وينصروا الإسلام بغير كدر ولا كبد ولا محن ولا جمر؛ إنما يسلكون طريقا غير طريق محمد -صلى الله عليه وسلم- وسنة غير سنته، إن هؤلاء يطلبون نجاة في غير موطنها، ويطرقون ثباتا بغير مفتاحه.

واعلم أن العبد إذا تراخى وفكّ قبضته عن جمرة التوحيد وشوكة العقيدة؛ تفلّتت من بين يديه بقدر هذا التراخي، وإذا اعتاد العبد التهاون في هذا المقام، تفلّتت عقيدته واستعصت عليه، ولذلك جاء نهيه سبحانه: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} مباشرةً بعد أمره تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}، لأن التفريط في العقيدة -مهما قل- تفريط في الاستقامة، فانتبه!، وخير للعبد أن تُفكّ رقبته ولا يفكّ قبضته عن جمرة التوحيد، فصبره ومعاناته -بل وهلاكه- في هذا المقام، هو عين نجاته وسعادته في الدار الآخرة.

ثم كن على يقين بأن هذا الألم الذي يصيبك جراء تمسكك بمنهاج النبوة وقبضك على جمر الإيمان، إنما هو مما تطيقه نفسك، فالعدل -سبحانه- لم يُحمّلك فوق طاقتك مثقال ذرة وهو القائل: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}، بل من تمام عدله ورحمته أنه يعينك على ما تحتمله في سبيله، مما هو في طاقتك أصلا، وييسر لك أسباب الثبات عليه، وكل الذين ثبتوا قبلك وعضوا بالنواجذ على منهاج النبوة وقبضوا بأيديهم على جمر العقيدة؛ كل هؤلاء أعانهم مولاهم فاستقاموا، وأنت لست استثناء ولا بدعا من السائرين على هذا الدرب، ولن تبلغ مراقيهم بغير السير على خطاهم.

يتبع ...

2/2

ولقد اقتضت حكمة الله البالغة أن يكون سبيل الحق ملازما للمكاره والصعاب، وأن تكون سبل الباطل ملازمة للشهوات، للحديث المتفق على صحته، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وحُجِبَتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ)، وفي رواية: (حُفت) أي أحيطت، وكأنّ المكاره حجاب الجنة وسورها، من اجتازه يوشك أن يصيبها، بينما الشهوات سور النار وحجابها من هتكه سقط فيها، وإنها جنة الخلد التي غرسها الله بيديه، ولو حفها بالشهوات لامتلأت من عبيد الدنيا وهيهات، بل حفّها بالمكاره والصعاب ليخلُص إليها برحمته من هو أهل لها، فإنّ الله طيب لا يقبل إلا طيبا.

وذروة المكاره والصعاب هو الجهاد في سبيل الله لقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} أي: شديد وشاق عليكم لما فيه من ضروب المصاعب وأصناف المخاوف والمتاعب، ولذا كان الشهداء مع النبيين والصديقين في نيل الدرجات العلى من الجنة، لأنهم عانوا وكابدوا من المكاره أبلغها، ومن الصعاب أثقلها، وقبضوا على جمار الدين أحرّها، وتكسرت نواجذهم عضًّا عليها.

وإنما يستعين المؤمن على هذه الصعاب والمكاره بالصبر والصلاة فبينهما سر بديع لا يُعرف حتى يُجرب، ومن ذاق عرف، ومن عرف اغترف، فامتثِلوا هذا التوجيه الإلهي من اللطيف الخبير بعباده {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ}، وبقدر إتقان العبد صلاته وحضور قلبه، بقدر ثباته وحضور صبره وقت حاجته إليه، فصلاة المؤمن مرآته، فتفقدوا قلوبكم فإنما يتنزل الصبر والثبات على قلوب الخاشعين لا الغافلين.

وبيت القصيد أن السير إلى الله تعالى محفوف بالمكاره مقرون بالصعاب محكوم بالمجاهدة والمكابدة، فالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصدع بالحق والولاء والبراء.. كلها مما لا سبيل للعبد إليها بغير إكراه نفسه وأطرها وزمّها وسوقها إلى ما فيه نجاتها، حتى تتحول هذه المكاره إلى محابّ يجد فيها العبد راحته وسعادته وتلك درجة عالية تتقاصر دونها همم وتبلغها أخرى "وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقا، وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم".


الخميس 21 شوال 1447هـ

542
...المزيد

📜الإيمان والجهاد -لابن رجب الحنبلي- "جمع الله بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ...

📜الإيمان والجهاد -لابن رجب الحنبلي-

"جمع الله بين هذين الأصلين في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ} الآية، وفي قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}.

وقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من غير وجه أن أفضل الأعمال الإيمان بالله والجهاد في سبيله؛ فالإيمان المجرد تدخل فيه أعمال الجوارح عند السلف وأهل الحديث، والإيمان المقرون بالعمل يراد به التصديق مع القول، وخصوصا إن قرن الإيمان بالله بالإيمان برسوله.

فالإيمان القائم بالقلوب أصل كل خير، وهو خير ما أوتيه العبد في الدنيا والآخرة، وبه يحصل له سعادة الدنيا والآخرة، والنجاة من شقاوة الدنيا والآخرة، ومتى رسخ الإيمان في القلب انبعثت الجوارح كلها بالأعمال الصالحة، واللسان بالكلم الطيب، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) [متفق عليه].

ولا صلاح للقلب بدون الإيمان بالله، وما يدخل في مسماه من معرفة الله وتوحيده وخشيته ومحبته ورجائه والإنابة إليه والتوكل عليه.

قال الحسن البصري: "ليس الإيمان بالتمني، ولا بالتحلي، ولكنه بما وقر في الصدور، وصدقته الأعمال"، ويشهد لذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا}.

فإذا ذاق العبد حلاوة الإيمان، ووجد طعمه وحلاوته، ظهر ثمرة ذلك على لسانه وجوارحه، فاستحلى اللسان ذكر الله وما والاه، وأسرعت الجوارح إلى طاعة الله، فحينئذ يدخل حب الإيمان في القلب، كما يدخل حب الماء البارد الشديد برده في اليوم الشديد حره للظمآن الشديد عطشه، ويصير الخروج من الإيمان أكره إلى القلوب من الإلقاء في النار، وأمر عليها من الصبر.

ذكر ابن المبارك عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- أنه دخل المدينة، فقال لهم: "ما لي لا أرى عليكم يا أهل المدينة حلاوة الإيمان؟ والذي نفسي بيده، لو أن دُب الغابة وجد طعم الإيمان، لرُئي عليه حلاوة الإيمان!".

▪️الجهاد أفضل الأعمال

فالإيمان بالله ورسوله وظيفة القلب واللسان، ثم يتبعهما عمل الجوارح، وأفضلها الجهاد في سبيل الله، وهو نوعان:

●- أفضلهما: جهاد المؤمن لعدوه الكافر، وقتاله في سبيل الله؛ فإن فيه دعوة له إلى الإيمان بالله ورسوله، ليدخل في الإيمان، قال الله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}، قال أبو هريرة -رضي الله عنه- في هذه الآية: "يجيئون بهم في السلاسل حتى يدخلوهم الجنة"، وفي الحديث المرفوع: (عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل) [البخاري].

فالجهاد في سبيل الله دعاء الخلق إلى الإيمان بالله ورسوله بالسيف واللسان، بعد دعائهم إليه بالحجة والبرهان، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- في أول الأمر لا يقاتل قوما حتى يدعوهم، فالجهاد به تعلو كلمة الإيمان، وتتسع رقعة الإسلام، ويكثر الداخلون فيه، وهو وظيفة الرسل وأتباعهم، وبه تصير كلمة الله هي العليا، والمقصود منه أن يكون الدين كله لله، والطاعة له، كما قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}، والمجاهد في سبيل الله هو المقاتل لتكون كلمة الله هي العليا خاصة.

●- والنوع الثاني من الجهاد: جهاد النفس في طاعة الله، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (المجاهد من جاهد نفسه في الله)، وقال بعض الصحابة لمن سأله عن الغزو: "ابدأ بنفسك فاغزها، وابدأ بنفسك فجاهدها".

وأعظم مجاهدة النفس على طاعة الله عمارة بيوته بالذكر والطاعة، قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ}، وقال الله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ} الآية.

يتبع ...

2/2

●- والنوع الأول من الجهاد أفضل من هذا الثاني، قال الله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ}.

وفي [صحيح مسلم] عن النعمان بن بشير -رضي الله عنه-، قال: "كنت عند منبر النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج، وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام، إلا أن أعمر المسجد الحرام، وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، فزجرهم عمر، وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله عز وجل: {جَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} إلى آخر الآية".

فهذا الحديث الذي فيه ذكر سبب نزول هذه الآية يبين أن المراد أفضل ما يتقرب به إلى الله عز وجل من أعمال النوافل والتطوع، وأن الآية تدل على أن أفضل ذلك الجهاد مع الإيمان، فدل على أن التطوع بالجهاد أفضل من التطوع بعمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج، وعلى مثل هذا يحمل حديث أبي هريرة رضي الله عنه". انتهى من [لطائف المعارف].

●- تعقيب: وكلام الإمام ابن رجب السابق محمول على جهاد التطوع لا الفريضة، فكيف بالجهاد المتعين المفروض علينا اليوم في هذا العصر الذي تسلط فيه الكافرون على ديار المسلمين؟

الخميس 14 شوال 1447هـ

541
...المزيد

📜【أقصانا وأسرانا】 للوهلة الأولى سيبدو لك من خلال العنوان أننا نتحدث عن قضية الأسرى الفلسطينيين ...

📜【أقصانا وأسرانا】

للوهلة الأولى سيبدو لك من خلال العنوان أننا نتحدث عن قضية الأسرى الفلسطينيين الذين أقرّ البرلمان اليهودي "قانون إعدامهم" حديثا بعد 78 عاما على غزو فلسطين الأسيرة، ولكننا نتحدث عن غيرهم ممن يُعدمون في سجون العراق ليل نهار دون ضجة ولا إنكار!

كل هذه السنوات واليهود لا يعدمون الأسرى داخل سجونهم؟! بينما في العراق يُعدم الأسرى داخل سجون "المقاومة الرافضية" كشربة ماء بدون إقرار ولا قرار!، وهذا مستمر منذ اليوم الأول لسيطرة الرافضة على الحكم في العراق بمساعدة "القوات الصديقة!".

بل هناك ما هو أعجب، في العراق يُتهم الأسير المسلم ويُدان ويُعدم في نفس يوم صدور لائحة الاتهام! فلا تدري أيهما يسبق الثاني، لائحة الاتهام أم قرار الإعدام؟! مهلا، فأنت لم ترى العجب بعد، في العراق يُعدم الأسير المسلم بنيران "المقاومة الرافضية" حتى بعد صدور قرار الإفراج عنه! لأن الإفراج والإعدام في السجون الرافضية لا يختلفان.

في العراق تُعدم أمهاتنا وأخواتنا الأسيرات المسلمات المؤمنات القانتات العابدات الصابرات، يُعدمن صبرا مثل الرجال! ولا تطالب مؤسسات "حقوق المرأة" بشيء تجاههن، ولا تُنظم الاعتصامات المسيَّسة لأجلهن، لأنهن مسلمات على منهاج النبوة ولسن على منهاج فلان وعلان.

في العراق نسبة الاكتظاظ في السجون الرافضية أزيد من "مئتين في المائة!" إلى درجة وجود نسب وفيات دورية داخل السجون، بسبب الاكتظاظ والأوبئة خصوصا في صيف العراق وما أدراك ما صيف العراق؟
بل لا يوجد عدد محدد لأسرى المسلمين في سجون العراق، لأن الأسر عملية مستمرة على مدار الأسبوع منذ سنين طويلة، وكثير منها عمليات سرية خارج أي كشوفات رسمية، أو كما تسمى عمليات "إخفاء قسري" في توصيفات "المؤسسات الحقوقية" الكفرية التي تصاب بالصم والعمى عندما يتعلق الأمر بأسرى العراق، وأكثرها يأخذ دور الجلاد فتبرر وتشرعن ذلك بذريعة "الإرهاب".

في العراق سجون سرية وتحت أرضية تديرها فصائل "المقاومة الإسلامية العراقية" التي لا تحظى بهذا الوصف والإطراء إلا في بيانات "الجمهورية الإيرانية" وأذرعها الفلسطينية الفرط انحرافية.

في العراق، الإعدام داخل سجون "المحور الرافضي" مثل الإعدام في سائر سجون العصابات، لا يحتاج سوى طلقة أو حبل متصلب -يموت ألف مرة- قبل أن يشده جلاوزة "المقاومة" على رقابٍ ما خضعت لغير خالقها، وما استعانت ولا استغاثت بغير باريها، تُزهق أرواحُها وتوحيدها باق فيها.

رويدك، فلم يأتك الأعجب بعد، فصبر أبطال العراق داخل الأسر لا يقل عن صبرهم خارجه، إن في بعض قواطع العراق منذ أكثر من عامين لم يأكل المجاهدون المرابطون سوى "الحنطة بغير ملح!" ومع ذلك لم يتركوا ثغورهم وما نقضوا مع الله عهدهم، وهم يحتسبون كل هذا الابتلاء في سبيل ربهم، ونصرة لأمة خذلتهم وما زالوا يفدونها ويقودنها إلى صلاح دينها ودنياها، فواغربتاه يا عراق واغربتاه!

في العراق مئة ألف بطولة وبطولة إيمانية حقيقية لا تقضي وطر أهل النفاق وشُهّاد الزور، ولا تستهوي وسائل إعلامهم ولا عدساتهم العوراء وقنواتهم العمياء.

أوه يا أهل العراق من يُطيق ما تطيقون! أوه يا أهل العراق كم خذلكم المتخاذلون أضعاف ما خذلوا الأقصى الحزين، ولكن ثبت وتقرر أنّ من خان بغداد الرشيد لن يعيد مجد حطين، ومن باع دمشق لن يشتري فلسطين.

ومن المفارقات العجيبة في السِفْر الرافضي، تزامن القرار اليهودي بإعدام الأسرى الفلسطينيين في السجون اليهودية، مع تصاعد موجة الإعدام لأسرى المسلمين في السجون الرافضية! وكأن اليهود والرافضة مهما اختلفوا بينهم، فهم متفقون على حرب المسلمين!

ومن خذلان الله لمحور الرافضة، أن إغلاق الأقصى لأكثر من شهر؛ سابقة لم تقع منذ "النكسة" إلا في عهد "الوعد الصادق!"، كما أن إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين لم يُعتمد من قبل إلا في هذا العهد المشؤوم الذي جرّ شؤما على أوليائه خلاف ما كانوا يؤملون.

وأمام مأساة إغلاق المسجد الأقصى المبارك، فالواجب على المسلمين في كل مكان الذين يتحرقون شوقا لنصرة مسرى نبيهم؛ أن يهبوا ويحرقوا الكنس اليهودية المنتشرة في أمريكا وأوروبا وروسيا والهند وغيرها، ومثلها الكنس اليهودية في تونس والمغرب والإمارات وسوريا، ومواقعها معروفة وتفاصيلها منشورة، بل دونهم تجمعات وأحياء اليهود في كل مكان، وليتأسوا صنيع "بطلي سيدني" في "عيد الحانوكاه" وليجددوا مآتم اليهود في "عيد الفصح" فهكذا يكون الطريق إلى القدس كما عرفناه من كتاب ربنا وسنة نبينا وليس من أي "مرجعية" أخرى.



ومن لطائف تاريخ بيت المقدس، أن تحريره الأول كان في عهد الفاروق عمر الذي كان مجرد التسمية باسمه تهمة تستدعي الخطف والقتل والحرق على أيدي مجرمي "المقاومة الرافضية" في شوارع العراق!! بينما كان التحرير الثاني في عهد صلاح الدين الذي مهّد له بإسقاط الدولة العبيدية الرافضية وتأمين الدولة الإسلامية من غدرهم، إنها فرائد وفوائد تاريخية منهجية تؤكد أن قتال الرافضة خطوة على طريق تحرير القدس وعلى أجيال المسلمين أن يدركوا ذلك قبل أن يعضوا أصابع الندم.

في ديننا الإسلامي، يكمن الرابط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى في عقيدة التوحيد، فالإسلام هو الذي منح القدسية للمسجدين، ولذا فالأقصى كالمسجد الحرام {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ}، أي المؤمنون الموحدون السائرون على منهاج النبوة لا منهاج إيران ومحورها الملعون، فهم من أشد أعدائنا كما اليهود الكافرون، لقوله تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا}، وإنْ لم يكن الرافضة من الذين أشركوا، فمَن؟!

وإن من الإعجاز النبوي الغيبي في شأن بيت المقدس، أن المعركة الفاصلة مع اليهود ستكون مطهرة من كل هذه المحاور والحركات الجاهلية، بدليل: (فيقولُ الحجرُ أو الشجرُ: يا مسلمُ يا عبدَ اللهِ هذا يهوديٌّ خلفي، فتعالَ فاقْتلْه) والرافضة الذين ينادون ويستغيثون بغير الله هم خارج دائرة هذا النداء قطعا، فهنيئا لكم يا أهل السنة هذه البشارة النبوية، تمسكوا بها واحرصوا أن تكونوا من رجالها.

أما المجاهدون وأسراهم في العراق، فهم لا ينتظرون من أحد مظاهرة صاخبة ولا وقفة احتجاجية، هم يريدون منكم فقط أن لا تقفوا في طريقهم غدا، ولا تقفوا في صف عدوهم عندما تصل سنابك خيلهم بيت المقدس، كما فعل الذين قبلكم وتحالفوا مع الصليبيين في بغداد ودمشق لحربهم! والتاريخ لا يرحم والملائكة الكرام يسجلون.

الخميس 14 شوال 1447ه

541
...المزيد

📜 【الوحي لا التخرُّصات】 ليس مطلوبا من كل مسلم أن يصبح محللا عسكريا وباحثا سياسيا يقضي أوقاته ...

📜 【الوحي لا التخرُّصات】

ليس مطلوبا من كل مسلم أن يصبح محللا عسكريا وباحثا سياسيا يقضي أوقاته أمام شاشات الرائي وفي متابعة القنوات الإخبارية، ليصل إلى الحق الذي يبني عليه موقفه الشرعي تجاه الأحداث والصراعات الجاهلية المتلاحقة.

ولا ينبغي بحال، أن يُوقف المسلم صحة موقفه الشرعي على صحة التحليلات لمجريات الأحداث، فقد يخطئ المحلل ويخفق السياسي، لكن المسلم لا يخطئ في انتمائه وولائه وبرائه، لأنه خارج كل دوائر التحليلات والتخرّصات والتكهنات والمتغيرات السياسية والعسكرية، إنها قواعد ومسلَّمات لا تتبدل ولا تتغير وعليها مدار العقاب والثواب.

فالشرك هو الشرك ذاته في كل العصور، والردة هي الردة، والباطل هو الباطل، والبراء من الكافرين وموالاة المسلمين هو ذاته الولاء والبراء الذي نزل به الوحي الأمين، ولا يقترن أو يرتهن لصحة تحليل المشهد السياسي أو العسكري من عدمه. وفي ظل تعقيد المشهد وتشابك خطوطه وكثرة متغيراته، ليس من الفقه رهن عقائد المسلمين لهذه المتغيرات أيّا كانت، فالعقيدة أصل والبقية تبع وفرع وليس العكس.

ومع تسليمنا بأهمية الفطنة واليقظة لسياسات الكافرين والتنبه لمخططاتهم، لكن الإغراق في التحليل ليس بوسع كافة العباد ولا طاقتهم، ولا هم مكلفين بذلك شرعا، ولا يُعقل أنّ المسلم إنْ تعذر عليه معرفة أو تقدير نتيجة معركة أو نهاية صراع ما؛ أن لا يحسن اختيار موضع أقدامه أين يقف، وأي راية يرفع، فمجريات الأحداث العسكرية والسياسية ونتيجتها أيا كانت؛ ليست شرطا لصحة الموقف الشرعي المتمثل بالكفر بكل فرق الباطل، ومفارقة كل معسكراته الناطقة بالعربية أو العبرية أو الإنجليزية أو الفارسية، لماذا؟

لأن الموقف الشرعي الصحيح خصوصا في العقائد والولاءات، مصدره الوحي لا نشرات الأخبار، مصدره الكتاب والسنة وليس قنوات المحللين والمخرصين، خصوصا إذا ما علمنا أن التحليل السياسي يفقد جدواه مع مرور الأيام بسبب افتقاده للمقدمات والمعطيات المنطقية التي في ضوءها يتم تقدير النتائج والنهايات، وهذا واضح على الأقل في الخمس سنوات الأخيرة التي اضطرب فيها "كبار المحللين" وأعلنوا استسلامهم، بينما استمر الهواة والعابثون أتباع المحاور الجاهلية في المقامرة بأفهام الناس وسوقهم إلى بحار التيه والأوهام.

ولذلك على دعاة التوحيد الاجتهاد في تبصير الناس بحقيقة المعسكرات والفرق الجاهلية المتناحرة لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، والصورة المرسومة في أذهان كثير من الناس عن هذه الفرق والأحزاب ليست الصورة التي رسمتها نصوص الوحي، والسبب أن الناس درجوا على تلقي دينهم من أخبار القُصّاص لا أخبار الكِتاب، وهذا قديم لكنه استفحل في عصر منصات الرويبضة والغثاء.

والمسلم في هذا العصر المضطرب أحوج ما يكون إلى العودة إلى المعين الصافي واتّباع المرشد الأول الذي دلّه الله عليه، وبيّن له أنه نبراس هدايته وسبيل نجاته، إنه منهاج النبوة الذي نزل به الوحي ثم انقضى نزوله بانقضاء عصر النبوة، لكنه أورثنا ميراثها ومنهاجها تاما صافيا نقيا لا يزيغ عنه إلا هالك ولا يتنكبه إلا ضال.

ومما يجدر بنا تذكير المسلمين به، أن لا يشغلوا أنفسهم في إنزال أحاديث الفتن والملاحم على ما يجري اليوم، وإنما ينشغلوا بالاستعداد لهذه الملاحم بتقوية إيمانهم وتحقيق توحيدهم وتجريد نيتهم لخالقهم، وأن ينشغلوا بتصحيح مسارهم واختيار مواطئ أقدامهم أين يقفون غدا في هذه الملاحم الحتمية لو أدركوها؛ أيقفون في فسطاط المؤمنين أم فسطاط الكافرين والمنافقين؟ في معسكر التوحيد أم معسكر الشرك والتنديد؟ هذا الذي يجب أن يملأ على المسلم وقته وتفكيره ويكون شغله الشاغل.



وهذا الاختيار والموقف مثل سؤال الملكين في القبر، ليس تلقينا لجواب مرصود ولا استدعاء لمتن محفوظ، إنما هو ثمرة صحة التوحيد وصدق الإيمان والاتّباع لنور الكتاب المبين الذي {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، أي: "طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة"، وهو ثمرة الولاء لله ورسوله والبراءة من الطواغيت والمشركين لقوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} قال ابن كثير: "يُخرج عباده المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل المنير"، وفي المقابل يقول تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} أي: "نتركه وما اختاره لنفسه، ونخذله فلا نوفقه للخير"؛ فمن تولى الرافضة نولّه ما تولى، ومن تولى اليهود نولّه ما تولى، ومن تولى الصليبيين نولّه ما تولى، والجزاء من جنس العمل.

وبناء على ما تقدم، فإننا نحرض ونحث ونذكّر المسلمين بوجوب المسارعة إلى ضبط بوصلة الولاء والبراء وإحكام شراعه، فهو الضامن الوحيد الذي يوصلهم إلى بر الإيمان وسط هذا الطوفان الجاهلي المتلاطم، فمن كان ولاؤه خالصا لله تعالى وحزبه، فهو الفائز الناجي على كل حال، ومن كان ولاؤه لرايته الوطنية، واتجاهه نحو قِبلته القومية ومحاوره الجاهلية؛ فليبشر بالغرق والهلاك والضياع، {وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا}.

كما نوصي عامة المسلمين بالاعتصام بحبل الله تعالى المتين، فهو الحبل الوحيد الذي لن تقطعه عواصف المحن ولا أعاصير الفتن، فمن تمسك به وقاه، ومن فرّط به سقط في دركات الغواية والضلال، ونوصيهم بالدعاء أن يبصّرهم الله تعالى الحق لأن الهداية محض فضله وتوفيقه، وهي من بيئة الجهاد أقرب وعن بيئة القعود أبعد.

وبالمحصلة، فكل ما يجري حولنا لا يخرج عن بصر الله وسمعه فهو السميع البصير، ولا يخرج عن لطفه وعلمه فهو اللطيف الخبير، ولا يخرج عن عدله ورحمته، بل كل ما يجري هو عين تدبيره ومكره لأوليائه ومكره بأعدائه، وإنما السعيد الفطن الذي يحسن الاختيار قبل فوات الأوان، فاختاروا أيها الناس سبيل الوحي لا التخرُّصات والأوهام.


الخميس 7 شوال 1447هـ

540
...المزيد

📜 【الغزوات الرمضانية】 التعرض للنفحات ومواسم الخيرات والجمع فيها بين الطاعات، دأب الصحابة ...

📜 【الغزوات الرمضانية】

التعرض للنفحات ومواسم الخيرات والجمع فيها بين الطاعات، دأب الصحابة والتابعين قدوتهم في ذلك نبيهم -صلى الله عليه وسلم- الذي عبد ربه حتى أتاه اليقين، والجهاد العيني اليوم هو أفضل الطاعات وخير القربات، واجتماع خيريته بخيرية المواسم والدهور نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء.

وانطلاقا من هذا الفهم، يواصل جنود الخلافة التعرض لنفحات ربهم في أيام دهرهم جامعين بين أبواب الخير وفضائل الطاعات، بين القيام والصيام والرباط والقتال في الجبهات، ومن ذلك الغزوات الرمضانية التي أحيوا بها موسم رمضان المبارك، وكانوا فيه رهبانا في الليل وفرسانا في النهار، فأخذوا منه بسهم وافر فاق سهام العابدين القاعدين بغير عذر.

ولقد شاهدنا كيف خاض المجاهدون الغزوات الرمضانية في ولايات غرب إفريقية ووسطها والساحل وموزمبيق وغيرها ضد الجيوش الكافرة، فجدّدوا أمجاد بدر في ذكراها، وكثفوا هجماتهم في العشر الأواخر اغتناما لشرف زمانها، كما شارك فيها فرسان الشام الذين استجابوا لداعي الجهاد والمفاصلة، وانطلق فتية الإيمان جنودا ومناصرين يتصيدون جنود الطاغوت ودورياته ويتسابقون على الانغماس في صفوفه.

وهذا هو الأصل في رمضان وغيره من مواسم الخيرات، أنْ يبرمج المجاهدون أنفسهم وتقويمهم السنوي على إشعال الغزوات والهجمات ضد الكافرين في كافة الجبهات، كل على قدر استطاعته وظروفه ولا يكلف الله نفسها إلا وسعها، فمن كان في خطوط القتال كان في القتال، ومن كان في خطوط الإسناد كان في الإسناد، تأسيًا بحديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (طوبى لعَبدٍ آخِذٍ بعِنانِ فرَسِه في سَبيلِ اللهِ، أشعَثَ رَأسُه، مُغبَرَّةٍ قدَماه، إن كان في الحِراسةِ كان في الحِراسةِ، وإن كان في السَّاقةِ كان في السَّاقةِ) [أخرجه البخاري]، والمقصد أنّ الكل يضرب بسهم في التعرض لهذه النفحات الإيمانية، وأي تعرض لنفحات الله؛ أفضل من التعرض للشهادة في مظانها، والانغماس في صفوف العدو نكاية وإثخانا؟

ومع أنّ فضل الجهاد عظيم، والمجاهدون يمارسونه في سائر الأوقات؛ إلا أنّ استغلال مواسم الخيرات في مضاعفته وتسعير أواره، باب مهم ينبغي التفطن إليه، لِما يجتمع في هذه المواسم من المشاعر الإيمانية الصادقة وغلبة الطاعة والإقبال على الآخرة، وما تحققه هذه البيئة الإيمانية من عوامل الإقدام والإثخان، وهذا عنصر مهم في دعم وإسناد الجهاد في كل مكان.

ونذكّر في هذا المقام، بأنه إنْ كانت مواسم الطاعات والنفحات تنتهي خيريتها بانقضاء أوقاتها، وأسواق القربات تنفضّ بإغلاق أبوابها؛ فإن الجهاد في سبيل الله موسم قائم دائم وسوق ربح مفتوح لا ينفض إلى قيام الساعة، وأجره يتعاظم في أوقات المحن واشتداد الهجمة على الإسلام.

وإنّ حرص المجاهدين على إحياء مواسم الطاعة بالجهاد والإثخان، هو من أمارات الثبات على الدين في آخر الزمان، وطالما أنّ استمرارية الجهاد وعد إلهي لن يتخلف مهما تخلّف المتخلفون؛ فليحرص كل مسلم أنْ يكون سببا في استمراريته وبقاء شعلته متّقدة.

والمتأمل في مسيرة الدولة الإسلامية أعزها الله، يلحظ بوضوح هذه الديمومة في إذكاء جذوة الجهاد وإبقاء عجلته مستمرة ورحاه دائرة في مختلف المراحل والظروف التي مرت بها، وهذه سمة بارزة فاصلة من سمات الطائفة المنصورة، نطقت بها نصوص الوحي ومنها الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تَزالُ عِصابةٌ من أُمَّتي يقاتلونَ على أمرِ اللهِ، قاهِرينَ لعَدُوِّهِم، لا يَضرُّهم مَن خالفهم، حتى تأتيَهم الساعةُ وهم على ذلك)، فالحرص على إدامة الجهاد دأب الطائفة المنصورة، وإشعال ملاحمه ومضاعفة غزواته في مواسم الخير دأب القرون المفضلة، وليكن دأبك أيها المجاهد بين هذين الدأبين المباركين.

كما أظهرت الغزوات الرمضانية الأخيرة معاني الاجتماع والتعاون على البر والتقوى بين المجاهدين، وبرز ذلك في تزامن الغزوات ضد جيوش الكفر المختلفة في العديد من الولايات رغم بعد المسافات وتعدد العقبات، وكأنهم يضربون ضربة رجل واحد، ويقاتلون عدوا واحدا وهو كذلك فعلا، فملة الكفر واحدة من طواغيت نيجيريا إلى طواغيت دمشق.



وكما استقبل المجاهدون رمضان بالجهاد وأحيوا لياليه وأوقاته بالغزوات؛ فحري بهم المداومة والاستقامة على هذه الطاعات بعد رمضان، فلتستمر الغزوات وتتواصل الهجمات خصوصا أننا مقبلون على موسم آخر في ذي الحجة، والمسلم ينتقل من طاعة إلى أخرى، وأي طاعة أعظم من الجهاد وقتال أعداء الملة في هذا الزمان الذي تتضاعف فيه مكانة الجهاد وتمس الحاجة إليه، بصفته تشريعا ربانيا وحيدا لنصرة الأمة، واستعادة كرامتها والعودة بها إلى ما كانت عليه في عصورها الذهبية.

فجدّدوا العزم أيها المجاهدون على مواصلة الغزوات وإلهاب الجبهات في كل المواسم والأوقات، وجدّوا في سيركم إلى مولاكم وأخلصوا له نيتكم، واحتسبوا ما أنتم فيه، وتبرأوا من حولكم وقوتكم إلى حول الله وقوته، وأحسنوا التوكل عليه فمن توكل عليه كفاه، ومن استنصره نصره، وتقبل الله طاعتكم وكل عام وأنتم بخير.


الخميس 30 رمضان 1447هـ

539
...المزيد

📜 【دعاة الحق ودعاة النار】 مرة بعد أخرى تشهد الأحداث المتسارعة من حولنا، وتنطق بصحة المسار الذي ...

📜 【دعاة الحق ودعاة النار】

مرة بعد أخرى تشهد الأحداث المتسارعة من حولنا، وتنطق بصحة المسار الذي سلكته الدولة الإسلامية وسلامة منطلقاتها المنهجية الأصيلة، وتؤكد صواب مواقفها الشرعية الراسخة الثابتة تجاه الأفراد والجماعات، في مختلف الجبهات والساحات، والفضل لله تعالى أولا وأخيرا، فهو الموفق والهادي إلى سواء الصراط.

فلم تكد تهدأ أحداث الشام الأخيرة التي رسّخت صحة موقفها الشرعي في حكمها على الفصائل والهيئات الوطنية المرتدة التي لحقت بفسطاط التحالف الصليبي؛ حتى جاءت أحداث الحرب الأمريكية الإيرانية لتثبت مجددا صحة موقفها الشرعي من شيوخ الطواغيت في جزيرة العرب الذين أفتوا قديما بتأمين الصليبيين في بلاد الوحي وعصموا أموالهم ودماءهم! وأباحوا دماء المجاهدين، واليوم يفتون ويوصون بالرباط والقتال دفاعا عن قواعدهم العسكرية الجاثمة على بلاد المسلمين، وكأنها فتاوى صادرة عن "البنتاغون" بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

الدولة الإسلامية فضحت مبكرا عبر منابرها الشرعية والإعلامية حقيقة مشايخ الطاغوت بالأدلة والبراهين، ووضعتهم في خانة أعداء الدين الداخليين، وحذرت منهم وبيّنت أنهم جنود مرتدون في المنظومة الطاغوتية يفوقون ضرر الجندي المدجج بالسلاح؛ فضجّ طلاب العواطف حينها -من العوام والخواص على حد سواء- واتهموها بالغلو والتكفير وإسقاط العلماء! واليوم استيقظنا على هؤلاء أنفسهم يخوّنون ويشتمون ويكفّرون من كانوا بالأمس القريب يسمونهم بالعلماء والدعاة الأجلاء!

غير أنه لا سواء، فالحكم الراسخ النابع من صميم الأدلة الشرعية، يختلف عن الحكم المضطرب المذبذب الذي جاء ارتهانا للمواقف السياسية والحزبية المتقلبة بتقلب المصالح وتبدُّل الحلفاء والفرقاء، وهؤلاء -بالمناسبة- من هذا الجانب وجريا على منوالهم، خوارج يكفّرون بالأهواء والظنون السياسية، وليس انصياعا لقواعد وأصول أهل السنة والجماعة المعتبرة في أبواب الإيمان والكفر.

وهنا توجيه لكل من يهمه الأمر من طلبة العلم وشباب المسلمين، بوجوب الانفكاك عن متابعة دروس ومجالس فقهاء السلاطين ومشايخ الحوزات الطاغوتية التي تفرّخ الإرجاء والقعود، ومعظم الشر تسلل إلى حصوننا من هذه الحوزات الجاهلية، وأكثر خلافات الساحات الجهادية كانت بسبب رواسب الطلب على أيدي مشايخ الضلالة في مراحل سابقة.

فهذه رسالة من عمق الواقع إلى جميع إخواننا المسلمين، بوجوب التطهر والإقلاع عن متابعة دعاة الضلالة وفقهاء المدارس الطاغوتية، فإن شرهم ينخر في جسد الأمة منذ القدم، والفرار منهم فرار بالدين، وليس الذي وقى نفسه من سمومهم ابتداء؛ كمن يحاول النجاة وهو في النزع الأخير، والله أعلم هل يعود سليما معافا، أم يتفشّى السم في بدنه حتى يفتك به؟!

هي نصيحة لكل إخواننا، بأن يحافظوا على سلامة مناهجهم غضة نقية بالابتعاد عن كل مصادر التلقي الموبوءة -ولو في أبواب الوعظ- فضلا عن مسائل الاعتقاد، فمواعظهم مسمومة بالانحرافات مطعّمة بالضلالات وقد تخفى عليكم، وأثرها يدوم في القلب مثل نكتة سوداء تستفحل بمرور الأيام ويصعب إزالتها، والوقاية منها خير وأيسر من علاجها، فاحفظوا قلوبكم ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة في بحر هائج قلّما يجوز عابروه، وإنْ جازوه وصلوا مراسي النجاة مثخنين بالجراح، وأي جراح إنها جراح العقيدة!

ووالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لئن تستمع إلى موعظة من مجاهد أعجمي من أقاصي الأرض يثقل لسانه بالعربية، لكنه يفيض بالصدق وينطلق بالتوحيد؛ خير من ملء الأرض من أمثال دعاة جهنم وفقهاء الطاغوت، لأن سلامة الدين لا يعدلها شيء، وما أزهد الناس فيها!

وفي خطوة أولى على طريق توفير البديل النقي في الدعوة والوعظ لأبناء المسلمين، كانت السلسلة الإيمانية الرمضانية: (هدى وموعظة للمتقين)، التي بثّها إعلام الدولة الإسلامية خلال أيام الشهر المبارك، وشارك فيها دعاة المجاهدين من عدة ولايات، وجمعت بين الشيب والشباب والعرب والعجم والمهاجرين والأنصار بل والقادة والجنود، كلهم انتظموا خلف غاية واحدة هي هداية الناس ودعوتهم للحق وإنقاذهم من فتنة دعاة السوء وفقهاء الطاغوت الذين أفسدوا عليهم دينهم ودنياهم، واعتمدت السلسلة أسلوب سوق نصوص الوحي الأصلية، وجعلها مادة الوعظ الأساسية، لأن من جذبته الآيات ليس كمن جذبته الأبيات، ومن ساقته التوجيهات النبوية ليس كمن ساقته العواطف الآنية، وهذا باب مهم دقيق لا يتسع المقام لبسطه هنا.

وعودا إلى ناصية الموضوع وكله ناصية، أثبتت الأحداث أيضا صحة موقف الدولة الإسلامية وحكمها الشرعي الراسخ بكفر جميع الحكومات والجيوش العربية المرتدة، وأنهم في الجرم والحرب على الإسلام سواء وشركاء، وأنهم لليهود والنصارى حلفاء وأولياء؛ فلم يعجب الناس ذلك أيضا، واتهموها بنفس التهمة المعلبة، ثم رأينا هؤلاء لاحقا بعد الحرب على غزة، يكفّرون بعض الجيوش والحكومات العربية في بث حي على الهواء!



واليوم لمّا اندلعت الحرب الأمريكية الإيرانية، صار فريق واسع من الناس يتناقلون ويتقبلون أخبار القصف الإيراني على دول وجيوش العرب كما لو أنه جهاد مشروع في سبيل الله، واختفت أصوات الإنكار والتخوين والاتهام بتمزيق اللحمة وتفريق الصف والتآمر على الأمة وانحراف البوصلة... وغيرها من الفريات التي كانوا يرمون بها الدولة الإسلامية عند كل هجوم أو حتى فتوى تستهدف الجيوش المرتدة، بينما صاروا اليوم يتقبلون ويباركون ذلك، بل حمّل بعض "الدراويش" الصواريخ الإيرانية ما لا تحتمله من مزاعم التصدي للحملة الصليبية اليهودية على الأمة! فتأمل.

وهكذا تستمر عجلة الأحداث تدور يوما بعد يوم، وتكشف في كل منعطف منها أن الدولة الإسلامية -بفضل الله تعالى- وافقت الحق في منطلقاتها ومعتقداتها وجهادها، وأصابت كبد الحقيقة في توصيف وتصنيف المعسكرات الجاهلية ومفرزاتها ومخلفاتها، وما زالت الأيام حبلى بالمزيد، نسأل الله السداد في القول والعمل.


الخميس 23 رمضان 1447هـ

538
...المزيد

📜 أدركوا أواخر رمضان ها قد بدأ زائرنا العزيز يحزم أمتعته متأهبا للرحيل بعد أن شرّفنا وسعدنا ...

📜 أدركوا أواخر رمضان

ها قد بدأ زائرنا العزيز يحزم أمتعته متأهبا للرحيل بعد أن شرّفنا وسعدنا بصحبته في أيام معدودات مرت مسرعة، وقلوب المؤمنين حزينة على دنوّ فراقه، وألسنتهم تلهج بالدعاء أن تلتقي به مرات عديدة في أزمنة مديدة، ومع ذلك ما زال هذا الزائر المودّع في ضيافتنا لأيام قليلات لكنها مزدحمة بالخيرات والبركات، وقد أخرج رمضان فيها أغلى كنوزه التي جاء محمّلا بها، إنها ليالي العشر الأواخر من رمضان، وهي فرصة ثمينة ليستدرك المقصر ما فاته، ويزيد المجتهد في طاعاته، والأعمال بالخواتيم.

▪️أيها المقصر بادر!

أخي المسلم، نستذكر معا كيف كنا قبل أيام نتبادل التهاني والبشارات بحلول شهر الخيرات، ويوصي بعضُنا بعضا بحسن استقباله واستغلال أيامه واغتنام لحظاته وعدم تضييع أوقاته، لأنه سرعان ما ينجلي هلاله، وها نحن اليوم نقاسي سرعة أفوله وقرب انقضائه، فيا فوز من اغتنمه وعمّر أوقاته بالطاعات والقربات، ويا خسارة من ضيّعه وبدّد أيامه بالتقصير والملهيات.

ومع ذلك، فإن فضل الله تعالى عظيم ورحمته واسعة، يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، فيا من أساء وفرّط فيما مضى من رمضان، إن لك فيما تبقّى فرصة لإصلاح ما أفسدته وتدارك ما فات، وما بقي منه فهو زبدته وثمرته وأغلى ما فيه، وإنّ الله تعالى يجازي على القليل الكثير إذا علم صدق عبده، ويأخذ بيديه إلى النجاة إذا رأى ندمه على ما فرّط في جنبه، {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ}، فمهما قصر العبد، إن ندم وتاب وأناب يفرح الله بتوبته ويغفر له تقصيره بفضله ورحمته.

وليزجر العبد شيطانه ويستعذ بالله من مكره، فإنه يثبّطه عن طاعة ربه، ويُقنّطه من رحمته، ويصدّه عن الإنابة إلى مولاه، وليجدد المسلم النية على إصلاح ما بقي ويتوب مما سلف، فلرب دمعة ندم صادقة جبرت تقصيره وسارعت به لمقدمة الركب، وفضل المولى كبير قد يعتق عبده من النار في آخر ليلة من رمضان، فأروا الله منكم صدقا وتوبة وإخلاصا وإنابة وندما على ما فات، وأقبلوا على الله تعالى في هذه الأيام المباركة فهي أيام مضاعفة الأجور والحسنات ومحو الذنوب والسيئات، فمن تخلّف فيها متى يلحق؟، ومن لم يزهر في ربيعها متى يزهر؟

▪️ليال ليست كغيرها

أخي المسلم، إن ليالي العشر الأواخر من رمضان ليست كغيرها، وهي خير ليالي الدهر كما قرر العلماء، وفيها ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن، من وافقها ووفق فيها إلى العبادة كانت له خيرا من عبادة ألف شهر، لقوله سبحانه: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}، وتأمل أنه لم يقل سبحانه: كألف شهر بل خير وأعظم، والألف شهر إن حسبناها بحساباتنا فهي تزيد عن ثلاثة وثمانين سنة، أي أن الأجور في هذه الليلة تضاعف كأجر من عاش يعبد الله هذه المدة كلها بل أكثر، وهذا من رحمة الله تعالى بأمة نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-، فالأمم السابقة أعمارهم طويلة، وأعمار أمتنا قصيرة لكن أجورها كبيرة، إذ تفضل الكريم علينا وعوّضنا بأعمال تُضاعف فيها الأجور أضعافا كبيرة، ومنها هذه الليلة المباركة التي قال عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) [البخاري].

وقال عنها أيضا: (لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ) [رواه النسائي]، فليس المحروم في ميزان النبوة من فقد الدنيا وملاذتها وزهرتها، بل المحروم الحقيقي من علم بليلة الأجر فيها مضاعف، والخير فيها نازل، والعتق فيها جار، ثم ضيعها وبدد ساعاتها! نعوذ بالله من هذا الخسران والحرمان.

▪️فلنحسن الختام

قال ابن القيم -رحمه الله- في المدارج: "أهل الاستقامة في نهاياتهم أشد اجتهادا منهم في بداياتهم"، والخيل في مضمار السباق حينما توشك على بلوغ النهاية؛ تزيد من طاقاتها في العدو حتى تفوز في السباق، وقد وفقنا الله لبلوغ العشر الخواتم لرمضان، فلنحسن هذا الختام ولنقتد بهدي خير الأنام -صلى الله عليه وسلم-، حيث كان يحيي هذه الليالي كلها طمعا في الأجر وسعيا وراء ليلة القدر، كما في الحديث عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- إذا دخل العشر شدّ مئزرَهُ وأحيا ليله وأيقظ أهله". وهو مَن هو صلوات ربي وسلامه عليه، المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فلنقتد به وبمن تبعه من صحابته الأطهار والسلف الأخيار.

▪️كيف نقضي هذه الليالي؟

فاقض أخي المسلم هذه الليالي المباركة بطول القيام وتلاوة القرآن وكثرة الاستغفار والدعاء، واجعل لك فيها نصيبا من الإنفاق والصدقة، فأجر الصدقة عظيم سائر الشهر بل سائر الدهر، فكيف إن وافقت ليلة هي خير من ألف شهر؟




ويُشرع في هذه الليالي الدعاء بطلب العفو منه تعالى، كما في الدعاء المأثور عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) [الترمذي]، وليضع المسلم أمام ناظريه أنه لعله آخر رمضان يدركه، فليغتنم كل ثانية مما تبقى فيه، ولا يضيعها فيندم ندم سكان القبور! ولو تكلموا لصاحوا: يا ليتنا نُرد فنعمل صالحا، يا ليت لنا فرص الأحياء، لأنهم رأوا عين اليقين حقيقة الدنيا، فلماذا يجتهد ويكد الإنسان في الحياة المؤقتة الفانية أكثر من كده للحياة الأبدية الباقية؟ فوالله لن ينفعه يومها قريب ولا حبيب، ولن يؤانسه في قبره سوى عمله الصالح، فعملك الصالح -أخي المسلم- هو الصاحب الوحيد الذي لن يخذلك أحوج ما تكون إليه، فاطرد عنك الكسل وشد مئزر العزم وانهض للقيام والدعاء والتزود بسائر القربات قبل الفوات.

أما أنت أخي المجاهد المرابط في سبيل الله على ثغور الإسلام، فهنيئا لك الظفر بهذه العبادة العظمية في أعظم الأوقات، وقد روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه كان في الرباط ففزعوا إلى الساحل ثم قيل: لا بأس، فانصرف الناس وأبو هريرة واقف، فمر به إنسان فقال: ما يوقفك يا أبا هريرة؟ فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود) [رواه ابن حبان]، فاحمد الله أيها المجاهد أن أقامك الله في هذا المقام، وسل الله الثبات والقبول وحسن الختام، والحمد لله رب العالمين.


الخميس 23 رمضان 1447هـ

538
...المزيد

📜 فضائل العشر الأواخر الحمد لله الذي فضل رمضان على كل شهر، وخص العشر الأواخر منه بمزيد قدر، إذ ...

📜 فضائل العشر الأواخر

الحمد لله الذي فضل رمضان على كل شهر، وخص العشر الأواخر منه بمزيد قدر، إذ جعل فيها ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، والصلاة والسلام على نبينا محمد خير من صلى وصام حتى تورمت قدماه من القيام، وآله وصحبه ومن سار على نهجه واستقام، أما بعد:

أيها المسلمون إنكم في عشر مباركة هي العشر الأواخر من رمضان، وهي خير الليالي على الإطلاق، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخصها بالاجتهاد في العمل الصالح أكثر من غيرها، ويتفرغ فيها للعبادة أكثر مما سواها؛ ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله". وروى مسلم عن عائشة أنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر، ما لا يجتهد في غيره".

قال النووي رحمه الله: "ففي هذا الحديث، أنه يستحب أن يزاد من العبادات في العشر الأواخر من رمضان واستحباب إحياء لياليه بالعبادات" [شرح مسلم].

والحديث عام في سائر أنواع العبادات، من صلاة وقيام وذكر وقراءة قرآن وصدقة ورباط وجهاد وغيرها من أنواع العبادات. فعلى المسلم أن يعلي همته ويزيد من طاعاته في هذه العشر، مقتديا بذلك بهدي نبيه صلى الله عليه وسلم، تاركا ملذات الدنيا وملهياتها، مقبلا على الله تعالى بكل جوارحه وأركانه.

▪️ليلة القدر من الليالي العشر

ومن أهم فضائل هذه العشر المباركة، أنه يرجى فيها إدراك ليلة القدر التي قال الله عنها: {ليلة القدر خير من ألف شهر} أي: قيامها والعمل فيها، خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وقال فيها سبحانه: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم} والمقصود بها ليلة القدر، فسماها الله ليلة مباركة.

قال النووي رحمه الله: "وسميت ليلة القدر لما يكتب فيها للملائكة من الأقدار والأرزاق والآجال التي تكون في تلك السنة كقوله تعالى: {فيها يفرق كل أمر حكيم}، وقوله تعالى: {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر}؛ ومعناه يظهر للملائكة ما سيكون فيها ويأمرهم بفعل ما هو من وظيفتهم، وكل ذلك مما سبق علم الله تعالى به وتقديره له، وقيل سميت ليلة القدر لعظم قدرها وشرفها وأجمع من يعتد به على وجودها ودوامها إلى آخر الدهر للأحاديث الصحيحة المشهورة" [شرح مسلم].

وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".

واقتضت حكمة الله تعالى أن لا تحدد ليلة القدر في ليلة معينة من هذه الليالي العشر، وذلك حتى يجتهد المرء في قيام واغتنام جميع هذه الليالي المباركة، فيصيبها وينال أجرها بإذن الله، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (تحروا ليلة القدر في الوتر، من العشر الأواخر من رمضان وهذا لفظ البخاري.

قال النووي رحمه الله: "وأكثر العلماء على أنها ليلة مبهمة من العشر الأواخر من رمضان وأرجاها أوتارها وأرجاها ليلة سبع وعشرين وثلاث وعشرين وإحدى وعشرين" [شرح مسلم].

والصحيح أنها ليست بثابتة في ليلة واحدة، بل هي تنتقل بين هذه الليالي العشر في كل سنة؛ قال النووي رحمه الله: "وقال المحققون إنها تنتقل فتكون في سنة ليلة سبع وعشرين وفي سنة ليلة ثلاث وسنة ليلة إحدى وليلة أخرى وهذا أظهر وفيه جمع بين الأحاديث المختلفة فيها". [المرجع السابق]

▪️من هدي النبي في ليلة القدر

ويستحب الإكثار فيها من الدعاء، ويدعو بما ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا نبي الله، أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ما أقول؟ قال: (تقولين: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني) رواه أحمد والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.

فيا عباد الله، اجتهدوا في هذه العشر التي هي ختام الشهر بالصلاة والدعاء والاستغفار والأعمال الصالحة، لتنالوا أجر هذه الليلة، فإنها فرصة العمر، نعم إنها فرصة العمر فهي خير من ألف شهر، وإن الألف شهر تساوي ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر.

فأي فضل أعظم من هذا الفضل؟ وأي ثواب فوق هذا الثواب؟ فالحرص الحرص على طلب هذه الليلة، والاجتهاد بالأعمال الصالحة لنيل ثوابها والفوز بأجرها، فإن المحروم من حرم هذا الأجر العظيم وهذا الثواب الجزيل، فيا حسرة من تمر عليه مواسم المغفرة ومازال للذنوب معاقرا وعليها مصرا، وعن الخير معرضا لاهيا.

قال ابن رجب رحمه الله: "يا من ضاع عمره في لا شيء، استدرك ما فاتك في ليلة القدر، فإنها تحسب بالعمر". الطائف المعارف.

أما أنت أيها المجاهد المرابط، فاحمد الله حمدا كثيرا على ما أنت فيه الآن، فإن جهادك ورباطك في هذه الليلة وسائر عملك الصالح فيها، خير من عبادة ألف شهر.

يتبع ...


▪️أجر الاعتكاف مكفول لمن نوى

ومن جملة العبادات في هذه العشر عبادة عظيمة هي عبادة الاعتكاف، وهو: لزوم المسجد بنية العبادة، وهو سنة وقربة دل عليها الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

وهو مشروع في رمضان وغيره، وقد داوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده".

ويشترط لصحة الاعتكاف شروط: الأول: النية بأن ينوى الاعتكاف، الثاني: أن يكون في مسجد، لقوله تعالى: {وأنتم عاكفون في المساجد). الثالث: أن يكون المسجد تقام فيه الجماعات الرابع أن لا يخرج إلا لضرورة.

وينشغل المعتكف بالقيام والذكر وقراءة القرآن، وينقطع عن شهوات الدنيا ويفرغ قلبه وذهنه للتهجد والتدبر والابتهال إلى الله تعالى، راجيا عفوه طامعا في رحمته سبحانه.

وفي ظل الأحوال السائدة في كثير من البلاد حاليا من إغلاق المساجد أو تعذر الاعتكاف فيها، فإن على المسلم أن يجعل من بيته وسكنه محرابا له يواظب فيه على الصلاة والقيام والذكر والقرآن، وله أجر الاعتكاف إن شاء الله؛ فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا) [رواه البخاري]

أي: من كان يعمل عملا صالحا، من أعمال التطوع، ثم حبسه عذر منعه من أداء العبادة التي كان يتطوع بها لسفر أو مرض أو نحوه، كتب الله له مثل أجر هذه العبادة التي كان يفعلها قبل أن يحبسه العذر.

وهذا الحديث في النوافل دون الفرائض، ومن النوافل الاعتكاف، فإن المرء الذي كان مواظبا عليه من قبل أو ناويا أن يؤديه؛ لكن منعه العذر (كالوباء) الأخير مثلا، فإن له أجر الاعتكاف إن شاء الله، قياسا على الحديث السابق، ومع ذلك فعلى المرء أن يجتهد في بيته كما تقدم.

▪️الجهاد فرض عين على المسلم

ومما تجدر إليه الإشارة في هذا الموضع، أن كثيرا من المسلمين اليوم يحرصون على السنن إلا أنهم يتركون ويغفلون عن ما أوجبه الله تعالى عليهم، وما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة وهو جهاد أعداء الإسلام من كفار ومرتدين قال تعالى: {انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} والايات والأحاديث في وجوب الجهاد وفضله كثيرة شهيرة، والسعيد من وفقه الله تعالى للجمع بين هذا وذاك، فهنيئا للمجاهد العابد المتنقل بين هذه الأجور العظيمة.

اللهم اجعلها أيام فتح وتمكين لعبادك المؤمنين، اللهم افتح لهم البلاد وقلوب العباد اللهم ألف بين قلوبهم واجمع كلمتهم، اللهم أعن المسلمين على تأدية ما أوجبت عليهم من قتال عدوك وعدوهم إنك ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.


الخميس 21 رمضان 1441 هـ

234
...المزيد

📜 【تدافعٌ بين الكافرين】 فرح المؤمنون في بقاع الأرض بهلاك مرشد الكافرين (في ايران) وقدوتهم ومَن ...

📜 【تدافعٌ بين الكافرين】

فرح المؤمنون في بقاع الأرض بهلاك مرشد الكافرين (في ايران) وقدوتهم ومَن معه مِن أئمة الكفر؛ بنفس الطائرات التي كانت تحمي ظهورهم في معارك الموصل وحلب وغيرها من بلاد المسلمين التي اتحد الغزو الصليبي والرافضي في الحرب عليها لسنوات، قبل أن يخالف الله بين قلوبهم ويغري العداوة بينهم، ويدفع شرّ بعضهم عن الإسلام ببعض.

والرافضي الهالك إمام كفر طغى واستبد، ورأس طائفة ولغت في دمائنا كاليهود بل أشد، وقد أهلكه الله تعالى بمكره وتدبيره على أيدي من سلّطوه على رقابنا لعقود، وقاتلوا معه ضد المجاهدين خاصة في العراق وما أدراك ما العراق، مهد المفاصلة ورمح التوحيد، وقد سبق مجاهدوه وتفرّدوا بتكفير الرافضة وقتالهم تديُّنا لا سياسة، ولو لم يكن للجهاد العراقي إلا هدم صنم الرفض لكفى، وقد هدمه في وقت كان الناس يتأبطون صور أئمة الرافضة كما لو أنهم أئمة الإسلام! وقد هدمه في وقت كان الناس يظنون الرفض مذهبا من مذاهب الإسلام!، فرحمة الله على أئمة الجهاد العراقي ورفاقهم وجنودهم ما تعاقب الليل والنهار.

نستحضر هذه الشمائل العراقية في هذا الوقت، ونحن نعاين ونعالج هذا الفساد العظيم في معتقدات الناس من أشياع الرافضة وبيادقهم ونُعاة أئمتهم ومُشرعني كفرهم، المنحازين إلى صفوفهم بحجة التصدي للمشروع الأمريكي، متعامين عن حقيقة ثابتة أنّ المشروع الإيراني كان مرحلة من مراحل المشروع الأمريكي في الحرب على الإسلام، قبل أن يداهمهم عسكر المدافعة.

فالحرب المشتعلة اليوم بين المحور الإيراني والمحور الأمريكي اليهودي ونتائجها وخسائر الأطراف فيها؛ كلها تندرج في سياق سُنة التدافع التي قدّرها الحكيم الخبير سبحانه، رحمة وتخفيفا عن المؤمنين، ومكرا واستدراجا للكافرين، ونقصد بالتدافع هنا الذي يقع بين الكافرين، لقوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، قال الطبري والقرطبي وغيرهم: "نسلط بعض الظلمة على بعض"، وقال ابن كثير: "لولا أنه يدفع عن قوم بقوم، ويكشف شر أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب؛ لفسدت الأرض".

ومن فوائد هذا التدافع بين هذين العدوين الكافرين: زيادة التمايز والغربلة في صفوف أهل القبلة، ليهلك من هلك عن بينة، وهو ما نراه اليوم من لحوق شرائح منهم بالفريقين، فهذا يتولى الرافضة! وذلك يتولى اليهود والصليبيين!، وكلاهما له مبررات ساقطات، وكلاهما في الحكم سيان، أما المسلم فموقفه راسخ معروف، لا يفيء إلى هذا ولا إلى ذاك، بل يكفر بالفريقين ويكفّرهما ويعاديهما ويتبرأ منهما ويتولى حزب الله المؤمنين، قال تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}.

وإن إهلاك أئمة الكفر وأعداء الإسلام من النعم التي تستوجب الشكر والحمد، بأي طريقة هلكوا؛ سواء هلكوا بعذاب من عنده أو بأيدينا، أو بأيدي بعضهم، واستدل علماؤنا على ذلك بقوله تعالى: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، قال الإمام البغوي في الآية: "حمد الله نفسه على أن قطع دابرهم لأنه نعمة على الرسل، فذكر الحمد لله تعليما لهم ولمن آمن بهم، أن يحمدوا الله على كفايته شر الظالمين"، وبوَّب الإمام النسائي في سننه: "باب الاستراحة من الكفار" وساق تحته حديث الجنازة الشهير، وزخرت كتب السلف بالكثير من مواقف إظهار الفرح بهلاك أئمة الكفر، ومن لا يفرح بذلك؟

لكن اعلم أن مخاطبة "نُعاة الخامنئي" وأوليائه من غير الرافضة، لا تكون بسرد أدلة مشروعية الفرح بهلاك الطواغيت، فتلك تهون، وإنما تخاطبهم بأدلة أصول الدين والولاء والبراء فهو ميدان سقوطهم، فمواقف هؤلاء تعدت مزاعم الاضطرار والمصلحة إلى الولاء والتبعية التامة، ولطالما أنكر "الإسلاميون" -وإخوانهم الجهاديون- على المجاهدين توصيف الأمر على هذا النحو؛ حتى ثبت اليوم بالحس والتجربة، وكثير من هؤلاء للأسف لا يتعلمون إلا بالتجربة في زمن تنحية الآيات والنصوص والإعراض عنها.

إن مشكلة نُعاة أئمة الرافضة عقدية بامتياز في صلب التوحيد، فهؤلاء لو عظّموا جناب التوحيد لما وجدوا متسعا في قلوبهم لتعظيم "خامنئي" وأمثاله من الكفرة الفجرة الذين لا يقلّون كفرا وحرابة عن "نتنياهو وترامب"، ولو عظّم هؤلاء الله تعالى وآمنوا به حق الإيمان، لما حزنوا على هلاك عدو من أشد أعدائه، ولكن كيف يفعل هؤلاء وهم يرون في الرافضة وقادتهم أولياء وحلفاء وشهداء وإخوانا مسلمين؟!

ومن عجائب دهرنا التي لا تنقضي أن الذين دأبوا على الفرح بانتصار كل طائفةِ كفر، متعللين بفرح المؤمنين يوم غلبت الروم الفرس؛ لم يسعهم اليوم إلا الوقوف مع الفرس! وصار عندهم الفرح ببلية الفرس وقوفا مع الروم! وكأننا برجب لم يعد يتسع للعجب، والمسلم يفرح ببلية الطرفين ويدعو الله أن يزيدهم حربا ودمارا وهلاكا.


ولمن يدمن المفاضلة بين المحورين الكافرين، ويخيّرنا بين نارين نقول: إن في انقطاع دابر الرافضة وكسر شوكتهم خير للمسلمين في هذه المرحلة؛ قد يربو على ما في انقطاع دابر اليهود الملاعين، لسبب أوضح ما يكون وهو أن الأمة محصنة من فتنة اليهود إلى حد ما، لكنها ليست محصنة من فتنة الرافضة والانخداع بمحورهم، بدليل هذا الغثاء الكبير المتهافت على الرافضة المتباكي على أئمة كفرهم ورؤوس مذهبهم.

والواجب حشد أجيال المسلمين خلف راية التوحيد ومنهاج النبوة وحسب، وقطع كل صلاتهم وتعلّقاتهم وميولهم لأي من المعسكرات الجاهلية المتطاحنة، وتضييق دائرة ما يسمونه "التقاء المصالح" لأن كثيرا من جماعات الهوى توسّعوا فيها حتى وقفوا في معسكر الباطل بحجة "التقاء المصالح" وما هو إلا "التقاء مناهج" شئتم أم أبيتم فالحق أبلج والباطل لجلج.

أما ميدانيا، فالواجب على الموحدين، السعي الجاد والواعي لاستغلال هذه المتغيرات الكبيرة؛ في نصرة الجهاد وتغذيته وتجديد شراينه، فإن هذه الفوضى المرحلية -سواء هدأت أو تصاعدت- فإن تبعاتها ستدوم وتطول، وانتهازها من الكياسة والفطنة بمكان، يستوي في ذلك المجاهدون في الولايات، والمجاهدون المنفردون في كل مكان، واعلموا أن ذلك من الأخذ بالأسباب وتمام التوكل على الله تعالى.

سياسيا، تمهّد الخطوة الإيرانية بقصف دويلات الخليج لاستكمال "ذرائع التطبيع العلني" مع اليهود ليس على صعيد الحكام، بل على صعيد شرائح من الشعوب، وانحياز البعض إلى الصاروخ الإيراني، سيقابله انحياز آخرين إلى الطائرة الصليبية واليهودية!، وسيزداد التمايز حتى نصير إلى فسطاطين اثنين، فسطاط إيمان لا كفر فيه، وفسطاط كفر لا إيمان فيه.

وعليه، نحذر المسلمين من ظهور الرايات الجاهلية التي يحاول كل طرف من الأطراف تصديرها للساحة لتتلقى الضربات عنه؛ هذا باسم إسقاط النظام الإيراني، وذلك باسم التصدي للحملة الصليبية، فصد الحملة الصليبية لا يكون تحت الأجنحة الرافضية، ودفع شر الرافضة لا يكون تحت الأجنحة الصليبية، فتمايزوا أيها الناس، فإن لهذا التمايز ما بعده.


الخميس 16 رمضان 1447هـ

537
...المزيد

معلومات

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً