مقتطف من كلمة (هل أتاك حديث الرافضة) مقتطف من كلمة (هل أتاك حديث الرافضة) للشيخ المجاهد ...

مقتطف من كلمة (هل أتاك حديث الرافضة)



مقتطف من كلمة (هل أتاك حديث الرافضة)
للشيخ المجاهد أبي مصعب الزرقاوي -تقبله الله تعالى-


أولا: إنّ الرّفض دين يختلف تماما عن الإسلام الذي جاء به النّبي -صلّى الله عليه وسلّم-، ولا يمكن أن يلتقي معه في كثير من الفروع والأصول، كيف لا وكبار آياتهم وعلمائهم قد قعدوا لهم قاعدة في التّرجيح بين الأدلّة، إذا اختلفت عندهم أو تعارضت، بأنّ ما خالف قول أهل السّنة -ويسمّونهم العامّة-، هو القول الأقرب للصّواب، مستندين على روايات مكذوبة عندهم كأصل لهذه القاعدة التي تدلّ على مخالفة دينهم أصولا وفروعا لدين الإسلام من حيث منهج الحقّ.

ثانيا: إنّ دين الرّفض لم يقم أساسا ومنذ بداية ظهوره، وعلى مرّ الأزمان وحتّى أيّامنا هذه، إلا لغرض هدم الإسلام وبثّ الفتنة والفرقة بين المسلمين وتقويض دولة الإسلام، من خلال محاربة أهل السّنّة والجماعة، أعني بهم الجماعة الأولى التي استثناها الرّسول -صلى الله عليه وسلم- من الثّلاث والسّبعين فرقة بالنّجاة من النّار، ومن سار على نهجهم، وليس هذا كلاما مبالغا أو متوهّما، ولا هو منكرا من القول وزورا، بل هذا ما قرّره علماء السّلف والخلف.

فهو مخطّط دبّر بليل لم يقم من الأساس إلا لغرض هدم الدّين؛ من خلال أمرين هامّين:

الأوّل: التّشكيك في حقيقة هذا الدّين وزعزعة العقيدة، إمّا ببثّ الشبهات على مذهب أهل الحقّ والتي تشكّك في أصول هذا الدّين وتصدّ عنه بالكلّيّة، وإمّا بتحريف كثير من أصوله وفروعه ليكون دينا مسخا.

والأمر الثّاني: يتمثّل في الجانب السّياسيّ وذلك عن طريق زعزعة أركان الدّولة الإسلاميّة من الدّاخل والخارج على السّواء، فأمّا من الدّاخل فمن خلال استثارة الشّعب ولا سيّما ضعاف النّفوس وأصحاب المطامع وتحريضهم على الخروج على خليفة وإمام المسلمين، أو اغتياله بدعاوى وشبهات باطلة أو غير مسوّغة، وأمّا من الخارج فمن خلال التّعاون مع أعداء الدّين والتّحالف معهم، حتّى يتمكّنوا من إسقاط الدّولة الإسلاميّة.

وهذان الأمران هما المنهج والخطّة الأساسيّة التي قام عليهما دين الرّفض منذ بداية نشأته وتأسيسه على يد اليهوديّ المعروف عبد الله بن سبأ الذي لم يجد أفضل ولا أجدى من التّستّر بلباس التّشيّع، والتّشيّع بحبّ آل البيت بعد أن أظهر الإسلام وأبطن الكفر والدّسيسة لهذا الدّين.

ولما وجد أتباع هذا اليهوديّ أنّ هذا المنهج الذي رسمه ابن سبأ قد نجح في استقطاب أصحاب الهوى وتأليب الكثير من ضعاف النّفوس وأصحاب المطامع ضدّ أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وأرضاه، ولمّا وجدوه نجح في التّعاون مع أعداء الدّين من خارج عاصمة الخلافة وإثارة الفتن والشّبه حتى قتلوا الخليفة وفتنوا رعيّته.

ولما وجدوه نجح كذلك في التّفريق بين الصّحابة على أساس العصبيّة القبليّة التي جاء الدّين أساسا وقام على هدمها، يرومون فتنة آل البيت وفتنة النّاس بهم، وصدّ النّاس وتشكيكهم في مصداقيّة وأمانة نقلة الكتاب والسّنّة من الصّحابة رضوان الله عليهم، من خلال مناداتهم بموالاة بل بالمغالاة في آل البيت وإدّعاء العصمة فيهم، حتّى تطوّر الأمر فيهم إلى تأليه عليّ رضي الله عنه كما عند السّبأيّة!

أقول لما رأى أتباع ابن سبأ أنّه نجح في ذلك كلّه، استمرّ هؤلاء الأتباع في نفس السّيرة وعلى نفس المنهج الأوّل على مرّ الزّمان وإلى أيامنا هذه، ولقد أفاض علماء السّلف واستفاض في كتبهم بيان حقيقة الرّافضة وحقيقة دينهم.

ومن ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله في [منهاج السّنّة]: "والرّافضة ليس لهم سعي إلا في هدم الإسلام ونقض عراه وإفساد قواعده".

ثالثا: إنّ جمهرة من علماء السّلف رحمهم الله تعالى بيّنوا لنا القول الفصل في حكم الشّرع على الرّافضة، وهو القول بكفرهم ووجوب قتال من أظهر بدعته منهم خاصّة وإن كان بطائفة ممتنعة منهم، وفي تكفيرهم ووجوب قتالهم أدلّة من الكتاب والسّنّة.وممّا استفيض من أقوال السّلف في الحكم بكفرهم:

فممّا ورد عن الإمام أحمد رحمه الله، ما روى الخلال عن أبي بكر المروديّ، قال: "سألت أبا عبد الله عمّن يشتم أبا بكر وعمر وعائشة؟، قال: "ما أراه على الإسلام"، وقال الخلال: أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد، قال سمعت أبا عبد الله قال: "من شتم أخاف عليه الكفر مثل الرّوافض"، ثمّ قال: "من شتم أصحاب النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لا نأمن أن يكون قد مرق عن الدّين".

وجاء في كتاب [السّنّة] للإمام أحمد قوله عن الرّافضة، "هم الذين يتبرؤون من أصحاب محمّد -صلّى الله عليه وسلّم-، ويسبّونهم، وينتقصونهم، ويسبون الأئمّة إلا أربع، عليّا وعمّار والمقداد وسلمان، وليست الرّافضة من الإسلام في شيء".

وقال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في [خلق أفعال العباد]: "ما أبالي صلّيت خلف الجهميّ والرّافضيّ أم صلّيت خلف اليهود والنّصارى، ولا يسلّم عليهم، ولا يعادون، ولا يناكحون، ولا يشهّدون ولا تؤكل ذبائحهم".

وقال الإمام أحمد بن يونس، الذي قال عنه الإمام أحمد بن حنبل وهو يخاطب رجلا: "اخرج إلى أحمد بن يونس فإنّه شيخ الإسلام"، قال -أي الإمام أحمد بن يونس-: "لو أنّ يهوديّا ذبح شاة، وذبح رافضيّ لأكلت ذبيحة اليهوديّ، ولم آكل ذبيحة الرّافضيّ، لأنّه مرتدّ عن الإسلام".

وقال الإمام بن حزم رحمه الله تعالى في ردّه على النّصارى الذين يستدلّون بتحريف القرآن من أقوال الرّافضة: "وأمّا قولهم -يعني النّصارى- في دعوى الرّوافض تبديل القرآن، فإنّ الرّوافض ليسوا من المسلمين".

وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في الصّارم المسلول: "من زعم أنّ القرءان نقص منه آيات، أو كتمت، أو زعم أنّ له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة، فلا خلاف في كفرهم، ومن زعم أنّ الصّحابة ارتدّوا بعد رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر نفسا، أو أنّهم فسّقوا عامّتهم، فهذا لا ريب أيضا في كفره، لأنّه مكذّب لما نصّه القرءان في غير موضع من الرّضى عنهم، والثّناء عليهم. بل من يشكّ في كفر مثل هذا فإنّ كفره متعيّن، فإنّ مضمون هذه المقالة أنّ نقلة الكتاب والسّنّة كفّار أو فسّاق، وأنّ هذه الآية التي هي: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: ۱۱۰]، وخيرها هو القرن الأوّل كان عامّتهم كفّارا أو فسّاقا، ومضمونها أنّ هذه الأمّة شرّ الأمم، وأنّ سابقي هذه الأمّة هم شرارها، وكفر هذا ممّا يعلم بالاضطرار من دين الإسلام".

وقال أيضا عن الرّافضة: "إنّهم شرّ من عامّة أهل الأهواء، وأحقّ بالقتال من الخوارج".

وقال الإمام السّمعانيّ رحمه الله في الأنساب: "واجتمعت الأمّة على تكفير الإماميّة لأنّهم يعتقدون تضليل الصّحابة، وينكرون إجماعهم، وينسبونهم إلى ما لا يليق بهم".



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 351
الخميس 13 محرم 1444 هـ
...المزيد

حُسن العشرة بين المسلمين خلق اللهُ سبحانه وتعالى الخلْق مِن نفس واحدة هو آدم -عليه السلام-، ...

حُسن العشرة بين المسلمين


خلق اللهُ سبحانه وتعالى الخلْق مِن نفس واحدة هو آدم -عليه السلام-، وجعلهم على ملة واحدة هي الإسلام وأبطل ما سواه مِن الأديان، وحدّد الله تعالى للمسلمين شكل العلاقة فيما بينهم، فأمر أن تقوم على حسن المعاشرة والمعاملة، فهي مِن مكارم الأخلاق التي بُعث النبي -صلى الله عليه وسلم- لإتمامها، والتي لا بدّ للمسلم أن يتحلى بها في علاقاته ومعاملاته مع سائر إخوانه، فبها تلين قلوبهم، وتقوى علائقهم فيما بينهم، فتكون عونًا لهم على مواصلة طريق الإيمان، كما قال ابن حزم في رسائله: "مَن طلب الفضائل لم يساير إلا أهلها، ولم يرافق في تلك الطريق إلا أكرم صديق: مِن أهل المواساة والبر والصدق وكرم العشرة، والصبر والوفاء والأمانة والحلم، وصفاء الضمائر وصحة المودة".


• حثّ الإسلام على حسن العشرة

ولو تأملنا كتاب ربنا -سبحانه وتعالى- وسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم-، لوجدنا الكثير من الآيات والأحاديث التي تحث المسلمين على حسن العشرة فيما بينهم بالأقوال والأفعال، ومِن ذلك قوله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} [الإسراء]، قال ابن كثير: "يأمر تعالى رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة، فإنهم إذ لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة" [تفسير ابن كثير].

وشمل الخطاب بحسن العشرة بين المسلمين كل جوانب الحياة، الخاصة منها والعامة، وخصوصا الوالدين، فقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء].

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ ولا يحقره، التقوى ها هنا -وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَثَ مَرَّاتٍ-، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضِه).

بل إن الله تعالى أمر بحسن العشرة بين المسلمين في أدق تفاصيل حياتهم على صعيد البيت والأسرة، فأمر بحسن معاشرة الزوج لزوجته، فقال سبحانه: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء]، قال ابن كثير: "أَيْ: طيِّبُوا أَقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وحَسّنُوا أَفْعَالَكُمْ وَهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ، كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا، فَافْعَلْ أَنْتَ بِهَا مِثْلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُم لأهْلي)، وَكَانَ مِنْ أَخْلَاقِهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ جَمِيل العِشْرَة دَائِمُ البِشْرِ، يُداعِبُ أهلَه، ويَتَلَطَّفُ بِهِمْ، ويُوسِّعُهُم نَفَقَته، ويُضاحِك نساءَه" [تفسير ابن كثير].


• خُلق النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته

ولقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- مع علوّ قدره ورفعة منزلته عند الله تعالى؛ حسن العشرة مع أصحابه وأهله وسائر المسلمين، وقد مدحه الله على ذلك فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران]، قال أهل التفسير: "أي: برحمة الله لك ولأصحابك، منَّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك".

وقد أمرنا الله تعالى بالاقتداء به والتأسي بهديه -صلى الله عليه وسلم-، وكان من حسن عشرته ما قاله ابن القيم -رحمه الله- واصفا إيّاه: "كان -صلى الله عليه وسلم- يخصف نعله، ويرفع ثوبه، ويحلب الشاة لأهله، ويعلف البعير، ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى أيسر شيء!، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- هيّن المؤونة، لين الخلق، كريم الطبع، جميل المعاشرة، طلق الوجه، بسّاما متواضعا من غير ذلة، جوادا من غير سرف، رقيق القلب، رحيما بكل مسلم، خافض الجناح للمؤمنين، ليّن الجانب لهم" [مدارج السالكين].ولقد فقه الصحابة أهمية حسن العشرة بين المسلمين، دون ارتباط بنسب أو مال أو مصلحة، فضربوا أروع الأمثلة في ذلك، فهذا الصحابي الجليل سعد بن الربيع لمّا آخى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، كان مِن حسن عشرته مع أخيه عجبًا، إذْ قدّم له نصف ماله بل وأن يختار إحدى زوجتيه إنْ أراد ذلك، فعَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: "قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ، فَآخَى النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِك" [البخاري].


• ثمار حسن العشرة

وإن لحسن العشرة بين المسلمين فضائل وثمارا في الدنيا والآخرة، فهو من أسباب قوة المسلمين وترابطهم، لما يحققه ذلك من التئام الصف ووحدة الكلمة، فيصيرون بذلك صفا واحدا لا عداوة بينهم ولا بغضاء، ولا تدابر ولا شحناء، كما إنه مِن أسباب وضع القَبول للعبد بين الناس، فإن طبائع الناس تميل لمن كان حسن العشرة ليّن الجانب، وفي المقابل تنفر وتنفضّ ممن كان غليظا قاسيا سيئ المعاملة.

أما في الآخرة فإن حسن العشرة يكون سببًا في تجاوز الله عن العبد يوم القيامة، كما في الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى مُعسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه؛ لعلَّ الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه) [رواه البخاري]، ويكون سببًا في رحمة الله للعبد، كما في الحديث عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (رحِم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى).

فإذا أيقنت أخي المسلم ما تقدّم الحديث عنه، كان لزامًا عليك أن تسير على ما سار عليه الكرام الأولون، النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه والتابعون، فانهل من بحر أخلاقهم وطيب خصالهم، واحرص على حسن العشرة للمسلمين، واحفظ حقوقهم، فالدين إمّا حقوق لله تعالى، وإما حقوق لعباده، فعن أبي ذَرٍّ جُنْدُبِ بْنِ جُنَادةَ، وأبي عبْدِالرَّحْمنِ مُعاذِ بْنِ جبلٍ -رضيَ اللَّه عنهما- عنْ رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: (اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا، وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ) [رواهُ التِّرْمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ]، قَالَ ابن رجب -رحمه الله-: "وقوله -صلى الله عليه وسلم- (وخالق الناس بخلق حسن)، هذا من خصال التقوى، ولا تتم التقوى إلا به، وإنما أفرده -صلى الله عليه وسلم- بالذكر للحاجة إلى بيانه، فإن كثيرًا من الناس يظن أن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده!، فنصَّ -صلى الله عليه وسلم- له على الأمر بإحسان العشرة للناس". [جامع العلوم والحكم]

ولا شك أن ذلك في حقّ المجاهدين آكد، فإنه لا سبيل لإدراك المعالي إلا بالتواضع والتداني للمسلمين والإحسان إليهم، فبذلك تسوسهم وتقودهم إلى صلاح دينهم ودنياهم، وهو من أهم أسباب النصر والتوفيق، فائتوا منه ما استطعتم، وسلوا الله تعالى العون والصبر على ذلك، فإنه سبحانه خير معين، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 351
الخميس 13 محرم 1444 هـ
...المزيد

المتربصون الناعقون يحاول المنافقون ومَن لفّ لفهم، استغلال كل شاردة أو واردة للانتقاص من ...

المتربصون الناعقون


يحاول المنافقون ومَن لفّ لفهم، استغلال كل شاردة أو واردة للانتقاص من الجهاد وأهله، فلا يفوّتون فرصة يتوهّمون أنّ فيها مطعنًا في الجهاد والمجاهدين إلا سارعوا لإطلاق ألسنتهم بالهمز واللمز، وأقلامهم بالعداوة والبغضاء، فهم كما وصفهم ابن كثير رحمه الله: "لا يسلم أحدٌ مِن عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال". فهم ينعقون ضد المؤمنين مع كل ناعق.

وبات كثير من هؤلاء اليوم يتستّرون بلباس الناصحين المشفقين، ويظهرون بمظهر الحكماء الحريصين، ثم ما تلبث الأيام حتى تكشف لنا حقيقتهم وسوء مآربهم، وعندها يخلع هؤلاء أزياءهم وينتقلون من طور التستر إلى طور السفور، ويقرّرون الانحدار أكثر في دركات النفاق والعداء لأهل الحق، فيصيرون بوقًا للحكومات الكافرة والمرتدة، يردّدون ما تُردد، وينشرون ما تنشر، وقد كانوا من قبل يزعمون معاداتها، فلمّا وافقت أهواؤُهم أهواءها، حذوا حذوها واقتفوا سيرتها!، فتقاطعت مصالحُهم وتبادلوا أدوارهم، وتشابهت قلوبهم.

إنّ استغلال الأحداث تربّصا وطعنا بأهل الحق مسلك قديم سلكه مشركو قريش مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما كانوا يوظِّفون تأثير آيات القرآن الكريم في نفوس الناس على أنه "سحر وشعوذة"، أو يصوّرون دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- ورسالته العالمية، على أنها "طلب للرئاسة والزعامة"، أو يصفون نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم عن عبادة الأوثان والأنداد، بأنه "شتم وتسفيه للقادة والرموز"، أو يتهمون دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- القبائل إلى توحيد الله والولاء والبراء، بالتفريق بين أبناء القبيلة الواحدة! إلى غيرها من الطعونات والافتراءات.

ولم يكن غريبًا أن يسير على دربهم المنافقون بعد إقامة النبي -صلى الله عليه وسلم- للدولة الإسلامية في المدينة، فالكفار والمنافقون جنس واحد، وإن اختلفت ألوانهم ولغاتهم، فهذا كبيرهم "ابن سلول" يستغل رفض النبي -صلى الله عليه وسلم- لرأيه في غزوة أُحد -بخصوص الخروج من المدينة أو التحصّن فيها-؛ ويتحجّج بذلك لينسحب بثلث الجيش ويخذل المسلمين في هذا الظرف العصيب، أو كما طعن بعضهم بأمّ المؤمنين وزوجة رسول العالمين عائشة -رضي الله عنها- حينما أشاعوا عنها ما أشاعوا، حتى أنزل الله براءتها في كتابه العظيم في سورة النور، وفضحهم على رؤوس الأشهاد وعاملهم بنقيض قصدهم في الدنيا، فأبان للناس دخائلهم وكشف كذبهم، فصاروا عبرة لمن بعدهم.

ومن ضروب الطعن بالمؤمنين أيضًا ما وقع عندما امتثل الصحابة لأمر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- بالصدقات، فجاء غنيُّهم وفقيرُهم بالصدقات طاعة وقربة لله تعالى، وعندها طعن المنافقون في الطرفين! فلمزوا المطوعين بالمال الكثير بالرياء!، وسخروا من المتصدقين بالقليل زاعمين أنّ الله غني عن هذا!، وحول ذلك قال المفسّرون: "هذا أيضًا من مخازي المنافقين، فكانوا -قبّحهم اللّه- لا يدعون شيئا من أمور الإسلام والمسلمين يرون لهم مقالا، إلا قالوا وطعنوا بغيا وعدوانا".

وما زال هذا الأسلوب، يتوارثه المنافقون، صاغرا عن صاغر، وحاقدا عن حاقد، فلا يخلو منه زمان جمع أهل الحق وأهل الباطل، فهو صفحة من صفحات الصراع بينهما ومشهد من مشاهده، فلا غرابة أن نجده يتكرر في زماننا هذا، بوسائل جديدة وأشكال حديثة لكنها بدوافع قديمة وأحقاد متوارثة، فنرى اليوم المنافقين وأشياعهم وقد تصدّروا الفضائيات والمجلات، وروّجت لهم المواقع والقنوات؛ وعكفوا جميعا على مدار الساعة يتربصون بكل ما يصدر عن المجاهدين، ويتفحّصون كل كلمة وعبارة، ويرصدون كل حركة وسكنة، لعلهم يجدون فيها بغيتهم في الطعن والتشويه، أو يصنعون منها مادة يناوئون بها المجاهدين، لعلهم يطفئون نار الغيظ والحقد الذي تخفيه صدورهم وتفضحه جوارحهم وزلات لسانهم، رغم محاولة الكثيرين منهم الظهور بمظهر "المحايدين" أو "الناصحين" أو "المصلحين" ألا إنهم هم المفسدون، كما وصفهم الله تعالى في كتابه، فقال سبحانه عن المنافقين: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ}، قال ابن كثير: "ألا إن هذا الذي يعتمدونه، ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادا".إن غاية كثير من هؤلاء المنافقين والمتربصين الذين نبأنا الله مِن أخبارهم، وكشف لنا صفاتهم، هي أن يميل المجاهدون عن صراط الله المستقيم، الذي تحمّلوا تبعاته طلبًا لرضاه سبحانه، فيما تكاسل المنافقون والمتساقطون عنه واستصعبوه واستثقلوه، لأنه يفوّت عليهم كثيرا من حظوظ أنفسهم وملذات دنياهم، فآثروا الفانية على الباقية، ولم يكتفوا بذلك، بل ودّ هؤلاء أن يزيغ المجاهدون عن الطريق كما زاغوا، وأن يحيدوا عن الجهاد كما حادوا فيكونوا سواء! حسدا من عند أنفسهم، وإقناعًا لها بأنها على شيء! فيسلقون المجاهدين بألسنة حداد، إنْ رأوا حسنةً منهم دفنوها، أو إلى غيرهم نسبوها، وإنْ رأوا سيئةً أذاعوها وضخّموها! وكل ذلك مواساةً لأنفسهم المعتلّة وهروبًا من مصارحتها بالحقيقة المرة التي يعجزون عن الاعتراف بها، ويجبنون عن مواجهتها، فيلجأون بدلا من ذلك إلى انتقاص المجاهدين والطعن بهم وتتبع زلاتهم وتخطئتهم، ورغم كل ذلك يبقى القلق والريبة تعشعش في قلوبهم، وكلما ازدادوا طعنا وتشويها في المجاهدين، زادت حسراتهم وزفراتهم، فهم يعيشون في صراع نفسي لا ينتهي!، قال تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام].

أما جنود الخلافة فهم يسيرون والحمد لله في طريق جهادهم على بصيرة من أمرهم، لا يضرهم المنافقون ولا المتساقطون ولا المتربصون وكل الناعقين، لأنهم يتبعون سبيلا سماويا ربانيا يبتغون فيه مرضاة الله تعالى وحده، ويقدّمون أمره تعالى على كل أمر سواه، وهم لا يدّعون العصمة فهم بشرٌ يصيبون ويخطئون، لكنهم على التوحيد ماضون وعنه لا يتخلون بإذن الله تعالى، فليقل المنافقون والمتربصون عنهم ما شاءوا، وليحرّفوا الكلم عن مواضعه كلما أرادوا، وليملؤوا الفضائيات والصحف والمواقع طعنًا وتشويهًا وإرجافًا، فلن يغيّروا من واقع الأمر شيئا، فالله تعالى لن يُخلف وعده لعباده المجاهدين، وسيخزي الله الكافرين والمنافقين وأشياعهم، وينصر من آمن به وجاهد في سبيله حقّ جهاده، ويهديهم سبل الرشاد، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 351
الخميس 13 محرم 1444 هـ
...المزيد

• فاتحة الكتاب وعندما تدخل في كنف فاتحة الكتاب، فعليك أن تتدبر معنى كل كلمة تتلوها، وتشعر أنك ...

• فاتحة الكتاب

وعندما تدخل في كنف فاتحة الكتاب، فعليك أن تتدبر معنى كل كلمة تتلوها، وتشعر أنك تتحدث إلى مولاك سبحانه، فقد جاء في الحديث القدسي أنّ الله تعالى قال: (قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) [رواه مسلم].

أفيجدر بك أن تلفتَ قلبك عن هذا المشهد الإيماني وتذهب بك الخواطر والشوارد ذات اليمين وذات الشمال؛ عن أنْ تُيمّم قصدك وتجمع قلبك على "أمِّ الكتاب" التي تضمنت نداء الفطرة الذي يجيش في باطن كل مسلم حين تدلهم الخطوب وتشتد الكروب: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، ذلك الميثاق الذي يُجدده العبد مع خالقه كل يوم في كل صلاة، فإذا ما فرغت مِن صلاتك، فاجعل هذا الميثاق ميزانا لك تزن به أفعالك وأقوالك وأحوالك، حتى يحين موعد الصلاة الأخرى وهكذا دواليك، فضع هذا الميثاق في قلبك ونصب عينيك حتى يأتيك اليقين.


• طلب الهداية

وإنّ مِن رحمة الله بعباده أن هداهم إلى طلب الهداية في فاتحة الكتاب، فالعبد أحوج إلى الهداية من حاجته إلى الطعام والشراب، ولكن تنبّه لقلبك وليكن حاضرا منكسرا عند طلبها، فالقلب الغافل بعيد عن نيل هذه الهداية، فعن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه) [الترمذي]، فعلى من يطلب هذه الهداية أن يطلبها بصدق وحضور قلب، فهي حقا تكتنف القلوب المنيبة المنكسرة فتحوطها بالبركات لتسير على صراط أهل التقى والإيمان، أهل السبق والإحسان، وهي عند مسيرها تتفيؤ ظلال شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وتتنسم عبير رياح طيبة تدفع مراكب المؤمنين نحو برّ الهدى والنجاة.


• بين الركوع والسجود

ثم تأمل حالك وأنت تخرّ راكعا لربك، مُطأطئا هامتك متذللا خاضعا لمولاك، وكأنك تقول: يا رب ها أنا ذا أوفي لك بعهدي، ها أنا ذا قد خضعت وانقدت لك، ها أنا ذا قد ذللت واستَكَنْتُ، "اللهم لك ركعت وبك آمنت، ولك أسلمت، أنت ربي، خشع سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي، وما استقلت به قدمي لله رب العالمين"، ولتتذكر وأنت مطأطئ هامتك أنك لن تذل ولن تخضع إلا لله وحده، ولا ترفع رأسك قبل أن تعد العزم على أنك ستديم هذا الانقياد والخضوع لله تعالى ما حييت.

فإذا ما هويت إلى السجود، تطامنت أعضاؤك وخرّ جبينُك، فإذا سجدتْ أعضاؤك فليسجد قلبك وسائر جوارحك، فأنت في كنف السجود العظيم، وأقرب ما تكون مِن الله صاحب الكرم والجود، فأكثِر من الدعوات، فإن في السجود شرفا للمؤمن وأي شرف؟ شرف القرب من مولاه، فلتعبد الله تعالى كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك، قال تعالى: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء 218-219]، وإن كان الركوع يدل على الخضوع والانقياد، فالسجود هو تمام التذلل والافتقار، ولمّا يدنو العبد دنو الكرامة فهو يسمو بروحه، فسبحان من جعل النفوس تسمو حين تدنو له، وتُعزُّ إذْ تتذلل وتفتقر إليه تعالى.


• من أعظم وسائل الثبات

وقد أمر سبحانه عباده المؤمنين أن يستعينوا بالصلاة فقال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 45-46]، فمَن حقق الخشوع وصلّى صلاة مودّع، كانت له خير عون على معالي الأمور، ولا سيّما في ميدان الجهاد، فالصلاة من أعظم وسائل الثبات أمام جيوش الطغاة، قال تعالى: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]، ولذا، فمن ابتغى الفلاح والثبات فحري به أن يُعطي الصلاة قدرها، ويعظّم أمرها، ويقيمها إقامة القانتين الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا الله وأنهم إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 350
الخميس 6 محرم 1444 هـ
...المزيد

تأملات في أكناف الصلاة إن الفلاح متحققٌ بتزكية النفوس لقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن ...

تأملات في أكناف الصلاة


إن الفلاح متحققٌ بتزكية النفوس لقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}، ولا سبيل إلى تزكيتها إلا بفعل الطاعات واجتناب المنهيات، ولا شك أن مِن أعظم الطاعات تزكيةً للنفوس هي الصلاة التي فرضها الله في السماء السابعة ليلة الإسراء والمعراج، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ}، قال ابن كثير: "أي: أقام الصلاة في أوقاتها؛ ابتغاء رضوان الله وطاعة لأمر الله".

وقد أمرنا الله تعالى بالمحافظة على الصلاة والخشوع فيها، فقال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}، وأثنى الله على الذين يقيمونها إقامة تليق بعِظم الموقف وجلال الأمر، فقال تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ}، والمُتدبر في هذه الآيات يجد أنّ مدار الصلاة يدور حول المداومة عليها والقنوت والخشوع والوجل والإخبات والصبر؛ وكل ذلك وغيره من معاني وأسرار الصلاة التي على المسلم أن يتأملها ويستحضرها قبل وأثناء وبعد الصلاة، لتغدو سراجًا منيرًا له في طريقه نحو تحقيق الفلاح المنشود.

وإن في الصلاة مِن التذكرة ما يجعلها وازعًا إيمانيًا وزاجرًا للنفوس عن داعي الفحشاء والمنكر لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "في الآية بيان لما تتضمنه من دفع المفاسد والمضار، فإن النفس إذا قام بها ذكر الله ودعاؤه -لا سيما على وجه الخصوص- أكسبها ذلك صبغة صالحة تنهاها عن الفحشاء والمنكر كما يحسه الإنسان من نفسه، ولهذا قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} فإن القلب يحصل له من الفرح والسرور وقرة العين ما يغنيه عن اللذات المكروهة، ويحصل له من الخشية والتعظيم لله والمهابة" [مجموع الفتاوى].


• الوقوف بين يدي الله

فإذا ما نادى المنادي: الله أكبر.. حيّ على الصلاة، فعليك أخي المسلم أن تسارع إلى قطع علائق الحياة والاستجابة لنداء الإيمان، وأن تتأمل حالك وأنت في وضوئك كحال مَن غسلوه وسجوه بالكفن، وقد أزف لقاؤه مع مولاه، ولذا رُوي أنّ عليا بن الحسين كان "إذا فرغ من وضوئه للصلاة، وصار بين وضوئه وصلاته؛ أخذته رعدة ونفضة، فقيل له في ذلك، فقال: ويحكم أتدرون إلى مَن أقوم، ومن أريد أن أناجي" [حلية الأولياء].

وعندما تنصب قدم العبودية وتقف بين يدي مولاك للصلاة، فجدير بك أن تستشعر ضعفك وفقرك وحاجتك إليه تعالى، وأن تتذكر يوم قدومك على الله فردا، بلا أنيس ولا حبيب، ولا صديق ولا قريب، ما خلا نفسك وما كسبت يداك، قال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وحول ذلك يقول ابن القيم -رحمه الله-: "للعبد بين يدي الله موقفان: موقف بين يديه في الصلاة، وموقف بين يديه يوم لقائه، فمن قام بحق الموقف الأول؛ هون عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا الموقف ولم يوفه حقه؛ شدد عليه ذلك الموقف" [الفوائد].


• تكبيرة الإحرام

وعندما ترفع يديك لتكبيرة الإحرام، عليك أن تستشعر بقلبك أنك أسلمت أمرك واستسلمت لمولاك خاضعا ذليلا منقادا له وحده، فتكون تكبيرة الإحرام إيذانا بانقطاع العبد بكليته عن كل ما سوى الله تعالى، تاركا الدنيا خلف ظهره، مقبلا على ربه، فالله أكبر ظاهرا وباطنا، والله أكبر من كل معبود ومطلوب، والله أكبر هي الزاجر الذي يحوط النفس أن تسنح وترتع في الخواطر والشوارد، والله أكبر في قلوب الخاشعين غاية ورغبة ورهبة وخشية ومحبة وشوقا، فحقّ لهذا التكبير والتعظيم أن تتلاشى أمامه كل النوازع والصوارف والشواغل، وأن يتملك قلوب المصلين الخاشعين، فيكون مقام الله تعالى عندهم أكبر وأعظم من كل مقام، عندها تصبح تكبيرة الإحرام واقعا لا شعارا.
...المزيد

مقال: فلنُحيينّه حياة طيبة خلق اللهُ الإنسان روحًا وجسدًا، وجعل للأرواح غذاء كما للأجساد ...

مقال: فلنُحيينّه حياة طيبة


خلق اللهُ الإنسان روحًا وجسدًا، وجعل للأرواح غذاء كما للأجساد غذاء، فكما أن غذاء الأجساد الطعام والشراب، فقد جعل سبحانه غذاء الأرواح هو الإيمان به تعالى والتقرب إليه بالطاعات والقربات، فمَن أعرض عن هذا الغذاء الربّاني يحيى حياة الضنك والضيق النفسي، الذي أخطأ تشخيصه الأطباء والخبراء، فأخطأوا تبعًا لذلك توصيف العلاج، وراحوا يُطعمون الأجساد بشتى الملذات، ولم يدركوا أنهم كمن يشرب من ماء البحر الذي لا يزيد شاربه إلا عطشًا، أما المؤمنون فهم في حياة أخرى، حياة طيبة وعيشة هنية، عبّر عنها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "إنّ في الدنيا جنة من لم يدخلها، لم يدخل جنة الآخرة!".


• حياة طيبة

إنّ جزاء امتثال النفس لأمر خالقها بالعمل الصالح أنه تعالى يُحييها حياة طيبة في هذه الحياة الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً..} [النحل]، قال ابن القيم رحمه الله: "والصواب أنها حياة القلب، ونعيمه وبهجته وسروره بالإيمان ومعرفة الله ومحبته والإنابة إليه والتوكُّل عليه، فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنَّة" [مدارج السالكين]، فهي إذن حياة القلب ورضاه، واطمئنان النفس وسكونها، بالتوكل على ربها في كل أمر يصيبها، والرضى بأقداره عليها أيا كانت، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، و إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) [رواه مسلم]، وهكذا يعيش أهل الإيمان هذه الحياة الراضية الهنية، لا يبالون بما في الدنيا من متاع حصلوا عليه أو مُنعوا منه، فالدنيا خارج قلوبهم لا داخلها، إلى الحد الذي وصفه التابعي إبراهيم بن أدهم رحمه الله فقال: "لو عَلِم الملوكُ وأبناءُ الملوك ما نحن فيه -أي: من الراحة النفسية- لجالَدُونا عليه بالسيوف" [البداية والنهاية]، وهذه الراحة تتفاوت فيها النفوس بتفاوت الإيمان والعمل الصالح بينها، فكلما زاد إيمان العبد بربه زادت راحته النفسية واطمأن قلبه، ومعلوم أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.


• معيشة ضنكى!

في المقابل، نجد نفوسا قد أكلتها هموم الدنيا، ونخرت قلوبها حسرات فواتها، وصار متاعها أكبر همّها ومبلغ جهدها، دون انتباه لزاد النفس الذي لا يستقر نهمها إلا به، ولا تشبع من ملذات الدنيا بدونه، فالنفس تحتاج إلى الإيمان والعمل الصالح كي تعيش حياة مستقرة، يستقر معها الجسد وتُكبح شهواته، ويقنع منها بالقليل الحلال، فالإنسان معلوم أنه روح وجسد، ولا ينفع ملء الروح بملذات الجسد، وإلّا فلن يشبع الجسد ولا الروح، وقد أخطأ أكثر بني آدم هذا، فراحوا يُشبعون أجسادهم بشتى الملذات طلبا للراحة النفسية، التي لن يجدوها دون الإيمان بالله حق الإيمان، فأعقبهم معيشة ضنكى دفعت كثيرا من طلاب الدنيا إلى أن يُنهوا حياتهم بقتل أنفسهم! نسأل الله السلامة والعافية، وكل ذلك، بسبب إعراضهم عن ذكر الله والإيمان به، قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ} [طه]، قال ابن كثير رحمه الله:" أي: في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعّم ظاهره، ولبس ما شاء وأكل ما شاء!، وسكن حيث شاء!، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة".• نماذج من الحياة الطيبة

وقد حكى ابن القيم عن شيخه ابن تيمية رحمهما الله: "قال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنَّتي وبستاني في صدري، أين رُحتُ فهي معي لا تفارقني، إنَّ حبسي خلْوة، وقَتْلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، ولما دخل إلى القلعة (سجن القلعة)، وصار داخل سُورها نظر إليه، وقال: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد]، وعَلِم الله ما رأيتُ أحدًا أطيب عيشًا منه قطُّ، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسَرِّهم نفْسًا، تَلُوح نَضْرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منَّا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه فما هو إلَّا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كلُّه، وينقلب انشراحًا وقوَّة ويقينًا وطمأنينة، فسُبحان مَن أشهد عباده جنَّته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطِيبها ما استفرغ قُوَاهم لطلبها والمسابقة إليها" [الوابل الصيب]، وقال في مدراج السالكين: "قال بعض العارفين: إنه لَيَمرُّ بالقلب أوقات أقول: إنْ كان أهل الجنة في مثل هذا إنَّهم لَفِي عيش طيِّب!، وقال بعض المحبِّين: مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطْيَب ما فيها، قالوا: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبَّة الله والأُنْس به، والشوق إلى لقائه، والإقبال عليه، والإعراض عمَّا سواه".


• الجهاد يذهب الهم والغم

ذكرنا أن الله تعالى يُحيي من عمل صالحا من عباده حياة طيبة، ولما كان الجهاد ذروة سنام الأعمال الصالحة، كان للمجاهد من الحياة الطيبة والراحة النفسية ما ليس عند غيره، وكثيرا ما كنا نسمع المجاهدين وهم يرددون: "نحن في سعادة ما يعلم بها إلا الله عز وجل"، يقولون هذا، رغم ما يمرون به أحيانا من شظف العيش وقسوة الحال وتكالب الكفار عليهم، فالحال إذن كما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (جاهِدوا في سبيلِ الله، فإنَّ الجهادَ في سَبيلِ اللهِ بابٌ من أبوابِ الجنَّةِ، يُنجِّي اللهُ تباركَ وتعالى بهِ من الهمِّ والغمِّ) [الطبراني]، وفي ذلك وصية لكثير من شباب المسلمين الذين أكلت الهموم قلوبهم ومزقتهم الدنيا وشواغلها؛ أنْ هلمّوا إلى ساحات الجهاد والتحقوا بركب المجاهدين تسعدون في دنياكم وآخرتكم ويزل عنكم ما أنتم فيه من هموم وأكدار وضياع.

نسأل الله أن يجعلنا ممن آمن وعمل صالحا وجاهد في سبيله، إنه رحيم كريم مجيب.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 350
الخميس 6 محرم 1444 هـ
...المزيد

الصراعُ الرافضي في العراق يزداد الصراع الداخلي بين رافضة العراق احتدامًا، وتتسع دائرته ...

الصراعُ الرافضي في العراق


يزداد الصراع الداخلي بين رافضة العراق احتدامًا، وتتسع دائرته وتتعمّق جذوره يومًا بعد يوم، فتنشأ بينهم خلافات جديدة، وتثور خلافات قديمة ظلت كامنة لسنوات حفاظًا على ما أسموه "وحدة البيت الشيعي"، أو خوفًا مِن أنْ تشغلهم خلافاتهم عن التفرغ لمحاربة المجاهدين، أو خشية أنْ تستغلها الأحزاب الكردية المرتدة لصالحها، ومع ذلك فقد وصل الصراع الرافضي اليوم إلى مرحلة حرجة لا يمكنهم فيها مراعاة تلك "المصالح" أو تجنُّب تلك "المخاوف" في ظل غياب الحلول وتتابع الأزمات.

ويطغى على الصراع الرافضي كثير من التناقضات التي لا تنتهي، حيث ينقسم الرافضة في العراق إلى طرفين رئيسين -على الأقل- يُناطح كل منهما الآخر على السلطة والحكم، ويتهم الطرفان المتناحران كل منهما الآخر بـ"العمالة لجهات خارجية"، فالأول يتهم خصمه بالعمالة لـ"أمريكا ودول الخليج" برغم أن أمريكا هي مَن أوصلتهم جميعا إلى سدة الحكم على ظهور الدبابات، بينما يتهم الطرف الثاني خصمه بالتبعية والولاء لإيران و"تقديم مصالحها على مصالح العراق" ويعيّروهم بذلك، في الوقت الذي يؤكّد فيه الطرفان على ولائهم التاريخي للطاغوت "الخميني" مؤسس إيران وثورتها الرافضية التي أهلكت الحرث والنسل في بلاد المسلمين.

ولا ينتهي تناقض الرافضة عند هذا الحد، بل يتهم الطرفان المتصارعان بعضهما بالسرقة والفساد المالي، في حين أن كليهما مشارك في الحكومات الفاشلة المتعاقبة على النهب والفساد والإفساد في العراق، ولكلا الطرفين "ملفات فساد" تنوء بحملها الجبال، إلى غيرها من التناقضات الصارخة المفضوحة المعهودة عن الرافضة.

دولياً، يبدو الدور الأمريكي فاترًا في محاولة لملمة وسوق القطيع الرافضي إلى بيت الطاعة كما كانت تفعل أمريكا سابقا، وهو ما شكّل قلقًا لدى إيران التي تدرك أن انفلات البيت الرافضي في العراق يعني بالضرورة الإضرار بمصالحها في المنطقة، وهو ما دفع بإيران إلى إرسال أبرز قادتها إلى العراق في محاولة لنزع فتيل الأزمة بين الفرقاء الرافضة قبل الوصول إلى "مرحلة اللاعودة" مع تنامي الحديث عن إمكانية وقوع "حرب أهلية" بين الرافضة، لكن يبدو أن إيران تفشل حتى اللحظة بأداء المهمة الأمريكية السابقة!

وعلى الصعيد الآخر، تبقى الأحزاب المرتدة المحسوبة على أهل السنة، والمشاركة في هذه "العملية السياسية" البائسة هي الطرف الأذل الأضعف، الذي ينتظر تكشّف الأوضاع، ليتحالف مع المنتصر -أيّا كان- ويكون تابعا حليفا له، كعادتهم منذ سقوط النظام البعثي الكافر قبل نحو عقدين من الزمان.

وبينما يزداد المشهد الرافضي تعقيدا وانقساما، تزداد صفوف المجاهدين وحدة والتئاما بفضل الله تعالى، وهذا يستوجب من المجاهدين شكر الله تعالى على هذه النعمة الكبيرة والمحافظة عليها، فإن وحدة الصف واجتماع الكلمة سبب رئيس من أسباب النصر على الأعداء، التزاما بأمر الله تعالى القائل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، قال الإمام الطبري رحمه الله: "وتمسَّكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عَهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله".[التفسير]

فالوحدة بين المسلمين واجب شرعي لا يتحقق إلا باتباع الحق والتسليم لأمر الله تعالى، وهو ما طبّقته الدولة الإسلامية بين المجاهدين في سائر ولاياتها، وبين عامة المسلمين الذين يعيشون في مناطقها، واضعين نصب أعينهم قول الله تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال]، فكما إن الوحدة تؤدي إلى النصر والقوة، فإن النزاع يؤدي إلى الفشل والضعف وتسلط العدو، لذلك كان لا بُدّ من سدّ كل الذرائع -صغيرها وكبيرها- التي قد تؤدي إلى تفرق صفوف المسلمين أو زرع الفتنة بينهم.وفي هذا المقام نُذكّر أهل السنة في العراق، أنه مهما تغيّرت الأحوال وتبدّل اللاعبون في الساحة السياسية؛ فإنّ عليهم أن لا ينتظروا أو يتوقّعوا خيرا من هذه الأحزاب الرافضية على اختلاف محاورها؛ الإيراني منها أو الأمريكي، فهم جميعا يدينون بالعداء لأهل السنة ويرون وجوب قتلهم واستحلال أعراضهم وأموالهم!، وبالتوازي مع ذلك فإنّ على أهل السنة أيضًا أنْ يغسلوا أيديهم من الأحزاب المرتدة المحسوبة عليهم، وأن لا ينخدعوا بها مجددا، وأن يكفروا بها ويعادوها، فجميع هذه الأحزاب مع الرافضة في خندق واحد ضد المسلمين، والواقع والتاريخ يؤكد ذلك.

كما حريٌّ بأهل السنة في العراق أن يستخلصوا الدروس والعبر مِن سنوات التيه التي عاشوها بعيدا عن منهاج النبوة، ولهثًا وراء حطام الدنيا الذي لم يُبق لهم منه الرافضة إلا الفتات مغموسا بدماء أبنائهم، وأن يدركوا أنه لا حلّ لما هم فيه من الاستضعاف إلا بالجهاد في سبيل الله تعالى، فإن تعذّر عليهم الجهاد بأنفسهم، فلا أقلّ مِن دعم المجاهدين في سبيل الله وإيوائهم ونصرتهم في حربهم، ونذكّرهم بما قاله لهم الشيخ أبو محمد العدناني رحمه الله قبل عقد من الزمان: "إنّ الدولة الإسلامية ما وُجدت إلا للدفاع عنكم، وحفظ حقوقكم، والوقوف في وجه أعدائكم، وإنّ الدولة الإسلامية هي أملكم الوحيد الصادق -بعد الله عز وجل- للخروج من النفق المظلم الذي أدخلكم فيه زعماؤكم وممثلوكم بتحالفهم مع الرافضة".

فالمجاهدون كانوا -بتوفيق الله تعالى- الطرف الوحيد الذي شخّص الداء بدقة، وما زالوا مستمرين في علاجه إلى أن يطهّروا بلاد الرافدين منه -بإذن الله تعالى-، فإن الرافضة داء ليس له إلا السيف دواء، فاللهم وحّد صفوف المسلمين وأدم ألفتهم، وخالف اللهم بين كلمة المشركين ومزّق صفوفهم وأسقط مُلكهم وانصرنا عليهم، إنك وليُّ ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 350
الخميس 6 محرم 1444 هـ
...المزيد

• حاسبوا أنفسكم ويقف الراغب في الآخرة أيضا موقف المُحاسب لنفسه فيما مضى عليه من الشهور في عامه ...

• حاسبوا أنفسكم

ويقف الراغب في الآخرة أيضا موقف المُحاسب لنفسه فيما مضى عليه من الشهور في عامه الماضي، وينظر في أعماله أمِنَ الجنة تُدنيه أم إلى النار تُرديه؟ أللموت مستعد وللقاء ربه مُعِدّ؟ وهل من توبة نصوح تُمحي الذنوب المُثقلات؟ أتخذتَ خليلا مُجدّا مُعينا؟ أم رفيقا مثبّطا مُضيّعا؟ وهل تعلمتَ ما يرفعك عند ربك مقاما؟، أم جرّكَ الجهلُ لزامًا؟ … إلى غيرها من الأسئلة التي على المسلم أن يحاسب بها نفسه.

وهذه المحاسبة تحث المؤمن على الاجتهاد فيما يقدم عليه من أيام وأعوام، فإن من حاسب نفسه هو الفَطِن، جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله) [الترمذي]، ومعنى (دان نفسه): أي حاسب نفسه، ومَن لم يحاسب نفسه؛ تخطفته الأماني فهو لها أسير، لا يحسن إلا الكلام، ويتقدم عليه الزمن وهو حبيس التيه والغفلة والضياع، والله المستعان.


• العام الهجري

ويذكّر العام الهجري المؤمن بهجرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- حين خرج مهاجرا مفارقا ديار المشركين، وبعدها أذن الله له في جهادهم؛ إذْ الهجرة أولى خطوات ظهور الحق بقوة وسلطان، وقد اختار عمر رضي الله عنه ابتداء تاريخ المسلمين بالهجرة لأنها البداية الحقيقية للإسلام وهي تبيان الولاء والبراء، والمفاصلة بين الإسلام والجاهلية، فقال: "بل نؤرخ لمهاجرة رسول الله، فإن مهاجرته فرق بين الحق والباطل" [الكامل في التاريخ].

فبداية العام الهجري ابتداء لتجديد النوايا والعزائم ورفع الهمم وإعادة الانطلاقة، ولفتة إلى الجد والاجتهاد، وإن الهجرة لتحيي معاني التضحية في أمة التوحيد؛ بترك الأهل والولد والدار من أجل هذا الدين، وتحيي أيضا معاني التجلّد وتحمّل الصعاب واستعذاب المرّ لبلوغ الغايات العالية، فهذا ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد هجرته للمدينة؛ دعوة وجهاد وإرشاد وتعليم وعمل بلا كلل أو ملل، وهكذا كان معه أصحابه رضي الله عنهم الذين تركوا الدنيا وراء ظهورهم طلبا لرضا الله وإعلاء لكلمته عز وجل.

ويُذكّر العام الهجري أيضا بالاعتزاز بدين الإسلام وتأريخه، والاستغناء به عمّا عند الكافرين من تأريخ أو هدي أو مظهر، فقد أغنانا الله بهذا الدين فأتمه وأكمله، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، ناهيك عن أفضلية التأريخ الهجري القمري لتعلّق العبادات به، ولذلك قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189]، وليس من هدي السلف الصالح التهاني بداية العام أو تخصيصه بكلام.

وحري بكل من يعمل لهذا الدين وخاصة المجاهد في سبيل الله أن يكون ابتداء هذا العام فرصة لرسم الخطط وتحديد الأهداف وتدارك ما فات وتعويض التقصير وتجديد العزم، حتى لا يخرج عنه هذا العام إلا بأضعاف أعمال العام الماضي، والقاعد يحدّث نفسه بالنفير، والمجاهد المقاتل يحدّث نفسه بالإثخان في أعداء الله وتكثيف جهده، والداعي -على منهاج النبوة- بزيادة نشاطه لدعوة المسلمين لمنهج الحق، والإعلامي المجاهد بإيصال أخبار المجاهدين وبيان طريقهم للمسلمين في كل مكان، وكذا كل صاحب ثغر دونه ثغره فذاك ميدانه.

اللهم بارك لنا في أوقاتنا وأعمارنا وأعمالنا، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 349
الخميس 29 ذو الحجة 1443 هـ
...المزيد

باقيةٌ على خطى نبيّها -صلى الله عليه وسلم- حفل هذا العامُ بمحطات بارزة في مسيرة الدولة ...

باقيةٌ على خطى نبيّها -صلى الله عليه وسلم-


حفل هذا العامُ بمحطات بارزة في مسيرة الدولة الإسلامية، إذْ ابتدأ بالهجوم الكبير على مطار (كابل) والذي أسقط (31) قتيلا وجريحا من الجيش الأمريكي باعتراف "البنتاغون" بخلاف عشرات الجواسيس والمتعاقدين، ليرسم الهجوم معالم المرحلة ويبدّد أوهام الحالمين بالسلام مع أمريكا، وفي منتصف العام استيقظ الناس على أخبار هدم أسوار (سجن غويران) في ملحمة أسطورية أذهلت العالم، وكانت آخر وأشرف الإنجازات في عهد الخليفة أبي إبراهيم القرشي (رحمه الله)، ليُقتل بعدها في ملحمة أخرى بعد أنْ وفّى بوعده -نحسبه ولا نزكيه-، ثم بايع المسلمون الخليفة أبا الحسن القرشي (حفظه الله)، لتستمر عجلة الجهاد تدور، ولمّا ينتهي العام بعد حتى فاجأت الدولة الإسلامية العالم مجددًا بهدم أسوار سجن (كوجي) قرب العاصمة النيجيرية.

لقد كان عامًا حافلاً بنفس ما كانت تحفل به أعوامُ الدولة الإسلامية الأولى في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وعهد خلفائه الراشدين، جهادا ورباطا ودعوة، قتالا ومراغمة، محنا وصعابا وابتلاءات، عزيمة وصبرا وثباتا، وشريعةُ الله تعالى لم تُعطّل، وحُكمه ماضٍ لم يُبدّل، والمسلمون في مناطقها يتفيئون ظلال الشريعة وينافحون عنها بدمائهم، بينما المنافقون تفرّغوا لهمزها ولمزها والطعن بها.

وفي جولة سريعة في تاريخ الدولة النبوية، وتحديدا في عام الأحزاب عندما حاصر "عشرة آلاف مقاتل" الدولة الإسلامية حتى بلغ الحال بالمسلمين مبلغًا صعبًا أصاب قائدهم وجنودهم، قال جابر -رضي الله عنه- في الحديث المطوّل: "لمّا حفر الخندق رأيت بالنّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- خمصا شديدا، فانكفأت إلى امرأتي، فقلت: هل عندك شيء؟ فإنّي رأيت برسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- خمصا شديدا.." [رواه الشيخان]، بل وصل الأمر بذراري ونساء المسلمين القابعين في وسط المدينة، أن يصبحوا تحت التهديد المباشر من يهود بني قريظة، بينما سائر رجال الدولة الإسلامية يرابطون عند الخندق!، حتى أنزل الله تعالى سورة في القرآن حملت اسم هذه المحنة {الأحزاب}.

وبعد ستة أعوام على هذه المحنة تُوفي النبي -صلى الله عليه وسلم-، ليتولى الحكم مِن بعده الخليفة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- والذي استلم الحكم في فترة عصيبة ارتدت فيها العرب إلا القليل، قال محمد بن إسحاق: "ارتدت العرب عند وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما خلا أهل المسجدين مكة والمدينة!" [البداية والنهاية]، فلم يبق على الإسلام إلا المدينة ومكة والطائف، وقرية صغيرة شرق الجزيرة، بل حتى أصبحت عاصمة الدولة الإسلامية تحت تهديد المرتدين من "بني أسد" لقربهم منها، وغدر المرتدون بكثير من المسلمين الذين كانوا في مناطقهم وفعلوا بهم الأفاعيل كما فعل مسيلمةُ الكذَّاب بمسلمي بني حنيفة، بل وصل الضعف بدولة الإسلام آنذاك أن تجرّأ المرتدون على عاصمتها، وأرسلوا وفودهم يساومون الخليفة ويشترطون عليه "إسلامًا بلا زكاة"، مقابل أن لا يُهاجموا المدينة، وأمام ذلك الموقف الصعب اقترح بعض المسلمين على الخليفة أنْ يوقف جيش أسامة الذي كان قد جهّزه النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل وفاته، ليعود الجيش إلى المدينة لحمايتها! وهنا وقف الصديق الأسيف موقفا حفظ الله به الدين، وقف صلبا حاسما الموقف، رافضا كل الاقتراحات والعروض، واثبا أمام طوفان الردة الجامح، قائلا: "والله لا أحلّ عقدة عقدها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو أن الطير تخطفنا والسباع من حول المدينة!، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة!، وآمر الحرس يكونون حول المدينة، فكان خروجه في ذلك الوقت من أكبر المصالح والحالة تلك". [البداية والنهاية].

إنّ ما فعله الصدّيق يُعد في عرف كثير من "أدعياء الجهاد" اليوم؛ "فشلا في تحييد الأعداء!" و"تهوّرا وانتحارا عسكريا!" و"عدم مراعاة لفقه الواقع والأولويات!" و"جهلا بالسياسة الشرعية!"، لكنه في الحقيقة كان الفقه الجهادي المفقود في عصر الحسابات البشرية المادية التي طغت على أهل هذا الزمان.هكذا كان حال دولة الإسلام في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وعهد خلفائه الراشدين، ومع ذلك لم نسمع أنّ أحدا مِن المسلمين أعاب على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه دولتهم، أو عدّها تجربة فاشلة للحكم الإسلامي، ولا طالب الصحابةُ النبي -صلى الله عليه وسلم- بترك أو تأجيل تحكيم الإسلام، والتماهي والانصياع لضغوطات "النظام العالمي" آنذاك، ولم يُعطّل النبي -صلى الله عليه وسلم- الشريعة وحكمها أو عدَل عنها إلى غيرها، وحاشاه -صلى الله عليه وسلم- وحاشا صحابته أن يفعلوا ذلك، بل بقيت دولتهم -على اختلاف أحوالها مدًا وجزرًا- دولة إسلام يحتكم إليها المسلمون ويدافعون عنها، ولم يقل أحد منهم إنها "فشلت" أو "انتهت" أو إنها "دولة وهمية" لا وجود لها إلا في أذهان أصحابها، ولم نجد في كتب السير المعتبرة أحدا ذمّ دولة الإسلام الأولى أو تنقّص منها، أو عكف على همزها ولمزها وتشويهها، بل احتفت كتب السير والمغازي ببطولات الدولة الإسلامية يوم الفتوحات والانتصارات، وأشادت بصبر قادتها وجنودها في المحن والملمّات، فكانت في قوتها وضعفها، وتمددها وانحسارها؛ دولة إسلام، تلك سيرة الدولة الإسلامية الأولى، وعلى خطاها تسير الدولة الإسلامية اليوم.

ولو قارنّا أحوال الدولة الإسلامية اليوم بأحوال أعدائها، فإن جنودها يعيشون وحدةً وترابطًا إيمانيًا في كل الولايات، بينما أعداؤها يعيشون تناحرًا وانقسامًا وتفرقًا يتصاعد كل يوم في كل الساحات؛ فالصليبيون حروبهم عادت دموية بعد أن كانت باردة! وبأسهم بينهم أشد من ذي قبل، والمعسكر الرافضي منقسمٌ على نفسه ولا حلّ لأزمته في الأفق، وجنوده باتوا يتهيّبون حتى مِن أحوال الطقس والمناخ إنْ اغبرّ أو احمرّ أو اصفرّ، فكل ألوانه بالنسبة إليهم نذُر شؤم تلوّح بالعذاب، وفصائل الصحوات في الشام تطحن وتفضح بعضها ولم تعد حقيقتها تخفى إلا على مَن أبى!، ومعارك الاستنزاف والمطاولة مستمرة في الخير والبركة والرقة، وأما في البادية فحدّث ولا حرج، وفي غرب إفريقية يتمدد الجهاد من الصحاري إلى المدن، وها هو يلتحق بمسيرة هدم الأسوار، وفي ولاية الساحل لقّن المجاهدون الجيوش والميليشيات المرتدة درسا لن ينسوه وأهلكوا منهم خلقا كثيرا، وفي وسط إفريقية وموزمبيق بات النصارى في دورة نزوح لا تنتهي، وباتت التجارة العالمية تحت تهديد المجاهدين!، أما في خراسان فاتساع رقعة الهجمات أرهق الميليشيا الوطنية المرتدة، واستنزف طاقتها حتى بدأ الصليبيون يشتكون، ويشكّون في قدرتها على الإيفاء بوعودها بمكافحة الجهاد، وفي سيناء وليبيا وشرق آسيا وغيرها إباء وثبات، وها هم المجاهدون في اليمن يعودون.

لقد مرّت خمسة عشر عاما على إعلان الدولة الإسلامية في العراق، وثمانية أعوام على تمددها وإعلانها دولة خلافة على منهاج النبوة؛ وما زالت باقية ماضية على نفس خطى الدولة النبوية الأولى وعلى منهاج قائدها الأول -صلى الله عليه وسلم-، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 349
الخميس 29 ذو الحجة 1443 هـمقال: مُضيٌّ وإقبال


الحمد لله القوي القهار، مكوّر الليل على النهار، والصلاة والسلام على النبي المختار وعلى آله وصحبه الأبرار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الفرار، أما بعد.

فقد خلق الله الخلق لغاية محددة، وجعل لهم أجلا هم بالغوه، وكتب لكل أمة أجلا ولكل امرئ أجله، والناس في هذه الدنيا يمرون على أطوار ومراحل حتى تنقضي بهم آجالهم، وهذا المرور مرهون بتقلب الليل والنهار فيُنتِجُ تقلبهما أياما وأسابيعَ ثم أشهرا وسنينا، يُسْلِم كلٌ منها الإنسانَ إلى ما يليه لينتهي به أجله، وكل يومٍ يدنّي للفتى الأجلَ.

تمر هذه الأزمان على أكثر الناس كمرّ الريح لا يلتفتون لها ولا تدق في قلوبهم عِبرٌ ولا يقظة، وما ذلك إلا لعُمق الغفلة وطول الضجعة، فلا يكاد أحدهم يفيق إلا على هجمة ملك الموت يخاطب روحه أن تخرج حيث لم يبقَ لها في الدنيا بقاءٌ وقد استوفت رزقها فلم يبق لها مثقال ذرة، وحينها لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، فأعقبه الندم وتوالت عليه الحسرات، قال ابن الجوزي رحمه الله: "عباد الله أيامكم مراحل تقطعونها، وساعاتكم مناهل تردونها، والموت يطوف عليكم بالليل والنهار، لا يؤخر من فقدت ساعاته وفرغت أيامه وأوقاته" [بستان الواعظين]


• أما أولوا الألباب

غير أنّ من عباد الله من يدرك سرّ هذا التقلب ويعتبر بليله ونهاره، ويَعظُمُ عنده انقضاء عامه، أولئك أولوا الألباب والعقول الراجحة التي فقهت هدف وجودها، وتنبّهت لما يُراد بها، فراجعت نفسها كل يوم أو أسبوع أو سنة، هم الذين قال الله فيهم: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ... لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]، وقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]، وقال أيضا: {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} [يونس: 6]، وقد قيل: "إنّ الليل والنهار يتراكضان كتراكض البريد، يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، وفي ذلك عباد الله ما يلهي عن الشهوات ويسلي عن اللذات ويرغب في الباقيات الصالحات" [العاقبة في ذكر الموت]


• أهمية الزمان

وعند مُضيِّ عام وإقبال آخر، تكون للراغب في الآخرة وقفات لا تكاد تغيب عنه، فأول ما يستوقفه تنبّهه لأهميّة الزمان، وأنه الخزينة التي تُملأ بأعمال العبد، وهي ماضية عليه ماضية، قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما"، فإنْ عمل فيهما خيرا سُرّ به في نهاية المطاف، وإنْ عمل بهما سوءا أو أمضاهما هملا أصابه الغبن في النهاية، وهو ما يرشد اللبيب أن يكون عامرا لوقته كله فيما ينفع نفسه وأمته، فيكون وقته ذخرا له في الآخرة، فعندما ينتهي العام لا يبقى منه إلا ما كان نتاجا من جهاد أو دعوة وعلم، ويذهب تعب الجد والاجتهاد وتبقى الثمار يانعة، وتُهمل كل ساعات الغفلة واللهو والضياع، فيعزم العاقل على ألا يمضي عليه عامه القابل كعامه الماضي، وفي الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما من قوم يجلسون مجلسا لا يذكرون الله فيه، إلا كانت عليهم حسرة يوم القيامة، وإن دخلوا الجنة) [النسائي]، وكانوا يندمون إذا لم يزدادوا فائدة من أيامهم، جاء عن بعض السلف: "كُلّ يوم يمر بي لا أزداد فِيه عِلماً يقربني من الله عَزَّ وَجَلَّ فلا بورك فِي طلوع شمس ذَلِكَ اليوم"، وقال الجنيد رحمه الله: "الوقت إذا فات لا يستدرك وليس شيء أعز من الوقت". وقال الحسن البصري رضي الله عنه: "أدركت أقواماً كَانُوا عَلَى أوقاتهم أشد منكمْ حرصاً عَلَى دراهمكم ودنانيركم" [شرح السنة].


• ذهاب العمر

ومما يستوقف الراغب في الآخرة أن ذهاب عمره كله كذهاب عامه المنصرم، فكما أنه جنى من عامه هذا يسيرا أو كثيرا، فكذلك يجني من عمره يوم القيامة عندما يقف بين يدي الله ويحاسبه (عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه)، وكما قيل: "مَنْ كَانَتْ مطيتُه اللّيلَ والنّهارَ، سِيرَ به وإن لم يَسِرْ".
...المزيد

مقال: لا تدابروا إنّ المسلمين فيما بينهم كالبنيان يشدُّ بعضُهم بعضا، إنْ أصيب مسلم في الشرق ...

مقال: لا تدابروا


إنّ المسلمين فيما بينهم كالبنيان يشدُّ بعضُهم بعضا، إنْ أصيب مسلم في الشرق تألم له إخوانه في الغرب، فهم كالجسد الواحد إنْ اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وقد نهى الإسلام عن كل ما يفكك هذه الرابطة الربانية أو يضعفها، ولذلك أمر بوحدة الصف والجماعة والائتلاف، وحذّر من الفرقة بين المسلمين والاختلاف، ويبدأ هذا من علاقة المسلم بأخيه المسلم، فهذه الرابطة هي اللبنة الأولى في تماسك صف المسلمين، فنهت نصوص الشريعة عن هجر المسلم أخاه المسلم، ورتبت على ذلك الوعيد، ورغبت بتقوية العلاقة بين المسلم وإخوانه وجاء في ذلك الأجر الجزيل والثواب الجميل.


• المسلم أخو المسلم

لقد حثّ الإسلام على تقوية الصلة بين المسلمين، ورغّب في أسباب ذلك أيّما ترغيب، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) [متفق عليه]، فتأمل هذا الحديث الشريف، كيف يبني علاقة المسلمين فيما بينهم، ويحث على أسباب توطيدها، فلا يظلم المسلم أخاه، ولا يُسلمه ولا يخذله، ويكون في حاجته إذا احتاج، ويفرج كربته إن ابْتلي، ويستر عيبه إن بدا له، ومن أسباب تقوية هذه الصلة كذلك، هي محبة المسلم لأخيه المسلم والسلام عليه، وقد جعل الإسلام ذلك من الإيمان الذي لا يدخل الجنة بدونه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تدخلون الجنةَ حتى تُؤمنوا، ولا تُؤمنوا حتى تحابّوا، ألا أدلّكم على شيءٍ إذا فعلتُموه تحاببتم؟ أفشوا السلامَ بينكم) [رواه مسلم].

والمتأمل في نصوص الوحيين يجد أنّ الإسلام يحثّ على كل خلق حسن يزيد من ألفة المسلمين فيما بينهم، فحث على تواضع المسلم لأخيه، والذبّ عن عرضه في غيبته، وعشرته بالحسنى، وتعاهده بالزيارات كما رغب في الإهداء إليه، وعيادته إذا مرض، وتشميته إذا عطس، وخلافته لأهله بخير إذا غاب، وألا يبيع على بيعه، ولا يخطب على خطبته، ولا يغتابه ولا يظلمه، ولا يعين ظالما عليه ولا يعينه على ظلم غيره، وينصحه إذا غلط، ويواسيه إذا أصيب، وغيرها من آداب الإسلام السامية، التي تقوّي هذه الصلة بين المسلم وأخيه، والتي تنتهي بمجتمع متماسك تكون فيه الأخوّة بين المسلمين سمة ظاهرة، وتحقق وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- للمؤمنين فيما بينهم بقوله: (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) [متفق عليه].


• حرمة القطيعة والتدابر

ولقد نهى الإسلام عن القطيعة والتدابر بين المسلمين، وكثُرت النصوص في ذلك لخطورته، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا..) [متفق عليه]، وروى الإمام مسلم في صحيحه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (تُعرض الأعمال في كل اثنين وخميس؛ فيغفر الله لكل امرئ لا يشرك بالله شيئًا إلا امرءًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذَين حتى يصطلحا)، فتأمل كيف يُحرم المتهاجرون فضل المغفرة كلما رُفعت الأعمال إلى الله تعالى، فيغفر الله للمسلمين حين تعرض أعمالهم عليه في الأسبوع مرتين، ويُؤخّر من كانت بينه وبين أخيه شحناء إلى أن يصطلحا، ويكفي هذا الحديث رادعا لترك الشحناء بين المسلم وأخيه، وقد بيّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه يحرم على المسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، كما جاء في الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا وهذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) [متفق عليه].

وقد رخّص في الهجر ثلاثة أيام فما دونها، لأنه قد يقع بين المسلم وأخيه خلاف، ثم يقع في النفس شيء يدفعها لهجر من خاصمته، وتركه مدة يسكن فيها الغضب وتذهب عنها دواعيه، والثلاثة أيام -كحد أقصى- يكفي لذلك أو يزيد، وخير هذين المتخاصمَين هو الذي يبدأ أخاه بالسلام، وفي ذلك حثّ على البدء والمبادرة إلى قطع هذا الهجران، والعودة إلى الأصل، فالأصل هو التواصل بين المسلمين لا التدابر.• الهجر الشرعي وضابطه

إلا أن الهجر أحيانا قد يكون مطلوبا لمصلحة راجحة وعندها يكون هجرا شرعيا، مثل هجر أهل المعاصي فهو من التعزير الذي يُرجى أن يؤتي ثماره بترك المنكر، وضابطه أن يؤدي إلى الإقلاع عن المنكر، فإن أدى لعكس ذلك من المداومة عليه أو إفضائه لمنكر أكبر أو معصية أخرى لم يُشرع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وأما هجر التعزير فمثل هجر النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الثلاثة الذين خُلّفوا، وهجر عمر والمسلمين لصبيغ [هو رجل كان يثير المتشابهات من القرآن]، فهذا من نوع العقوبات، فإذا كان يحصل بهذا الهجر حصول معروف أو اندفاع منكر فهي مشروعة، وإن كان يحصل بها من الفساد ما يزيد على فساد الذنب فليست مشروعة، والله أعلم" [مجموع الفتاوی].

وهذا الهجر هو هجر في سبيل الله لا لحظوظ النفس وهواها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فالهجرة الشرعية هي من الأعمال التي أمر الله بها ورسوله، فالطاعة لا بد أن تكون خالصة لله وأن تكون موافقة لأمره، فتكون خالصة لله صواباً، فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجراً غير مأمورٍ به كان خارجاً عن هذا، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهوى ظانةً أنها تفعله طاعةً لله" [مجموع الفتاوی]، وقال الإمام مالك: "ويهجر أهل الأهواء والبدع والفسوق، لأن الحب والبغض فيه واجب، ولما في ذلك من الحث على الخير والتنفير من الشر والفسوق" [الذخيرة].


• لا تدابروا.. فالدنيا قصيرة

إن هذه الحياة مهما طالت فهی قصيرة، وهذه الدنيا مهما عظمت فهي حقيرة، وإنما هي أيام نقضيها ثم نذهب إلى الحياة الآخرة الأبدية، ومن استشعر صغر الدنيا وحقارتها هانت عليه حظوظ النفس وملذاتها، فلا يبقي في صدره غِلا لإخوانه، ويغفر لهم ما يكون من خطأ في حقه، ولا يحمله حظ نفسه وهواها على هجر أخيه، فينبغي للمسلمين أن يستشعروا هذا المعنى، وأن يعلموا أن التدابر بين المسلمين من المعاصي التي تؤخر النصر، وتخلخل صفوفهم وتسلط عليهم عدوهم، نسأل الله ألا يجعل في قلوبنا غلا للمسلمين، وأن يجعلنا مع إخواننا على سرر متقابلين في جنات النعيم، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 348
الخميس 22 ذو الحجة 1443 هـ
...المزيد

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ أنزل الله القرآن الكريم هدى للناس بما تضمّنه من أحكام وتشريعات ...

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾


أنزل الله القرآن الكريم هدى للناس بما تضمّنه من أحكام وتشريعات وحدود تضمن لهم النجاة والسعادة في الدارين، وأمر الله تعالى بإنفاذ وتطبيق هذه الأحكام والحدود، وذمَّ وتوعّد مَن تعدّاها بالعذاب الأليم، ومدح ووعد من التزمها بالثواب والأجر العظيم.

فانقسم الناس في ذلك، فمنهم مَن آمن بها وطبّقها وامتثلها قدر استطاعته فأعذر إلى ربّه، ومنهم {الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْآنَ عِضِينَ}: أي: "جعلوه أعضاء، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه"، وأمثال هؤلاء في عصرنا أعداء حدود الله؛ الذين أرجؤوها وأخرجوها عن إطار الشريعة الإسلامية، حتى رسّخوا في أذهان العامة أن الحدود منقصة ومذمة للشريعة! وأن الشريعة هي فقط حسن الخلق والمعاملة والعدل، وكأن حدود الله تعالى هي الظلم وسوء الخلق والمعاملة! تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

واتهم هؤلاء "المقتسمون الجُدد" المجاهدين بالجهل وضيق الأفق، زاعمين أن الحدود لا تمثل سوى "العشر" من أحكام الشريعة الإسلامية!، وأن المجاهدين شغلوا أنفسهم بهذا "العشر" وتركوا الأعشار الباقية، والعجيب أنّ هؤلاء الذين قزّموا الحدود وجرّموها وأعطوها نسب "العشور والكسور"، لم تقتصر مشكلتهم على الحدود وحسب، بل ظهر للعيان لاحقا أن مشكلتهم مع الشريعة بأسرها؛ أصولها وفروعها قواعدها وحدودها وقيودها، بل حتى أخلاقها وضوابطها وسمتها وجوهرها ومظهرها، وبتنا نسمعهم ينادون بعمل "مراجعات لكتب الفقه الإسلامي!" بل تجرأ أشقياؤهم وطالبوا بحرقها! متعللين بأنها "تخالف سماحة الإسلام وعدل الإسلام!" متّهمين الشريعة بالجور والظلم، وكأنها جاءت من عند غير الله الحكم العدل اللطيف الخبير.

بل والأعجب من ذلك، أن أكثر هؤلاء المعاندين المعارضين لحدود الله، لما أتيحت لهم فرصة الحكم، لم يقتصروا على تعطيل الحدود فحسب، بل عطلوا الشريعة كاملة وحاربوا أنصارها ووالوا أعداءها، بل واستبدلوها بشرائع بشرية وضعية، فجمعوا بين جرمين وكفرين: التعطيل والاستبدال، فلو عذرهم دعاة الضلالة في جرم التعطيل؛ فما هو عذرهم في جرم الاستبدال؟! ثم ماذا جنى هؤلاء من تعطيلهم واستبدالهم الشريعة غير فساد العباد والبلاد وضياع الدين والدنيا؟

ولو تأمل هؤلاء المُعطّلة للشريعة آيات القرآن العظيم، لعلموا أن شريعة الله تعالى كلها حدود بغير أعشار وكسور، فبعض الحدود أحكام، وبعضها عقوبات، وبعضها معاملات وكلها في المحصلة حدود الله التي لا يحلّ لمسلم انتهاكها أو التفريط فيها، وقد بيّن الله ذلك في آيات عديدة، فعندما ذكر الله أحكام الصيام ختمها بقوله سبحانه: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} [البقرة: ١٨٧]، قال ابن كثير رحمه الله: "{فلا تقربوها} أي: لا تجاوزوها، وتعتدوها"، وفي أحكام الطلاق والرجعة والخلع قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: ٢٢٩]، قال ابن كثير: "أي: هذه الشرائع التي شرعها لكم هي حدوده، فلا تتجاوزوها"، وفي الظهار وما فيه من أحكام قال سبحانه: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة: ٤]، وفي المواريث وقسمتها وأنصِبة الرجال والنساء قال عز وجلّ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [النساء: ١٣]، وفي العقوبات قال عز وجلّ: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: ٣٨]، وقال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [النور: ٢]

فهذه كلها من حدود الله التي أمر المؤمنين بتطبيقها وتوعّد من تعدّاها فقال تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: ١٤]، بل وصف من يفعلون ذلك بأنهم (يحادون الله ورسوله)؛ فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [المجادلة: ٥]، قال ابن جرير: "يقول تعالى ذكره: إن الذين يخالفون الله في حدوده وفرائضه، فيجعلون حدودًا غير حدوده، وذلك هو المحادّة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-".وإن الله تعالى الذي أمرنا بالصلاة والصيام والحج وبر الوالدين والإحسان إلى اليتيم وذي القربى والجيران، هو الذي أمرنا -سبحانه- بجلد ظهور القاذفين وشاربي الخمر وبرجم المحصَنين وقطع أيدي السارقين وقتل السحرة والمفسدين والمرتدين، {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: ٨٥]، وكل ذلك ليحفظ على الناس دينهم ونفوسهم وعقولهم وأعراضهم وأموالهم، فلما خالف الناس ذلك ضاع دينهم وفسدت عقولهم وسُفكت دماؤهم وانتُهكت أعراضهم وسُلبت أموالهم، فكان تعطيل الشريعة هو السبب في هذا الفساد العريض، لا كما يروّج المرتدون الذين ينكرون على المجاهدين تطبيق الشريعة، ويحاولون أن يصوروا أن تطبيق الشريعة هو "السبب في جلب الخراب والنكبات!"، فالشريعة خير مطلق لمن عاش أو قُتل تحت رايتها، والنكبة الحقيقية هي في غياب الشريعة وحكمها.

وقد بيّن الله الفرق بين المؤمنين والكافرين الذين يأنفون الشريعة وحدودها، فقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: ٦٥] قال ابن كثير رحمه الله: "أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة".

فطلاب الشريعة وأنصارها البررة هم الذين لا يتحرجون من شيء منها، لا في ظاهرهم ولا حتى بواطنهم، وتأمل يا مسلم يا عبد الله دقة الوصف القرآني: {لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا}، وما أكثر اليوم من يزعمون الانتساب للإسلام وهم يجدون في أنفسهم حرجا مِن أحكامه وشريعته وحدوده، والله المستعان.

وإن ما يفسر سبب الحرب التي يشنها المرتدون على حدود العقوبات بالذات؛ أنها المحك الفاصل بين حكم الشريعة الإلهية وحكم القوانين البشرية الكفرية، ولذا تعاهد شياطين وطواغيت العالم اليوم على حربها وتجريمها والسعي الحثيث لإيقافها، واعتبارها "رجعية وتطرفا" لأنها تردع الظالمين والمجرمين وتغيظ الكافرين والمنافقين، وتُظهر المفاصلة بيننا وبينهم، وخصوصا حد الردة الذي يبغضونه، لأنه السياج المتين الذي يحفظ الدين ويرسم حدود المفاصلة بوضوح بين الإسلام والكفر، ولذلك ليس مستغربا أن يكون الذين حاربوا حدود الشريعة وسعوا لتعطيلها بحجج واهية، هم أنفسهم من عطل التوحيد ونقض أصله بحجج واهية أخرى.

إذن فالشريعة كلها حدود، لا يجوز العمل ببعضها وترك بعضها، أو الإقرار ببعضها وجحد بعضها، ولذا لم يقبل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- من العرب ترك الزكاة، وقال قولته الخالدة: "أينقص الدين وأنا حي؟!" وعلى إثره تسير الدولة الإسلامية اليوم في كل بقعة تسيطر عليها، فإن أول ما تسعى إليه هو إقامة الشريعة كاملة؛ توحيدا وجهادا ودعوة وحسبة وحدودا، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 348
الخميس 22 ذو الحجة 1443 هـ
...المزيد

صحيفة النبأ (347) / استعن بالله ولا تعجز يسير المؤمن على بصيرة من أمره، فالمنهج المرسوم له ...

صحيفة النبأ (347) / استعن بالله ولا تعجز


يسير المؤمن على بصيرة من أمره، فالمنهج المرسوم له منهج رباني لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإن عرض له عارض يصيب العزيمة بالفتور، أو جنحت نفسه نحو شيء من ذلك، أنهضها بالغاية العظيمة المنتظرة، والجزاء الأوفى الموعود، لتهون عليه التكاليف ويستعذب ما كان منها مرّا، وتنهض نفسه من جديد لتواصل المسير وتحثّ الخطى، بهمة عالية ونفس راضية مستعينة بالله متوكلة عليه، طالبة لرضاه سبحانه وتعالى.

وإن مِن بشرية النفوس المؤمنة أنها تحب قطف ثمار جهدها وبذلها وتحصد زروع تعبها وكدّها ونصبها، فإنْ تأخر الحصاد تباطأت خطى بعضها واستطالت الطريق، وقد أصاب الصحابة -رضي الله عنهم- يوم (أحد) ما أصابهم، بعد أن قُتل منهم الكثير والتف العدو من خلفهم وظنوا أنهم أحيط بهم، وبُثت الأراجيف الكاذبة التي أشاعت مقتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ووجد الصحابة أنفسهم في مواجهة أول مصاب كبير في مسيرتهم في سبيل الله، لتنزل -بعد ذلك- آيات الله الكريم تواسيهم فيما أصابهم، وتحذرهم من الإبطاء في مسيرة العطاء، وتنبههم ألّا يقعوا في الوهن والضعف والاستكانة، وتضرب لهم مثلا بمن ساروا على صراط الله المستقيم قبلهم، قال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}.

وهكذا هم أهل الإيمان في هذا الزمان، يجب أن ينظروا إلى من سبقهم ممن ساروا على صراط الله المستقيم، فلا يهنوا لما يصيبهم من جراحات ولا يضعفوا عن مواصلة الطريق ولا يستكينوا، فقد أصاب كل ذلك مَن قبلهم مِن الأنبياء وأتباعهم والصحابةَ ونبيَّهم -صلى الله عليه وسلم-، وهم على إثرهم سائرون، فلابد أن يصبروا كما صبر الذين من قبلهم، وأن يعلموا أن طول طريقهم ووعورته إنما هو اختبار لصدق عزيمتهم في الاستمرار عليه، وأن كل ضغط يتعرضون له هو محاولة لدفعهم نحو الكف عن المسير، أو التباطؤ فيه.

وإن وجد المؤمن من نفسه فتورا أو تراخيا، فعليه أن يستعين بالعلاج الذي وصفه له الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، ليكون دافعا له لمواصلة المسير، ومنهِضا له من الفتور، ومن هذا العلاج: الاستعانة بالصبر والصلاة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}، ففي الآية توجيه لمن أبطأ السير، وخالج نفسه شعور الملل؛ بالاستعانة بالصبر المفضي إلى التسليم بأمر الله، لما قدّره عليه من عقبات الابتلاء في الدنيا، ثم الصلاة التي تصله بربه، لتتجدد بتلك الصلة المباركة صلتُه بالعزيمة والهمة مرة أخرى، ويكون ذلك زادا إيمانيا تتكئ عليه النفس إن مالت نحو الوهن أو شيء منه، ومن العلاج أيضا: تحديث النفس بالعاقبة الحسنة، وأنّ بعد هذا التعب الطويل راحة كبرى، وبعد هذا الصبر الجميل غاية يهون عند وصولها كل تعب، وقد ربّى الأنبياء الكرام أتباعهم على هذا، فهذا نبي الله موسى عليه السلام، يبشّر أتباعه كما قال تعالى: {قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} فيشكون له تبعات الطريق وصعوبته: {قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}، فيجيبهم كليم الله مرة أخرى محفزا ومبشرا: {قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}، فينبغي أن يكون التفكر في العاقبة الحسنة والمنقلب الجميل حافزا للنفوس التي هزتها رياح الابتلاءات أن تنهض من فتورها، وتستيقظ من رقادها، لتواصل المسير بهمم عالية وقلوب راضية.

فإنْ ربط المؤمن قلبه بالله وتعلق به سبحانه وتعالى، لا يضره حينئذ ما وقع من عقبات في طريقه، ولا يدفعه عدم نيله مراده في الدنيا إلى الإبطاء من المسير، فالغاية أن يبقى ملازما غرزَ الصالحين كائنا في سبيل ذلك ما كان، وقد بشر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بفتح فارس والروم ثم مات ولم ير ذلك الفتح العظيم، وقُتل من الصحابة يوم (بدر) من لمْ ير انكسار المشركين، وقُتل في حروب الردة أضعاف أضعافهم ممن لم يشهدوا هزيمة المرتدين، وما زال الركب الميمون مستمرا بالعطاء إلى زماننا هذا، فقد رأينا الاستشهاديين، وهم يسقون شجرة النصر من دمائهم ثم يذهبون ليقطف ثمرها إخوانهم من بعدهم، وهكذا يمضي أهل الإيمان، همهم أنهم يُثبتون الخطى على مراد ربهم، رأوا ثمرة أعمالهم أم لم يروها، فمن كان قصده الآخرة هانت عليه الدنيا بما فيها.فعن خَبَّاب بن الأَرَت -رضي الله عنه- قال: "هاجرنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- نُريد وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمِنَّا مَنْ مَضَى لم يأخذ من أجره شيئًا منهم: مصعب بن عمير قتل يوم أحد، وترك نَمِرة، فكنا إذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نغطي رأسه ونجعل على رجليه شيئًا من الإذخر، ومنا من أيْنَعَتْ له ثمرته فهو يهدبها" [رواه الشيخان]، فتأمل حال الصحابيين الجليلين، مصعب بن عمير وخباب بن الأرت الذي روى هذا الحديث، فقد ذهب مصعب إلى ربه مجاهدا في سبيل الله، لم يرَ فتح مكة ولا هزيمة كفار قريش، ولم يجد كفنا في الدنيا يكفيه!، بينما بقي خبّاب وهو من السابقين الأولين الذين كانوا يعذبون في مكة أشد العذاب؛ ليشهد فتح مكة ويرى إرغام أنوف طغاتها الذين كانوا يعذبونه، ثم يرى فتح العراق والشام وغيرها من بلاد الله، كما أخبره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم ذهب إليه شاكيًا إليه طول الطريق وشدة البلاء، قائلا: شَكَوْنا إلى رَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً له في ظِلِّ الكَعْبَةِ فَقُلْنا: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا ألا تَدْعُو لَنا؟ فقالَ: (قدْ كانَ مَن قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فيُحْفَرُ له في الأرْضِ، فيُجْعَلُ فيها، فيُجاءُ بالمِنْشارِ فيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، ويُمْشَطُ بأَمْشاطِ الحَدِيدِ، ما دُونَ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ، فَما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، واللهِ لَيَتِمَّنَّ هذا الأمْرُ، حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخافُ إلَّا اللَّهَ، والذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ) [البخاري] وقد شهد الفتوح كما وعده حبيبه -صلى الله عليه وسلم-.

فعلى المسلمين عموما والمجاهدين خصوصا أن يتأكدوا دومًا من ملازمتهم لأمر الله ورسوله، وأن يكون كل همهم هو هذه الملازمة المستمرة، سواء شهدوا هذا النصر أم لم يشهدوه وأن يوقنوا بأن الله ناصر دينه لا محالة، وليجعلوا كل همهم السير على مراد ربهم تعالى، قبل النصر أو بعده، وأن يستعينوا بالله تعالى على ما يواجهونه في هذا الطريق المبارك، فإنه هو مولاهم وناصرهم، {فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ}.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 347
الخميس 15 ذو الحجة 1443 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
18 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً