حُسن العشرة بين المسلمين خلق اللهُ سبحانه وتعالى الخلْق مِن نفس واحدة هو آدم -عليه السلام-، ...

حُسن العشرة بين المسلمين


خلق اللهُ سبحانه وتعالى الخلْق مِن نفس واحدة هو آدم -عليه السلام-، وجعلهم على ملة واحدة هي الإسلام وأبطل ما سواه مِن الأديان، وحدّد الله تعالى للمسلمين شكل العلاقة فيما بينهم، فأمر أن تقوم على حسن المعاشرة والمعاملة، فهي مِن مكارم الأخلاق التي بُعث النبي -صلى الله عليه وسلم- لإتمامها، والتي لا بدّ للمسلم أن يتحلى بها في علاقاته ومعاملاته مع سائر إخوانه، فبها تلين قلوبهم، وتقوى علائقهم فيما بينهم، فتكون عونًا لهم على مواصلة طريق الإيمان، كما قال ابن حزم في رسائله: "مَن طلب الفضائل لم يساير إلا أهلها، ولم يرافق في تلك الطريق إلا أكرم صديق: مِن أهل المواساة والبر والصدق وكرم العشرة، والصبر والوفاء والأمانة والحلم، وصفاء الضمائر وصحة المودة".


• حثّ الإسلام على حسن العشرة

ولو تأملنا كتاب ربنا -سبحانه وتعالى- وسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم-، لوجدنا الكثير من الآيات والأحاديث التي تحث المسلمين على حسن العشرة فيما بينهم بالأقوال والأفعال، ومِن ذلك قوله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} [الإسراء]، قال ابن كثير: "يأمر تعالى رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة، فإنهم إذ لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة" [تفسير ابن كثير].

وشمل الخطاب بحسن العشرة بين المسلمين كل جوانب الحياة، الخاصة منها والعامة، وخصوصا الوالدين، فقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء].

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ ولا يحقره، التقوى ها هنا -وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَثَ مَرَّاتٍ-، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضِه).

بل إن الله تعالى أمر بحسن العشرة بين المسلمين في أدق تفاصيل حياتهم على صعيد البيت والأسرة، فأمر بحسن معاشرة الزوج لزوجته، فقال سبحانه: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء]، قال ابن كثير: "أَيْ: طيِّبُوا أَقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وحَسّنُوا أَفْعَالَكُمْ وَهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ، كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا، فَافْعَلْ أَنْتَ بِهَا مِثْلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُم لأهْلي)، وَكَانَ مِنْ أَخْلَاقِهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ جَمِيل العِشْرَة دَائِمُ البِشْرِ، يُداعِبُ أهلَه، ويَتَلَطَّفُ بِهِمْ، ويُوسِّعُهُم نَفَقَته، ويُضاحِك نساءَه" [تفسير ابن كثير].


• خُلق النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته

ولقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- مع علوّ قدره ورفعة منزلته عند الله تعالى؛ حسن العشرة مع أصحابه وأهله وسائر المسلمين، وقد مدحه الله على ذلك فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران]، قال أهل التفسير: "أي: برحمة الله لك ولأصحابك، منَّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك".

وقد أمرنا الله تعالى بالاقتداء به والتأسي بهديه -صلى الله عليه وسلم-، وكان من حسن عشرته ما قاله ابن القيم -رحمه الله- واصفا إيّاه: "كان -صلى الله عليه وسلم- يخصف نعله، ويرفع ثوبه، ويحلب الشاة لأهله، ويعلف البعير، ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى أيسر شيء!، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- هيّن المؤونة، لين الخلق، كريم الطبع، جميل المعاشرة، طلق الوجه، بسّاما متواضعا من غير ذلة، جوادا من غير سرف، رقيق القلب، رحيما بكل مسلم، خافض الجناح للمؤمنين، ليّن الجانب لهم" [مدارج السالكين].
ولقد فقه الصحابة أهمية حسن العشرة بين المسلمين، دون ارتباط بنسب أو مال أو مصلحة، فضربوا أروع الأمثلة في ذلك، فهذا الصحابي الجليل سعد بن الربيع لمّا آخى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، كان مِن حسن عشرته مع أخيه عجبًا، إذْ قدّم له نصف ماله بل وأن يختار إحدى زوجتيه إنْ أراد ذلك، فعَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: "قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ، فَآخَى النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِك" [البخاري].


• ثمار حسن العشرة

وإن لحسن العشرة بين المسلمين فضائل وثمارا في الدنيا والآخرة، فهو من أسباب قوة المسلمين وترابطهم، لما يحققه ذلك من التئام الصف ووحدة الكلمة، فيصيرون بذلك صفا واحدا لا عداوة بينهم ولا بغضاء، ولا تدابر ولا شحناء، كما إنه مِن أسباب وضع القَبول للعبد بين الناس، فإن طبائع الناس تميل لمن كان حسن العشرة ليّن الجانب، وفي المقابل تنفر وتنفضّ ممن كان غليظا قاسيا سيئ المعاملة.

أما في الآخرة فإن حسن العشرة يكون سببًا في تجاوز الله عن العبد يوم القيامة، كما في الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى مُعسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه؛ لعلَّ الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه) [رواه البخاري]، ويكون سببًا في رحمة الله للعبد، كما في الحديث عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (رحِم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى).

فإذا أيقنت أخي المسلم ما تقدّم الحديث عنه، كان لزامًا عليك أن تسير على ما سار عليه الكرام الأولون، النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه والتابعون، فانهل من بحر أخلاقهم وطيب خصالهم، واحرص على حسن العشرة للمسلمين، واحفظ حقوقهم، فالدين إمّا حقوق لله تعالى، وإما حقوق لعباده، فعن أبي ذَرٍّ جُنْدُبِ بْنِ جُنَادةَ، وأبي عبْدِالرَّحْمنِ مُعاذِ بْنِ جبلٍ -رضيَ اللَّه عنهما- عنْ رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: (اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا، وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ) [رواهُ التِّرْمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ]، قَالَ ابن رجب -رحمه الله-: "وقوله -صلى الله عليه وسلم- (وخالق الناس بخلق حسن)، هذا من خصال التقوى، ولا تتم التقوى إلا به، وإنما أفرده -صلى الله عليه وسلم- بالذكر للحاجة إلى بيانه، فإن كثيرًا من الناس يظن أن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده!، فنصَّ -صلى الله عليه وسلم- له على الأمر بإحسان العشرة للناس". [جامع العلوم والحكم]

ولا شك أن ذلك في حقّ المجاهدين آكد، فإنه لا سبيل لإدراك المعالي إلا بالتواضع والتداني للمسلمين والإحسان إليهم، فبذلك تسوسهم وتقودهم إلى صلاح دينهم ودنياهم، وهو من أهم أسباب النصر والتوفيق، فائتوا منه ما استطعتم، وسلوا الله تعالى العون والصبر على ذلك، فإنه سبحانه خير معين، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 351
الخميس 13 محرم 1444 هـ
...المزيد

11 ولو مثقال حبة من خردل اخدمناها وكفى بنا حاسبين ولتسافر معنا والمطر3 امطر مثل عودة حبيب ...

11 ولو مثقال حبة من خردل اخدمناها وكفى بنا حاسبين
ولتسافر معنا والمطر3 امطر مثل عودة حبيب لحبيبه

مؤسسة صناعة الرجال المناصرة لدولة الإسلام تقدم الإصدار المرئي: [ عين اليقين ] " إصدار قصير نافع ...

مؤسسة صناعة الرجال المناصرة لدولة الإسلام تقدم الإصدار المرئي: [ عين اليقين ] " إصدار قصير نافع بإذن الله لما يحتوي من رسائل مهمة " لمشاهدة الإصدار قم بنسخ الرابط التالي وضعه في محرك البحث: https://pomf2.lain.la/f/rfjyaqu8.mp4 أو بالتواصل معنا على منصة التيليجرام: @WMC11AT ...المزيد

نور السنة وظلمة البدعة "فصاحب السنة: حي القلب، مستنير القلب، وصاحب البدعة: ميت القلب مظلمه. ...

نور السنة وظلمة البدعة


"فصاحب السنة: حي القلب، مستنير القلب، وصاحب البدعة: ميت القلب مظلمه.

وقد ذكر الله سبحانه هذين الأصلين في كتابه في غير موضع وجعلهما صفة أهل الإيمان وجعل ضدهما صفة من خرج عن الإيمان، فإن القلب الحي المستنير هو الذي عقل عن الله، وأذعن وفهم عنه، وانقاد لتوحيده، ومتابعة ما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقلب الميت المظلم الذي لم يعقل عن الله ولا انقاد لما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا يصف سبحانه هذا الضرب من الناس بأنهم أموات غير أحياء، وبأنهم في الظلمات لا يخرجون منها، ولهذا كانت الظلمة مستولية عليهم في جميع جهاتهم فقلوبهم مظلمة ترى الحق في صورة الباطل، والباطل في صورة الحق، وأعمالهم مظلمة، وأقوالهم مظلمة، وأحوالهم كلها مظلمة، وقبورهم ممتلئة عليهم ظلمة.

وإذا قسمت الأنوار دون الجسر للعبور عليه بقوا في الظلمات، ومدخلهم في النار مظلم، وهذه الظلمة هي التي خلق فيها الخلق أولا، فمن أراد الله سبحانه وتعالى به السعادة أخرجه منها إلى النور، ومن أراد به الشقاوة تركه فيها، كما روى الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله)، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل الله تعالى أن يجعل له نورا في قلبه وسمعه وبصره وشعره وبشره ولحمه وعظمه ودمه ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله وخلفه وأمامه وأن يجعل ذاته نورا، فطلب صلى الله عليه وسلم النور لذاته ولأبعاضه ولحواسه الظاهرة والباطنة ولجهاته الست.

وقال أبي بن كعب رضي الله عنه: "المؤمن مدخله من نور، ومخرجه من نور، وقوله نور، وعمله نور"، وهذا النور بحسب قوته وضعفه يظهر لصاحبه يوم القيامة فيسعى بين يديه ويمينه، فمن الناس من يكون نوره كالشمس، وآخر كالنجم، وآخر كالنخلة السحوق، وآخر دون ذلك حتى إن منهم من يعطى نورا على رأس إبهام قدمه يضيء مرة ويطفئ أخرى، كما كان نور إيمانه ومتابعته في الدنيا كذلك، فهو هذا بعينه يظهر هناك للحس والعيان.

وقال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا..} الآية [الشورى: 52] فسمى وحيه وأمره روحا لما يحصل به من حياة القلوب والأرواح، وسماه نورا؛ لما يحصل به من الهدى واستنارة القلوب والفرقان بين الحق والباطل.

وقد اختلف في الضمير في قوله عز وجل: {وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا} فقيل: يعود على الكتاب، وقيل: على الإيمان، والصحيح أنه يعود على الروح، في قوله: {رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا} فأخبر تعالى أنه جعل أمره روحا ونورا وهدى، ولهذا ترى صاحب اتباع الأمر والسنة قد كُسي من الروح والنور وما يتبعهما من الحلاوة والمهابة والجلالة والقبول ما قد حرمه غيره، كما قال الحسن: "إن المؤمن رُزق حلاوة ومهابة"، وقال جل وعلا: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ..} الآية [البقرة: 257] فأولياؤهم يعيدونهم إلى ما خلقوا فيه، من ظلمة طبائعهم وجهلهم وأهوائهم، وكلما أشرق لهم نور النبوة والوحي وكادوا أن يدخلوا فيه منعهم أولياؤهم منه وصدّوهم، فذلك إخراجهم إياهم من النور إلى الظلمات.

وقال جل وعلا: {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا..} الآية [الأنعام: 122] فأحياه سبحانه وتعالى بروحه الذي هو وحيه وهو روح الإيمان والعلم، وجعل له نورا يمشي به بين أهل الظلمة كما يمشي الرجل بالسراج المضيء في الظلمة، فهو يرى أهل الظلمة في ظلماتهم وهم لا يرونه كالبصير الذي يمشي بين العميان.


• الخارجون عن طاعة الرسل يتقلبون في الظلمات وأتباعهم يتقلبون في الأنوار

والخارجون عن طاعة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ومتابعتهم يتقلبون في عشر ظلمات: ظلمة الطبع، وظلمة الجهل، وظلمة الهوى، وظلمة القول، وظلمة العمل، وظلمة المدخل، وظلمة المخرج، وظلمة القبر، وظلمة القيامة، وظلمة دار القرار، فالظلمة لازمة لهم في دورهم الثلاث.

وأتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم يتقلبون في عشرة أنوار، ولهذه الأمة ونبيها من النور ما ليس لأمة غيرها ولا لنبي غيره، فإن لكل نبي منهم نورين، ولنبيها صلى الله عليه وسلم تحت كل شعرة من رأسه وجسده نور تام، كذلك صفته وصفة أمته في الكتب المتقدمة.
وقال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الحديد: 28] وفي قوله: {تَمْشُونَ بِهِ} إعلام بأن تصرفهم وتقلبهم الذي ينفعهم إنما هو النور، وأن مشيهم بغير النور غير مجد عليهم، ولا نافع لهم بل ضرره أكثر من نفعه.

وفيه: أن أهل النور هم أهل المشي في الناس، ومن سواهم أهل الزمانة والانقطاع فلا مشي لقلوبهم ولا لأحوالهم، ولا لأقوالهم، ولا لأقدامهم إلى الطاعات، وكذلك لا تمشي على الصراط إذا مشت بأهل الأنوار أقدامهم.

وفي قوله تعالى: {تَمْشُونَ بِهِ} نكتة بديعة وهي: أنهم يمشون على الصراط بأنوارهم كما يمشون بها بين الناس في الدنيا، ومن لا نور له فإنه لا يستطيع أن ينقل قدما عن قدم على الصراط، فلا يستطيع المشي أحوج ما يكون إليه.

والله سبحانه وتعالى سمّى نفسه نورًا، وجعل كتابه نورًا، ورسوله -صلى الله عليه وسلم- نورًا، ودينه نورًا، واحتجب عن خلقه بالنور، وجعل دار أوليائه نورًا يتلألأ، قال الله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [النور: 35]، وقد فُسّر قوله: {نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} بكونه: منوِّر السماوات والأرض، وهادي أهل السماوات والأرض، فبنوره اهتدى أهل السماوات والأرض..
وقوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ..} هذا مَثَل لنوره في قلب عبده المؤمن، كما قال أُبيُّ بن كعب وغيره.
وقد اختلف في تفسير الضمير في {نُورِهِ}.. والصحيح أنه يعود على الله عز وجل، والمعنى: مثل نور الله سبحانه وتعالى في قلب عبده، وأعظم عباده نصيبًا من هذا النور رسوله -صلى الله عليه وسلم-.

وهذا النور يضاف إلى الله تعالى: إذ هو مُعطيه لعبده وواهبه إياه، ويضاف إلى العبد: إذ هو محله وقابله، فيضاف إلى الفاعل والقابل، ولهذا النور فاعل وقابل ومحل وحامل ومادة، وقد تضمنت الآية ذكر هذه الأمور كلها على وجه التفصيل.

فالفاعل: هو الله تعالى، مفيض الأنوار، الهادي لنوره من يشاء، والقابل: العبد المؤمن، والمحل: قلبه، والحامل: همته وعزيمته وإرادته، والمادة: قوله وعمله.

وهذا التشبيه العجيب الذي تضمنته الآية فيه من الأسرار والمعاني وإظهار تمام نعمته على عبده المؤمن بما أناله من نوره ما تقر به عيون أهله وتبتهج به قلوبهم".

[اجتماع الجيوش الإسلامية/ لابن القيم].



• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 533
السنة السابعة عشرة - الخميس 17 رجب 1447 هـ
...المزيد

🌃رسائل الفجر١٤٤٧/٨/٢٣🌃 قال علي بن أبي طالب وهو يرثي أبا بكر: «كنتَ للمؤمنين أبًا رحيمًا إذ صاروا ...

🌃رسائل الفجر١٤٤٧/٨/٢٣🌃
قال علي بن أبي طالب وهو يرثي أبا بكر: «كنتَ للمؤمنين أبًا رحيمًا إذ صاروا عليك عيالًا، فحملت أثقال ما عنه ضعفوا، ورعيت ما أهملوا، وحفظت ما أضاعوا لعلمك بما جهلوا»
🔻 🔻 🔻
قال علي بن أبي طالب وهو يرثي أبا بكر بعد وفاته: «كنتَ على الكافرين عذابًا صبًّا، وللمسلمين غيثًا وخصبًا، وللمؤمنين رحمة وأنسًا وحصنًا، وعلى المنافقين غليظًا وغيظًا وكظمًا، كنت كالجبل لا تحركه العواصف، ولا تزيله القواصف»
🔻 🔻 🔻
دخل علي وابن عباس، على عمر بن الخطاب في مرض موته، فلما نظر إليه ابن عباس بكى، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بالجنة، قال: تشهد لي بذلك؟ فكأنه كَع، فضرب علي بن أبي طالب منكبه وقال: أجل! فاشهد، وأنا على ذلك من الشاهدين، فقال عمر: كيف؟ قال ابن عباس: كان إسلامك عزًا، وولايتك عدلًا، وميتتك شهادة، فقال: لا والله لا تغروني من ربي وديني، ثكلت عمر أمه إن لم يرحمه ربه( السنة للخلال)
https://t.me/azzadden
...المزيد

16وسفينة اندورا تحمل حمام وغيره ال بلد لم تبلغوه الا بشق انفس

16وسفينة اندورا تحمل حمام وغيره ال بلد لم تبلغوه الا بشق انفس
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
29 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً