اختصارُ الكلامِ في الدَّعوةِ للإسلام الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ...

اختصارُ الكلامِ في الدَّعوةِ للإسلام


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد.

فنحن في زمن لا ينفق فيه المرء من الوقت إلا اليسير لتعلم ما يجب عليه تعلمه والله المستعان، لذا وجب على المجاهدين الإعلاميين الداعين إلى الله ربّ العالمين؛ أن يراعوا هذه المسألة جيدا فيحاولوا أن يوصلوا ما دعت إليه الرسل بأيسر ما يستطيعون، وإن كان ولا بد فبرسالة صغيرة الحجم قليلة الجمل كثيرة المعاني؛ لا يملّ قارئها ولا يتعب حاملها، وتصل للقلوب بحسن سبكها واختصار لفظها، جامعة للمعاني ومانعة من الالتباس.

فالمهمة الأساسية للمجاهدين والدعاة أن يكونوا سببا في إيصال الحقّ وهداية النّاس، قال تعالى: {وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}، فلا يتكلف بكلامه، ولا يتقعّر به ويأتي بالغرائب والعجائب، فيكون قد قطع على المتلقي الفائدة الأساسية والتي من أجلها كتب ما كتب؛ بكثرة تفرّعاته وأقسامه وأبوابه، والنّاس في هذا الزمان قلّت همتهم عن النّظر في صغار الكتب والمختصرات فضلا عن المطولات.

وعندما تقلب نظرك في النّاس تجد أن هذا القول فيهم حق، فغالب النّاس قلّما تجده قد أتمّ كتابا، والجمّ الغفير منهم إنّما يتصفحه وحسب من دون تبصّر وتبحّر، والكثير منهم عندما يبصر مطولات الكتب تخونه همته عن النّظر فيها أو حتى تصفحها، ولذلك فإنّك عندما تنظر في كلام الأوائل في صدر هذه الأمّة تجد كلامهم من أشدّ الكلام اختصارا، ولكنّه أكثره معنى وتعبيرا عن المراد، فيصل للمتلقي بأيسر عبارة من غير تكلف، ولذا فإنّه لا عجب عندما تقرأ عنهم أنّهم كانوا يعدّون كلماتهم في اليوم والليلة.

وكان أجلّ الناس في هذا الباب لفظا وأعظمهم إظهارا للحقّ وتبيانا بأيسر لفظ وأوسع معنى واستيعابا؛ هو الرّسول محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي أوتي جوامع الكلم، فقد جاء في صحيح البخاريّ رحمه الله أنّ أبا هريرة قال سمعت رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- يقول: (بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرّعب، وبينا أنا نائم رأيتني أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي)، قال محمّد -يعني الزهري-: "وبلغنى أنّ جوامع الكلم: أنّ اللّه يجمع الأمور الكثيرة الّتي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين. أو نحو ذلك" [صحيح البخاري]، وعن أبي هريرة أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (فضّلت على الأنبياء بستّ: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرّعب، وأحلّت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافّة، وختم بي النبيّون) [البخاري ومسلم]

فكانت كلماته كأنّها خرزات عقد الواحدة تلو الأخرى لا هذر ولا مذر، لا يعاني المتلقي صعوبة في فهم الخطاب، بل كان يجد عذوبة في فهمه لسهولة العبارة ومتانة اللفظ، وبهذا جاءت السّنّة المطهرة في إظهار شعائر الدّين ونشر التّوحيد ونبذ الشّرك وأهله، فلو تمسّك الكتّاب المسلمون بها لكان أنفع في غرز التّوحيد في قلوب النّاس، وعندما يحتاج الأمر لتفصيل يفصّل ولا ضير حينئذ فلكلّ مقام مقال.


- من جوامع الكلم

وما أحوج النّاس اليوم للاختصار والابتعاد عن التّكلف الذي سبّب الجناية على كثير من المسائل المهمة التي تحتاجها الأمة اليوم في ضبط توحيدها وجهاد أعدائها، ولو أنّك نظرت في الكتاب والسّنّة لعلمت المقصود، قال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.

وهذا النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- ينهانا عن كثرة الكلام في غير حاجته فعن الأحنف بن قيس عن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم-: (هلك المتنطّعون) قالها ثلاثا، وعن أبي هريرة أن النبي قال: (ألا أنبئكم بشراركم؟ فقال: هم الثرثارون المتشدّقون، ألا أنبئكم بخياركم؟ أحاسنكم أخلاقا) [أحمد]، والمتشدق: المتوسع في الكلام من غير احتياط وقيل المستهزئ بالنّاس.

وفي سنن البيهقي رحمه الله عن أبي موسى قال: "بعثني النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعاذا إلى اليمن فقال: (انطلقا فادعوا النّاس إلى الإسلام، ويسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا)، قال قلت: يا رسول اللّه أفتنا في شرابين كنّا نصنعهما باليمن، البتع من العسل ننبذه حتّى يشتدّ، والمزر من البرّ والشّعير والذّرة ننبذه حتّى يشتدّ، قال وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أعطى جوامع الكلم وخواتمه وقال: (أحرّم كلّ مسكر عن الصّلاة)، قال: فانطلقنا".

وانظر لجوامع الكلم في هذه الوصية، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ رجلا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم- أوصني، قال: (لا تغضب) فردّد مرارا قال: (لا تغضب).

وانظر -بارك الله فيك- للحديث الذي رواه البخاريّ عن سعيد عن أبي شريح أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (واللّه لا يؤمن واللّه لا يؤمن واللّه لا يؤمن)، قيل ومن يا رسول اللّه؟ قال: (الّذى لا يأمن جاره بوايقه)، [تابعه شبابة وأسد بن موسى]، فتمعن لمجامع الخير التي فيه.

وانظر لما رواه مسلم عن جرير بن عبد اللّه قال رأيت رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- يلوي ناصية فرس بإصبعه وهو يقول: (الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة) فكم من مجامع العزّ حواه؟ لو تمسكت به أمتنا الغالية.

وعن أبي الحوراء السّعدي قال قلت للحسن بن علي رضي الله عنهما ما حفظت من رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- قال حفظت منه: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، وعن عبد الرّحمن بن ماعز عن سفيان بن عبد اللّه الثقفي قال قلت يا رسول اللّه حدثني بأمر أعتصم به، قال: (قل ربّي اللّه ثمّ استقم)، قلت يا رسول اللّه ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثمّ قال: (هذا)، قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح، وعن أبي هريرة أنّه أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إني إذا رأيتك طابت نفسي وقرّت عيني فأنبئني عن كلّ شيء، قال: (كلّ شيء خلق اللّه عزّ وجلّ من الماء)، قال أنبئني بأمر إذا أخذت به دخلت الجنّة. قال: (أفش السّلام وأطعم الطّعام وصل الأرحام وصلّ والنّاس نيام ثمّ ادخل الجنّة بسلام) [أخرجه أحمد].


- حسن الكلام مدعاة لقبول الحق

وحسن الكلام مدعاة لقبول الحقّ، قال الوليد بن المغيرة عن القرآن الكريم لما سمع آيات منه: "إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته" [رواه الحاكم].

ولقد تنبّه أعداء الإسلام لهذا فتجدهم ينتقون لباطلهم ألمع العبارات وأوجزها ويزخرفونها من أجل تحريف الحقّ وتزييف الحقائق مستمدين ذلك من معلمهم الأوّل إبليس لعنه الله حين قال كما جاء في الكتاب العزيز عندما ذكر الله قصته مع أبينا آدم عليه السّلام: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} فتوارثوها كابرا عن كابرٍ قال تعالى: {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} [الأنعام:١١٢].

وكما قيل:

في زخرف القولِ تزيينٌ لباطله
والحقُّ قد يعتريهِ سوء تعبيرِ

وجاء في البخاري عن زيد بن أسلم عن عبد اللّه بن عمر -رضي الله عنهما- أنّه قدم رجلان من المشرق فخطبا فعجب النّاس لبيانهما فقال رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم-: (إنّ من البيان لسحرا أو إنّ بعض البيان لسحر).

هذا هو الذي يصور لك الحقّ تصويرا كأنك تنظر إليه فلا يلتبس عليك منه شيء، وإنّك لتجد في دعوة الأنبياء كل الأنبياء منهجا قويما ودعوة ناصعة مختصرة وغاية واضحة وهدفا جليلا وكلاما غير ملتبس قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ}.


- خير الكلام

وبالجملة، فخير الكلام ما كان مختصرا مفيدا جامعا مانعا موجزا محبوكا مسبوكا من غير تكلف ولا تقعّر ولا تصعّر، ومن غير إطال ممل أو اختصار مخل، ولا يكون حشويا أو غريبا أو ركيكا أو متنافرا أو فضلة لا معنى له، بل يكون مفصلا في موطن التفصيل وموجزا في موطن الإيجاز، واضح المعاني غير حمّال لأوجه، يفهمه المتلقي ولا يحتاج لفهمه كثير عناء، شموليا في طرحه غير مختزل أو منقطع، تام المعنى يحسن السكوت عليه، سهل العبارة جزيل المعنى يستوي في فهمه جلّ النّاس مركبا تركيبا محكما ولا يشتبه على النّاظر فيه قد راعى كاتبه منازل النّاس وأنزل كلامه بمنزلتهم فيكون أوقع بالنفس وأقرب لتبيان الحقّ لها.


- ما أحوجنا إلى ذلك

فأنت أيّها الإعلامي والمجاهد الداعي لعبادة الله وتوحيده ونبذ الشّرك وأهله ومناجزة أهله، أحوج ما تكون لهذا الأسلوب القويم والمنهج السليم الذي تنكسر أمامه أقفال القلوب وتنفتح له الصدور وتنجذب له الأنفس، فكما تكسر سيوف أعداء الأمة بسيفك الصقيل فلابد من محو آثار أقلامهم المزيفة، بكلمة حقّ يشقّ صداها آذانا صماء وقلوبا غلفى فتكون سببا في هداية الحيارى وإخراجهم من الظّلمات إلى النّور، ولا أعظم من دعوة مجاهد كتب حروف دعوته بمداد دمه الزكيّ، نموت ويحيا الدّين، فإذا عرفت هذا فالزم والله المعين، والحمد لله رب العالمين.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 357
السنة الرابعة عشرة - الخميس 26 صفر 1444 هـ
...المزيد

زادُك أيُّها المجاهد لا بُدّ للمسلم السائر إلى الله تعالى مِن زاد يُعينه على بلوغ طريقه ...

زادُك أيُّها المجاهد


لا بُدّ للمسلم السائر إلى الله تعالى مِن زاد يُعينه على بلوغ طريقه والوصول إلى مقصده، ولا شكّ أنّ أهمية هذا الزاد في حقّ المجاهد آكدُ وأشدّ، فهو أكثر حاجةً إليه مِن غيره لِما يتعرض له مِن أنواع الصعاب والأخطار التي لا يقدر عليها بغير التزود لها.


وإنّ لهذا الزاد عناوين عريضة وأبوابا واسعة، إلا أن جميعها لا تخرج عن سياق التقوى، فهي خير ما تزوّد به الأولون والآخرون، والسابقون واللاحقون، وقد أكد القرآن العظيم على ذلك، فقال تعالى: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "لمّا أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا، أرشدهم إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى إليها، كما قال: (وريشًا ولباس التقوى ذلك خير)، لمّا ذكر اللباس الحسي نبّه مرشدا إلى اللباس المعنوي: وهو الخشوع، والطاعة والتقوى، وذكر أنه خير من هذا، وأنفع" [تفسير القرآن العظيم]


وإن الأحاديث الصحيحة الواردة في تفضيل الجهاد على غيره من الأعمال، لا تعني أن يزهد المجاهد في هذه الأعمال والقربات، بل هي تشكّل زادًا ودافعًا إيمانيًا يعينه على لأواء هذا الطريق المحفوف بالمكاره، وتكون سببًا في ثباته ومواصلته لجهاده، كما هو معروف عمليًا في واقع المجاهدين، فأهل هذا الزاد الإيماني هم أكثر المجاهدين ثباتًا في الملمات وأصبرهم عند الخطوب والمدلهمات، ولا يشترط أن يكون أهل هذا الزاد معروفين مشتهرين بذلك، فإن كثيرا منهم يسرّون ذلك ويجتهدون في إخفائه ترويضا للنفس على الإخلاص وحرصا على القَبول.


ولعل مِن أوسع أبواب هذا الزاد وأجمعِها: باب الذكر، فقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين المجاهدين بالإكثار من الذكر في أحلك الظروف وأشدها، عند لقاء العدو واحتدام القتال!، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال]، فقرن -سبحانه- الفلاح الذي هو النصر، بالثبات والإكثار من ذكر الله تعالى، فكان الذكر والثبات قرينين لا ينفكان في ساحات القتال.


ومما يتزود به المجاهد في مسيرته؛ دعاؤه وتضرعه إلى مولاه، فالدعاء رفيق المجاهد في عسره ويسره، وهجمته وهجعته، وإغارته على عدوه وإغارة عدوه عليه، وقد بيّن القرآن الكريم أن المجاهدين أتباع المرسلين كانوا يلجأون إلى الله بالدعاء عند اشتداد الخطب، فقال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران]، والمعنى: ما كان قولهم عندما أصابهم القتل والجراح في سبيل الله، إلا أن دعوا ربهم بأن يغفر لهم ذنوبهم، وأن يثبت أقدامهم وينصرهم على عدوهم، وكان مِن فقههم أن دعوا ربهم أن يغفر لهم ذنوبهم، لعلمهم أن الذنوب سبب لتأخير النصر، وسبب لضياعه، ومثله قوله تعالى: {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}، فهذه الآيات وغيرها نص صريح في أهمية تزوّد المجاهد بالذكر عمومًا، والدعاء خصوصا لتحصيل الثبات والنصر.


وإن مما يدخل في أبواب زاد المجاهد، بل يتربع على عرشه؛ زاد العلم، ومعلوم أن العلماء أكثر الناس خشية لله تعالى والتزود بالعلم طريق إلى تحصيل الخشية، لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، وزاد العلم يرافق المجاهد في ميدانه الإعلامي والعسكري والأمني، يلازمه قبل المعركة وبعدها، يصاحبه عندما يسلم ويغنم أو يخفق ويُصاب، فيقاتل المجاهد ويقتل ويحزّ وينحر ويحرق ويفجّر ويدمّر وهو متيقن غير مرتاب، يرافقه الدليل الشرعي بل يسبقه إلى غزوته، يسابق أزيز رصاصه ويزاحم بريق سيفه، ولذا فعلى المجاهدين أن يجتهدوا في تحصيل أسبابه وأن يهيّئوا الكوادر الشرعية باستمرار، وأن يغمسوهم في الميادين فيمزجوا العلم بالعمل والفقه بالواقع، فيتقدّموا الصفوف ويكونوا كما كان علماء السلف في مقدمة الجيوش، مقاتلين ناصحين آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، فهم صمام الأمان للجهاد، وفقدهم ثلمة لا تخفى على من عاشر وعاصر الميادين.

وإن أهمية الزاد الإيماني لا تقتصر على المجاهد الممتشق سلاحه في الميادين والمعسكرات داخل الولايات القائمة، بل تزداد هذه الأهمية في حق مفارز المجاهدين العاملة في عقر ديار الكافرين، فهم بحاجة إلى اعتناء أكبر بالتربية الإيمانية والزاد الإيماني؛ كونهم يعملون في بيئة معادية لا معين لهم فيها على الطاعة والتوحيد، وعليهم أن يدركوا أنّ الأخوة الإيمانية التي يعيشونها، وفضيلة التواصي بالحق والصبر التي يحيونها بينهم؛ هي من أهم أسباب الإعانة على الطريق في هذه البيئة الصعبة التي بحاجة إلى رجال تزودوا بخير زاد ونهلوا من موارد الإيمان وأسهروا ليلهم في محاريب الإخبات، وانتصروا في محاريب الصلوات، فكانوا بذلك أهلا أن ينتقلوا للعمل في هذه البيئات عالية المخاطر عالية الأجور بإذن الله تعالى.


وعلى المجاهد في أي بيئة كان؛ أن يجتهد في زيادة رصيده الإيماني متحصنا بالذكر متسلحًا بالتقوى، وأن يرقى مدارج السالكين، وأن يرتقي في درجات العبودية لله تعالى، فإنها الدرجة التي امتدح الله بها نبيه محمدا -صلى الله عليه وسلم- في مقام المعراج فقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء]


وبالمحصلة، فإن زاد المجاهد الإيماني والعلمي، خير عون له في جهاده، وهو أوسع مِن أنْ يُحصر في أبواب معيّنة، والواجب على المجاهدين أن يهيّئوا زادهم، وأن يقسّموا أورادهم، ذكرًا وقيامًا وصيامًا، ويقسّموا أوقاتهم رصدا وإعدادًا وتربصًا، ويتأهبوا ويستعدوا ويتسلحوا بالإيمان والتقوى، فإنّ العالم يشتعل ويتسارع نحو هاوية الاصطدام، وإنّ الملاحم التي خلت نقطة في بحر الملاحم القادمة إنْ شاء الله، فتزودوا لذلك فإن خير الزاد التقوى، والله وليّ المتقين.


● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 357
السنة الرابعة عشرة - الخميس 26 صفر 1444 هـ
...المزيد

القـلوب لا ترتـاح إلا بالله، والأرواح لا تـأنس إلا بالله جل جلاله، والأيام لا تـطيب إلا بالقرب من ...

القـلوب لا ترتـاح إلا بالله، والأرواح لا تـأنس إلا بالله جل جلاله، والأيام لا تـطيب إلا بالقرب من الله سبحانه وتعالى..

محمد الأمين الشنقيطي

حكم من تزوج فتاة على أنها بكر وبعد أن دخل عليها وجدها ثيب وفقاً للأحكام الشرعية التي يستند إليها ...

حكم من تزوج فتاة على أنها بكر وبعد أن دخل عليها وجدها ثيب
وفقاً للأحكام الشرعية التي يستند إليها قانون الأسرة القطري رقم 22 لسنة 2006، فإن اكتشاف أن الزوجة ثيب (غير بكر) بعد الدخول، إذا تم الزواج على أنها بكر، يعتمد الحكم فيه على "شرط البكارة" عند العقد.
إذا تم الاشتراط صراحةً، فمن حق الزوج طلب الفسخ، أما إذا لم يُشترط، فالنكاح صحيح مع استحباب الستر.

حالة اشتراط البكارة:
إذا اشترط الزوج في العقد أن تكون الزوجة بكراً وبانت ثيباً، فله الخيار في فسخ العقد، ويستحق استرداد المهر.

في حال عدم اشتراط البكارة:
لا يحق للزوج الفسخ لمجرد ذلك، لأن البكارة قد تزول بأسباب أخرى غير الزنا (كقفزة أو حادث)، والزواج صحيح ومستمر.

التدليس والغش:
إذا ثبت أن هناك غشاً وتدليساً (أي أنها ثيب بسبب زنا سابق وتظاهرت بالبكر)، يرى بعض أهل العلم أن هذا العقد فيه تدليس، ويمكن اللجوء للقضاء، ولكن يفضل الستر إذا تابت.

الخيار للزوج:
استمرار الحياة الزوجية أو إنهاؤها هو حق للزوج، ولكن يُنصح بالستر وعدم إشاعة الأمر.
...المزيد

طلاق المكره وحكمه والفرق بين إكراه القاضي والإكراه بغير حق؟ ما هو طلاق المكره؟ وما حكمه؟ وما الفرق ...

طلاق المكره وحكمه والفرق بين إكراه القاضي والإكراه بغير حق؟
ما هو طلاق المكره؟ وما حكمه؟ وما الفرق بين إكراه القاضي وإكراه الشخص بغير حق؟
موضوع "طلاق المكره" من المسائل الدقيقة في الفقه الإسلامي، حيث ترتبط بمدى اعتداد الشرع بالإرادة والاختيار في العقود والفسوخ.

أولاً: تعريف طلاق المكره

طلاق المكره هو الطلاق الذي يوقعه الزوج تحت تأثير تهديد جدي من شخص قادر على تنفيذ وعيده، بحيث يُجبر الزوج على التلفظ بكلمة الطلاق بغير رضاه.

ويشترط لتحقق الإكراه المعتبر شرعاً شروط معينة، منها:
قدرة المكره (بالكسر) على تنفيذ ما هدد به.
عجز المكره (بالفتح) عن الدفع أو الهرب.
أن يكون التهديد بما يسبب ضرراً جسيماً كأذى النفس أو عضو أو مال معتبر.

ثانياً: حكم طلاق المكره
اختلف الفقهاء في وقوع طلاق المكره على قولين مشهورين:
الجمهور (المالكية، الشافعية، والحنابلة): ذهبوا إلى أن طلاق المكره لا يقع.

واستدلوا
بحديث النبي ﷺ: "إنَّ اللهَ وضع عن أمتي الخطأَ والنسيانَ وما استُكرِهوا عليه"، ولأن الطلاق تصرف يعتمد على القصد والاختيار، والإكراه يعدم الاختيار.
الحنفية: ذهبوا إلى أن طلاق المكره يقع. واستدلوا بأن المكره قصد اللفظ وإن لم يقصد الحكم، فكان طلاقه نافذاً كطلاق الهازل (الذي يمزح).

الرأي المعمول به في أغلب القوانين العربية والأحكام القضائية المعاصرة: هو رأي الجمهور، بأن طلاق المكره لا يقع متى ثبت الإكراه.

حكم طلاق المكره في قانون الأسرة القطري

بناءً على أحكام قانون الأسرة القطري (رقم 22 لسنة 2006)، يتماشى المشرع القطري مع ما ذهب إليه جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) في مسألة إرادة المطلق.

تفصيل الحكم كما ورد في مواد القانون:

1. نص القانون تنص المادة (111) من قانون الأسرة القطري صراحةً على شروط المطلق، حيث جاء فيها:
"يشترط في المطلق: العقل، والاختيار."
وبناءً عليه، فإن الاختيار ركن أساسي لصحة الطلاق، وبانتفائه (كما في حالة الإكراه) يبطل التصرف.

2. وقوع طلاق المكره
بموجب المادة المذكورة والمبادئ العامة للقانون: لا يقع طلاق المكره: إذا ثبت أن الزوج قد أُجبر على التلفظ بالطلاق تحت طائلة التهديد أو الخوف من وقوع ضرر جسيم (على النفس أو المال أو العرض).
والعلة أن الإكراه يعدم الرضا ويفسد الإرادة، والطلاق في القانون القطري هو تصرف إرادي يستلزم القصد.

3. إثبات الإكراه أمام المحكمة

في القضاء القطري، لا يكفي مجرد ادعاء الإكراه لإبطال الطلاق، بل يجب مراعاة الآتي:
1- عبء الإثبات: يقع على عاتق الزوج (المدعي بوقوع الإكراه) إثبات أن تهديداً حقيقياً قد وقع عليه وأنه لم يكن يملك وسيلة لدفعه.

2- تقدير المحكمة: تخضع المسألة لتقدير قاضي الموضوع، الذي يبحث في ظروف كل حالة على حدة للتأكد من جدية الإكراه (مثل وجود سلاح، أو حبس، أو تهديد من جهة تملك تنفيذ الوعيد).

4. الفرق بين الإكراه والطلاق "بأمر القاضي"

من المهم التفريق في البيئة القانونية القطرية بين نوعين من "الإجبار":

1. الإكراه بغير حق: وهو الذي أشرنا إليه أعلاه (تهديد خارجي)، وهذا لا يقع به الطلاق.

2. الطلاق للضرر (بحكم القاضي):

إذا رفعت الزوجة دعوى طلاق للضرر وأثبتت ذلك، فإن القاضي يحكم بالتفليق. هذا "الإلزام" للزوج لا يعتبر إكراهًا مبطلاً، بل هو تنفيذ لحكم الشرع والقانون لرفع الظلم عن الزوجة، وهذا النوع يقع نافذاً.

قانون الأسرة يحمي الأسرة من التصرفات التي تتم تحت التهديد، ويعتبر طلاق المكره باطلاً ولا تترتب عليه أي آثار شرعية أو قانونية متى ما تحقق القاضي من وقوع الإكراه فعلاً.


ثالثاً: الفرق بين إكراه القاضي والإكراه بغير حق

القاعدة الفقهية تقول: "الإكراه بحق لا ينافي الاختيار في الأحكام"، أي أن ما يُجبر عليه الشخص بأمر الشرع (كحكم القاضي) يُعتبر شرعاً كأنه فعله باختياره، أما ما يُجبر عليه بظلم فهو لغو لا تترتب عليه الآثار الشرعية حمايةً لكيان الأسرة من العبث.


هذا التفريق جوهري للفصل بين ما يصح وما لا يصح من الإكراه:

وجه المقارنة إكراه القاضي (إكراه بحق) الإكراه بغير حق (إكراه الظالم)

الصفة هو إجبار الشخص على الطلاق بموجب حكم شرعي وقانوني. هو إجبار الشخص على الطلاق بتهديد ظالم لا مستند له.
المثال إجبار الزوج على الطلاق لرفع الضرر عن الزوجة (مثل الإيلاء أو وجود عيب). تهديد شخص لآخر بالضرب أو القتل ليطلق زوجته.
الحكم يقع الطلاق؛ لأن القاضي هنا ينوب عن الشرع في إزالة الضرر، والإكراه هنا وسيلة لاستيفاء حق واجب. لا يقع الطلاق (عند الجمهور)؛ لأنه اعتداء على إرادة الزوج وحقه في استمرار النكاح.
الغاية تحقيق العدل ودفع الضرر عن الزوجة. محض الظلم والتحكم في علاقات الناس.
...المزيد

ذالك من تقنية حمام لم تدونه لم تكن تعلمها انت ولا قومك يمام

ذالك من تقنية حمام لم تدونه
لم تكن تعلمها انت ولا قومك يمام

بسم الله الرحمن الرحيم السيرة الذاتية CV ...

بسم الله الرحمن الرحيم
السيرة الذاتية CV
الاسم: ياسر عبد الله محمد الحوري الحالة الاجتماعية: متزوج ولدي خمسة أولاد مكان وتاريخ الميلاد: اليمن – صنعاء – 1983م المؤهلات الدراسية: دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن، ماجستير علوم قرآن، بكالوريوس دراسات إسلامية وعربي، دبلوم الخطيب المتميز، دبلوم دواوين السنة، دبلوم الإيمان والتوحيد، دبلوم ما لا يسع المسلم جهله.
الشهادات:
- شهادة التخرج في مرحلة الدكتوراه تخصص تفسير وعلوم قرآن.
- شهادة التخرج في مرحلة الماجستير تخصص علوم قرآن .
- شهادة إكمال حفظ القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم.
- إجازتان في القرآن برواية حفص عن عاصم عن طريق الشاطبية وطيبة.
- إجازة علمية في أحاديث متفرقة من صحيح البخاري.
- إجازة علمية في دراسة صحيح مسلم من الشيخ عبد الله بن محمد الحاشدي.
- إجازة علمية في أحاديث متفرقة من السنن.
- إجازة في الفقه الشافعي في كتاب متن الغاية التقريب للعلامة أبو شجاع.
- إجازة علمية في المواريث من د. أحمد بن محمد المصباحي
- إجازة إتقان متن الآجرومية. .
- شهادة دبلوم خطابة دراسة لمدة سنة ونصف من مؤسسة العمراني العلمية بصنعاء .
- شهادة مشاركة في الدورة التدريبية التنشيطية لمعلمي القرآن الكريم بمركز الهدى بصنعاء .
- شهادة إتمام الدراسة بالمرحلة التكميلية بمدارس تحفيظ القرآن الكريم.
- شهادة مشاركة بمركز الأنصار الصيفي الرابع 1423ه/ 2002م بصنعاء
- شهادة شكر وتقدير من إدارة الدعوة بقطر لعام 2014
- شهادة مشاركة في دورة الجانب النفسي للمشاكل الأسرية بإدارة الدعوة للمدرب البرفسور/مالك بابكر لعام 2014
- شهادة مشاركة في دورة الخطباء لعام 2014بمعهد الدعوة.
- شهادة اجتياز دورة في العقيدة 200 سؤال وجواب.
- شهادة مشاركة واجتياز في دورة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم.
- شهادة مشاركة في دبلوم دواوين السنة.
- شهادة مشاركة في الأرجوزة الميئية في سيرة خير البرية.
- شهادة مشاركة في دروس متن الجزرية شرح الشيخ عبد الرشيد صوفي.
- شهادة شكر وتقدير من إدارة الدعوة والإرشاد الديني ممثلة بقسم القرآن وعلومه.
- شهادة حضور مؤتمر دولي (دور البصمة الوراثية في المجتمعات المعاصرة 2024).
مهارات:
تحضير الخطب والدروس وإرسالها للمواقع.
الخطابة وإلقاء الدروس والمحاضرات لمدة 23 سنة.
استخدام الحاسب الآلي والتعامل مع نظام الويندوز وبرامج الأوفيس والإنترنت والبريد الإلكتروني.
التدريس في حلقات تحفيظ القرآن الكريم لمدة 20 سنة.
الإشراف والتدريس وإعداد وإقامة الأنشطة الثقافية والترفيهية للطلاب في عدة مدارس أهلية في اليمن.

بريد إلكتروني: [email protected]
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
28 ذو القعدة 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً