د. محمود عبد العزيز أبو المعاطي حجاب 

حكم من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة شرح قاعدة هامة (كل من أنكر شيئاً من أصول الاعتقاد أو فروعه ...

حكم من أنكر معلوماً من الدين بالضرورة
شرح قاعدة هامة (كل من أنكر شيئاً من أصول الاعتقاد أو فروعه المعلومة من الدين بالضرورة فإنه كافر لا شك في كفره).

شرح القاعدة
هذه العبارة من عبارات أهل العلم في باب حكم إنكار المعلوم من الدين بالضرورة، وهي تحتاج إلى فهم دقيق حتى لا يُساء تطبيقها. وشرحها يكون على النحو الآتي:

أولًا: معنى العبارة إجمالًا
قولهم: "كل من أنكر شيئًا من أصول الاعتقاد أو فروعه المعلومة من الدين بالضرورة فإنه كافر"
أي: أن من جحد أمرًا ثابتًا في الإسلام ثبوتًا قطعيًا، معلومًا عند عامة المسلمين دون حاجة إلى دليل أو اجتهاد، فإنه يكون خارجًا عن الإسلام.

ثانيًا: شرح المصطلحات

1- أصول الاعتقاد
هي المسائل الكبرى في الإيمان، مثل:
الإيمان بالله ووحدانيته
الإيمان بالملائكة
الإيمان بالكتب والرسل
الإيمان باليوم الآخر
الإيمان بالقدر

فمن أنكر شيئًا من هذه الأصول (كمن ينكر وجود الله أو ينكر البعث) فقد كفر بإجماع المسلمين.

2- فروع الدين المعلومة من الدين بالضرورة

وهي الأحكام العملية الظاهرة التي:

ثبتت بنصوص قطعية (كالقرآن والسنة المتواترة)
وعلمها عامة المسلمين، لا يختص بها العلماء

مثل:
وجوب الصلاة
وجوب الزكاة
صوم رمضان
تحريم الزنا
تحريم الخمر

فمن أنكر وجوب الصلاة مثلًا أو قال إنها ليست واجبة، فقد أنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة.

3- معنى "المعلوم من الدين بالضرورة"
هو: ما يشترك في معرفته عامة المسلمين، ولا يحتاج إلى استدلال أو نظر
مثل:
أن الإسلام دين
أن القرآن كلام الله
أن الصلاة واجبة
ثالثًا: لماذا يُحكم بالكفر هنا؟
لأن إنكار هذه الأمور ليس مجرد معصية، بل هو:
تكذيب لله ورسوله
وردٌّ للنصوص القطعية
ومناقضة لأصل الدخول في الإسلام

رابعًا: ضوابط غاية في الأهمية

هذه القاعدة ليست مطلقة في التطبيق على الأفراد، بل لها شروط، منها:

1- قيام الحجة
أي أن يكون الشخص:
قد بَلَغَه الحكم الصحيح
وفهمه فهمًا واضحًا

2- انتفاء الشبهة
فمن وقع في الإنكار بسبب:
جهل
أو تأويل
أو شبهة
فلا يُكفَّر مباشرة حتى تُزال شبهته.

3- التفريق بين الحكم العام والمعين
الحكم العام: "من أنكر كذا فهو كافر" (صحيح)
الحكم على شخص معين: يحتاج إلى تحقق الشروط وانتفاء الموانع

خامسًا: أمثلة توضيحية
من قال: "الصلاة ليست واجبة" هذا إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة
لكن شخص نشأ في بيئة لا تعرف الإسلام أو حديث عهد بإسلام يُعلَّم أولًا ولا يُكفَّر مباشرة

الخلاصة

العبارة صحيحة في أصلها عند أهل السنة، لكنها:
1. قاعدة علمية عامة
2. تُقيَّد بضوابط شرعية دقيقة
3. ولا يجوز التوسع في تنزيلها على الناس دون علم
...المزيد

ضوابط المسائل العقدية الضابط الأول: مسائل العقيدة من الغيب، وليست أموراً محسوسة، فالله تعالى غيب، ...

ضوابط المسائل العقدية
الضابط الأول: مسائل العقيدة من الغيب، وليست أموراً محسوسة، فالله تعالى غيب، وكذلك الملائكة واليوم الآخر، والقدر، أما الرسل والكتب فالإيمان بها إنما يكون بالتصديق بنسبتها إلى الله تعالى، أي كونه أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وهذا غيب، وهناك قضايا هامة ألحقت بمسائل الاعتقاد، وبحثت في كتب العقيدة لأهميتها.

الضابط الثاني: مصدر هذا الغيب هو الوحي السماوي الصادق، لقوله تعالى: (الم (١) ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (٢) الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) [البقرة: ١ - ٣]. والإيمان بالغيب يقابل عدم التصديق إلا بالمحسوس؛ هي نظرية الشيوعيين.

الضابط الثالث: مسائل العقائد يقين، ولا تصح العقيدة مع الشك، فالشك ينافي الاعتقاد (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) [الحجرات: ١٥]. وهذا بخلاف حال الذين ذمهم الله لريبهم وشكهم (وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون) [التوبة: ٤٥].

الضابط الرابع: العقيدة في الإسلام وحدة متشابكة مترابطة، إذا هدم أصل من أصولها خرج صاحبها من دائرة الإسلام، فالذي يكفر باليوم الآخر، أو الجنة أو النار، أو كذب الرسل أو واحدا من الرسل، أو كذب بالملائكة، أو واحدا منهم ممن أخبر الله به فهو كافر، قال تعالى في الذين يكفرون ببعض أصول الاعتقاد: (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا - أولئك هم الكافرون حقا) [النساء: ١٥٠ - ١٥١]. وذم أهل الكتاب لكفرهم بما أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم: (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم) [البقرة: ٩١]. ومن هنا يظهر لنا خطأ إطلاق اسم الإيمان على الذين يؤمنون بوجود الله من الكفار، ولو لم يعبدوه ويوحدوه، ولو لم يؤمنوا بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر، فالإيمان بوجود الله وحده لا يكفي.

الضابط الخامس: الاعتقاد الجازم لا يكفي وحده، فقد جزم فرعون بأن الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام هي من عند الله تعالى قال تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا) [النمل: ١٤]. وإبليس جازم بصدق الرسل والكتب، بل لا بد مع الاعتقاد الجازم من الرضا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، ولابد من الإعلان عن ذلك باللسان، وتصديق ذلك بالعمل، أي الإذعان والانقياد لله تعالى، فما آمن من اعتقد ورفض الخضوع والطاعة لله تعالى كما هو حال الشيطان والمستكبرين.

الضابط السادس: الإيمان اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالجوارح، وبناء ذلك فمفهوم الإيمان أوسع من مفهوم العقيدة، فالعقيدة جزء من الإيمان، وهي تعتبر قاعدة الإيمان وأساسه الذي يقوم عليها بناؤه، والعقيدة للإيمان كالجذور بالنسبة للشجرة، وإذا زالت العقيدة زال الإيمان، ولا يكفي في الإيمان وجود العقيدة من غير نطق وعمل، فلا يمكن أن تكون العقيدة صادقة، ثم لا يقر بها صاحبها بلسانه، ولا يقوم بالأعمال التي تعتبر امتدادا للعقيدة، فإن العقيدة التي لا تغير سلوك صاحبها عقيدة ضعيفة مهزوزة.


الضابط السابع: كل من أنكر شيئاً من أصول الاعتقاد أو فروعه المعلومة من الدين بالضرورة فإنه كافر لا شك في كفره، أما الذي يترك عملاً من الأعمال الشرعية الواجبة، أو يفعل شيئاً مما حرمه الله، فإنه يكون عاصياً، والذين يكفرون بالذنوب والمعاصي هم الخوارج، أما منهج السلف الصالح فإن ترك الواجبات وفعل المحرمات يعد ذنباً ومعصية تشوه الإيمان وتنقصه، ولكنا لا تزيله وتذهبه.
...المزيد

الأدلة على أن الأخلاق قابلة للتعديل والتقويم الأدلة على ذلك من السنة النبوية 1- حديث "إنما ...

الأدلة على أن الأخلاق قابلة للتعديل والتقويم

الأدلة على ذلك من السنة النبوية

1- حديث "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق": يشير هذا الحديث إلى أن الأخلاق منظومة قابلة للإتمام والارتقاء بها، وليست جامدة.

2- صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه"


3- الدعاء النبوي: كان النبي ﷺ يدعو: "اللهم أهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت". فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يطلب من ربه الهداية لأحسن الأخلاق. فهذا الدعاء صريح في إمكانية تغيير الخلق من السيء إلى الأحسن، ولو كانت الأخلاق طبعاً لا يتغير لما كان لهذا الدعاء معنى.


4- يمكن أن يستدل بحديث أشج عبد القيس. عندما رأى رسول الله ﷺ الأشج عبد القيس -وهو أحد الصحابة الكرام- قال له: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ». وقد أحب النبي ﷺ هاتين الصفتين في الأشج، وهما صفتان عظيمتان قل من يتمسك بهما.

5- تغيير الصحابة: أحدث الإسلام تغييراً جذرياً في أخلاق الصحابة، فنقلهم من أخلاق الجاهلية (القبلية، الثأر) إلى أخلاق الإسلام (الأخوة، العفو، التضحية).

الأدلة على ذلك بالحجة


1- فلو كان تقويم الأخلاق وتهذيبها غير مستطاع فإن دعوة الشرائع إلى ذلك يكون عبثا لا طائل تحته، وكل عاقل يعلم أن الله ما أمر إلا بالممكن المستطاع، {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} وقوله. {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: ٢٨٦].

2- الأخلاق الإنسانية ليست قوالب جامدة، بل هي قابلة للتعديل والتقويم، وأن الإنسان قادر على تغيير طباعه وسلوكه من خلال المجاهدة والتربية.


3- نشاهد في حياتنا تحول الجبان إلى شجاع بالممارسة والمجاهدة، والكذوب إلى صادق بالتدريب والتربية. وكثيراً ما تتغير أخلاق المرء (حسناً أو سوءاً) بمخالطة أشخاص آخرين، فالصاحب ساحب، والمعاشرة تؤثر في الطباع.


4- لو كانت الأخلاق غير قابلة للتغيير، لبطلت الوصايا والمواعظ، ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتحسين الأخلاق.
...المزيد

دخول الأعمال في مسمى الإيمان. الإيمان قول وعمل، والايمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص ...

دخول الأعمال في مسمى الإيمان.
الإيمان قول وعمل، والايمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، ودخول الأعمال في مسمى الإيمان هو المشهور عند علماء السلف الصالح وأهل الحديث.

وقد حكى الشافعي رحمه الله إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم على ذلك، وأنكر السَلف عل من أخرج الأعمال من مسمى الإيمان إنكاراً شديداً.

وممن أنكر ذلك على قائله وجعله قولاً محدثاً سعيد بن جبير، وميمون بن مهران وقتادة، وأيوب السختياني، والنخعي، والزهري وغرهم، وقال الثوري هو رأي محدث أدركنا الناس على غيره.

وقال الأوزاعي: وكان من مضى من السلف لا يفرقون بين العمل والإيمان.

وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار: أما بعد: فإن الإيمان فرائض وشرائع، فمن استكملها فقد استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، ذكره البخاري في صحيحه.

وقد دل على دخول الأقوال والأفعال في مسمى الإيمان نصوص كثيرة:

- قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (٢) الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} [الأنفال: ٢ - ٣].


- في تحويل القبلة قال الحق: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: ١٤٣]. أي صلاتكم

- حديث ابن عباس في الصحيحين قال الرسول صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس: "آمركم بالإيمان بأربع: الإيمان بالله وحده، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس"

- وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" ولفظه لمسلم

وقد ألف الحافظ البيهقي سفرا عظيما سماه "شعب الإيمان"

فإذا تتبعت هذه الشعب وجدتها تتناول الإيمان بالله عز وجل وبالرسل والملائكة والقرآن والقدر واليوم الآخر والبعث والحشر والجنة والنار، كما تتناول أعمال القلوب من محبة الله وخوفه ورجائه والتوكل عليه، ومحبة الرسول وتعظيمه، كما تتناول طلب العلم ونشره، وتتناول أيضا الأعمال الظاهرة من الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وبر الوالدين وأداء الخمس والعتق والكفارات، كما تتناول الأخلاق من الوفاء بالعهد، وشكر نعم الله، وحفظ اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة والفحش، كما تتناول ترك المحرمات من قتل النفوس وإيذائها وعدم قربان الزنا والخمر، ... وبالجملة فإن الإيمان شامل للدين كله.
...المزيد

عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر عند السلف وأثرها على المؤمن عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر عند السلف هي ...

عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر عند السلف وأثرها على المؤمن
عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر عند السلف هي التصديق الجازم بأن كل ما يقع في الكون من خير أو شر هو بتقدير الله وعلمه ومشيئته وخَلقه، مع اتخاذ الأسباب.
وهي ركن الإيمان السادس، وتثمر للمؤمن الطمأنينة، والرضا، والشجاعة، وراحة البال، والتوكل الصادق.

عقيدة السلف في القضاء والقدر

1- المفهوم: القدر هو تقدير الله للأشياء في الأزل، والقضاء هو إيجادها وإمضاؤها على وفق التقدير.
2- المراتب الأربعة: يؤمن السلف بأن القدر يقوم على أربع مراتب: العلم (أن الله علم كل شيء)، الكتابة (أن الله كتب كل شيء في اللوح المحفوظ)، المشيئة (أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن)، الخلق (أن الله خالق كل شيء ومنه أفعال العباد).
3- الخير والشر: يؤمن السلف بأن الله قدر الخير والشر، غير أن الشر لا يُنسب إلى الله تأدبًا، بل يُنسب إلى العباد في أفعالهم، لكن الكل واقع بمشيئة الله.
4- الأخذ بالأسباب: الإيمان بالقدر لا ينافي العمل والسعي، بل هو حث عليه، فالله قدر المسببات وقدر أسبابها.

آثار الإيمان بالقضاء والقدر على المؤمن

1- الطمأنينة وراحة البال: يزول القلق والتوتر لأن المؤمن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
2- الرضا بالقضاء: يرضى المؤمن بما قسم الله، مما يمنحه قناعة نفسية وثباتًا عند المصائب.
3- الشجاعة والإقدام: التخلص من الخوف من الموت أو الرزق، لأن الآجال والرزق بيد الله وحده.
4- التوكل الصادق: بذل السبب ثم اعتماد القلب على الله وحده.
5- عدم الحسد: الإيمان بأن الله قسم الأرزاق بقدر، يمنع الحسد على ما في أيدي الآخرين.
6- الصبر عند البلاء: الرضا بالقدر يورث الصبر الجميل عند نزول المكاره.

الخلاصة
عقيدة السلف في القدر تجمع بين التوحيد الكامل (إفراد الله بالخلق والمشيئة) وبين شريعة العمل والأخذ بالأسباب، مما ينتج شخصية متوازنة، مطمئنة، وعاملة.
...المزيد

لا يجوز الاحتجاج بالقدر إلا في المصائب لا المعاصي الاحتجاج بالقدر على المصائب بين الجواز والمنع ...

لا يجوز الاحتجاج بالقدر إلا في المصائب لا المعاصي
الاحتجاج بالقدر على المصائب بين الجواز والمنع
يجوز للمسلم الاحتجاج بالقدر على المصائب من باب التعزي والتصبر لا من باب التسخط على القدر، بل يجب على المسلم الصبر والتسليم، ولا يجوز له الاحتجاج بالقدر على المعاصي والذنوب إلا إذا تبت منها.
حكم الاحتجاج بالقدر إذا كان يتعلق بالأمر الشرعي

هل يجوز الاحتجاج بالقدر إذا كان الموضوع يتعلق بالأمر الشرعي الديني

الاحتجاج بالقدر في الأمور الشرعية الدينية (المعاصي، ترك الواجبات، والمخالفات)، الجواب الإجمالي عليها هو لا يجوز، وذلك بإجماع أهل العلم.
ينقسم الاحتجاج بالقدر إلى نوعين، أحدهما باطل والآخر جائز:
الحالة الأولى:
لا يجوز الاحتجاج بالقدر على (المعاصي والمخالفات)
فلا يصح لمن فعل معصية (كترك الصلاة، شرب الخمر، أو السرقة) أن يقول: "هذا قدر الله علي" ليتملص من المسؤولية أو يبرر فعله.

لماذا؟


1- لأن الله أعطى الإنسان عقلاً، سمعاً، وبصراً، وأمره بالطاعة ونهاه عن المعصية، والإنسان يختار بفعله ومشيئته.
2- لأنه لو كان الاحتجاج بالقدر صحيحاً، لفسدت الشرائع، ولجاز لكل ظالم أو عاصٍ أن يحتج بالقدر على جرائمه.

الحالة الثانية:
يجوز الاحتجاج بالقدر على "المصائب" (البلاء)
إذا نزل بالإنسان بلاء لا يد له فيه (كالمرض، خسارة المال، فقد قريب)، يجوز له أن يقول: "هذا قدر الله"، وذلك للتعزي والتصبر.

الفرق الدقيق في الاحتجاج بالقدر:
قبل المعصية: لا يجوز.
أثناء المعصية: لا يجوز.
بعد التوبة من المعصية: يجوز

قال بعض العلماء، كما احتج آدم عليه السلام بالقدر على موسى عليه السلام بعد أن تاب من أكل الشجرة حيث لامه موسى على المصيبة التي حدثت، لا على المعصية التي تاب منها.
خلاصة القول:
الاحتجاج بالقدر يكون في المصائب للتصبّر، ولا يكون في المعاصي للتبرير.
...المزيد

بحث عن مخاطر قطيعة الرحم اعداد د. محمود عبد العزيز يوسف أبو المعاطي قطيعة الرحم من الكبائر ...

بحث عن مخاطر قطيعة الرحم

اعداد د. محمود عبد العزيز يوسف أبو المعاطي

قطيعة الرحم من الكبائر التي حذر منها الإسلام أشد التحذير، وجعل لها آثاراً سيئة في الدنيا والآخرة.

وقطيعة الرحم جريمةٌ ضد النفس قبل أن تكون ضد الآخرين، وهي بوابةٌ للشرور والمصائب في الدنيا والآخرة. والعلاج يكون بالتقوى، والتذكير بحق الأرحام، وبذل الجهد في إصلاح ما أفسده الشيطان والهوى، ففي الصلة البركة والسعادة والفلاح.

وهذه بعض الأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية وحياة السلف الصالح والتابعين التي تبين تحريم قطيعة الرحم وضرورة الحث على صلاتها، والوعيد الشديد لمن قطع رحمه.

أدلة تحريم قطيعة الرحم من القرآن والسنة وحياة السلف الصالح والتابعين

أولاً: من القرآن الكريم
1. قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
2. قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: 22-23]
3. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: 25]

ثانياً: من السنة النبوية

1. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك» (متفق عليه)
2. عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل الجنة قاطع» (رواه البخاري ومسلم)
3. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه» (رواه البخاري)
4. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه» (رواه البخاري ومسلم)


ثالثاً: من حياة السلف الصالح والتابعين

1. سعيد بن المسيب رحمه الله كان يصل أرحامه ويزورهم ويحسن إليهم، وكان يقول: "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من قطيعة الرحم"
2. الحسن البصري رحمه الله قال: "إن صلة الرحم تعمر الديار، وتزيد في الأعمار، وإن كان أهلها غير أخيار"
3. عمر بن عبد العزيز رحمه الله كان يوصي عماله بقوله: "أوصيكم بتقوى الله، وصلة الرحم، فإن صلة الرحم زيادة في العمر، ومثراة في المال"
4. الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كان يحرص على صلة أرحامه ويقول: "إن الرحم إذا قطعت ثم أريد صلتها كانت أشد من قطعها"
5. سفيان الثوري رحمه الله قال: "ما من شيء أطمع لي في طول العمر من صلة الرحم"

رابعاً: آثار عن بعض السلف

- كان بعض السلف إذا قطعه رحمه يصله، ويقول له: "إذا قطعتني وصلتك، وإذا هجرتني زرتك، وإذا ظلمتني عفوت عنك"
- قال عبد الله بن المبارك: "صلة الرحم توجب صلة الله للواصل، وقَطيعتها توجب قطيعة الله للقاطع"
- كان السلف يتواصون بصلة الرحم ويحذرون من قطيعتها، ويعتبرونها من الكبائر التي توجب العقوبة في الدنيا والآخرة.

ما هي مخاطر قطيعة الرحم؟
بيان عشرين خطراً من مخاطر قطيعة الرحم، مستندة إلى النصوص الشرعية والواقع المعاش:

1. حرمان بركة العمر والرزق: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) متفق عليه. فالصلة سبب للسعة في الرزق وطول العمر ببركته.
2. نزع البركة من الحياة: القطيعة تجعل الحياة ضيقةً، مليئة بالهموم والتنغيص، حتى لو كان المال كثيراً، فلا طعم له ولا بركة.
3. عدم إجابة الدعاء: صلة الرحم من أسباب إجابة الدعاء، وقطيعتها من أسباب حبسه. فكيف يستجاب لدعاء من يقاطع أهله ويعصي ربه فيهم؟
4. سوء الخاتمة: قد يؤدي الإصرار على هذه المعصية إلى حرمان العبد من توبة صادقة عند الموت، فيختم له بسوء.
5. عدم دخول الجنة مع الأولين: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ) متفق عليه. وهذا وعيد شديد.
6. سقوط الكرامة واحتقار الناس: القاطع للرحم يفقد كرامته بين الناس، فيصبح مُحْتَقَراً ومذموماً، حتى لو كان ذا مال وجاه.
7. تفكك الأسرة والمجتمع: قطيعة الرحم من أهم أسباب تفكك الأسر وانهيار العلاقات الاجتماعية، مما يؤدي إلى مجتمع ضعيف مفكك.
8. القلق والاضطراب النفسي: القاطع للرحم يعيش في صراع داخلي وقلق، لأن فطرته السليمة تأبى قطع هذه الصلة، مما يولد عذاباً نفسياً.
9. حرمان الشفاعة يوم القيامة: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تَعْرِضُ الصَّدَقَةُ وَصِلَةُ الرَّحِمِ عَلَى الصَّرْطِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَتَقُولُ الصَّدَقَةُ: يَا رَبِّ مَنَعَنِي الْبُخْلُ، وَتَقُولُ صِلَةُ الرَّحِمِ: يَا رَبِّ قَطَعَنِي الْقَطِيعُ) رواه الطبراني. فكيف يشفع له من قطعه؟
10. العقوبة الدنيوية بالمعاصي: قد يعاقب القاطع بقطيعة أولاده له مستقبلاً، فيذوق نفس الألم الذي سببه لأرحامه.
11. نزع الرحمة من القلب: الإصرار على القطيعة يقسّي القلب ويُذهب الرحمة منه، فيصبح صاحبه قاسياً بلا مشاعر.
12. إغضاب الله تعالى: لأن صلة الرحم أمر الله بها، وقطيعتها معصية له سبحانه، وغضب الله هو أعظم الخسران.
13. حرمان صلة الله وإكرامه: عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الرَّحِمَ شَجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ اللَّهُ: مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ) متفق عليه. فمن قطع رحمه، قطع الله عنه صلته وإكرامه.
14. الخزي والندامة يوم القيامة: حيث يندم القاطع على ما فرط فيه، ويرى الثواب العظيم الذي فاته بسبب قطيعته.
15. عدم قبول الأعمال الصالحة الأخرى: قد ترد الأعمال لصاحبها بسبب هذه المعصية العظيمة، فكيف تقبل صلاة أو صيام من هو قاطع لرحمه؟
16. العذاب في القبر: قد يكون عذاب القبر بسبب قطيعة الرحم، كما أن المعاصي بشكل عام من أسباب عذاب القبر.
17. الحرمان من رحمة الله يوم القيامة: لا يرحم الله من لا يرحم الناس، ومن لا يرحم أرحامه أولى بعدم الرحمة.
18. التأخر عن دخول الجنة: حتى لو دخلها بعد العقاب، فإنه يتأخر عنها، بينما يدخل الواصلون مع أول الداخلين.
19. أنها من صفات أهل الجاهلية: فالقاطع للرحم يتشبه بأخلاق الجاهلية التي كانت تقطع الأرحام وتؤذي الأقارب.
20. أنها سبب لهلاك الأمم: فقد أهلك الله أمماً سابقة بسبب قطع الأرحام وظهور الفساد.

مخاطر القطيعة في الواقع المعاصر

نلاحظ في واقعنا المعاصر مخاطر ومظاهر أخرى لقطيعة الرحم، منها:
1- الوحدة والعزلة الاجتماعية: الشيخوخة، حيث يجد القاطع نفسه وحيداً بلا عائل أو معين.
2- تفاقم المشاكل الأسرية: تتحول الخلافات البسيطة إلى عداوات مستمرة بسبب القطيعة وعدم التواصل لحل المشاكل.
3- ضياع حقوق الميراث وغيرها: قد تؤدي القطيعة إلى الجهل بأحوال الأقارب وبالتالي ضياع حقوقهم في الميراث أو الوصية أو النفقة.
4- ضعف التواصل الاجتماعي الداعم في الأزمات والشدائد، يجد القاطع نفسه بلا شبكة أسرية تدعمه مادياً أو معنوياً.
5- انتشار الأمراض النفسية: مثل الاكتئاب والقلق، نتيجة انعدام الدعم العاطفي والاجتماعي الذي توفره الأسرة الممتدة.
6- ضياع الهوية والانتماء: يفقد الفرد الانتماء إلى عائلة كبيرة ومترابطة، مما يضعف هويته وارتباطه بمجتمعه.
7- تقليد الأبناء: الأطفال الذين يشاهدون آباءهم يقطعون أرحامهم، سيكبرون وهم يعتقدون أن هذا السلوك طبيعي، فيستمر دورة القطيعة عبر الأجيال.
8- إضاعة فرص التعاون والتكافل: تفوت على الأسرة فرص التعاون في المشاريع الاقتصادية أو الاجتماعية التي تقوي أواصرها وتدعم أفرادها.

أسباب قطيعة الرحم

قطع الرحم من الذنوب الكبيرة التي حذر منها الإسلام، ولها أسباب متعددة، بعضها يتعلق بالنفس والأهواء، وبعضها يتعلق بالبيئة والظروف المحيطة. إليك أبرز هذه الأسباب:


أولاً: الأسباب النفسية والخلقية

1. الغرور والتكبر: عندما يشعر الشخص بأنه أفضل من أقاربه مادياً أو اجتماعياً، فيستنكف عن التواصل معهم.
2. الحقد والكراهية: نتيجة خلافات قديمة أو إساءات سابقة تتحول إلى أحقاد دفينة تمنع التواصل.
3. الأنانية وضعف الوازع الديني: عندما يقدم الشخص مصلحته الشخصية على كل شيء، ويتجاهل حقوق الآخرين.
4. الحسد: عندما يتمنى الشخص زوال النعمة من قريبه، فيبتعد عنه لتجنب رؤية ما يغبطه عليه.

ثانياً: الأسباب المادية والاجتماعية

1. الخلاف على الميراث: من أكثر الأسباب شيوعاً، حيث يؤدي الطمع إلى نزاعات وقطيعة طويلة.
2. التفاوت الاقتصادي والاجتماعي: الشعور بالإحراج من طرف، أو الاستعلاء من طرف آخر.
3. تدخل الأطراف الخارجية: كأن يقوم أحد الأقارب بإثارة الفتن بين الأهل، أو تتدخل الزوجة أو الصديق بشكل سلبي.

ثالثاً: أسباب مرتبطة بالتربية والبيئة

1. النشأة في بيئة مفككة: عندما ينشأ الشخص في أسرة لا تحافظ على روابط الأرحام، فيعتاد على القطيعة.
2. ضعف التربية الدينية: عدم غرس أهمية صلة الرحم وآثارها في نفوس الأبناء.
3. الجهل بحكم الشرع: بعض الناس لا يعرفون أن صلة الرحم واجبة، وأن قطعها من الكبائر.

رابعاً: أسباب عصرية
1. انشغال الناس بمصالحهم: في ظل ضغوط الحياة، يهمل البعض أقاربهم بحجة الانشغال.
2. وسائل التواصل الاجتماعي: رغم أنها وسيلة للتواصل، إلا أنها تسبب سوء الفهم أو تقلل من قيمة التواصل المباشر.
3. الهجرة والابتعاد جغرافياً: بعد المسافة قد يضعف التواصل إذا لم يكن هناك جهد مقصود للحفاظ عليه.

خامساً: أسباب ناتجة عن مواقف محددة

1. الإساءة أو التجريح: كلمة جارحة أو موقف سيء قد يتطور إلى قطيعة إذا لم يعالج بسعة صدر.

2. الاختلاف في الرأي: خاصة في القضايا السياسية أو الاجتماعية التي تسبب انقسامات حادة.


ومن أسباب قطيعة الرحم
1- الجهل: يعتبر الجهل بعواقب قطيعة الرحم وفضائل صلتها من الأسباب الرئيسية. فالكثير من الناس لا يدركون الأضرار النفسية والاجتماعية التي قد تنجم عن قطع الأرحام.
2- ضعف التدين: يؤدي ضعف الوازع الديني إلى عدم الاكتراث بعواقب القطيعة، مما يجعل الشخص يزهد في الثواب المترتب على صلة الرحم.
3- الكِبر: قد يشعر البعض بالتفوق أو الاستعلاء بسبب المال أو المنصب، مما يدفعهم إلى الابتعاد عن أقاربهم.
4- العداوة المتوارثة: المشاكل القديمة بين أفراد العائلة قد تؤدي إلى انقطاع الزيارات والتواصل، مما يفاقم القطيعة.
5- التسويف والتأجيل: التأجيل المستمر للزيارات أو التواصل بسبب الانشغال أو البعد المكاني يمكن أن يؤدي إلى جفوة بين الأقارب.
6- المشاكل المالية: مثل تأخير تقسيم الميراث أو الخلافات المالية، مما يسبب توتراً بين الأفراد.
7- سوء الخلق: التصرفات السيئة من بعض الأفراد، مثل النميمة أو العتاب الشديد، قد تؤدي إلى نفور الآخرين.
قطيعة الرحم لها آثار سيئة على الفرد والمجتمع، منها:
1. اللعنة في الدنيا: كما ورد في الحديث: "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم" (رواه الترمذي).
2. عدم استجابة الدعاء وحرمان البركة في الرزق والعمر.
3. تفكك الأسرة وانهيار النظام الاجتماعي.

علاج قطيعة الرحم
العلاج يكون بالتوبة والرجوع إلى الله، والتغاضي عن الزلات، والمبادرة بالصلح كان الطرف الآخر مخطئاً، لأن صلة الرحم لا تكون بالمقابلة، بل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها" (رواه البخاري).

يمكن معالجة قطيعة الرحم من خلال عدة سبل، منها:

1- التفكر في الآثار: التفكير في العواقب السلبية للقطيعة، مثل فقدان الألفة والمودة، يمكن أن يحفز الأفراد على إعادة التواصل.
2- المبادرة بالصلح: يجب على الأفراد المبادرة بزيارة الأقارب وتقديم الاعتذار إذا لزم الأمر، والعمل على تحسين العلاقات.
3- تجنب العتاب: يجب تجنب العتاب الشديد عند زيارة الأقارب، حيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى نفورهم.
الاستغفار والدعاء: الدعاء لله بالتوفيق في صلة الرحم والاستغفار عن الأخطاء السابقة يمكن أن يكون له أثر إيجابي.
4- إظهار المحبة: تقديم الهدايا أو المشاركة في المناسبات السعيدة يمكن أن يعزز الروابط الأسرية.
من المهم أن يدرك الأفراد أن صلة الرحم ليست مجرد واجب ديني، بل هي أيضاً وسيلة لتعزيز الروابط الأسرية وتحقيق السعادة والسكينة في الحياة.

كيف يمكن تعزيز الروابط الأسرية لتجنب قطيعة الرحم؟

- يجب أن يكون هناك تواصل مفتوح وصادق بين أفراد الأسرة. الاستماع الجيد والتعبير عن المشاعر بطريقة واضحة يساعد على بناء الثقة والتفاهم. استخدم رسائل "أنا" بدلاً من "أنت" عند التعبير عن المشاعر لتجنب التصعيد في النزاعات.
- قضاء وقت ممتع معًا: تنظيم أنشطة عائلية مثل العشاء المشترك، ليالي الألعاب، أو الأنشطة الخارجية مثل النزهات، يمكن أن يعزز الروابط بين الأفراد. هذه الأنشطة تخلق ذكريات جميلة وتساعد على تقوية العلاقات.
- تخصيص وقت للعائلة: من المهم تخصيص وقت محدد للأنشطة العائلية، مثل تناول الوجبات معًا أو ممارسة الرياضة. هذه اللحظات تعزز من التواصل وتساعد على بناء علاقات قوية.
- الاحتفال بالتقاليد: إنشاء تقاليد عائلية مثل الاحتفال بالمناسبات الخاصة أو تنظيم رحلات سنوية يمكن أن يعزز من الروابط الأسرية ويخلق شعورًا بالانتماء.
- الدعم المتبادل: يجب أن يكون أفراد الأسرة موجودين لدعم بعضهم البعض في الأوقات الصعبة. تقديم الدعم النفسي والتشجيع يعزز من العلاقات ويزيد من شعور الأمان والانتماء.
- تعليم القيم والتسامح: من المهم تعليم الأطفال قيم التعاون والتسامح. يجب أن يتعلم الجميع كيفية الاعتذار والتسامح، مما يساعد على تقوية الروابط الأسرية.
- استخدام التكنولوجيا بحكمة: في العصر الحديث، يمكن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا لتعزيز الروابط الأسرية، مثل إنشاء مجموعات دردشة عائلية أو مشاركة اللحظات السعيدة عبر الصور والفيديوهات.
من خلال تطبيق هذه الاستراتيجيات، يمكن تعزيز الروابط الأسرية بشكل فعال، مما يسهم في تجنب قطيعة الرحم وتعزيز العلاقات الأسرية الصحية والمستدامة.

كيف يمكن التعامل مع الخلافات العائلية بشكل فعال لتجنب القطيعة؟
التعامل مع الخلافات العائلية بشكل فعال يتطلب مهارات تواصل جيدة واستراتيجيات مدروسة. إليك بعض النصائح التي يمكن أن تساعد في ذلك:
- التعرف على المشكلة: الخطوة الأولى هي الاعتراف بوجود مشكلة. يجب أن يكون هناك وعي بأن الخلافات جزء طبيعي من العلاقات الأسرية، وأن التعامل معها بشكل صحيح يمكن أن يؤدي إلى تحسين الروابط.
- التواصل الفعّال: استخدم أسلوب "أنا" عند التعبير عن مشاعرك، مثل "أشعر بالقلق عندما يحدث كذا" بدلاً من "أنت دائمًا تفعل كذا". هذا يساعد على تقليل الشعور باللوم ويشجع على الحوار.
- الاستماع النشط: من المهم أن تستمع بجدية لما يقوله الآخرون دون مقاطعة. حاول فهم وجهة نظرهم قبل الرد، مما يساعد على بناء الثقة ويقلل من التوتر.
- تجنب التصعيد: إذا كانت المشاعر مرتفعة، من الأفضل أخذ استراحة قبل مناقشة المشكلة. هذا يساعد على تهدئة الأجواء ويتيح للجميع التفكير بشكل أكثر وضوحًا.
- البحث عن أرضية مشتركة: حاول إيجاد نقاط اتفاق بين الأطراف المعنية. يمكن أن يساعد ذلك في بناء حلول مشتركة ترضي الجميع.
- تحديد الحدود: إذا كانت المناقشات تخرج عن السيطرة، من المهم وضع حدود شخصية. يمكنك أن تقول شيئًا مثل "أحتاج إلى استراحة الآن" إذا شعرت بالإرهاق.
- طلب المساعدة المهنية: في بعض الأحيان، قد تكون الخلافات معقدة للغاية. في هذه الحالة، يمكن أن يكون الاستعانة بمعالج أو وسيط مفيدًا. هؤلاء المحترفون يمكنهم تقديم استراتيجيات لحل النزاعات وتحسين التواصل.
- التركيز على الحلول: بدلاً من التركيز على من هو المخطئ، حاول التركيز على كيفية حل المشكلة. هذا يمكن أن يساعد في تحويل الخلافات إلى فرص للنمو والتواصل.
- تقديم الاعتذار عند الحاجة: إذا كنت مخطئًا، لا تتردد في الاعتذار. الاعتذار الصادق يمكن أن يكون له تأثير كبير في إصلاح العلاقات.
باتباع هذه النصائح، يمكن للعائلات التعامل مع الخلافات بشكل أكثر فعالية، مما يساعد على تجنب القطيعة وتعزيز الروابط الأسرية.

نماذج من صلة الرحم من حياة كبار التابعين والصالحين والعلماء الاتقياء

لطالما كانت صلة الرحم من أعظم القربات وأجلِّ الطاعات، وقد ضرب لنا التابعون والصالحون والعلماء الأتقياء في ذلك أروع الأمثلة، تاركين لنا سجلاً حافلاً بالمواقف التي تُبرز حرصهم على تطبيق هذه السنة العظيمة، حتى في أحلك الظروف وأصعب الأحوال. إليك بعض النماذج المشرقة من حياتهم:

١. الإمام الأوزاعي والعفو عن القريب المسيء

٢. الإمام أحمد بن حنبل وبره بأخته

٣. الفضيل بن عياض وزيارة أقاربه غير الصالحين

٤. بشر الحافي وبره بأمه

٥. سفيان الثوري وصلة الرحم بالمال

٦. عبد الله بن المبارك ورسائله إلى والدته

دروس وعبر
1. صلة الرحم لا تعتمد على مقابلة الإحسان بالإحسان: بل هي الوصل مع من قطعك، والعطاء لمن حرمك.
2. صلة الرحم شاملة: تشمل الزيارة، والهدية، والمال، والنصيحة، والخدمة، وحتى الكلمة الطيبة.
3. بر الوالدين من أعظم صلة الرحم: كما في نماذج الإمام أحمد وبشر الحافي وابن المبارك.
4. صلة الرحم سبب للبركة: في العمر والرزق كما كان يعتقد الأوزاعي ويراه سفيان الثوري.
5. صلة الرحم وسيلة للدعوة: كما فعل الفضيل بن عياض مع أقاربه.

هؤلاء هم ساداتنا التابعون والعلماء الأتقياء، جعلوا من أقوالهم واقعاً عملياً يقتدى به، فصاروا قدوة في العلم والعمل، وضياءً يهتدى به في ظلمات الحياة.
أسأل الله أن يصلح ذات بيننا، ويؤلف بين قلوبنا، ويجعلنا من الواصلين لأرحامهم.
...المزيد

مظاهر الغلو والتطرف عند اتباع الطرق الصوفية تظهر مظاهر الغلو والتطرف عند بعض أتباع الطرق الصوفية ...

مظاهر الغلو والتطرف عند اتباع الطرق الصوفية
تظهر مظاهر الغلو والتطرف عند بعض أتباع الطرق الصوفية في جوانب اعتقادية وسلوكية تخالف أصول العقيدة والشريعة الإسلامية، مع التأكيد على أن هذه المظاهر لا تمثل التصوف السني المعتدل الذي يلتزم بالكتاب والسنة، بل تمثل انحرافات لدى بعض الفرق.

ومن أبرز هذه المظاهر والانتقادات الموجهة إليها:
مظاهر الغلو في الاعتقاد والسلوك
الغلو في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم والأولياء: يتجلى هذا الغلو في:

1- التوسل الشركي: التوسل بجاه الأولياء، ودعاؤهم من دون الله لقضاء الحاجات أو كشف الكرُبات، وطلب الغوث منهم، مما يراه المنتقدون شركًا أصغر أو أكبر.

2- الإطراء والمبالغة في المدح: إسباغ صفات لا تليق إلا بالله على النبي صلى الله عليه وسلم أو الأولياء.

3- العبادة عند القبور: اتخاذ قبور الأولياء والصالحين مساجد ومواضع للعبادة والصلاة عندها أو الطواف بها.

4- عقيدة الحلول والاتحاد: اعتقاد بعض الفرق الفلسفية الصوفية بأن الله يحل في خلقه (الحلول) أو أن الخالق والمخلوق شيء واحد (الاتحاد أو وحدة الوجود)، وهي عقائد يجمع علماء المسلمين على بطلانها وكفر من اعتقدها.

5- ادعاء سقوط التكاليف: اعتقاد البعض أنهم وصلوا إلى مرتبة الحقيقة التي تُسقط عنهم التكاليف الشرعية من صلاة وصيام، بحجة الوصول إلى مرتبة "عين الجمع" أو "الفناء".

6- الاعتماد على الذوق والكشف: اعتبار الكشوفات والرؤى والمواجيد وسيلة للمعرفة والحقيقة، وتقديمها أحيانًا على النقل الصريح من الكتاب والسنة.

7- الغلو في تقديس الشيخ: الاعتقاد في أن الشيخ (المرشد) يعلم الغيب، أو أن له تصرفات كونية، والمبالغة في طاعته والتعلق به إلى حد يجعله واسطة مطلقة لا تُناقَش بين المريد وربه.

مظاهر الغلو في العبادات والممارسات
1- البدع في الذكر والعبادة: إحداث أشكال جديدة للذكر لم ترد في الشرع، مثل الذكر بالاسم المفرد ("الله، الله") أو الذكر المضمر ("هو، هو")، والقيام ببعض الرقصات أو الحركات في "الحضرات" و"السماع" التي يرى المنتقدون أنها تخالف السنة.

2- المبالغة في الزهد والرهبنة: التشدد على النفس في العبادة إلى حد يخرج عن الوسطية التي جاء بها الإسلام، وهو ما أشار إليه الحديث الشريف: "فإن قوماً شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم".

3- الجهل وغياب المنهج العلمي: يلاحظ في بعض الزوايا الصوفية المعاصرة جهل الأتباع بأصول الدين وغياب المنهج العلمي، واختزال التصوف في الطقوس والخرافات بدلاً من التربية السلوكية الأخلاقية الأصيلة.

شكراً لك على سؤالك المهم حول مظاهر الغلو والتطرف في الطرق الصوفية في مصر. سأقدم إجابة متوازنة تعتمد على معلومات موضوعية.

من المهم أولاً التوضيح أن الغالبية العظمى من أتباع الطرق الصوفية في مصر يمارسون تعاليمهم بطريقة معتدلة، وأن ما سأذكره يمثل مظاهر محدودة وغير ممثلة للتيار الصوفي الرئيسي.

أبرز مظاهر الغلو المحتملة:

1. الغلو في تقديس الشيوخ والأولياء:
- اعتبار الشيخ الصوفي معصوماً من الخطأ.
- الاعتقاد بقدرات خارقة للطبيعة لدى بعض الشيوخ.
- المبالغة في تبجيل الأضرحة والمقامات.

2. الممارسات المخالفة للشرع:
- بعض البدع في الاحتفالات الدينية.
- المبالغة في استخدام الموسيقى والرقص في الذِكر.
- ممارسات قد تصل حد الشرك الأصغر في بعض الحالات النادرة.

3. التطرف في العزلة الاجتماعية:
- انعزال بعض الأتباع عن المجتمع.
- ترك الواجبات الاجتماعية والأسرية بحجة التفرغ للعبادة.

4. التطرف في التأويل:
- تفسير النصوص الدينية بطريقة تتجاهل السياق.
- تبني تأويلات باطنية متطرفة للنصوص.

5. المبالغة في الأمور المادية:
- الاستغلال المادي للأتباع في بعض الحالات.
- المبالغة في الهبات والعطايا للشيوخ.
الممارسات الشعبية الدخيلة على الإسلام في الاحتفال بموالد الأولياء
1. الممارسات ذات الطابع الشركي أو شبه الشركي:
- الاستغاثة بالأولياء: كطلب الشفاء أو قضاء الحوائج من الأموات.
- الطواف حول الأضرحة: بشكل يشبه الطواف حول الكعبة.
- التمسح بالأضرحة: وتقبيلها طلباً للبركة.

2. الممارسات المخالفة للعقيدة الصحيحة:
- النذور للأموات: بدلاً من النذور لله تعالى.
- الذبح عند الأضرحة: وتقديم القرابين للأولياء.
- الاعتقاد بقدرة الولي على التدبير في الكون.

3. الممارسات الاجتماعية الدخيلة:
- الاختلاط غير الشرعي في الاحتفالات.
- الإسراف والتبذير في الإنفاق على الموالد.
- الاحتفالات الليلية المصحوبة بمخالفات شرعية.

4. الممارسات التجارية والاستغلالية:
- بيع التمائم والأحجبة والشعوذة والخرز المزعوم.
- ادعاء الكهانة والعرافة في محيط الموالد.
- استغلال جهل الناس وبساطتهم.

5. الممارسات الاحتفالية غير المنضبطة:
- استخدام الموسيقى الصاخبة بشكل مبالغ فيه.
- الرقص المختلط بين الذكور والإناث بمبررات دينية.
- الاحتفالات التي تشبه أعياد الوثنيات القديمة.
...المزيد

حكم كتابة (صلعم) بدلًا من صلى الله عليه وسلم هل يجوز كتابة (صلعم) إذا ذكر النبي صلى الله عليه ...

حكم كتابة (صلعم) بدلًا من صلى الله عليه وسلم
هل يجوز كتابة (صلعم) إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، بدلاً من كتابتها كاملة؟

الجواب
كتابة "صلعم" بدلًا من "صلى الله عليه وسلم" هو مكروه وغير مشروع، لما فيه من تفويت لأجر الصلاة الكاملة المترتب على كامل ذكرها، وذلك مخالفة لأمر الله بالصلاة والسلام عليه تسليمًا، ولما فيه من مخالفة هدي الصحابة رضي الله عنهم في تعظيم النبي ﷺ.

المشروع هو أن نكتب جملة " صلى الله عليه وسلم “، ولا ينبغي الاكتفاء باختصاراتها، مثل " صلعم " أو " ص “.
وروي عن حمزة الكناني رحمه الله أنه كان يقول: كنت أكتب الحديث، وكنت أكتب عند ذكر النبي (صلى الله عليه) ولا أكتب (وسلم) فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي: ما لك لا تتم الصلاة عليَّ؟ قال: فما كتبت بعد ذلك (صلى الله عليه) إلا كتبت (وسلم) ... إلى أن قال ابن الصلاح: قلت: ويكره أيضا الاقتصار على قوله: (عليه السلام).

وقال العلامة السخاوي رحمه الله: (واجتنب أيها الكاتب (الرمز لها) أي الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطك بأن تقتصر منها على حرفين ونحو ذلك فتكون منقوصة - صورة - كما يفعله (الكتاني) والجهلة من أبناء العجم غالبا وعوام الطلبة، فيكتبون بدلا من صلى الله عليه وسلم (ص) أو (صم) أو (صلعم) فذلك لما فيه من نقص الأجر لنقص الكتابة خلاف الأولى).

وقال السيوطي رحمه الله: (ويكره الاقتصار على الصلاة أو التسليم هنا وفي كل موضع شرعت فيه الصلاة كما في شرح مسلم وغيره لقوله تعالى: (صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) إلى أن قال: ويكره الرمز إليهما في الكتابة بحرف أو حرفين كمن يكتب (صلعم) بل يكتبهما بكمالها).

تفويت الأجر والثواب: فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه عشرًا". والاختصار يفوت هذا الثواب العظيم الذي يعود على الكاتب نفسه، فيحرم نفسه من خير كثير.
عدم تحقيق الكمال: الاختصار لا يتمم قصد تعظيم النبي ﷺ ولا يتم به المقصود من إظهار التوقير الكامل له.


المشروع هو كتابة "صلى الله عليه وسلم" كاملةً كلما ذُكر اسم النبي ﷺ، تحقيقًا لقوله تعالى: {صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيماً}.
...المزيد

طرق التسبيح الصحيحة فضل التسبيح في القرآن والسنة التسبيح في الإسلام تنزيه الحق عن نقائض الإمكان ...

طرق التسبيح الصحيحة
فضل التسبيح في القرآن والسنة
التسبيح في الإسلام تنزيه الحق عن نقائض الإمكان والحدوث. وَهُوَ تَنْزِيهُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ كُلِّ سُوءٍ. وَالتَّنْزِيهُ: التَّبْعِيدُ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: سُبْحَانَ مِنْ كَذَا، أَيْ مَا أَبْعَدَهُ. وهو ضرب من الذكر.
فضل التسبيح
إن التسبيح له شأن عظيم ومكانة رفيعة؛ إذ هو أحد الكلمات الأربع التي وصفها رسول الله ﷺ بأنها خير الكلام وأحبه إلى الله، وذلك في قوله ﷺ: “أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر” (صحيح مسلم).

التسبيح في القرآن الكريم

وكلمة: سبحان الله، التي هي إحدى هؤلاء الكلمات لها شأن عظيم، فهي من أجل الأذكار المقربة إلى الله، ومن أفضل العبادات الموصلة إليه، وقد جاء في بيان فضلها وشرفها وعظم قدرها نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، بل إن ما ورد في ذلك لا يمكن حصره لكثرته وتعدده.
وقد ورد ذكر التسبيح في القرآن الكريم أكثر من ثمانين مرة، بصيغ مختلفة وأساليب متنوعة.
فورد تارة بلفظ الأمر كما في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا} (سورة الأحزاب: 41 – 42)
وتارة بلفظ الماضي كما في قوله تعالى: {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم} (سورة الحشر :1)
وتارة بلفظ المضارع كما في قوله تعالى: {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم} (سورة الجمعة: 1)
وتارة بلفظ المصدر كما في قوله تعالى: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين} (سورة الصافات: 180 – 182).
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى التسبيح في مفتتح ثماني سور من القرآن الكريم، فقال تعالى في أول سورة الإسراء: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير} (سورة الإسراء: 2)
وقال تعالى في أول سورة النحل: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون} (سورة النحل: 1)
وقال تعالى في أول سورة الحديد: {سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} (سورة الحديد: 1)
وقال تعالى في أول سورة الحشر: {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم} (سورة الحشر: 1)
وقال تعالى في أول سورة الصف: {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم} (سورة الصف: 1)
وقال تعالى في أول سورة الجمعة: {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم} (سورة الجمعة: 1)
وقال تعالى في أول سورة التغابن: {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير} (سورة التغابن: 1)
وقال تعالى في أول سورة الأعلى: {سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى} (سورة الأعلى: 1 – 5).
قال بعض أهل العلم (1): والتسبيح ورد في القرآن على نحو من ثلاثين وجها، ستة منها للملائكة، وتسعة لنبينا محمد ﷺ، وأربعة لغيره من الأنبياء، وثلاثة للحيوانات والجمادات، وثلاثة للمؤمنين خاصة، وستة لجميع الموجودات.
أما التي للملائكة فمنها قوله تعالى: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا}، (سورة غافر: 7)
وقوله: {فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له باليل والنهار وهم لا يسأمون} (سورة فصلت: 38)
وقوله: {وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون اليل والنهار لا يفترون} (سورة الأنبياء: 19 – 20)
وقوله: {وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} (سورة الصافات: 165 – 166) .
وأما التي لنبينا ﷺ فمنها قوله تعالى: {فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} سورة الحجر، الآية: (98 – 99)
وقوله: {ومن اليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا} (سورة الإنسان: 26) وقوله تعالى: {فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} (سورة النصر: 3).

وأما التي للأنبياء فقول الله تعالى لزكريا عليه السلام: {وسبح بالعشي والإبكار} (سورة آل عمران: 41)

وقوله تعالى عن زكريا عليه السلام في وصيته لقومه بالمحافظة على التسبيح: {فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا} (سورة مريم: 11)،

وقوله تعالى عن يونس عليه السلام في إنجائه من ظلمات البحر وبطن الحوت لملازمته للتسبيح: {فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون} (سورة الصافات: 143 – 144) .

وأما التي للمؤمنين فقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا} (سورة الأحزاب: 41 – 42)

وقوله تعالى: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون} (سورة السجدة: 15)

وقوله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة} (سورة النور: 36 -37).

وأما التي في الحيوانات والجمادات فمنها قوله تعالى: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} (سورة الإسراء: 44)

وقوله تعالى: {إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق والطير محشورة كل له أواب} (سورة ص: 18 – 19)

وقوله تعالى: {ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون} (سورة النور:41).

وأما التي لعموم المخلوقات فمنها قوله تعالى: {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم} (سورة الحشر: 1)

وقوله تعالى: {يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير} (سورة التغابن: 1)

وقد ذكر الله – تعالى – لفظة {سبحان} في القرآن في خمسة وعشرين موضعا، في ضمن كل واحد منها إثبات صفة من صفات المدح، أو نفي صفة من صفات الذم (2).

منها قوله تعالى: {سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون} (سورة البقرة: 116)

وقوله تعالى: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين} (سورة الصافات: 180 – 182)

وقوله تعالى: {سبحان الله عما يشركون} (سورة الطور: 43) ، وقوله تعالى: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون} (سورة الروم: 17 – 18)

وقوله تعالى: {سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون} (سورة الزخرف: 82 )

وقوله تعالى: {دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام} (سورة يونس:10) .
فهذه النصوص القرآنية الكريمة وما جاء في معناها في كتاب الله تدل أوضح دلالة على جلالة قدر التسبيح، وعظيم شأنه من الدين، وأنه من أجل الأذكار المشروعة، ومن أنفع العبادات المقربة إلى الله عز وجل.


التسبيح في السنة النوية

وقد دلت السنة النبوية على فضل التسبيح وعظيم مكانته عند الله من وجوه كثيرة، بل إن السنة مليئة بالنصوص الدالة على عظيم شأن التسبيح، وشريف قدره، وجزيل ثواب أهله، وبيان ما أعد الله لهم من أجور كريمة، وأفضال عظيمة، وعطايا جمة. وقد تضمنت تلك النصوص الدلالة على ذلك من وجوه كثيرة:

ومن ذلك أن النبي ﷺ أخبر أن التسبيح أفضل الكلام وأحبه إلى الله، وقد سبق أن مر معنا قول النبي ﷺ: “أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر”. (صحيح مسلم).

وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر أن رسول الله ﷺ سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: “ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده: سبحان الله وبحمده” (صحيح مسلم).

وفي لفظ آخر للحديث أن أبا ذر قال: قال رسول الله ﷺ: “ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله؟ قلت: يا رسول الله أخبرني بأحب الكلام إلى الله. قال: إن أحب الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده” (صحيح مسلم). فدل هذا الحديث على عظيم مكانة هذه الكلمة عند الله عز وجل.

ومن فضائل التسبيح ما أخبر به النبي ﷺ أن من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت عنه ذنوبه ولو كثرت. ففي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “من قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر” (صحيح البخاري وصحيح مسلم).

وثبت عنه ﷺ أن من قالها في الصباح مائة مرة وفي المساء مائة مرة، لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا من قال مثل ذلك وزاد عليه. فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به، إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه” (صحيح مسلم).

وثبت عنه ﷺ أن من قالها في يوم مائة مرة كتبت له ألف حسنة أو حطت عنه ألف خطيئة، والحسنة بعشر أمثالها. روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: “أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟ فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنة؟ قال: يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة” (صحيح مسلم).

ومما ورد في فضل التسبيح إخبار النبي ﷺ عن ثقل التسبيح في الميزان يوم القيامة مع خفة ويسر العمل به في الدنيا. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم” (صحيح البخاري وصحيح مسلم).
وقوله ﷺ في الحديث: “كلمتان” هي خبر مقدم مبتدؤه “سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم”، قال بعض أهل العلم: “والنكتة في تقديم الخبر تشويق السامع إلى المبتدأ، وكلما طال الكلام في وصف الخبر حسن تقديمه؛ لأن كثرة الأوصاف الجميلة تزيد السامع شوقا” (3).
وقد وصفت الكلمتان في الحديث بثلاثة أوصاف جميلة عظيمة، وهي: أنهما حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان.

وقد خص لفظ الرحمن بالذكر هنا؛ لأن المقصود من الحديث بيان سعة رحمة الله – تعالى – على عباده حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل، والأجر العظيم، فما أيسر النطق بهاتين الكلمتين على اللسان، وما أعظم أجر ذلك وثوابه عند الكريم الرحمن، وقد وصفت الكلمتان في الحديث بالخفة والثقل، الخفة على اللسان والثقل في الميزان، لبيان قلة العمل وكثرة الثواب. فما أوسع فضل الله! وما أعظم عطاءه!

ومن فضائل هذه الكلمة العظيمة، ما رواه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم، من طريق أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: “من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة” (4)، وله شاهدان:
أحدهما: من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما موقوفا، خرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (5).
والآخر: من حديث معاذ بن سهل مرفوعا، خرجه الإمام أحمد في مسنده (6).

ومن فضائل هذه الكلمة ما رواه الطبراني، والحاكم، من حديث نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: “من قال سبحان الله وبحمده، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فقالها في مجلس ذكر كانت كالطابع يطبع عليه، ومن قالها في مجلس لغو كانت كفارة له”.

قال الحاكم: “هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه”، ووافقه الذهبي، وصححه العلامة الألباني (7)
وروى الترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: “من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك” (8).

فهذه جملة من الأحاديث الواردة في التسبيح والدالة على عظيم فضله وثوابه عند الله، وفي أكثر هذه الأحاديث قرن مع التسبيح حمد الله – تعالى -؛ وذلك لأن التسبيح هو تنزيه الله عن النقائص والعيوب، والتحميد فيه إثبات المحامد كلها لله عز وجل، والإثبات أكمل من السلب، ولهذا لم يرد التسبيح مجردا، لكن ورد مقرونا بما يدل على إثبات الكمال، فتارة يقرن بالحمد كما في هذه النصوص، وتارة يقرن باسم من الأسماء الدالة على العظمة والجلال، كقول: سبحان الله العظيم، وقول: سبحان ربي الأعلى، ونحو ذلك (9).

والتنزيه لا يكون مدحا إلا إذا تضمن معنى ثبوتيا، ولهذا عندما نزه الله – تبارك وتعالى – نفسه عما لا يليق به مما وصفه به أعداء الرسل سلم على المرسلين الذين يثبتون لله صفات كماله ونعوت جلاله على الوجه اللائق به، وذلك في قوله تعالى: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين} (سورة الصافات: 180 – 182) ، وفي هذه الآية – أيضا – حمد الله نفسه بعد أن نزهها؛ وذلك لأن الحمد فيه إثبات كمال الصفات، والتسبيح فيه تنزيه الله عن النقائص والعيوب، فجمع في الآية بين التنزيه عن العيوب بالتسبيح وإثبات لكمال بالحمد، وهذا المعنى يرد في القرآن والسنة كثيرا، فالتسبيح والحمد أصلان عظيمان وأساسان متينان يقوم عليهما المنهج الحق في توحيد الأسماء والصفات، وبالله وحده التوفيق.

ما الطريقة الصحيحة للتسبيح، ولاسيما إذا كان في السبحة؟

التسبيح من أفضل القربات، وهو من الذكر الذي حث عليه النبي عليه الصلاة والسلام ودل عليه كتاب الله، يقول جل وعلا في كتابه العظيم: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [الروم:17]
ويقول جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ۝ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا [الأحزاب:41-42]
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
ويقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم
ويقول عليه الصلاة والسلام: أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر،
ويقول أيضًا عليه الصلاة والسلام: الباقيات الصالحات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله والأحاديث في هذا كثيرة تدل على فضل التسبيح والذكر.
وقد أمر الرسول ﷺ وقد أمر الفقراء الذين اشتكوا إليه، قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور يعني: الأموال- بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضول أموال، يتصدقون منها، ونحن لا نتصدق ما عندنا مال- ويعتقون ولا نعتق، فقال -عليه الصلاة والسلام-: ألا أدلكم على شيء تدركون به من سبقكم، وتسبقون من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثلما فعلتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: تسبحون، وتحمدون، وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين هذا فضل عظيم، فيستحب للمؤمن والمؤمنة عقب الصلاة أن يسبح الله، ويحمده، ويكبره ثلاثًا وثلاثين مرة.
وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسع وتسعون، ثم قال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير؛ غفرت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر وهذا فضل عظيم.
فينبغي للمؤمن والمؤمنة العناية بهذا الأمر بعد كل صلاة، الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر، أولًا إذا سلم يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، ثلاث مرات، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، يقول هذا بعد كل صلاة، الرجل والمرأة، الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، إذا سلم يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، الإمام والمنفرد، والمأموم، والإمام إذا فرغ منها، ينصرف إلى الناس، يعطيهم وجهه، بعدما يقول: اللهم أنت السلام... إلى آخره.

ثم يقول الجميع بعد هذا: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.

النبي ﷺ يقول هذا بعد كل صلاة من الصلوات الخمس، فالسنة أن يقول المؤمن هكذا، والمؤمنة كذلك، ثم يأتي بالتسبيح، والتحميد، والتكبير ثلاثًا وثلاثين مرة، سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثًا وثلاثين مرة، يعقدها بأصابعه؛ حتى يضبطها، سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثًا وثلاثين مرة، ثم يقول تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
فأنا أوصي كل مسلم ومسلمة بالمحافظة على هذا، على هذا الذكر عقب كل صلاة.
ويعقدها بالأصابع لا بالسبحة، بالأصابع، وهذا هو الأفضل، الذي فعله النبي ﷺ والصحابة بالأصابع، والسبحة لا بأس بها في البيت، وفي بعض الأحيان، لكن كونه يعقدها بالأصابع أفضل.
وهكذا الرجل في المساجد يعقدها بالأصابع، لا بالسبحة، هذا هو الأفضل، تأسيًا بالنبي ﷺ وبالصحابة.
ويستحب بعد هذا أن يقرأ آية الكرسي بعد كل صلاة: اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ.. إلى آخرها، آخرها وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255] هذا آخرها، هذا آخر الآية.
ويستحب أيضًا أن يقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين بعد كل صلاة قل هو الله أحد قل أعوذ برب الفلق قل أعوذ برب الناس يقرأ هذه السور الثلاث بعد كل صلاة، ويكررها ثلاث مرات بعد المغرب، والفجر، وعند النوم، هذه السور الثلاث يكررها ثلاثًا بعد الفجر، وبعد المغرب، وعند النوم.
ولا بأس في استعمال السبحة، تستعملها المرأة، أو الرجل في بيته، يستعملها بحصى، أو بالسبحة المعروفة، أو بالنوى، لا حرج، أو بعقد خيط يعقد لا بأس، لكن استعمال الأصابع أفضل، وأولى ولا سيما في المساجد، فالسنة أن تكون الأصابع هي المستعملة، نعم.
الذين يستعملون السبحة إنما هو كما يقولون للضبط، لا أكثر، ولا أقل، فما هو توجيهكم؟
الشيخ: يمكن الضبط بالأصابع، يضبطها بالأصابع، هذا هو الأفضل.

التسبيح فضله وكيفيته

ما هو التسبيح وقواعده وأركانه.

التسبيح من الأذكار التي ثبت الترغيب فيها، ومن الأمثلة على ذلك ما يلي:

1- ثبت في الصحيحين واللفظ للبخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر.
2-جاء في الصحيحين أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.
3- في صحيح مسلم قال صلى الله عليه وسلم: أحب الكلام إلى الله أربع سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر لا يضرك بأيهن بدأت.
4- كما ثبت في صحيح مسلم قوله صلى الله عليه وسلم: وسبحان الله والحمد الله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض. وعليه فالتسبيح فضله عظيم وهو ذكر خفيف على اللسان ثقيل في الميزان إضافة على كونه عبادة تقوم بها جميع الكائنات بمختلف أنواعها.
قال الإمام ابن كثير في تفسيره: وقوله: وإن من شيء إلا يسبح بحمده، أي وما من شيء من المخلوقات إلا يسبح بحمد الله ولكن لا تفقهون تزسبيحهم، أي لا تفقهون تسبيحهم أيها الناس لأنها بخلاف لغاتكم وهذا عام في الحيوانات والجمادات والنباتات وهذا أشهر القولين. انتهى.
والذكر له مراتب أعلاها أن يكون بالقلب واللسان وقد سبقت هذه المراتب

لا تشترط الطهارة للذكر والدعاء

بخصوص الدعاء والاستغفار وذكر الله.. هل إذا لم يكن الإنسان على وضوء واستغفر ودعا وذكر الله هل ينال أجرا كأجر من كان على وضوء أم لا يصله الأجر أبدا؟
ذكر الله تعالى من دعاء واستغفار ونحو ذلك لا تشترط له الطهارة، بل إذا صدر من الشخص المحدث كتب له ثواب ذلك إن شاء الله تعالى.
ففي الصحيحين وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه. لكن إذا كان المسلم متوضئا فثواب الذكر في حقه أعظم من ثوابه في حالة الحدث، لكون الذكر حالة الوضوء أفضل منه في غيرها.
يدل على أفضلية الذكر في حال الطهارة كراهته صلى الله عليه وسلم لذكر الله في غير حال الطهارة.
ففي مسند الإمام أحمد عن المهاجر بن قنفذ أنه سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ فلم يرد عليه حتى توضأ فرد عليه، وقال إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة والخلاصة أن المحدث يحصل على ثواب ذكر الله تعالى إلا أن الثواب يعظم في حالة كون الشخص على طهارة.

هل يثاب فاعل الأذكار من دون استحضار نية التقرب إلى الله؟

هل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، والحوقلة، والحسبلة، والتوكل، والاستغفار، عبادات تستوجب النية قبل الشروع فيها؟
العبادة التي لا يتعبد بها لغير الله تعالى، والمتميزة لجناب الله تعالى بصورتها، لا يتوقف حصول الثواب فيها إلى نية التقرب بها إلى الله تعالى؛ بل يثاب عليها فاعلها، ولو لم ينو بها التقرب إلى الله تعالى.
قال الإمام القرافي في الذخيرة: القربات التي لا لبس فيها، لا تحتاج إلى نية -كالإيمان بالله تعالى، وتعظيمه، وإجلاله، والخوف من نقمه، والرجاء لنعمه، والتوكل على كرمه، والحياء من جلاله، والمحبة لجماله، والمهابة من سلطانه-، وكذلك التسبيح، والتهليل، وقراءة القرآن، وسائر الأذكار؛ فإنها متميزة لجنابه سبحانه وتعالى، وكذلك النية منصرفة إلى الله تعالى بصورتها، فلا جرم لم تفتقر إلى نية أخرى. اهـ.
وقال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام: ما ‌تميز ‌لله ‌بصورته، فهذا يثاب عليه مهما قصد إليه، وإن لم ينو به القربة -كالمعرفة، والإيمان، والأذان، والتسبيح، والتقديس، وقراءة القرآن. اهـ.

ما حكم الدعاء بقول "يا سريع الغوث"؟

وهل يجوز دعاء الله بغير أسمائه وصفاته الواردة في النصوص الشرعية إذا كان الوصف صحيحًا؟
فما لم يثبت بلفظه في أسماء الله -عزَّ وجلَّ-، فإن دعاء الله تعالى به موضع خلاف بين أهل العلم، والراجح هو جواز الدعاء بما يصح وصف الله تعالى به، أو الإخبار به عنه، مما يتضمن ثناء على الله تعالى. ومن جملة ذلك: "يا سريع الغوث". وقد سبق لنا بيان هذا الحكم في ألفاظ من هذا النحو، مثل: يا فرد، يا دليل الحيارى، يا معين، يا مسهل، يا ميسر. ومع ذلك؛ فالأفضل هو الثناء على الله تعالى، ودعاؤه، بما ورد في الكتاب والسنة
...المزيد

قواعد في أدبيات التعامل مع العلماء إن الأدب مع العلماء من شريعة رب الأرض والسماء، وهو مفتاح ...

قواعد في أدبيات التعامل مع العلماء


إن الأدب مع العلماء من شريعة رب الأرض والسماء، وهو مفتاح إلى الخير والعلياء.
وقد أحسن من قال: فاقنع بجهلك إن حضرت معلماً **** واقنع بدائك إن حضرت طبيباً
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويعرف لعالمنا حقه).
وقد أمسك ابن عباس رضي الله عنه بركاب دابة زيد بن ثابت رضي الله عنه فقال له زيد رضي الله عنه: (دع عنك هذا يا ابن عم رسول الله، فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا).
ويستفاد الأدب مع المعلم من قصة نبي الله موسى مع الخضر عندما التقى به فقال له: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) [الكهف:66] طلب في رفق وتلطف وأدب، ورد عليه: (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) [الكهف:67] وقد يكون في المعلم قسوة أو شدة لكن نيل العلم في زفراته، فرد عليه نبي الله موسى بقوله: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) [الكهف:69] صبر على العلم والمعلم.
وقد ضرب السلف الأبرار أروع الأمثلة، فقال الشافعي رحمه الله: ما كنت أستطيع أنا أقلب الورق خشية أن أزعج الإمام مالك رحمة الله عليه فعوض الله الشافعي بالربيع الذي كان يقول (والله ما كنت أستطيع أن أشرب الماء والشافعي ينظر إلي) وكان طلابه يعاملونه معاملة الأمير.

آداب التعامل مع العلماء

1- الدعاء لهم في حياتهم وبعد وفاتهم كما كان الإمام أحمد يفعل مع الشافعي، حتى سألته ابنته وقالت من هذا الذي أراك تدعو له دائماً.
2- عدم رفع الصوت أو الكلام في حضرتهم.
3- الكف عن ذكرهم بالسوء في غيبتهم (لأن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله فيمن ينالون منهم معلومة)
4- تخصيصهم بسلام خاص ومناداتهم بالألفاظ المناسبة.
5- عدم الإكثار عليهم عند الملل.
6- ستر ما ظهر من عيوبهم.
7- عدم مقارنتهم مع غيرهم.
8- البعد عن إحراجهم أو اختبارهم بالأسئلة.

قواعد في التعامل مع العلماء

أبدأ بالله مستعينًا بتلخيص كتاب مهم، يحتاجه الناس عامة، ويحتاجه طالب العلم خاصة، وهو بعنوان: "قواعد في التعامل مع العلماء"؛ لمؤلفه فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن معلا اللويحق، وقدَّم له سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله نشرَتْه دار الوراق عام 1415هـ، ويقع الكتاب في 193 صفحة، في مقدمة وفصلين، يحتوي الفصل الأول على أربعة مباحث، والفصل الثاني على خمسة عشر مبحثًا، حاولت تلخيصه؛ ليستفيد منه من يقرؤه، ويحيط علمًا بأفانينه ورياحينه، فأسأل الله التوفيق والإعانة.

قواعد في التعامل مع العلماء د. شادي محمد راضي

من هم العلماء؟

العلماء هم ورثة الأنبياء، وفقهاء الإسلام، أئمة الدِّين، العارفون بشرع رب العالمين، هداة الناس لاتباع الهدْي القويم، والمنهج السليم، وهم رأس الجماعة التي أُمِرْنا بلزومها، وحُذِّرْنا من مفارقتها، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة".

كيف يُعرف العلماء؟

ما هي أوصاف هؤلاء العلماء الأَجِلاَّء، فالعلماء يُعرَفون بخشيتهم وتنَسُّكهم، ودعوتهم وجهادهم؛ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِه الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، ويُعرَفون بالعلم والرسوخ فيه.

قال ابن القيم رحمه الله: "إن الراسخ في العلم لو وَرَدَت عليه من الشُّبَه بعدد أمواج البحر، ما أزالتْ يقينَه، ولا قدحت فيه شكًّا؛ لأنه قد رسخ في العلم، فلا تستفزُّه الشبهات، بل إذا وردت عليه رَدَّهَا حرسُ العلم وجيشُه مغلولةً مغلوبةً"
(مفتاح دار السعادة 1/140)

ويُعرفَون بشهادة مشايخهم بالعلم، وبدروسهم وفتاواهم ومؤلفاتهم، ويُعرَفون باستعلائهم على حطام الدنيا الزائل،

قال شيخ الإسلام رحمه الله: "ومن له في الأمة لسانُ صِدْق؛ بحيث يُثنَى عليه، ويُحمَد في جماهير أجناس الأمة، فهؤلاء أئمة الهدى، ومصابيح الدجى".
(الفتاوى 11/ 43).

التفريق بين العلماء وبين من قد يشتبه بهم

اعلم أن هناك فرقًا جوهريًّا واضحًا بين طبقة العلماء، وبين غيرهم من القراء من يجيد القراءة والكتابة والمثقفين، والمفكرين، والوُعاظ، والخطباء.
فالعالم الفقيه ذو فَهْم شُمولي للإسلام، واطِّلاع على مجمل الأحكام الشرعية، صاحب مَلَكة في فهم النص، صاحب معرفة بمقاصد الشريعة وأهدافها،
قال الإمام مالك رحمه الله: "الحكمة والعلم نور يهدي به الله من يشاء، وليس بكثرةِ المسائل".
فلا بد أن يُفَرَّق بين هذا العالم الرباني، وبين من قرأ نُتَفًا من العلم هنا وهناك، ويفرَّق بين من مازج بين ثقافة إسلامية عامة، وأخرى غربية كلامية جدلية، ويفرق بين قَصَّاص واعظ.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إنكم في زمانٍ كثير علماؤه، قليل خطباؤه، وسيأتي من بَعدِكُم زمان كثيرٌ خطباؤه، والعلماء فيه قليلٌ" (رواه البخاري في الأدب المفرد، ص 346)

وقال مجاهد رحمه الله: "ذهب العلماء فلم يبق إلا المتكلمون، وما المجتهد فيكم إلا كاللاعب فيمن كان قبلكم".

مكانة العلماء ومنزلتهم

لقد اعتبرت الشريعة الإسلامية للعلماء منزلتهم، وجُعِل ذلك اعتبارًا شرعيًّا واجبًا من جهة أن طاعتهم طاعة لله ولرسوله، فلا تُقَدَّسُ ذواتُهم وأشخاصهم، ويُتعلَّم منهم العلم الشرعي، والسمت، والهدي التربوي، والتطبيق العملي، يصل توافق أقوالهم فتقوى إلى الإجماع، فيكون القول حجة، وأصلاً شرعيًّا معتبرًا أيضًا، وعلى ذلك أدلة، منها:
• ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]

قال ابن عباس رضي الله عنهما: "يعني أهل الفقه والدين، وأهل طاعة الله، الذين يُعلِّمون الناس معاني دينهم، ويأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، فأوجب الله سبحانه طاعتهم على عباده".
• ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، قال السعدي في تفسيره: "وعموم هذه الآية فيها مَدْح أهل العلم، وأن أعلى أنواعه العلمُ بكتاب الله المنزَّل؛ فإن الله أمَرَ من لا يعلم بالرجوع إليهم في جميع الحوادث، وفي ضمنه تعديلٌ لأهل العلم، وتزكيةٌ لهم؛ حيث أمر بسؤالهم، وأن بذلك يَخْرُج الجاهل من التَّبِعة".

• ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]، قال القرطبي في تفسيره: "في هذه الآية دليل على فضل العلم، وشرف العلماء وفضلهم؛ فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء، لقَرَنَهُم الله باسمه واسم ملائكته، كما قرن اسم العلماء".

• ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، قال الطبري في تفسيره: "ويرفع الله الذين أوتوا العلم من أهل الإيمان، على المؤمنين الذين لم يؤتَوا العلم، بفضل علمهم درجاتٍ، إذا عملوا بما أُمِرُوا به".

• ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43]، قال ابن كثير في تفسيره: "وما يفهمها ويتدبرها إلا الراسخون في العلم، المتضلعون منه".

• ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِه الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، قال السعدي في تفسيره: "فكل مَنْ كان بالله أعلم، كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية الله الانكفافَ عن المعاصي، والاستعداد للقاء مَنْ يخشاه، وهذا دليل على فضيلة العلم؛ فإنه داعٍ إلى خشية الله".

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (... وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، إنَّ الأنبياءَ لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورَّثُوا العلم؛ فمن أخذه، أخذ بحظ وافر).

وعن جُبَير بن مطعِم رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (نضَّرَ الله عبدًا، سمع مقالتي، فحفظها ووعاها، وبلَّغها مَنْ لم يسمعْها، فَرُبَّ حاملِ فقهٍ لا فِقْهَ له، ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هُوَ أفقَهُ منه)

قال الشاطبي رحمه الله في الموافقات: "إنَّ المُفْتِيَ شَارِعٌ من وجه؛ لأن ما يبلِّغه من الشريعة إما منقول عن صاحبها، وإما مستنبَط من المنقول؛ فالأول: يكون فيه مُبلِّغًا، والثاني: يكون فيه قائمًا مقامه في إنشاء الأحكام، وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع، فإذا كان للمجتهد إنشاء الأحكام بحسَب نظره واجتهاده، فهو من هذا الوجه شارع، واجِبٌ اتباعُه، والعمل على وَفْق ما قاله، وهذه هي الخلافة على التحقيق".
التصحيح من الموافقات (5/ 255).

فالحذَر ممن يهدر مكانة العلماء، ويُردِّد مستخفًّا بقول: "الإسلام ليس دينًا كهنوتيًّا"، و"ليس في الإسلام قداسة لأحد"، حينها ستُشَابِه الخوارج؛ كونهم لم يرفعوا لصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأسًا، والحَذَر ممن يجعل لهم قداسة؛ بحيث لا يُسأَلون عما يفعلون، فتُشَابِه الرافضة، وليكن موقفك وسَطًا تحفظ للعالِم قدْرَه، وتعْلَم أنهم غير معصومين، فالسلف يعرفون الرجال بالحق، وغيرهم يعرف الحق بالرجال، والله المستعان.

قواعد في التعامل مع العلماء

1- موالاة العلماء ومحبتهم:


قال الإمام الطحاوي رحمه الله في العقيدة الطحاوية: "وعلماء السلف من السابقين، ومَنْ بعدَهم من التابعين، أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يُذكَرون إلا بالجميل، ومَنْ ذَكَرَهُم بسوءٍ، فَهُمْ على غير السبيلِ"، ويقول شيخ الإسلام: "وليس لأحد أن ينتسب إلى شيخ يوالي على متابعته ويعادي على ذلك، بل عليه أن يوالي كل من كان من أهل الإيمان، ومن عُرِف منه التقوى مِنْ جميع الشيوخ وغيرهم، ولا يَخُص أحدًا بمزيد موالاة، إلا إذا ظهر له مزيد إيمانه وتقواه، فيقَدِّم من قدَّم الله تعالى ورسوله عليه، ويُفضِّل من فضَّله الله ورسوله".

2- احترام العلماء وتقديرهم:

قال طاووس بن كيسان رحمه الله: "مِنَ السُّنة أن يوقَّر أربعة: العالم، وذو الشَّيْبة، والسُّلطان، والوالد"، ولقد أخذ ابن عباس رضي الله عنهما مع جلالته وعلو مرتبته، بِرِكَاب زيد بن ثابت الأنصاري، وقال: "هكذا أُمِرْنا أن نفعل بعلمائنا وكبرائنا"؛ (رواه الحاكم، ووافقه الذهبي)، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن حديث، ما منعني منه إلا هيبَتُه".

3- الأخذ عن العلماء والسعي إليهم:

قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: "لا يزال الناس بخير، ما بقي الأول حتى يتعلَّم، أو يُعلِّم الآخِرَ، فإن هلك الأول قبل أن يُعَلِّم أو يتعلم الآخِر، هلك الناس"، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: "ما لي أرى علماءكم يذهبون، وجهَّالَكُم لا يتعلمون، فتعلَّموا قبل أن يُرفَع العلم؛ فإنَّ رَفْعَ العلم ذَهَابُ العلماء"، وقال ميمون بن مِهران رحمه الله: "العلماء هم ضالتي في كل بلد، وهم بُغيتي، إذا لم أجدهم، وجدت صلاح قلبي في مجالسة العلماء".

4- رعاية مراتب العلماء:

إن العلم درجات، والعلماء مراتب، ومنه مراعاة التخصص، ومراعاة السن، قال الإمام الذهبي رحمه الله في سيره: "أقْرَأُ هذه الأمةِ أُبَيُّ بن كعب، وأقضاهم علِيٌّ، وأفرَضُهُم زيدٌ، وأعلمهم بالتأويل ابنُ عباس"، وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: "إنكم لن تزالوا بخير ما دام العلم في كباركم، فإذا كان العلم في صغاركم، سفَّه الصغيرُ الكبير".

5- الحذر من القدح في العلماء:

قال عبدالله بن المبارك رحمه الله: "حقٌّ على العاقل ألا يستخف بثلاثة: العلماء، والسلطان، والإخوان؛ فإنه من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالسلطان ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته"،
وقال الحافظ ابن عساكر: "واعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته، وجعلنا ممن يخشاه ويتَّقيه حق تقاته أن لحوم العلماء رحمة الله عليهم مسمومة، وعادة الله في هتك أستار مُنْتَقِصِيهم معلومة؛ لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براءٌ أمره عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم، والاختلاف على من اختاره الله منهم لِنَشْرِ العلم خُلُق ذميم".

6- الحذر من تخطئة العلماء بغير علم:

قال سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله: "الواجب على المسلم أن يحفظ لسانه عما لا ينبغي، وألا يتكلم إلا عن بصيرة، فالقول بأن فلانًا لم يفقه الواقع، هذا يحتاج إلى علم، ولا يقوله إلا مَنْ عنده علم؛ حتى يستطيع الحكم بأن فلانًا لم يفقه الواقع، أما من يقول هذا جُزافًا، ويحكُمُ برأيه على غير دليل، فهذا منكر عظيم لا يجوز، والعلم بأن صاحب الفتوى لم يفقه الواقع يحتاج إلى دليل، ولا يتسنى ذلك إلا للعلماء".
ومما يجب الحذر منه رَمْي العالم بجهله بحال المنافقين والعلمانيين، ومما يجب الحذر منه رمي العالم بالبدعة، من غير دليل ولا برهان، وللاستزادة من هذا، فليراجع رسالة الشيخ العلاَّمة بكر أبو زيد رحمه الله وعنوانها: "كشف الجلة، عن الغلط على الأئمة".

7- التماس العذر للعلماء:

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا تظُنَّ بكلمة خرجت من أخيك المسلم سوءًا، وأنت تجد لها في الخير محملاً"، ويقول السبُّكي رحمه الله: "فإذا كان الرجل ثقة مشهودًا له بالإيمان والاستقامة، فلا ينبغي أن يُحمل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ما تُعُوِّدَ منه ومن أمثاله، بل ينبغي التأويل الصالح، وحسن الظن الواجب به وبأمثاله".

8- الرجوع إلى العلماء والصدور عن رأيهم، خصوصًا في الفتن:

يقول الشيخ العلامة صالح الفوزان حفظه الله: "فالواجب علينا التثبُّت، وعدم التسرع، والله - سبحانه وتعالى - أمرَنا بالتثبت فيما يختص بالعامة من الأمة، وجعل أمور السلم والحرب، والأمور العامة، جعل المرجع فيها إلى ولاة الأمور، وإلى العلماء خاصة، ولا يجوز لأفراد الناس أن يتدخلوا فيها؛ لأن هذا يشتت الأمر، ويفرِّق الوَحدة، ويتيح الفرصة لأصحاب الأغراض، الذين يتربصون بالمسلمين الدوائر".
ليس أحدٌ إلا وتُكُلِّمَ فيه؛ فَتَثَبَّتْ؛ قال الإمام الشافعي رحمه الله: "ليس إلى السلامة من الناس سبيل؛ فانظر الذي فيه صلاحك فالْزمْه"، فالموقف الرشيد من هذا هو التثبت، وهو دليل تَقْوَى الرجل وخوفه من الله عز وجل.

9- الاعتبار في الحكم بكثرة الفضائل:

قال سعيد بن المسيب رحمه الله: "ليس من عالِم، ولا شريف، ولا ذي فضل، إلا وفيه عيب، ولكن من كان فضله أكثر من نقصه، ذهب نقصُه لفضله، كما أنَّ مَنْ غلب عليه نقصانه، ذهب فضله"،
ويقول الإمام ابن عبدالبر رحمه الله: "لا يسلم العالم من الخطأ، فمن أخطأ قليلاً وأصاب كثيرًا، فهو عالم، ومن أصاب قليلاً وأخطأ كثيرًا، فهو جاهل"، ويقول ابن رجب رحمه الله: "والمنصِفُ مَنِ اغتفر قليلَ خطأِ المرءِ في كثيرِ صَوَابِهِ".

10- الحذر من زلات العلماء:

فكما هو متقرر أن العلماء غير معصومين، فمن وقع في زلة، فلا تعتمد هذه الزلة، ولا تأخذ بها؛ لأنها جاءت خلاف الشريعة؛
ولهذا قال الشاطبي رحمه الله: "إن زلة العالم لا يصح اعتمادها، من جهة، ولا الأخذ بها تقليدًا؛ وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع؛ ولذلك عُدَّت زلة، وإلا فلو كانت مُعتَدًّا بها، لم يُجعل لها هذه الرتبة، ولا نَنْسُب إلى صاحبها الزللَ فيها"؛
ولهذا قال الأوزاعي رحمه الله: "من أخذ بنوادر العلماء، خرج من الإسلام".
ثم إذا علمت هذه الزلة، فلا بد من العدل والإنصاف في التعامل معها، وفي هذا قال الإمام الشاطبي رحمه الله: "لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير، ولا أن يُشَنَّع عليه بها، ولا ينتقص من أجلها، أو يعتقد فيه المخالفة بحتًا؛ فإن هذا كله خلاف ما تقتضي رتبته في الدين"، ولهذا لا بد من المناصحة، وتبيين الزلة بأسلوب علمي، وأدب رفيع، تعريضًا لا تصريحًا.

11- كلام الأقران في بعض يُطوى ولا يُروى:

قال ابن عباس رضي الله عنهما: "استمعوا علم العلماء، ولا تُصدِّقوا بعضهم على بعض"، وقال الإمام الذهبي: "كلام الأقران بعضهم في بعض لا يؤبَهُ به، لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة، أو لمذهب، أو لحسد، وما ينجو منه إلا من عَصَمَهُ اللهُ، وما علمْتُ أن عصرًا من الأعصار سَلِمَ أهله من ذلك سوى الأنبياء والصِّدِّيقين، ولو شئتُ لسردْتُ من ذلك كراريس"، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "كلام الأقران غير معتبَر في حق بعضهم بعضًا، إذا كان غير مفسَّر".
ومن أسباب هذا الكلام وجود المنافسة في البلد، أو التخصص العلمي، الغضب الشديد، الاختلاف المذهبي، وجود بعض الإحَن والمخاصمات، ومع هذا فَصُوَر العلماء مشرقة، واضحة في العدل والإنصاف، ومنه قول الإمام أحمد في إسحاق بن راهويه؛ حيث قال: "لم يَعبُرِ الجسرَ إلى خراسان مثلُ إسحاقَ، وإن كان يخالفنا في أشياءَ، فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضًا".

12- العدل في الحكم على المجتهدين:

اعلم أن المجتهد مأجور، غير مأزور في اجتهاده؛ فعن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ، فله أجر)
وقال ابن تيمية رحمه الله: "ومذهب أهل السنة أنه لا إثم على من اجتهد، وإن أخطأ، واعلم أيضًا أن الاختلاف بين العلماء أمر مقدور، لا يمكن تجاوزه، كما أن اختلافهم في الأحكام له أسباب معتبرة، ولم يكن عن تعمُّد، ولا اعتباطًا، أو لِهَوًى، أو غير ذلك".
ولقد ألف شيخ الإسلام رسالة ثمينة في هذا الباب، فلتُراجَع، وهي بعنوان: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام".
ومما يجب علمه أيضًا: ليس كلُّ اختلاف بين العلماء يُعَدُّ اختلافا حقيقيًّا، بل قد يكون من باب اختلاف التنوع لا التضاد، ولا بد أن يُرجَع كل خلاف إلى القرآن والسنة للفصل فيه، ولا بُدَّ أن تدرك أن العصمة لا تكون لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم فكُلٌّ يؤخذ من قوله ويُرَدُّ إلا محمدًا صلى الله عليه وسلم.

13- ترك المبادرة إلى الاعتراض على العلماء:

ومثال ذلك الإرشاد النبوي في واقعة الحديبية، بعد كتابة وثيقة الصلح مع قريش، واعترض الصحابة رضي الله عنهم على بنودها، ومن أشدهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم تبين بعد ذلك أن هذا الصلح كان خيرًا وفتحًا مُبِينًا للمسلمين، وتاب الصحابة رضي الله عنهم عن اعتراضهم، وما زال عمر رضي الله عنه يصوم، ويتصدق، ويعتق؛ كفارة عن ذلك اليوم.
وخذ بوصية الحسن بن علي رضي الله عنهما حيث أوصى ابنه قائلاً له: "يا بُنَي، إذا جالسْتَ العلماء، فكن على أن تسمع أحرصَ منك على أن تقول، وتعلَّم حسن الاستماع، كما تتعلم حسن الصمت".

14- وضع الثقة في العلماء:

إن من الناس من يطالب العلماء الربانين ببيان كل شيء، يتعلق بأمور العامة، وهذه المطالبة مخالِفَة للشرع والعقل؛ فليس كل أمر يصلح إخبار الناس به، وهم أعلم بما يَصْلُح للمتعلم من العِلْم،
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "حدِّثوا الناس بما يعرفون؛ أتُحِبُّون أن يُكَذَّب اللهُ ورسوله؟!"،
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "ما أنت بمحدِّث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة".

توقير العلماء واحترامهم سنة ماضية، حض عليها النبي صلى الله عليه وسلم ودَرَج عليها سلف الأمة.
البستان ما زال يحوي أزهارًا، لم أقطفها لك؛ حتى تذهب بنفسك لقطفها، وشَمِّ رياحينها، وما زال في البحر درر كامنة، تبحث عمن يفتش عنها ليخرجها.
...المزيد

فضائل أيام العشر من ذي الحجة فضائل أيام العشر من ذي الحجة كثيرة وهي من أفضل الأيام التي أقسم الله ...

فضائل أيام العشر من ذي الحجة
فضائل أيام العشر من ذي الحجة كثيرة وهي من أفضل الأيام التي أقسم الله تعالى بها حين قال جلَّ وعلا (والفجر وليالٍ عشر) ولهذا فإن الاجتهاد في الطاعات خلالها من أعظم القربات لله تعالى، وفيما يلي بعض الفضائل لهذه الأيام:
1- أقسم الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل بالعشر الأوائل من ذي الحجة، والله لا يُقسم إلا بشيء عظيم.
2- العمل الصالح في الأيام العشر الأوائل من ذي الحجة له ثواب أكبر منه في بقية الأيام.
3- في يوم عرفة تُرفع الأعمال إلى الله.
4- يعتق الله رقاب عباده من النيران في يوم عرفة.
5- يوم عرفة هو يوم الحج الأكبر الذي يتم فيه غفران الذنوب والمعاصي للعبد سنة مضت وسنة آتية.
6- أعظم الأيام عند الله يوم النحر ويوم القر.
7- يتم تأدية فريضة الحج المبارك في الأيام العشر، وهي من أعظم الفرائض في الإسلام.

ماذا نفعل في أيام العشر من ذي الحجة؟
السؤال الأكثر تداولاً في بداية موسم الخير، ماذا تفعل في أيام العشر من ذي الحجة؟
ربما تكون أهم نقطة أن تستقبل هذا الموسم بالتوبة والبعد عن المعاصي والذنوب، لأنه ما حُرِم أحدٌ خيراً إلا بذنوبه، وقد حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإكثار من صالح الأعمال ولكنه لم يحدد نوعها، وهذه بعض الأعمال التي يجب ألا تغيب عن أصحاب الطاعات في عشر ذي الحجة:
1- الإكثار من الأعمال الصالحة
2- الصلاة
3- الصيام
4- أداء الحج والعمرة
5- التكبير والتهليل والتحميد
6- الإكثار من قراءة القرآن
7- الصدقة
8- صيام يوم عرفة
9- غض البصر عن الحرام
10- أداء الصلاة مع الجماعة
11- برّ الوالدين وصلة الرحم
12- قيام الليل ولو بركعات قليلة
13- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
14- حفظ الجوارح ومن أهمها اللسان

أعمال ترتبط برؤية هلال ذو الحجة
عند الحديث عما ورد في السنة من أعمال ترتبط برؤية هلال ذي الحجة، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا رأى الهلال قال:” اللَّهمَّ أهلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسَّلامة والإسلام، ربِّي وربُّك اللَّه، هلال رشدٍ وخَيْرٍ” رواه الترمذي
بمجرّد رؤية الهلال تبدأ الأيام العشر الفضيلة، وحريٌّ بنا أن نستقبلها استقبالًا خاصًا، ونباشر بأفضل الأعمال لاستثمارها والفوز بما وعد الله به من مغفرة ورفع درجات.

أفضل الأعمال في عشر ذي الحجة
تتضاعف أجور الأعمال الصالحة في موسم ذي الحجة لذا نحرص على استثمارها بشكل كبير، وقد حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإكثار من صالح الأعمال دون تحديد نوعها، وربما تكون أفضل الأعمال في عشر ذي الحجة:
– صيام التسع الأوائل من ذي الحجة.
– الإكثار من صالح الأعمال.
– الإكثار من قراءة القرآن والدعاء.
– التهليل والتكبير والتحميد.

أعمال مستحبة في عشر ذي الحجة
كل الأعمال الصالحة أعمال مستحبة في عشر ذي الحجة، وفيها الخير العظيم، ولكن أوكد هذه الأعمال الصيام، لما ورد أنه صلى الله عليه وسلم كان يصومها، ففي سنن أبي داود وغيره عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل: أرأيت صيام عرفة؟ قال: (احتسب عند الله أن يكفر السنة الماضية والباقية).

صيام العشر من ذي الحجة
يُعد صيام العشر من ذي الحجة أحد أفضل الأعمال قربةً لله عزَّ وجلَّ لأنها أحب الأيام إليه تبارك وتعالى، وقد ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصومها، فقد قالت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيامٍ من كل شهر” صحيح سنن أبي داود.

أسباب صيام العشر الأوائل من ذي الحجة
يستحبُّ صيام هذه الأيام العشر بقدر الاستطاعة، وقد تتعدد أسباب صيام العشر الأوائل من ذي الحجة، ولكن أهمها أن أجر الصيام عظيم عند الله تعالى، كما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به)، فإن اجتمع الصيام مع فضل الأيام العشر صار أجره مضاعفاً بإذن الله، ففيها:
1- تقربٌ إلى الله تعالى، وزيادة الإيمان والتقوى.
2- مغفرة للذنوب، ومحو الخطايا
3- تجديد القرب من الشعائر والعبادات
4- الحصول على الثواب العظيم.

دعاء العشر الأوائل من ذي الحجة
لقد وردت العديد من الأدعية في السنة النبوية، منها دعاء العشر الأوائل من ذي الحجة، وهو متعدد، نذكر منه:
1- قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خيرُ الدُّعاءِ دعاءُ يومِ عرفةَ، وخيرُ ما قلتُ أَنا والنَّبيُّونَ من قبلي: لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ ولَهُ الحمدُ وَهوَ على كلِّ شَيءٍ قديرٌ).
2- قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما مِن أيَّامٍ أَعظَمَ عِندَ اللهِ، ولا أَحَبَّ إلَيهِ مِنَ العملِ فيهِنَّ مِن هذِه الأَيَّامِ العَشرِ؛ فأَكثِرُوا فيهِنَّ مِنَ التَّهليلِ، والتَّكبيرِ، والتَّحميدِ).
3- قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللَّهمَّ إنِّي أسأَلُكَ مِن الخيرِ كلِّه عاجلِه وآجلِه ما علِمْتُ منه وما لَمْ أعلَمْ وأعوذُ بكَ مِن الشَّرِّ كلِّه عاجلِه وآجلِه ما علِمْتُ منه وما لَمْ أعلَمْ، اللَّهمَّ إنِّي أسأَلُكَ مِن الخيرِ ما سأَلكَ عبدُك ونَبيُّكَ وأعوذُ بكَ مِن الشَّرِّ ما عاذ به عبدُك ونَبيُّكَ وأسأَلُكَ الجنَّةَ وما قرَّب إليها مِن قولٍ وعمَلٍ وأعوذُ بكَ مِن النَّارِ وما قرَّب إليها مِن قولٍ وعمَلٍ وأسأَلُكَ أنْ تجعَلَ كلَّ قضاءٍ قضَيْتَه لي خيرًا).


عشر ذي الحجة أفضل أيام الدنيا
إنّ من فضل الله تعالى على عباده أن جعل لهم مواسم للطاعات، يستكثرون فيها من العمل الصالح، ويتنافسون فيها فيما يقربهم إلى ربهم، والسعيد من اغتنم تلك المواسم، ولم يجعلها تمر عليه مروراً عابراً، مشيراً إلى أن من هذه المواسم الفاضلة عشر ذي الحجة، والتي شهد لها الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها أفضل أيام الدنيا، وحث على العمل الصالح فيها.
ويكفي هذه الأيام شرفاً وفضلاً، أن المولى عز وجل قد أقسم بها والعظيم لا يقسم إلا بعظيم، لافتاً إلى أن هذا يستدعي من العبد أن يجتهد فيها، ويكثر من الأعمال الصالحة، وأن يحسن استقبالها واغتنامها.

كيفية الاستقبال
وفيما يتعلق بكيفية استقبال الأيام العشرة الأولى من شهر ذي الحجة فحري بالمسلم أن يستقبل مواسم الطاعات عامة، ومنها الأيام العشر الأولى من شهر ذي الحجة بأمور منها: التوبة الصادقة: فعلى المسلم أن يستقبل مواسم الطاعات عامة بالتوبة الصادقة والعزم الأكيد على الرجوع إلى الله، ففي التوبة فلاح للعبد في الدنيا والآخرة.

كذلك العزم الجاد على اغتنام هذه الأيام: فينبغي على المسلم أن يحرص حرصاً شديداً على عمارة هذه الأيام بالأعمال والأقوال الصالحة، ومن عزم على شيء أعانه الله وهيأ له الأسباب التي تعينه على إكمال العمل، ومن صدق الله صدقه الله، و البعد عن المعاصي من وسائل الاستعداد لاستقبال هذه الأيام، فكما أن الطاعات أسباب للقرب من الله تعالى، فالمعاصي أسباب للبعد عن الله والطرد من رحمته، وقد يحرم الإنسان رحمة الله بسبب ذنب يرتكبه، فإن كنت تطمع في مغفرة الذنوب والعتق من النار فأحذر الوقوع في المعاصي في هذه الأيام وفي غيرها؟ ومن عرف ما يطلب هان عليه كل ما يبذل.

فضائل الأيام العشر
الله تعالى أقسم بها وإذا أقسم الله بشيء دل هذا على عظم مكانته وفضله، إذ العظيم لا يقسم إلا بالعظيم، قال تعالى وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ. والليالي العشر هي عشر ذي الحجة، وهذا ما عليه جمهور المفسرين والخلف.
وهذه الأيام هي الأيام المعلومات التي شرع فيها ذكره: قال تعالى: «وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ» وجمهور العلماء على أن الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة، منهم ابن عمر وابن عباس.

رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد لهذه الأيام بأنها أفضل أيام الدنيا: فعن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فضل أيام الدنيا أيام العشر يعني عشر ذي الحجة قيل: ولا مثلهن في سبيل الله؟ قال: ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عفر وجهه بالتراب».

يوم عرفة
من فضائل هذه الأيام أن فيها يوم عرفة: ويوم عرفة يوم الحج الأكبر، ويوم مغفرة الذنوب، ويوم العتق من النيران، ولو لم يكن في عشر ذي الحجة إلا يوم عرفة لكفاها ذلك فضلاً. كما أن هذه الأيام فيها يوم النحر: وهو أفضل أيام السنة عند بعض العلماء، قال صلى الله عليه وسلم «أعظم الأيام عند الله يوم النحر».

ومن فضلها أنه قد اجتمعت أمهات العبادة فيها: قال الحافظ ابن حجر في الفتح: «والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره».

الأعمال المستحبة
من الأعمال المستحبة في عشر ذي الحجة: أداء مناسك الحج والعمرة: وهما أفضل ما يعمل في عشر ذي الحجة، ومن يسر الله له حج بيته أو أداء العمرة على الوجه المطلوب فجزاؤه الجنة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».

كذلك الصيام: وهو يدخل في جنس الأعمال الصالحة، بل هو من أفضلها، وقد أضافه الله إلى نفسه لعظم شأنه وعلو قدره، فقال سبحانه في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» وأضاف: لقد خصّ النبي صلى الله عليه وسلم صيام يوم عرفة من بين أيام عشر ذي الحجة بمزيد عناية، وبين فضل صيامه فقال: «صيام يوم عرفة احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده» وعليه فيسن للمسلم أن يصوم تسع ذي الحجة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حث على العمل الصالح فيها. وقد ذهب إلى استحباب صيام العشر الإمام النووي وقال: «صيامها مستحب استحباباً شديداً».

الصلاة أجرها عظيم
من الأعمال الصالحة المستحبة في هذه الأيام الصلاة وهي من أجل الأعمال وأعظمها وأكثرها فضلاً، ولهذا يجب على المسلم المحافظة عليها في أوقاتها مع الجماعة، وعليه أن يكثر من النوافل في هذه الأيام، فإنها من أفضل القربات، وتابع: من الأعمال الصالحة أيضاً: التكبير والتحميد والتهليل والذكر: فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد».

كذلك من الأعمال الصالحة: الصدقة والإمساك عن الأخذ من الشعر والأظفار لمن نوى أن يضحي وتشرع الأضحية في يوم النحر وأيام التشريق، وهي سنة أبينا إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين فدى الله ولده بذبح عظيم.

أعمال مستحبة عديدة
هناك أعمال أخرى يستحب الإكثار منها في هذه الأيام منها: قراءة القرآن وتعلمه، الاستغفار، وبر الوالدين، صلة الأرحام والأقارب، إفشاء السلام وإطعام الطعام، الإصلاح بين الناس، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حفظ اللسان والفرج، الإحسان إلى الجيران، إكرام الضيف، الإنفاق في سبيل الله، إماطة الأذى عن الطريق، النفقة على الزوجة والعيال، كفالة الأيتام، زيارة المرضى، قضاء حوائج الإخوان، الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
...المزيد

معلومات

أ.د. محمود عبد العزيز يوسف أبو المعاطي آل حجاب أستاذ الفقه المقارن. مصري مقيم في بلاد الخليج العربي عضو هيئة التدريس بكلية القانون جامعة لوسيل بدولة قطر مستشار أسري في منصة وتد للاصلاح الأسري سابقاً أستاذ التشريع الجنائي بمعهد الدراسات الجنائية. خبير شرعي بالقضاء مستشار أسري. أستاذ الفقه وأصوله بالجامعة الإسلامية بولاية مينيسوتا الأمريكية. أستاذ الفقه وأصوله بالمعهد العالي للائمة والخطباء بأمريكا سابقا أستاذ الفقه وأصوله بجامعة أم القرى فرع محافظة القنفذة بالسعودية سابقاً. أستاذ الفقه وأصوله المشارك بمعهد الدعوة والعلوم الاسلامية بقطر سابقاً. عضو مكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بقطر سابقاً.

أكمل القراءة

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً