الدولة الإسلامية / غزوة نيامي دلالات وعبر تمثّل غزوة نيامي المباركة مرحلة جديدة في جهاد ...

الدولة الإسلامية / غزوة نيامي دلالات وعبر



تمثّل غزوة نيامي المباركة مرحلة جديدة في جهاد الدولة الإسلامية في أرض إفريقية، تؤْذن بمزيد من النمو والبركة في تلك الولايات البعيدة التي صارت مركزا متقدما للجهاد النقي في أرضٍ كانت لعقودٍ خلت نهبًا لمخططات ومشاريع الغزو الصليبي والاستخفاف العالمي.

الهجوم جاء هذه المرة "غير تقليدي" أبدا، وهو الوصف الذي دأب المحللون المحليون والصليبيون على إطلاقه على الهجمات الإفريقية المباركة، تقليلا من شأنها وانتقاصا من تأثيرها في مسرح الأحداث العالمية، لكن لم تعد أوصاف الانتقاص تتسع للخرق الكبير الذي أحدثه الهجوم المبارك.

فقد استهدف الهجوم أكبر موقع عسكري حيوي لقوات النيجر وحلفائها ووقع في العاصمة وليس في منطقة ريفية هامشية أو صحراوية نائية، واستهدف عصب القوة العسكرية الجوية لدويلة يتبجح قادتها كثيرا بخبرتهم القديمة في مواجهة الإرهاب، قبل أن يظهر جيشهم على حقيقته في هجوم المطار، -أو عفوا- لم يظهر أبدا.

الروس الذين استجار بهم طواغيت إفريقية، حاولت وسائل إعلام مقربة من "فيلقهم" ادّعاء دور البطولة وتعمّدوا فضح جبن وخور وفشل حلفائهم النيجريين، لكن ما تؤكده رواية المجاهدين أن الروس وحلفاءهم معا لم يجرؤوا على مواجهة أسود الاقتحام في أرض المطار، بينما حاولت جهات مجهولة إنقاذ الموقف متأخرا بشنّ العديد من الغارات الجوية ولكن بعد أن حقق المجاهدون أهدافهم وأتموا هجومهم.

لا تخطئ عين الناظر بركة الجهاد في أرض إفريقية التي اعتاد الناس أن ينظروا إليها كـ "درجة ثانية" في كل شيء، بينما تتربع اليوم على ذروة السنام، وترفع راية الجهاد والشريعة التي وصلتهم بعد ملاحم إخوانهم في العراق والشام، فحافَظوا عليها خفاقة وأخذوها بقوة وأذكوا جذوتها.

يسر قلب المؤمن وهو يرى إخوانه المجاهدين الأفارقة العجم، تتكسر كلماتهم بالعربية، لكن عزائمهم لم تنكسر أمام جيوش الكفر التي تولت كبر الحملة على الولايات الإفريقية، تتلعثم شفاههم بالعربية لكن أفعالهم تنطق بالتوحيد والثبات على منهاج النبوة، وهذا ما يفعله التوحيد والجهاد النقي بأصحابه وحملته، ذلك الذي يتخطى كل الأعراق والفوارق واللغات والبلاد، لكنه يقف عند حدود الشريعة لا يتخطاها فهو بها يمتد ويشتد.

وفي المقابل، يتملك قلب المرء الوجل وهو يرى إخوانه العجم يتقدمون صفوف الجهاد ويتسابقون على بلوغ قممه ورقيّ مراقيه، بينما يتخلف أبناء العرب الأقحاح عن ذلك، ويتثاقلون إلى الأرض ويقعدون عن أداء هذه الفريضة التي جعلها الله -بحكمته وعدله- سبيل خلاص هذه الأمة مما هي فيه من الذل والهوان.
...المزيد

• الاستعجال ينافي الإلحاح! ومن معاني الإلحاح على الله تعالى أن لا يتعجّل العبد الإجابة، لحديث ...

• الاستعجال ينافي الإلحاح!

ومن معاني الإلحاح على الله تعالى أن لا يتعجّل العبد الإجابة، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (يُسْتجَابُ لأَحَدِكُم مَا لَم يعْجلْ: يقُولُ قَد دَعوتُ رَبِّي، فَلم يسْتَجبْ لِي) [متفقٌ عَلَيْهِ]، وفي رواية :(مَا لَمْ يَسْتعْجِلْ)، قِيلَ: يَا رسُولَ اللَّهِ مَا الاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: (يَقُولُ: قَدْ دعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَم أَرَ يَسْتَجِيبُ لي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْد ذَلِكَ، ويَدَعُ الدُّعَاءَ) [مسلم]، قال الزرقاني -رحمه الله- في شرح هذا الحديث: "من له ملالة من الدعاء لا يُقبل دعاؤه، لأن الدعاء عبادة حصلت الإجابة أو لم تحصل، فلا ينبغي للمؤمن أن يملَّ من العبادة، وتأخير الإجابة؛ إما لأنه لم يأت وقتها، وإما لأنه لم يُقدر في الأزل قبول دعائه في الدنيا ليعطى عوضه في الآخرة، وإما أن يؤخر القبول ليلح ويبالغ في ذلك فإن الله يحب الملحين في الدعاء، مع ما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار، ومن يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له، ومن يكثر الدعاء يوشك أن يستجاب له".[شرح الموطأ]

وقال ابن القيم -رحمه الله-: "ومن الآفات التي تمنع ترتب أثر الدعاء عليه؛ أن يستعجل العبد ويستبطئ الإجابة، فيستحسر ويَدَع الدعاء، وهو بمنزلة مَن بذر بذراً أو غرس غرساً، فجعل يتعاهده ويسقيه، فلما استبطأ كماله وإدراكه، تركه وأهمله!". [الجواب الكافي]

فقد تتأخر إجابة الدعاء عن العبد لأن الله تعالى يُحب أن يسمع مناجاة عباده، ويحب انكسارهم وقربهم إليه سبحانه، قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: "وجاء في الآثار: أن العبد إذا دعا ربه وهو يحبه، قال يا جبريل لا تعجل بقضاء حاجة عبدي فإني أحب أن أسمع صوته، وقال تعالى: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}". [جامع العلوم والحكم]

فلا تترك الإلحاح والدعاء، لطول انتظار وتأخر إجابة، وكن من عباد الله القانتين لا من القانطين؛ فإن لجوءك إلى مولاك وإلحاحك عليه في الدعاء خيرٌ كله، وإنك -بإذن الله- ستحصل على ما تبغيه وترجوه، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يُعَجِّل له دعوته، وإما أن يدّخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها) [البخاري في الأدب المفرد]، وجاء عند الترمذي وصحَّحَه من حديث عبادة -رضي الله عنه- وزاد: "فقال رجل من القوم إذاً نُكثِر، قال: (الله أكثر)"، والمعنى: "أي: الله أكثر إجابة من دعائكم، وقيل: الله أكثر ثوابًا وعطاء مما في نفوسكم، فأكثروا ما شئتم فإنه تعالى يقابل أدعيتكم بما هو أكثر منها وأجل" [تحفة الأحوذي].

فهذه هي سعة عطاء الله، وهذا كرمه، فأكثر من دعاء مليكك، وإبداء حاجتك وافتقارك وتضرعك إليه، واخشع بين يديه وكرر دعائك كما كان يفعل نبيك -صلى الله عليه وسلم-، فإن في ذلك صلاحا لقلبك ورِقّة له، مع ما ترجوه من الإجابة، وتنتظره من الثواب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 353
الخميس 27 محرم 1444 هـ
...المزيد

الإلحاح في الدعاء الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما ...

الإلحاح في الدعاء


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

إن الإلحاح على الله تعالى في الدعاء سبب من أسباب إجابة الدعاء، وهو أيضا سبب لنيل مرضاة الله تعالى ومحبته، فهو سبحانه يحب العبد اللحوح أي الذي يُكرّر الدعاء، حتى يصبح ذلك جزءا من حياته، ووردا ثابتا من أوراد يومه وليلته، فيصير إلى التلذذ بمناجاة ربه وإظهار الانكسار بين يديه وإن لم تقع الإجابة، وهو من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام.


• ما هو الإلحاح في الدعاء؟

قال الإمام المناوي -رحمه الله- في تعريف المُلح: "هو الملازم لسؤال ربه في جميع حالاته، اللائذ بباب كرم ربه في فاقته ومهماته، لا تقطعه المحن عن الرجوع إليه، ولا النعم عن الإقبال عليه؛ لأن دعاء المُلح دائم غير منقطع، فهو يسأل ولا يرى إجابة، ثم يسأل ثم يسأل فلا يرى، وهكذا، فلا يزال يُلح ولا يزال رجاؤه يتزايد، وذلك دلالة على صحة قلبه، وصدق عبوديته، واستقامة وجهته، فقلب المُلح مُعلّق دائمًا بمشيئته -تعالى-، واستعماله اللسان في الدعاء عبادة، وانتظار مشيئته للقضاء به عبادة، فهو بين عبادتين سريتين، ووجهتين فاضلتين، فلذلك أحبه الله تعالى". [فيض القدير]

فيُفهم مما سبق أن الإلحاح في الدعاء هو تكرار وملازمة الدعاء والتضرع إلى الله تعالى، على كل حال من أحوال العبد، سواء كان في عسر أم يسر، وسواء وقعت الإجابة أم لم تقع، فهو عبادة مستمرة مستقلة بذاتها كما هو شأن الدعاء، فالمؤمن يديم الدعاء والافتقار والانكسار إلى مولاه، وبذلك استحق محبة الله تعالى.


• الإلحاح بالدعاء هدي نبوي

وقد ورد في السنة المطهرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بأن يكرر ويكثر العبد من الدعاء، كما جاء عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء) [رواه مسلم]، وجاء عنه أيضا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ألِظُّوا بِـيا ذا الجلال والإكرام) [أحمد والحاكم وصحَّحه]، قال المناوي في شرح الحديث: "أي الزموا هذه الدعوة، وأكثروا منها، وفي رواية سندها قوي من حديث ابن عمر (ألِحّوا)، ومعناها متقارب.. فالمراد: دوموا على قولكم ذلك في دعائكم، واجعلوه هِجِّيراكم، لئلا تركنوا أو تطمئنوا لغيره" [فيض القدير]

وثبت الإلحاح والتكرار في الدعاء في فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-، لحديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: "لما كان يوم بدر، نظر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المشركين، وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا؛ فاستقبل نبي الله -صلى الله عليه وسلم- القبلة، ثم مدّ يديه، فجعل يهتف بربه: (اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض)، فما زال يهتف بربه مادًّا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه مِن ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك..." [مسلم]

كما أورد البخاري -رحمه الله- في صحيحه تحت "بَاب تَكْرِير الدُّعَاء" حديث عَائِشَة -رضي الله عنها وعن أبيها- لمّا سحر لبيد بن الأعصم اليهودي النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فما كان من النبي إلا أن يتوجه إلى الله تعالى بالدعاء ويكرر ذلك، قالت عائشة: "حتَّى إذَا كانَ ذَاتَ يَومٍ، أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ، دَعَا رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ دَعَا…"[البخاري]، وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا سأل سأل ثلاثا" [مسلم].

وجاء في شعب الإيمان، عن الأوزاعي -رحمه الله- قال: "أفضل الدعاء: الإلحاح على الله عز وجل والتضرع إليه"، وفي كتاب الزهد للإمام أحمد عن قتادة، قال مُوَرِّق: "ما وجدت للمؤمن مثلًا إلا رجلًا في البحر على خشبة فهو يدعو: يارب، يارب، لعل الله أن ينجيه".

فكل ما تقدّم من الأحاديث والآثار يخبرك أن تكرار الدعاء هديٌ نبويٌ ثابتٌ دعا إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وطبقه في دعائه، فعليك أخي المسلم بملازمة الطلب والإكثار من الدعاء والإلحاح على الكريم المنان الذي لا يرد من سأله، ولا يُخَيِّبُ من رجاه.
...المزيد

مقال: و(الكاظمين الغيظ) إن الله سبحانه وتعالى يريد لعباده الخير والصلاح، فأرشدهم إلى أحسن ...

مقال: و(الكاظمين الغيظ)


إن الله سبحانه وتعالى يريد لعباده الخير والصلاح، فأرشدهم إلى أحسن الأخلاق لتسمو بهم في الدنيا، وترفع درجاتهم يوم القيامة، فلا شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق، ومن أجّل الأخلاق وأسماها كظم الغيظ والعفو عن الناس، وقد جعل الله تعالى لهم من الأجر ما لم يكن لغيرهم، فيدعوهم الله يوم القيامة على رؤوس الأشهاد جزاءً لصبرهم وكظم غيظهم وعفوهم عن إخوانهم، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الخلائق، حتّى يخيره من أيّ الحور شاء). [أبو داود والترمذي]


• التعريف بكظم الغيظ

والمقصود بكظم الغيظ أي حبسه ومنعه من الخروج على الجوارح عند اشتداد الدافع إلى ذلك، كالغضب ونحوه مما يثير الإنسان، ولقد مدح الله سبحانه وتعالى عباده المتقين لحسن فعالهم ومكارم أخلاقهم، الذين لا يغضبون لأنفسهم ولا ينتصرون لها، فنالوا بذلك محبة الله وخصهم بتقواه سبحانه، قال الله تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، قال الطبري -رحمه الله- في تفسيره: "وقوله: (والكاظمين الغيظ)، يعني: والجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، يقال "كظم فلان غيظه"، إذا تجرَّعه، فحفظ نفسه من أن تمضي ما هي قادرةٌ على إمضائه، باستمكانها ممن غاظها، وانتصارها ممن ظلمها"، وقال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: إذا ثار بهم الغيظ كظموه، بمعنى: كتموه فلم يعملوه، وعفوا مع ذلك عمّن أساء إليهم". فاستحقوا بذلك محبة الله.


• (ليس الشديد بالصُّرَعة)

إن التحلي بالأخلاق الفضيلة من صفات عباد الله المتقين، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أكمل الناس خلقا، وأرسله الله تعالى ليتمم للناس مكارم الأخلاق ويبيّن لهم محاسنها، ولاشك أن كظم الغيظ من أجل هذه الأخلاق التي جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ليرسّخها بين المسلمين بما يحقق ترابط وقوة صفوف المسلمين، بل إن القوة في كظم الغيظ وحبسه، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (ليس الشّديد بالصّرعة؛ إنّما الشديد الّذي يملك نفسه عند الغضب) [متفق عليه]، (والصُّرَعة) عند العرب: مَن يصرع الناس كثيرًا، قال النَّوويُّ في شرح الحديث: "فيه كَظْم الغَيْظ، وإمْسَاك النَّفس عند الغَضَب عن الانتصار والمخاصمة والمنازعة". [شرح مسلم]

وقد دلنا النبي -صلى الله عليه وسلم- على ما يذهب عنا الغضب ومنه الوضوء وذكر الله والاستعاذة، فعن سليمان بن صرد -رضي الله عنه- قال: كنت جالسا مع النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- ورجلان يستبّان، وأحدهما قد احمرّ وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنّي لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم، ذهب منه ما يجد)، فقالوا له: إنّ النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: (تعوّذ بالله من الشّيطان الرّجيم). [متفق عليه] فقوة النفس لا تكون بمصارعة الرجال وغلبتهم والتشفي منهم، والانتصار للنفس منهم، لكن القوة الحقيقية هي التي ينتصر بها المسلم على شيطانه ونزعات نفسه ويقهرها ويوقفها عند حدها، فيكظم غيظه وهو قادر على إطلاقه، فيعفو عن الناس ويتجاوز عن إساءتهم لا لشيء سوى طمعا في نيل مرضاة الله تعالى.


• أهمية كظم الغيظ

وإن المسارعة إلى الانتصار للنفس وإشباع شهوتها بالثأر والانتقام هي من طرق الشيطان لإيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، وإيغار صدورهم، لذلك حرص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على تحذير أصحابه وأمته من الوقوع في مكائد الشيطان وحبائله التي يحاول أن يصطاد بها أصحاب النفوس الضعيفة الذين لم يعتادوا على كظم غيظهم ولجم أنفسهم، فصارت تسوقهم إلى أسفل الطباع والصفات.

فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لمّا صوّر الله آدم في الجنّة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به، ينظر ما هو، فلمّا رآه أجوف، عرف أنّه خلق خلقا لا يتمالك) [مسلم]، قال النووي في معنى (لا يتمالك) أي: "لا يملك نفسه ويحبسها عن الشّهوات، وقيل: لا يملك دفع الوسواس عنه، وقيل: لا يملك نفسه عند الغضب، والمراد جنس بني آدم". [شرح مسلم] وقال ابن عبد البر -رحمه الله-: "من كظم غيظه وردّ غضبه، أخزى شيطانه، وسلمت مروءته ودينه". [التمهيد]، وقال ابن حجر -رحمه الله-: "استحضار ما جاء في كَظْم الغَيْظ من الفضل، يعين على ترك الغَضَب". [فتح الباري]

• عمر يكظم غيظه!

ومن نماذج كظم الغيظ ما رواه ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- قال: "قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحرِّ بن قيس، وكان من النَّفر الذين يُدنيهم عمر، وكان القُرَّاء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولًا كانوا أو شبَّانًا، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي، هل لك وجه عند هذا الأمير؟ فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عبَّاس: فاستأذن الحرُّ لعيينة، فأَذِن له عمر، فلمَّا دخل عليه قال: هِيْ يا ابن الخطَّاب! فوالله ما تعطينا الجَزْل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغَضِب عمر، حتى همَّ أن يوقع به، فقال له الحرُّ: يا أمير المؤمنين، إنَّ الله تعالى قال لنبيِّه -صلى الله عليه وسلم-: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}، وإنَّ هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب الله". [البخاري]

فتأمل حسن صنيع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هذا الموقف، وقد كان قادرا على إيقاع أشد العقوبات بهذا الرجل الذي تطاول عليه ظلما، ومع ذلك كان تذكيره بآية من آيات القرآن الكريم كفيلا أن يملك نفسه ويكظم غيظه، وفي ذلك إشارة إلى أن القرآن خير واعظ وزاجر للنفوس المؤمنة.

ومن ذلك أيضا ما ذكره ابن كثير أن رجلا أغضب الخليفة عمر بن عبد العزيز، حتى همّ به عمر، ثم أمسك نفسه، وقال للرجل: أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان، فأنال منك اليوم ما تناله مني غدًا؟ قم عافاك الله، لا حاجة لنا في مقاولتك." [البداية والنهاية]

والنماذج على كظم الغيظ من حياة الصحابة والتابعين وأتباعهم كثيرة في مظانها لمن أرادها.


• فضل كظم الغيظ

ولا شك أن لكظم الغيظ أجر كبير وفضل عظيم قد عرفتَ بعضه فيما تقدم، فمن كرم الله لعباده المؤمنين أنه يثيب بالإحسان إحسانا، فكلما ازداد العبد طاعةً لربه وإحساناً لخلقه زاد إحسان الله إليه، فيزيده أجرا وتوفيقا، لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}، قال الطبري -رحمه الله-: "يقول جلّ ثناؤه: فمن عفا عمّن أساء إليه إساءته إليه، فغفرها له، ولم يعاقبه بها، وهو على عقوبته عليها قادر ابتغاء وجه اللّه، فأجر عفوه ذلك على اللّه، واللّه مثيبه عليه ثوابه".

وعن ابن عمر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما من جَرْعَةٍ أعظم أجرًا عند الله، مِن جَرْعَةِ غَيْظٍ كظمها عبد ابتغاء وجه الله). [رواه ابن ماجه] وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في بيان سبب محبة الله للمحسنين الكاظمين الغيظ في قوله: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}: "لأن درجة الحلم والصبر على الأذى، والعفو عن الظلم، أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة، يبلغ الرجل بها ما لا يبلغه بالصيام والقيام". [الصارم المسلول]

لذا، فحري بالمسلمين عموماً والمجاهدين خصوصاً أن يحرصوا على سلامة صدورهم ولا يدعوا للشيطان إلى نفوسهم سبيلا، وأن لا يغضبوا إلا لربهم ودينهم، فاكظموا غيظكم أيها المسلمون واجرعوه واكتموه، عمّن أساء إليكم من إخوانكم، واعفوا واصفحوا وأصلحوا وسارعوا إلى مغفرة من ربكم، تسلمون في الدنيا وتؤجرون في الآخرة، والله يحب المحسنين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 353
الخميس 27 محرم 1444 هـ
...المزيد

وما مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى أتمّ ما أمره الله به، وما ترك منه صغيرا ولا كبيرا، كما ...

وما مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى أتمّ ما أمره الله به، وما ترك منه صغيرا ولا كبيرا، كما جاء عن أبي وائل عن حذيفة -رضي الله عنه- قال: "لقد خطبنا النبي -صلى الله عليه وسلم- خطبة ما ترك فيها شيئا إلى قيام الساعة إلا ذكره؛ علمه من علمه، وجهله من جهله، إن كنت لأرى الشيء قد نسيت فأعرف ما يعرف الرجل إذا غاب عنه فرآه فعرفه". [البخاري]

ومن المعلوم أن الإسلام دين شامل متكامل، لا نقص فيه ولا زيادة في أصوله وأركانه وفرائضه وفروعه وواجباته وسننه، فمن أراد الإسلام أخذه كله دون أن يرد منه شيئا، ولابد له من معرفة ما يجب عليه معرفته ولا يسعه جهله منه.

فالناس فيه صنفان لا ثالث لهما لقوله تعالى في سورة [التغابن]: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ}، ولهذا قاعدة عظيمة وجب على المكلف معرفتها وإلا فقد باء بالخسران المبين وهي: أن كل من دخل فيه ولم يأت بما لا يصح إسلامه إلا به، وما لا يبنى الإسلام إلا عليه؛ من إقرار أو أصل أو ركن أو فرض، وغيره من تحريم الحرام وتحليل الحلال؛ فإنه لا يقبل منه انتسابه لهذا الدين، وإن زعم أنه من أهله وقادته.

وأن كل من دخله وجاء بما يصح معه إسلامه؛ فإنه يقبل منه إسلامه، ويشهد له به وهو مسلم؛ وإن قصر بإتيانه ما لا يحقق له كمال الإيمان؛ كارتكابه الكبائر والصغائر مجتمعة لشموله بقوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر]، ومن مات من أهل المعاصي منهم تحت المشيئة؛ إن شاء غفر له و إن شاء عذبه، وربنا ذو عفو وغفران، كما جاء في الصحيح عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "وحوله عصابة من أصحابه: (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه و إن شاء عاقبه)، فبايعناه على ذلك". [البخاري]

والناس فيه على تفاضل لقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}. [فاطر] وبهذا يتضح لك كم من الناس في هذا الزمان من هذا الصنف الذي يدعي انتماءه لهذا الدين والدين منه براء، قد أخذ من الدين ما يوافق هواه، وترك ما يخالف شهواته ونزواته، فإذا جد الجد فما رأيته إلا في خندق الكفار وعسكرهم، يوالي من يوالون ويعادي من يعادون ويقاتل من يقاتلون، قد مرق من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، وتراه لم يأخذ من الإسلام إلا اسمه، وحقيقته أضر على الإسلام وأهله من اليهود والنصارى، ألا ترى انضواءه تحت راياتهم وصليبهم، يسير في مقدمتهم جنبا إلى جنب لا يفارقهم؛ وهو مع كل هذا يصلي ويصوم رمضان، وينطق بالشهادتين ويتلو كتاب الله بل ويوقره ويجله!! ويتصدق ويفعل من أعمال الخير الكثير، ويزعم أنه مسلم وقد صاده إبليس في فخاخه، وصيره من جنوده وعبيده! ونزع عنه إسلامه، فأوقعه في أم الدواهي وشراك الشرك والكفر، وأبقى له ظنه الذي لا يغني ولا يسمن من جوع، قال تعالى: {فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} [الأعراف]، وقال تعالى: {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}. [الكهف]

فعليك يا من تروم الهدى وسبيل النجاة اتباع دين الله تعالى كاملا، بكل ما جاء فيه توحيدا وجهادا، دعوة وقتالا، وخالِف في ذلك هوى نفسك، فإن النفس تهوى الركون والراحة قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ}، واعلم أن مرضاة الله تعالى فيه، وعاقبته محمودة وثمرته معجلة ومؤجلة، قال تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. [يونس]

فهذا دين الله تعالى كاملٌ شاملٌ لا نقص فيه ولا خلل، لا يحتاج إلى ترميم أو إضافة أو تجديد، بل هو صالح لكل زمان ومكان، قرآن يهدي وسيف ينصر، طريقه كثيب أحمر رطب لزج، سُكبت عليه دماء الأنبياء والصالحين، ينزلق عنه كل منافق، ويثبت عليه كل مؤمن صادق، فنسأله تعالى أن يتوفانا عليه، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 353
الخميس 27 محرم 1444 هـ
...المزيد

إن الداء الذي تعيشه الأمة اليوم، من التيه والضياع والتبعية، لا علاج له سوى الدواء الإيماني الرباني، ...

إن الداء الذي تعيشه الأمة اليوم، من التيه والضياع والتبعية، لا علاج له سوى الدواء الإيماني الرباني، الذي يأتي على الأدواء من قواعدها، ويعالج المرض من جذوره، فلا يمكن أن يأتي نصر الأمة عبر موالاة أعدائها أو عن طريقهم، أو تحت وصايتهم وإملاءاتهم، بل لا يُبنى النصر إلا على تضحيات أبنائها البررة، وهذا ما فعلته الدولة الإسلامية منذ اليوم الأول لدخولها في الشام، بتوفيق الله تعالى، فقدّمت أمر الله تعالى ومرضاته على ما سواه، وتبرأت من الكفار والمرتدين كافة، ولم تداهن في دين الله وشريعته ولم تحابي، وبدأت بمشروعها الكبير المبارك الذي تصادمت معه مشاريع الكيانات المرتدة التابعة للحكومات الداعمة، والتي تدور في فلكها ولا تعصي لها أمرا.

ورحم الله الشيخ العدناني يوم قال منذ بدايات الجهاد في الشام: "إنّ مشروعنا هذا يقابله مشروعان؛ الأول: مشروع دولة مدنية ديموقراطية، مشروع علماني تدعمه جميع ملل الكفر قاطبة على تضارب مصالحها واختلاف مناهجها، ليس حبّا بأهل العراق ولا رأفة بأهل الشام، وإنما خوفًا من إعادة سلطان الله إلى أرضه وإقامة الخلافة الإسلامية، الأمر الخطير الذي لا يمكن السكوت عنه، وأما المشروع الثاني: فمشروع دولة محلية وطنية تسمى إسلامية، تدعمها أموال وفتاوى علماء آل سلول وحكومات الخليج، وتهندسُ مشروعَها المخابراتُ، ولا ضير أن تكون حكومتها طويلة اللحى قصيرة الثوب، حكومة تسالم اليهود وتحمي الحدود، فتباركها هيئة الأمم، وتحظى بمقعد في مجلس الأمن". انتهى كلامه رحمه الله، ورحم -سبحانه- مَن بنى هذه الدولة المباركة من القادة والجنود، بدمائهم وأشلائهم، الذين لم يرتضوا أن يعطوا الدنية في الدين، وأسلموا أمرهم لله رب العالمين، وواصلوا طريقهم رغم ما أصابهم من القرح، فلم يبدلوا أو يغيّروا، أو يداهنوا أو يصالحوا، فكانوا بذلك مثالا حيّا لمن بعدهم في الثبات على أمر الله حتى يأتيهم اليقين، {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 353
الخميس 27 محرم 1444 هـ
...المزيد

تركيا ومسيرة المصالح لا ضوابط أو قيود تحكم مسيرة الحكومات المرتدة إلا "المصالح" فتدور معها ...

تركيا ومسيرة المصالح


لا ضوابط أو قيود تحكم مسيرة الحكومات المرتدة إلا "المصالح" فتدور معها حيث دارت، ولو كان ذلك على حساب محاربة الإسلام وأهله، وإبادة الحرث والنسل والإفساد في الأرض، ومِن أوضح النماذج على ذلك حكومة تركيا العلمانية، التي ارتكبت أبشع المجازر بحق المسلمين في الشام، وقطّعت أوصال الأطفال والنساء بصواريخها، في إطار حربها ضد الدولة الإسلامية التي رأت فيها تركيا تهديدًا لمصالحها وحدودها، ضاربةً عرض الحائط بكلّ ما تغنّت به من شعارات براقة كحماية السوريين ونصرتهم؛ ولذا لم يكن مستغرَبا أبدًا أن تُلمّح الحكومة التركية مؤخرا إلى إمكانية "المصالحة" مع النظام النصيري المرتد، طالما أن "المصلحة" تقتضي ذلك.

فقد أثبت الطاغوت التركي وحكومته مرارا كثيرة في السنوات الماضية، أنْ لا شيء يعلو عندهم فوق مصالحهم النتنة، ولا ضير عندهم -لكي يحققوها- لو انتقلوا من دور "الحليف" للفصائل المرتدة، إلى دور "الوسيط" مع النظام النصيري، بل وربما إلى دور "الحليف" له والذي كانوا يصفونه يوما ما بـ"الإرهابي".

فعلى مدار سنوات الحرب في الشام، زعمت الحكومة التركية بأنها تدعم "حقوق السوريين" وتعمل على حمايتهم وتقف إلى جانبهم، وتمنّ عليهم باستقبالهم "لاجئين" في أراضيها، رغم أنها في الحقيقة استخدمتهم ورقة ضغط وابتزاز لدول أوروبا الصليبية إن عارضوا سياستها! أما على الجانب الآخر من الحدود، فقد حرفت الحكومة التركية المعركة من قتال النظام النصيري إلى قتال المجاهدين، وذلك عبر تحويل الفصائل الموالية لها إلى مرتزقة تقاتل في سبيل تحقيق المصالح التركية وحسب، فقاتلت تركيا بهم الدولة الإسلامية قبل سنوات، وتقاتل اليوم بهم الميليشيات الكردية، وذلك بهدف إنشاء "المنطقة العازلة" التي ترى فيها تركيا "حماية" وربما "توسعة" لحدودها، ولا سبيل لإقامتها إلا عبر تطويع واستغلال المرتزقة الأذلاء العبيد كما هو حاصل اليوم، حيث صاروا مجرّد بيادق تحرّكهم تركيا أين ومتى شاءت.

وبالمحصلة، استخدمت الحكومة التركية "الملف السوري" في تحقيق مصالحها السياسية والقومية والعلمانية البحتة، تارة بالقوة العسكرية، وتارة بـ"القوة الناعمة" عبر ادعاء حماية "السوريين" وإيوائهم وتوزيع الفتات عليهم.

موقف فصائل "المعارضة السورية" من تلميح تركيا إمكانية "التصالح" مع النظام النصيري، كان موقفا سخيفا متناقضا، فكيف لمن لا يملك أمره مِن الحرب أو السلم، أن يزعم أنه لن يُصالح! بينما سيّده ومشغّله "الأتاتوركي" لم يُخطره أو يشاوره بذلك! بل هو لم ينتظر رأيه من قبل، يوم أعلن عودة "العلاقات" مع اليهود الكافرين، وعندها برّر هؤلاء الأتباع الأغرار هذه الخطوة بأنها "مصلحة اقتصادية"!! واليوم تعلن تركيا "عودة العلاقات الدبلوماسية بالكامل" مع اليهود، أي ما يُعدّ وفقا لمصطلحاتهم المنحرفة "تطبيعا كاملا"، وهو ما يُسمى شرعًا موالاة اليهود، فهل قدّمت معارضة العبيد أو أخّرت من المعادلة شيئا؟! وهل مَن شرعن ارتماء الطاغوت التركي في الأحضان اليهودية، سيضيره ارتماء نفس الطاغوت في الأحضان النصيرية! خصوصا إذا ما علمنا أنّ الطاغوتين "بشار وأردوغان" محسوبان على "محور المقاومة!" أي أن عودة العلاقات "التركية-السورية" يُعد شيئا "مشرّفا" إذا ما قورن بـ"العلاقات التركية-اليهودية!"، عش رجبًا ترى عجبًا.

بعيدا عن الضجيج الإعلامي الذي افتعلته الفصائل السورية زاعمةً أنها لن تصالح! فعلى أرض الواقع لا تلتزم هذه الفصائل المرتدة بأي قيود أو ضوابط شرعية، فخطواتها كلها تسير خلف المصلحة المتوهمة! فهم كما رأوا قديما أن مصلحتهم في "الدعم التركي" أو "السعودي" أو "القطري" سيرون أيضًا أن مصلحتهم في "المصالحة" لو تحققت أو "التسوية" كما يسمونها، فهم سِلْم لمن يسالم الداعمون، وحرب لمن يحاربون، ولا عجب، فهم منذ البداية لم يسيروا على بصيرة من أمرهم، ولم يقاتلوا إقامة للشرع ولا معاداة وبراءة من المشركين كافة، فدين الله تعالى لا فرق فيه بين المرتد السوري والمرتد التركي، ولا بين الصليبي الروسي أو الأمريكي، فدين الله واحد، ومنهجه واضح، لا يزيغ عنه إلا هالك، فلما زاغ هؤلاء عن طريق الحق واتبعوا سبل الداعمين، سلّط الله عليهم ذلا ومهانة يراها كل متابع للساحة الشامية، فلا رأي لهم ولا كرامة ولا اعتبار، بل صاروا مجرد متسولين على أبواب الداعمين، يندبون حظهم على ما صار إليه حالهم، ولا يجدون مخرجا مما هم فيه إلا تقديم مزيد من التنازلات، قال تعالى: {وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ}، قال القرطبي -رحمه الله-: "أي مَن أهانه بالشقاء والكفر، لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه". والجزاء من جنس العمل ولا يظلم ربك أحدا.على ما مات عليه النبي -صلى الله عليه وسلم-


الحمد لله الذي أتمّ علينا نعمه، وأكمل لنا دينه، ولم يتركه عرضة لكل صاحب هوى متنطع، أو حائر تائه، وختم لنا شريعته بأفصح مَن نطق الضاد وأوتي جوامع الكلم محمد -صلى الله عليه وسلم-، والذي لم يترك لنا ما يقربنا من الجنة إلا ودلنا عليه، وما يقربنا من النار إلا وحذرنا منه، وما قبضه الله حتى أتّم به الإسلام، فالإسلام هو ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمدة ذلك قوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. [المائدة]

فمن أخذه فحظه وافر وتجارته رائجة رابحة، وبُشراه في كل خيرٍ يفعله قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُواْ الصَّلَاةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ} [فاطر]، ومَن ردّه أو بعضَه فخاسر، وتجارته بوار، وأرضه يباب، ومثله كمن قال تعالى فيه: {وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج]، أو قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ}. [إبراهيم]

ولن يُقبل من أحد مهما علا شأنه وارتفعت رتبته ومنزلته بين الأنام، أن يأخذ من الإسلام ما يوافق هواه ويترك منه ما خالفه؛ كمن يحتج بتمسّكه بمراحل الإسلام الأولى فيأخذ بالدعوة السرية في مكة ويترك الدعوة العلنية في المدينة! أو يأخذ بالكفّ عن القتال كما في المرحلة المكية ويترك الأمر بالقتال كما في المرحلة المدنية؛ فيأخذ ما يوافق هواه من المرحلة المكية ويترك ما خالف هواه مما نزل به الشرع في المرحلة المدنية، ويغيّب بذلك الأمة سنينَ بهذه الشبهة، فلا جهاد لأعداء الملة بزعمه أننا في المرحلة المكية! وتجاهل أو تناسى أن الإسلام كل لا يتجزأ، قال تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. [البقرة]

وبمثل قول المثبطين عن الجهاد وأهله الذين يحتجون بترك الجهاد في مكة؛ يحتج شُرّاب الخمر وأهل الفسق، فقد شربت في أول الإسلام والشارع ساكت عنها ليس تحليلا لها بل تدرجا في تحريمها، وما حرمت إلا وقد مضى صدر من الإسلام، أليس قد مات بعض الصحابة ولم ينزل تحريم الخمر بعد؟، أليس أول الإسلام إيمانا ولم تفرض الفرائض بعد؟، فهل يصح لأحد أن يحتج على شرب الخمر وترك الفرائض بهذا القول؟! فهل لمثل هذا القول يذهب عاقل؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.

فالدين إذن هو ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير نقص أو زيادة، وهذه الحقيقة التي فقهها الصحابة حتى قال شيخ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "أينقص الدين وأنا حي؟".

وإنك ترى مثل هؤلاء الرويبضة في هذا الزمان الكثير الكثير ولا حول ولا قوة إلا بالله، فإن كُلف أحدهم بجهاد الكفار ومناجزة المشركين الأشرار والذود عن الحرمات، فما أسرعه إجابة للقعود متحججا بحجج أوهى من بيت العنكبوت، وغلف باطله بأدلة الحق قاصدا الباطل، مخادعا نفسه والناس؛ وحقيقة هؤلاء القوم كما بينها الله تعالى لنا في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً}. [النساء]

ولمن احتج بقولهم يقال: ما تفعل بقوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وبقوله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيح عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله) [متفق عليه]، وبما جاء في [سنن البيهقي] تحت "باب: ما جاء في نسخ العفو عن المشركين" عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}، وقوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ}؛ قال: فنسخ هذا العفو عن المشركين".

وهذا غيض من فيض من شبه القوم، والرد عليها كما قد علمت.
...المزيد

سلسلة سؤال وجواب (8) • ما تعريف الطاغوت لغةً واصطلاحا؟ لغة: مشتق من الطغيان وهو مجاوزة ...

سلسلة سؤال وجواب (8)


• ما تعريف الطاغوت لغةً واصطلاحا؟

لغة: مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد.

اصطلاحا: ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.

فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله.


• كتاب (تعلموا أمر دينكم)
...المزيد

تغيّر الحرس.. والمشهد ذاته وقد أُسقط في أيدي بعض المفتونين بالنظام الجديد، بعد أن رأوا جنود ...

تغيّر الحرس.. والمشهد ذاته



وقد أُسقط في أيدي بعض المفتونين بالنظام الجديد، بعد أن رأوا جنود الجولاني يُطْبقون الحصار على مخيم الهول من جميع الجهات وينتشرون كالجراد على بواباته وينشرون القناصات على أبراجه، خشية فرار طفل أو أمّ من هذه الأهوال! في صورة أعادت للأذهان سريعا ما كان عليه الحال قبل أسابيع قليلة فقط، يوم كان الهول تحت سيطرة شبيحة "قنديل" قبل أن يستلمه شبيحة الجولاني.


• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ العدد "532"
"الشبيحة والهول!"
...المزيد

بركة الجهاد في أرض إفريقية لا تخطئ عين الناظر بركة الجهاد في أرض إفريقية التي اعتاد الناس أن ...

بركة الجهاد في أرض إفريقية


لا تخطئ عين الناظر بركة الجهاد في أرض إفريقية التي اعتاد الناس أن ينظروا إليها كـ "درجة ثانية" في كل شيء، بينما تتربع اليوم على ذروة السنام، وترفع راية الجهاد والشريعة التي وصلتهم بعد ملاحم إخوانهم في العراق والشام، فحافَظوا عليها خفاقة وأخذوها بقوة وأذكوا جذوتها.


• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ - العدد 533
"غزوة نيامي؛ دلالات وعبر"
...المزيد

سلسلة نصائح أمنية الحلقة الخامسة: الفقرة 4 في حال لم تعرف تثبيت أو استعمال أنظمة لينكس ...

سلسلة نصائح أمنية


الحلقة الخامسة: الفقرة 4

في حال لم تعرف تثبيت أو استعمال أنظمة لينكس Tails أو Qubes، أو لم تعرف تثبيت نظام Windows على Virtual Box، فأقل شيء عند استعمالك لنظام Windows بنسختيه 10 و 11، استعمل تطبيق O&O Shutup10++ الذي يمنحك القدرة الى إيقاف خصائص التتبع والربط بـ Windows والبيانات الوصفية والكاميرا والمايك وغير ذلك من المشاكل.


• المصدر:
مؤسسة آفاق الإلكترونية
...المزيد

همسةٌ قُرآنية ثم هذه همسة إيمانية قرآنية في آذان إخواننا ممن ضاق صدرهم جراء هذا المد الكبير ...

همسةٌ قُرآنية



ثم هذه همسة إيمانية قرآنية في آذان إخواننا ممن ضاق صدرهم جراء هذا المد الكبير من غثاء المواقف والتبعيات؛ فلقد أصاب ذلك نبيكم -صلى الله عليه وسلم- في طريق دعوته وجهاده، فخاطبه مولاه تعالى بهذه الآيات: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}، فماذا كان التوجيه الإلهي في مثل هذه الحالات؟ قال ابن كثير: "وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم لك، انقباض وضيق صدر، فلا يهيدنك ذلك، ولا يثنينك عن إبلاغك رسالة الله، وتوكل على الله فإنه كافيك وناصرك عليهم". اهـ.

ثم تذكّروا قول اللطيف الخبير الحكم العدل سبحانه: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ}، فالقصة ما زالت لها تتمة وبقية في الدنيا قبل الآخرة، وإنّا نرى مصارع القوم أقرب من ذي قبل، ولكن نسأله تعالى بمنّه وكرمه أن تكون على أيدي المؤمنين.


• المصدر:
مقتطف من افتتاحية النبأ - العدد 531
"هولنا وهولكم لا سواء"
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
26 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً