قيام الليل.. أجرٌ وعون إن لله عبادًا يسابقون في الخيرات، أنيسهم في ذكره، وراحتهم في قربه، ...

قيام الليل.. أجرٌ وعون


إن لله عبادًا يسابقون في الخيرات، أنيسهم في ذكره، وراحتهم في قربه، ولذتهم في مناجاته، إذا جنّ عليهم الليل، ونام الغافلون في هدأته، صفّوا أقدامهم وقاموا بين يدي مولاهم، فتراهم سُجّدًا وقيامًا، خوفًا من عذاب ربهم وطمعًا في جنته، تجافت جنوبهم عن مضاجعهم، فلا ينعمون بها وقد علموا أن ربهم -جلّ في علاه- ينزل كلّ ليلة إلى السماء الدنيا، ويقول: (من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرُني فأغفر له؟) [البخاري]، ففارق النومُ عيونَهم، وأسهروا ليلهم، تركوا الدنيا وهجروها، وابتعدوا عن اللذات وجانبوها، وطردوا الشهوات وفارقوها، جعلوا الليل ستارًا لهم يتقربون فيه إلى ربهم، فكانوا كما وصفهم سبحانه: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا}، قال ابن كثير: "يعني بذلك قيام الليل، وترك النوم والاضطجاع على الفرش الوطيئة".


• فضل قيام الليل في القرآن

إنّ لقيام الليل فضائل عظيمة قد ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز، ووصف المحافظين عليه، بأنهم من أهل العلم والألباب فقال سبحانه عنهم: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر]، وعدّ الله تعالى القيام مِن صفات عباد الرحمن فقال سبحانه: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا}، قال الطبري: "والذين يبيتون لربهم يصلون لله، يراوحون بين سجود في صلاتهم وقيام".

ورغّب الله تعالى عباده المؤمنين في هذا الفضل العظيم، وشوّقهم إليه في آياته، ووصفهم بالمتقين المحسنين، فقال سبحانه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}، قال مجاهد -رحمه الله-: "قليل ما يرقدون ليلة حتى الصباح لا يتهجدون" [الطبري]، وقال تعالى واصفًا أحوالهم وما أعدّه لهم: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُمْ مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، فأي فضل هذا الذي يمتدح فيه العظيم الجليل سبحانه أهل القيام ليجزيهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.


• فضل قيام الليل في السُّنة

وقد جاء في السنة النبوية أحاديث كثيرة تدل على فضل هذه العبادة العظيمة، التي حثّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه عليها، وشحذ هممهم لكي ينالوا فضلها، ويظفروا بأجرها، ومن ذلك ما رواه سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (نعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل)، قال سالم: "فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً" [متفق عليه]، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قالَ لي رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (يا عبد الله، لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل، فترك قيام الليل!) [البخاري]، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أفضل الصيام، بعد رمضان، شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل) [مسلم]، بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحرص على هذه العبادة حتى وإن تعذّر ذلك في ليله، فيقضيه في النهار، لحديث عائشة -رضي الله عنها-: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا فاتتْه الصّلاة من اللّيل من وجع، أو غيره، صلّى من النّهار ثنتي عشرة ركعة" [مسلم].

• حتى تتفطر قدماه!

إن الرفعة والعزة التي ينالها العبد في الدنيا لا تأتي بالتمني والخمول، بل لا بد من بذل الجهد وجهاد النفس وتقويمها وترويضها على طاعة الله سبحانه، ومصابرتها وأطرها على ذلك حتى تستطيع تحمل التكاليف والأوامر الربانية، لذلك أمر ربنا -تبارك وتعالى- نبيه -صلى الله عليه وسلم- بقيام الليل في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا}، قال ابن كثير في تفسيره: "يأمر تعالى رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يترك التّزمّل، وهو: التّغطّي في اللّيل، وينهض إلى القيام لربّه عزّ وجلّ، والمقصود أنّ قيام اللّيل هو أشدّ مواطأة بين القلب واللّسان، وأجمع على التّلاوة؛ ولهذا قال: {هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} أي: أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهّمها من قيام النّهار؛ لأنّه وقت انتشار النّاس ولغط الأصوات وأوقات المعاش".

وقد كانَ النبي -صلى الله عليه وسلم- یقوم من اللّيل حتّى تتفطّر قدماه، فقالت عائشة: "لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟" قال: (أفلا أحبّ أن أكون عبدا شكورا)" [البخاري]، فنال بذلك المنزلة العظيمة والمقام المحمود، لقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [الإسراء].


• طبقات السلف في قيام الليل

وذكر ابن الجوزي -رحمه الله- أحوال السلف في قيام الليل وطبقاتهم في ذلك فقال: "واعلم أنّ السّلف كانوا في قيام اللّيل على سبع طبقات؛ الطّبقة الأولى: كانوا يحيون كلّ اللّيل، وفيهم من كان يصلّي الصّبح بوضوء العشاء، الطّبقة الثّانية: كانوا يقومون شطر اللّيل، الطّبقة الثّالثة: كانوا يقومون ثلث اللّيل، وفي الصّحيحين من حديث عبد الله بن عمر عن النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: (أحبّ الصّلاة إلى الله عزّ وجلّ صلاة داود، كان ينام نصف اللّيل ويقوم ثلثه، وينام سدسه)، الطّبقة الرّابعة: كانوا يقومون سدس اللّيل أو خمسه، الطّبقة الخامسة: كانوا لا يراعون التّقدير، وإنّما كان أحدهم يقوم إلى أن يغلبه النّوم فينام، فإذا انتبه قام، قال سفيان الثّوريّ: إنّما هي أوّل نومة فإذا انتبهت فلا أقيلها، الطّبقة السّادسة: قوم كانوا يصلّون من اللّيل أربع ركعات أو ركعتين، الطّبقة السّابعة: قوم يحيون ما بين العشاءين -يعني المغرب والعشاء- ويصلّون في السّحر، فيجمعون بين الطّرفين". [التبصرة]

فإذا عرفت أخي المجاهد فضل قيام الليل وشرفه، وحرص النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته عليه، وطبقات السلف وتنافسهم فيه، ورمتَ أن تكون مثلهم وتسلك دربهم، فانهل من معينهم وقمْ لربك كما قاموا، ودع عنك النوم والرقاد، واسجد واقترب، فهو عونك على نوائب الدهر، ونجاتك يوم العرض الأكبر، فهنيئا لمن اغتنم أوقاته بالقيام، وتقرب إلى ربه بالمناجاة في جنح الظلام، شوقا إليه سبحانه، ورغبة فيما عنده، والله الموفق والمستعان وعليه التكلان.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 352
الخميس 20 محرم 1444 هـ
...المزيد

قصة شهيد - أبو الزبير العسكري • أبو الزبير العسكري فارس الهيجاء عندما دخلت أمريكا ...

قصة شهيد - أبو الزبير العسكري



• أبو الزبير العسكري فارس الهيجاء

عندما دخلت أمريكا الصليبية أرض الرافدين، هبّ أبناء الإسلام لجهادها والتصدي لها، وأثبتوا للعالم أجمع أنّ لهذا الدين رجالاً يذودون عنه وينافحون عن بيضته، فمرّغوا أنوف الصليبيين في التراب، وسطّروا في كل بقعة ملحمة فداء، وفي كل منطقة قصة عطاء، وكان من أشهر المناطق التي انتشر فيها الجهاد انتشارا واسعا؛ مدينة الموصل بشمالها وجنوبها، وقد برز من هذه المناطق جنود وقادة شجعان، أذاقوا أعداء الله كؤوس الذلّ والهوان، ورسموا الطريق بدمائهم وأشلائهم لمن بعدهم؛ وكان من هؤلاء فارسنا المغوار أبو الزبير الأنصاري -تقبله الله تعالى-، علمٌ من أعلام ولاية دجلة، وأسدٌ من أُسود الإسلام فيها، حمل بين جوانبه معاني العزة والرجولة، ولمعت في عينيه عزة الجهاد.


• نشأته في بيئة جهادية

وُلد أبو الزبير في قرية (إمام غربي) جنوبي الموصل عام 1416 هـ، وتربّى في بيئة تحب الجهاد والمجاهدين، فوالده كان من السابقين إلى تلبية النداء، وهو ما أعان أبا الزبير على الالتحاق بركب الجهاد وهو لم يكن قد تجاوز الثانية عشر من عمره بعد، وحينها لم يُقبل في المعسكرات لصغر سنّه، لكن بعد إلحاحٍ شديد منه عرَضَه والده على أحد قادة المفارز الأمنية في منطقته، والذي رأى منه حرصا وفطنة تؤهله لبعض المهام، فقبله وأوكل إليه مهمة رصد بعض الأهداف وتصويرها، فبرع فيها على أكمل وجه، ولم يكن لأبي الزبير همّ سوى جهاد أعداء الملة والدين، فظلّ يقارعهم إلى أن ابتلاه الله بالأسر على أيديهم، فثبت داخل الأسر إلى أن فرّج الله عنه، ليعود إلى ميدان الجهاد مجددا ويستمر فيه حتى أُسر مرة أخرى، فمكث فيه مدة ثم خرج بفضل الله تعالى، وعندها قرر ترك الأهل والديار وأصبح مطاردا في سبيل الله، واستمر في ذلك حتى فتح الله لعباده المجاهدين في العراق.


• بعد الفتح المبين

وبعد أن منّ الله على الدولة الإسلامية بالفتح المبين، رجع إلى موطن صباه في ولاية دجلة، وبقي يتنقل فيها بين الدعوة والجهاد، مقاتلا لأعداء الله تارة، وداعية إلى الله تارة أخرى، حيث كان يطوف مع القوافل الدعوية لِما كان يمتلكه من صوت شجي، وكان دائما يحرض المسلمين على الجهاد ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فهدى الله على يديه ثلة من الشباب للالتحاق بالمجاهدين.

وبعد أن تزوج ورزقه الله بالزبير، لم يشغله ذلك عن مواصلة فريضة الجهاد، بل خاض بعدها غمار أشرس المعارك في (بيجي) وقرى (مخمور) و(النصر) و(خربردان) و(كديلة) و(الصلاحية) و(مهانة) و(كرمردي)، بل سجّل اسمه في مواكب النور لتنفيذ عملية استشهادية، وقد حاول أميره أن يردّ طلبه لحاجة إخوانه إليه في الميدان؛ لِما تمتع به من الحنكة العسكرية والشجاعة والخبرة في القتال، لكنّ أبا الزبير أصرّ على موقفه، وعندما تقدمت قوات الرافضة والبيشمركة نحو قرى (الحاج علي)، ركب أبو الزبير سيارته المحمّلة بالمتفجرات وانطلق بها نحو هدفه، وفي الطريق قدّر الله أن تتعطل السيارة وتتوقف عن السير؛ ليعود فارسُنا إلى إخوانه حزينا لعدم تمكنه من تنفيذ العملية، لكنه لم ييأس من طلب الموت في مظانه حيث التحق هذه المرة بكتيبة الانغماسيين، وقدر الله له أن يصاب ويذهب إلى مدينة الموصل للعلاج، وفي أثناء فترة علاجه قطع المرتدون الطريق بين ولاية كركوك وقسم من ولاية دجلة عن ولاية نينوى، وبعدها عاد أبو الزبير إلى ولاية دجلة وكُلّف بإنشاء مفرزة أمنية للعمل داخل القرى التي سيطر عليها المرتدون، وتحديدا قرية (إمام غربي) مسقط رأسه والقرى المجاورة لها.


• أبو الزبير في معركة (إمام غربي)

وبعد مدّة قصيرة من تأسيس المفرزة وتنفيذها عدة عمليات أمنية في المنطقة، بدأ أبو الزبير يخطط لغزو المرتدين في قرية (إمام غربي)، وكانت خطة الغزوة أن يتسلل هو برفقة مجموعة من المجاهدين إلى وسط القرية وينقسموا إلى قسمين: قسم يقوم بتفخيخ الطرقات، والقسم الآخر يدخل مسجدين في وسط القرية للتكبير وإعلان السيطرة لإرباك العدو، بينما تقوم مفرزة أخرى خارج القرية بالاشتباك مع ثكنات المرتدين، وبالفعل بدأت الاشتباكات وبعد مرور عشر دقائق، بدأ أبو الزبير ومن معه بالرمي وسط القرية والتكبير والإعلان عبر مكبرات المسجدين أنهم سيطروا على القرية ودعوا الأهالي إلى عدم الخروج لأن الطرق مفخخة، وعندها أسقط في أيدي المرتدين وظنوا أن جيوش المجاهدين قد داهمت القرية فولّوا هاربين وسيطر المجاهدون على القرية في نصف ساعة فقط بفضل الله تعالى، وحدثت مقتلة كبيرة في الجيش الرافضي والحشد العشائري، فهلك في هذه الغزوة أكثر من خمسين عنصرا من الجيش الرافضي والحشد العشائري، وأحرق المجاهدون عددا من آليات المرتدين وفجروا بعض بيوتهم قبل أن ينحازوا منها لاحقا، ليضطر المرتدون إلى تشديد التحصينات حول القرية وإضافة ثكنات أخرى، ومع ذلك تمكّن أبو الزبير من إدخال أحد الانغماسيين إلى القرية، ليفجّر سترته الناسفة داخل أكبر مقر للحشد العشائري فيها.

• قائدا للواء (أبو موسى الأشعري)

انتقل أبو الزبير بعد ذلك إلى إخوانه في لواء (أبو موسى الأشعري) في ولاية دجلة؛ حيث شارك في أغلب معارك اللواء ضد المرتدين، وأهمها معركة (كنعوص)، التي كانت معركة طاحنة حاول فيها المرتدون التقدم نحو مواقع المجاهدين، فكان له دور كبير في صدّ الهجوم برفقة إخوانه، حيث كُلّف قائدا للمجاهدين في قريتي (كنعوص) و(شريعة)، وقام بتكثيف الغزوات على الثكنات في محيط (كنعوص) حتى أجبر المرتدين على الانسحاب من أطراف القرية، ثم كُلّف قائدا عسكريّا عامّا للواء (أبو موسى الأشعري)، فقاد الكثير من الغزوات في جبال (مكحول) و(الخانوكة)، وقاد غزوة (الشرقاط الثانية)، وشارك في غزوة قرية (الحورية) وغزوة قرية (الناهية) وغيرها.

معركة (إمام غربي) الثانية بعد حصار الموصل

وعندما اشتد الحصار الخانق على المسلمين في الموصل، واستخدم التحالف الصليبي مختلف أنواع الأسلحة لإبادة النساء والأطفال والشيوخ، ولم يبقَ إلا منطقة صغيرة في مدينة الموصل القديمة، قرر المجاهدون شنّ غزوة من عدة محاور على مواقع المرتدين غرب نهر دجلة، وكان الأخ أبو الزبير قائدا لهذه الغزوة، وقُسّمت المحاور والمهام، وقاد هو محور الهجوم على قرية (إمام غربي)، وقد نجحت مجموعة أبو الزبير في اختراق تحصينات العدو في القرية رغم كثرة الثكنات المنتشرة، والعدد والعدة القليلة لدى المجاهدين، فقد عبروا نهر دجلة نحو مواقع المرتدين بالأسلحة الخفيفة فقط، ودارت معركة طاحنة بين جنود الرحمن وجنود الشيطان، جُرح فيها العديد من رفقاء أبي الزبير، ولم يبق معه سوى ثلاثة عشر مجاهدا بينهم جرحى يتحصنون في ثلاثة بيوت بأطراف القرية.

تزامن ذلك مع وصول تعزيزات جديدة للمرتدين، واستمرت الاشتباكات بين الطرفين وواصل أبو الزبير وإخوانه الليل والنهار، ولم يفتّ ذلك في عضدهم رغم ما بهم من جراح، وعند غروب الشمس بدأ المرتدون بالتزعزع وخارت قواهم، فاستغل الفرصة القائد الهمام أبو الزبير وأمر بالهجوم على المرتدين الذين كانوا قبل قليل يحاصرونهم، حتى فتح الله القرية على يد هذه الثلة القليلة من المجاهدين، وتم قطع الطريق الرابط بين مدينتي (الشرقاط) و(القيارة) على المرتدين لأكثر من عشرين يوما، كان بطلنا الهمام خلالها يصول ويجول بين المحاور في أطراف القرية يقاتل أعداء الله، ثم حشد المرتدون حشودا كثيرة لاستعادة القرية، فهاجموا المجاهدين من أربعة محاور، وظلوا عاجزين عن دخول القرية حتى استعانوا بأسيادهم الصليبيين جوّا وبرّا، وقد خسر المرتدون في هذه الغزوة أكثر من 300 قتيل و 11 أسيرا، والكثير من آلياتهم.


• فداؤه لإخوانه المحاصرين 6 مدرعات مقابل 5 مجاهدين!

ومن المواقف الفريدة خلال هذه المعركة، والتي تدل على شجاعة أبي الزبير وفدائه لإخوانه، ما وقع عندما سيطر المرتدون على سلسلة جبال (نجمة) ونشروا القناصات عليها، ثم تقدّموا بدورية مكونة من ستّ مدرعات محمّلة بالجنود، وحاصروا خمسة مجاهدين كانوا يرابطون في بيوت قرب الجبال، وعندها اندلعت اشتباكات عنيفة حتى شارفت ذخيرة المجاهدين الخمسة على النفاد، ولم يستطيعوا الانسحاب كونهم محاصرين في منطقة مكشوفة، فطلبوا المعونة من إخوانهم عبر أجهزة اللاسلكي، فسمع الأسد أبو الزبير نداء إخوانه فتوجه إليهم فورا بعد أن أمر إخوانه الذين كانوا معه بعدم اللحاق به حفاظا عليهم، لأنها كانت مجازفة كبيرة في منطقة مكشوفة وساقطة ناريًا، فانغمس أبو الزبير في صفوف أعداء الله وانطلق مسرعا تحت أزيز الرصاص وقذائف الهاون حتى وصل إلى آليات المرتدين بالقرب من إخوانه المحاصرين وأمام أنظارهم، واشتبك مع المرتدين بمفرده مقابل ستّ مدرعات، فحرّكت هذه الشجاعة الروح القتالية لدى الإخوة المحاصرين فهاجموا آليات المرتدين واشتبكوا معهم بشراسة عالية فقتلوا وجرحوا عددا منهم، وأعطبوا عربة (همر) فاضطر المرتدون إلى الانسحاب من المكان، وأصيب أبو الزبير بطلقة في ساقه خلال الاشتباكات، ومع ذلك استطاع الانحياز بإخوانه إلى داخل القرية بسلام.


• مقبلا غير مدبر

وفي نفس القرية (إمام غربي) تقدم المرتدون من أحد المحاور تحت غطاء جوي كثيف من طائرات التحالف الصليبي، فانبرى لهم كالعادة أبو الزبير وإخوانه الأبطال، واشتبكوا مع قوات العدو وصدوا تقدمهم وأحرقوا ثلاث آليات لهم، لكن الله تعالى قدّر هذه المرة لهذا الفارس أن يترجل عن جواده، فقتل بغارة صليبية وهو يقارع المرتدين، مقبلا غير مدبر -نحسبه كذلك ولا نزكيه-، لتتناثر أشلاؤه على أرض هذه القرية التي كانت شاهدة على صولاته وجولاته؛ مجاهدا منكّلا بالمرتدين، مجاهدا آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، لتنتهي قصة هذا الهمام وتبقى العبرة والأثر والقدوة لكل السائرين على خطاه، فرحم الله أبا الزبير وإخوانه وأسكنهم الفردوس الأعلى.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 352
الخميس 20 محرم 1444 هـ
...المزيد

ويحكم أين يُذهب بعقولكم؟ في جزيرة العرب عصفت الردة فأوقعت بكثير منهم، ولمّا أُعملت سيوف ...

ويحكم أين يُذهب بعقولكم؟


في جزيرة العرب عصفت الردة فأوقعت بكثير منهم، ولمّا أُعملت سيوف التوحيد في رقاب أعداء الله المرتدين، عاد بعضهم إلى رشده، فقدمت منهم وفودٌ إلى الصدّيق -رضي الله عنه-، فسمع منهم بعض خرافات مسيلمة الكذّاب، فقال لهم موبّخا على ما أهلكوا أنفسهم به، واتبعوا رؤوس الردة: "ويحكم، أين كان يُذهب بعقولكم؟"، فقد أصاب عقولهم عَصْفُ الفتنة فاتبعوا مسيلمة وطليحة وسجاح وأشباههم، وتركوا وصية نبيهم -صلى الله عليه وسلم-، ودينه الذي لم يجفّ حبر تسطيره.

وتمر أزمان تشتد فيها عواصف الفتن حتى كان زماننا أشدها عصفا بترك حكم الله واتّباع أحكام الجاهلية، ويا عجبًا لمن ضلّ عن عظمة الشريعة، وعظمة من فرضها حكمًا بين عباده! لو دروا حكم مَن يأبون ويرفضون؟! إنه حكم الله العدل.

وحسبنا في هذه الشريعة أنها حكم الخالق سبحانه، أيُساوى حُكمه وقضاؤه بقضاء غيره من الطواغيت والأنداد؟! قد تعاظم سبحانه وعزّ، فما شيء إلا وهو خالقه ومُوجِده وقاهره، فتفرّد -وهو العليم- بالخلق، وتفرّد -وهو الخبير- بالأمر. إنه خلق آدم وبنيه فقال: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}، وأنزل لهم حكما ليحتكموا إليه فقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا}، فخلقه الأحسن، وحكمه الأحسن {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ}.

وحكمه سبحانه مِن علو وقهر قال جل وعلا: {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ} يقول الطبري: "فالقضاء لله العلي على كل شيء، الكبير الذي كل شيء دونه متصاغرا له اليوم"، فمن تصاغر فليس مِن حقه التشريع، ومَن كان مخلوقا فليس من شأنه الحكم، {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}، إنهم يشرّعون من دون الله ابتغاء الحكمة، ويدَعون حكم خالق الحكمة سبحانه، وقد أُمر الناطق بالحكمة -صلى الله عليه وسلم- أن يقول: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا}، قال الطبري: "أي: قل: فليس لي أن أتعدَّى حكمه وأتجاوزه، لأنه لا حَكَم أعدل منه، ولا قائل أصدق منه {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} يعني القرآن، مبينًا فيه الحكم فيما تختصمون فيه من أمري وأمركم".

وإن صحّ عقل الإنسان فإنه لن يتخذ حكما إلا حكم الله، لقوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، قال ابن كثير: "أي: ومَن أعدل من الله في حكمه لمن عَقل عن الله شرعه، وآمن به وأيقن وعلم أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء".

فكيف يطيب لفئام كثيرة تنتسب إلى الإسلام أن تظلّ تحت حكم البشر بالبرلمانات والمجالس الشركية، أو قرارات الطواغيت الخارجة عن حكم الشريعة؟!

إن تغيّر أحكام البشر وتعديلها بشكل مستمر، وعقد الجلسات للنظر في موادها، وتغيير المشرّعين الكافرين، كل فترة، دليل كافٍ على سفاهة هذه الأحكام والدساتير التي يحلفون على احترامها والقتال تحت رايتها.

قد كانت شرائع أخرى قبل هذه الشريعة الخاتمة، خيرا مِن هذه الأهواء والسخافات البشرية، ومع ذلك فلا يجوز الحكم بها، بعد إكرام البشرية بأحسن الشرائع وأيسرها.

وأعطى الله الأنبياء السابقين شرائع لكنها مخصوصة بأقوامهم وأزمانهم، في حين جاءت شريعة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- بما لم تأت به أي شريعة سابقة، فهي صالحة لكل الأقوام والأزمان، وفي أحكامها سعادة الروح والجسد، وهي التي لزمها أهل القرون المفضلة فصاروا بها سادة أعزة، دان لهم بها الشرق والغرب، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وكانوا مثالا عاليا للأمم، ولا يمكن أن يكون ذلك الحكم سببَ ضياع الناس، أو مصدر تراجع لهم، إنما هذه المزاعم هي من أباطيل الشياطين وأقاويل الجاحدين؛ لإضفاء الحُسن على قبيح شركهم وديمقراطيتهم ودساتيرهم العفنة.

وما مآل إقامة حكم الله وشريعته إلا العزة في الدنيا، وسلامة الدين والنجاة في الآخرة، وأما مآل حكم القوانين الكفرية، فالذلة وفساد الدين والدنيا، والهلاك في الآخرة.

إن بشرا يخطئ وينسى ويغفل وينام، لا يستحق أن يقف موقف المشرّع ليحلّل ويحرّم، أو يناقش في حكم مَن خلقه وسوّاه فعدله في أي صورة ما شاء ركّبه! فيساوي قولَه بقول خالقه، فضلا عن أن ينحّي حُكم الله ليأمر عباد الله بطاعة نفسه.

وما كان لمخلوق كان أعمى فبصّره الله، وأصما فأسْمعه الله، وجاهلا فعلّمه الله؛ أن يشرّع للناس شيئا ولا أن يرضى بتشريع أحد دون الله، قال الله تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا} قال ابن كثير: "أي: أطلب ربا سواه، وهو رب كل شيء، يُرَبّنِي ويحفظني ويكلؤني ويدبر أمري، أي: لا أتوكل إلا عليه، ولا أنيب إلا إليه؛ لأنه رب كل شيء ومليكه، وله الخلق والأمر".

والحق كل الحق في حكم الله وقضائه، والعمل به والقتال في سبيله، والباطل فيما عداه، قال الله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، فأين العقول وأين يُذهب بها حين تختار الديمقراطية والوطنية والقومية وأحكام البشر وأهواءهم؟!

وقد عادت الشريعة وحكمها بقيام الدولة الإسلامية وسعيها المتواصل لإنقاذ الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام؛ ولتُلغى أحكام الدساتير وترهات السفهاء وقوانين الكفر من الصدور وتُمحى من الدور، ويعلو حكم الخالق سبحانه، ويظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 352
الخميس 20 محرم 1444 هـ
...المزيد

: مقتطف من كلمة (هل أتاك حديث الرافضة) مقتطف من كلمة (هل أتاك حديث الرافضة) للشيخ ...

:
مقتطف من كلمة (هل أتاك حديث الرافضة)



مقتطف من كلمة (هل أتاك حديث الرافضة)
للشيخ المجاهد أبي مصعب الزرقاوي -تقبله الله تعالى-


أولا: إنّ الرّفض دين يختلف تماما عن الإسلام الذي جاء به النّبي -صلّى الله عليه وسلّم-، ولا يمكن أن يلتقي معه في كثير من الفروع والأصول، كيف لا وكبار آياتهم وعلمائهم قد قعدوا لهم قاعدة في التّرجيح بين الأدلّة، إذا اختلفت عندهم أو تعارضت، بأنّ ما خالف قول أهل السّنة -ويسمّونهم العامّة-، هو القول الأقرب للصّواب، مستندين على روايات مكذوبة عندهم كأصل لهذه القاعدة التي تدلّ على مخالفة دينهم أصولا وفروعا لدين الإسلام من حيث منهج الحقّ.

ثانيا: إنّ دين الرّفض لم يقم أساسا ومنذ بداية ظهوره، وعلى مرّ الأزمان وحتّى أيّامنا هذه، إلا لغرض هدم الإسلام وبثّ الفتنة والفرقة بين المسلمين وتقويض دولة الإسلام، من خلال محاربة أهل السّنّة والجماعة، أعني بهم الجماعة الأولى التي استثناها الرّسول -صلى الله عليه وسلم- من الثّلاث والسّبعين فرقة بالنّجاة من النّار، ومن سار على نهجهم، وليس هذا كلاما مبالغا أو متوهّما، ولا هو منكرا من القول وزورا، بل هذا ما قرّره علماء السّلف والخلف.

فهو مخطّط دبّر بليل لم يقم من الأساس إلا لغرض هدم الدّين؛ من خلال أمرين هامّين:

الأوّل: التّشكيك في حقيقة هذا الدّين وزعزعة العقيدة، إمّا ببثّ الشبهات على مذهب أهل الحقّ والتي تشكّك في أصول هذا الدّين وتصدّ عنه بالكلّيّة، وإمّا بتحريف كثير من أصوله وفروعه ليكون دينا مسخا.

والأمر الثّاني: يتمثّل في الجانب السّياسيّ وذلك عن طريق زعزعة أركان الدّولة الإسلاميّة من الدّاخل والخارج على السّواء، فأمّا من الدّاخل فمن خلال استثارة الشّعب ولا سيّما ضعاف النّفوس وأصحاب المطامع وتحريضهم على الخروج على خليفة وإمام المسلمين، أو اغتياله بدعاوى وشبهات باطلة أو غير مسوّغة، وأمّا من الخارج فمن خلال التّعاون مع أعداء الدّين والتّحالف معهم، حتّى يتمكّنوا من إسقاط الدّولة الإسلاميّة.

وهذان الأمران هما المنهج والخطّة الأساسيّة التي قام عليهما دين الرّفض منذ بداية نشأته وتأسيسه على يد اليهوديّ المعروف عبد الله بن سبأ الذي لم يجد أفضل ولا أجدى من التّستّر بلباس التّشيّع، والتّشيّع بحبّ آل البيت بعد أن أظهر الإسلام وأبطن الكفر والدّسيسة لهذا الدّين.

ولما وجد أتباع هذا اليهوديّ أنّ هذا المنهج الذي رسمه ابن سبأ قد نجح في استقطاب أصحاب الهوى وتأليب الكثير من ضعاف النّفوس وأصحاب المطامع ضدّ أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وأرضاه، ولمّا وجدوه نجح في التّعاون مع أعداء الدّين من خارج عاصمة الخلافة وإثارة الفتن والشّبه حتى قتلوا الخليفة وفتنوا رعيّته.

ولما وجدوه نجح كذلك في التّفريق بين الصّحابة على أساس العصبيّة القبليّة التي جاء الدّين أساسا وقام على هدمها، يرومون فتنة آل البيت وفتنة النّاس بهم، وصدّ النّاس وتشكيكهم في مصداقيّة وأمانة نقلة الكتاب والسّنّة من الصّحابة رضوان الله عليهم، من خلال مناداتهم بموالاة بل بالمغالاة في آل البيت وإدّعاء العصمة فيهم، حتّى تطوّر الأمر فيهم إلى تأليه عليّ رضي الله عنه كما عند السّبأيّة!

أقول لما رأى أتباع ابن سبأ أنّه نجح في ذلك كلّه، استمرّ هؤلاء الأتباع في نفس السّيرة وعلى نفس المنهج الأوّل على مرّ الزّمان وإلى أيامنا هذه، ولقد أفاض علماء السّلف واستفاض في كتبهم بيان حقيقة الرّافضة وحقيقة دينهم.

ومن ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله في [منهاج السّنّة]: "والرّافضة ليس لهم سعي إلا في هدم الإسلام ونقض عراه وإفساد قواعده".

ثالثا: إنّ جمهرة من علماء السّلف رحمهم الله تعالى بيّنوا لنا القول الفصل في حكم الشّرع على الرّافضة، وهو القول بكفرهم ووجوب قتال من أظهر بدعته منهم خاصّة وإن كان بطائفة ممتنعة منهم، وفي تكفيرهم ووجوب قتالهم أدلّة من الكتاب والسّنّة.

وممّا استفيض من أقوال السّلف في الحكم بكفرهم:

فممّا ورد عن الإمام أحمد رحمه الله، ما روى الخلال عن أبي بكر المروديّ، قال: "سألت أبا عبد الله عمّن يشتم أبا بكر وعمر وعائشة؟، قال: "ما أراه على الإسلام"، وقال الخلال: أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد، قال سمعت أبا عبد الله قال: "من شتم أخاف عليه الكفر مثل الرّوافض"، ثمّ قال: "من شتم أصحاب النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لا نأمن أن يكون قد مرق عن الدّين".

وجاء في كتاب [السّنّة] للإمام أحمد قوله عن الرّافضة، "هم الذين يتبرؤون من أصحاب محمّد -صلّى الله عليه وسلّم-، ويسبّونهم، وينتقصونهم، ويسبون الأئمّة إلا أربع، عليّا وعمّار والمقداد وسلمان، وليست الرّافضة من الإسلام في شيء".

وقال الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في [خلق أفعال العباد]: "ما أبالي صلّيت خلف الجهميّ والرّافضيّ أم صلّيت خلف اليهود والنّصارى، ولا يسلّم عليهم، ولا يعادون، ولا يناكحون، ولا يشهّدون ولا تؤكل ذبائحهم".

وقال الإمام أحمد بن يونس، الذي قال عنه الإمام أحمد بن حنبل وهو يخاطب رجلا: "اخرج إلى أحمد بن يونس فإنّه شيخ الإسلام"، قال -أي الإمام أحمد بن يونس-: "لو أنّ يهوديّا ذبح شاة، وذبح رافضيّ لأكلت ذبيحة اليهوديّ، ولم آكل ذبيحة الرّافضيّ، لأنّه مرتدّ عن الإسلام".

وقال الإمام بن حزم رحمه الله تعالى في ردّه على النّصارى الذين يستدلّون بتحريف القرآن من أقوال الرّافضة: "وأمّا قولهم -يعني النّصارى- في دعوى الرّوافض تبديل القرآن، فإنّ الرّوافض ليسوا من المسلمين".

وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى في الصّارم المسلول: "من زعم أنّ القرءان نقص منه آيات، أو كتمت، أو زعم أنّ له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة، فلا خلاف في كفرهم، ومن زعم أنّ الصّحابة ارتدّوا بعد رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- إلا نفرا قليلا لا يبلغون بضعة عشر نفسا، أو أنّهم فسّقوا عامّتهم، فهذا لا ريب أيضا في كفره، لأنّه مكذّب لما نصّه القرءان في غير موضع من الرّضى عنهم، والثّناء عليهم. بل من يشكّ في كفر مثل هذا فإنّ كفره متعيّن، فإنّ مضمون هذه المقالة أنّ نقلة الكتاب والسّنّة كفّار أو فسّاق، وأنّ هذه الآية التي هي: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: ۱۱۰]، وخيرها هو القرن الأوّل كان عامّتهم كفّارا أو فسّاقا، ومضمونها أنّ هذه الأمّة شرّ الأمم، وأنّ سابقي هذه الأمّة هم شرارها، وكفر هذا ممّا يعلم بالاضطرار من دين الإسلام".

وقال أيضا عن الرّافضة: "إنّهم شرّ من عامّة أهل الأهواء، وأحقّ بالقتال من الخوارج".

وقال الإمام السّمعانيّ رحمه الله في الأنساب: "واجتمعت الأمّة على تكفير الإماميّة لأنّهم يعتقدون تضليل الصّحابة، وينكرون إجماعهم، وينسبونهم إلى ما لا يليق بهم".



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 351
الخميس 13 محرم 1444 هـ
...المزيد

حُسن العشرة بين المسلمين خلق اللهُ سبحانه وتعالى الخلْق مِن نفس واحدة هو آدم -عليه السلام-، ...

حُسن العشرة بين المسلمين


خلق اللهُ سبحانه وتعالى الخلْق مِن نفس واحدة هو آدم -عليه السلام-، وجعلهم على ملة واحدة هي الإسلام وأبطل ما سواه مِن الأديان، وحدّد الله تعالى للمسلمين شكل العلاقة فيما بينهم، فأمر أن تقوم على حسن المعاشرة والمعاملة، فهي مِن مكارم الأخلاق التي بُعث النبي -صلى الله عليه وسلم- لإتمامها، والتي لا بدّ للمسلم أن يتحلى بها في علاقاته ومعاملاته مع سائر إخوانه، فبها تلين قلوبهم، وتقوى علائقهم فيما بينهم، فتكون عونًا لهم على مواصلة طريق الإيمان، كما قال ابن حزم في رسائله: "مَن طلب الفضائل لم يساير إلا أهلها، ولم يرافق في تلك الطريق إلا أكرم صديق: مِن أهل المواساة والبر والصدق وكرم العشرة، والصبر والوفاء والأمانة والحلم، وصفاء الضمائر وصحة المودة".


• حثّ الإسلام على حسن العشرة

ولو تأملنا كتاب ربنا -سبحانه وتعالى- وسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم-، لوجدنا الكثير من الآيات والأحاديث التي تحث المسلمين على حسن العشرة فيما بينهم بالأقوال والأفعال، ومِن ذلك قوله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} [الإسراء]، قال ابن كثير: "يأمر تعالى رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة، فإنهم إذ لم يفعلوا ذلك نزغ الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، ووقع الشر والمخاصمة والمقاتلة" [تفسير ابن كثير].

وشمل الخطاب بحسن العشرة بين المسلمين كل جوانب الحياة، الخاصة منها والعامة، وخصوصا الوالدين، فقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء].

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ ولا يحقره، التقوى ها هنا -وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَثَ مَرَّاتٍ-، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضِه).

بل إن الله تعالى أمر بحسن العشرة بين المسلمين في أدق تفاصيل حياتهم على صعيد البيت والأسرة، فأمر بحسن معاشرة الزوج لزوجته، فقال سبحانه: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء]، قال ابن كثير: "أَيْ: طيِّبُوا أَقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وحَسّنُوا أَفْعَالَكُمْ وَهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتِكُمْ، كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا، فَافْعَلْ أَنْتَ بِهَا مِثْلَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُم لأهْلي)، وَكَانَ مِنْ أَخْلَاقِهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ جَمِيل العِشْرَة دَائِمُ البِشْرِ، يُداعِبُ أهلَه، ويَتَلَطَّفُ بِهِمْ، ويُوسِّعُهُم نَفَقَته، ويُضاحِك نساءَه" [تفسير ابن كثير].


• خُلق النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته

ولقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- مع علوّ قدره ورفعة منزلته عند الله تعالى؛ حسن العشرة مع أصحابه وأهله وسائر المسلمين، وقد مدحه الله على ذلك فقال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران]، قال أهل التفسير: "أي: برحمة الله لك ولأصحابك، منَّ الله عليك أن ألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وترققت عليهم، وحسنت لهم خلقك، فاجتمعوا عليك وأحبوك، وامتثلوا أمرك".

وقد أمرنا الله تعالى بالاقتداء به والتأسي بهديه -صلى الله عليه وسلم-، وكان من حسن عشرته ما قاله ابن القيم -رحمه الله- واصفا إيّاه: "كان -صلى الله عليه وسلم- يخصف نعله، ويرفع ثوبه، ويحلب الشاة لأهله، ويعلف البعير، ويأكل مع الخادم، ويجالس المساكين، ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى أيسر شيء!، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- هيّن المؤونة، لين الخلق، كريم الطبع، جميل المعاشرة، طلق الوجه، بسّاما متواضعا من غير ذلة، جوادا من غير سرف، رقيق القلب، رحيما بكل مسلم، خافض الجناح للمؤمنين، ليّن الجانب لهم" [مدارج السالكين].

ولقد فقه الصحابة أهمية حسن العشرة بين المسلمين، دون ارتباط بنسب أو مال أو مصلحة، فضربوا أروع الأمثلة في ذلك، فهذا الصحابي الجليل سعد بن الربيع لمّا آخى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، كان مِن حسن عشرته مع أخيه عجبًا، إذْ قدّم له نصف ماله بل وأن يختار إحدى زوجتيه إنْ أراد ذلك، فعَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: "قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ، فَآخَى النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ أَنْ يُنَاصِفَهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِك" [البخاري].


• ثمار حسن العشرة

وإن لحسن العشرة بين المسلمين فضائل وثمارا في الدنيا والآخرة، فهو من أسباب قوة المسلمين وترابطهم، لما يحققه ذلك من التئام الصف ووحدة الكلمة، فيصيرون بذلك صفا واحدا لا عداوة بينهم ولا بغضاء، ولا تدابر ولا شحناء، كما إنه مِن أسباب وضع القَبول للعبد بين الناس، فإن طبائع الناس تميل لمن كان حسن العشرة ليّن الجانب، وفي المقابل تنفر وتنفضّ ممن كان غليظا قاسيا سيئ المعاملة.

أما في الآخرة فإن حسن العشرة يكون سببًا في تجاوز الله عن العبد يوم القيامة، كما في الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (كان تاجر يداين الناس، فإذا رأى مُعسرًا قال لفتيانه: تجاوزوا عنه؛ لعلَّ الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه) [رواه البخاري]، ويكون سببًا في رحمة الله للعبد، كما في الحديث عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (رحِم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى).

فإذا أيقنت أخي المسلم ما تقدّم الحديث عنه، كان لزامًا عليك أن تسير على ما سار عليه الكرام الأولون، النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه والتابعون، فانهل من بحر أخلاقهم وطيب خصالهم، واحرص على حسن العشرة للمسلمين، واحفظ حقوقهم، فالدين إمّا حقوق لله تعالى، وإما حقوق لعباده، فعن أبي ذَرٍّ جُنْدُبِ بْنِ جُنَادةَ، وأبي عبْدِالرَّحْمنِ مُعاذِ بْنِ جبلٍ -رضيَ اللَّه عنهما- عنْ رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: (اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحسنةَ تَمْحُهَا، وخَالقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ) [رواهُ التِّرْمذيُّ وقال: حديثٌ حسنٌ]، قَالَ ابن رجب -رحمه الله-: "وقوله -صلى الله عليه وسلم- (وخالق الناس بخلق حسن)، هذا من خصال التقوى، ولا تتم التقوى إلا به، وإنما أفرده -صلى الله عليه وسلم- بالذكر للحاجة إلى بيانه، فإن كثيرًا من الناس يظن أن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده!، فنصَّ -صلى الله عليه وسلم- له على الأمر بإحسان العشرة للناس". [جامع العلوم والحكم]

ولا شك أن ذلك في حقّ المجاهدين آكد، فإنه لا سبيل لإدراك المعالي إلا بالتواضع والتداني للمسلمين والإحسان إليهم، فبذلك تسوسهم وتقودهم إلى صلاح دينهم ودنياهم، وهو من أهم أسباب النصر والتوفيق، فائتوا منه ما استطعتم، وسلوا الله تعالى العون والصبر على ذلك، فإنه سبحانه خير معين، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 351
الخميس 13 محرم 1444 هـ
...المزيد

المتربصون الناعقون يحاول المنافقون ومَن لفّ لفهم، استغلال كل شاردة أو واردة للانتقاص من ...

المتربصون الناعقون


يحاول المنافقون ومَن لفّ لفهم، استغلال كل شاردة أو واردة للانتقاص من الجهاد وأهله، فلا يفوّتون فرصة يتوهّمون أنّ فيها مطعنًا في الجهاد والمجاهدين إلا سارعوا لإطلاق ألسنتهم بالهمز واللمز، وأقلامهم بالعداوة والبغضاء، فهم كما وصفهم ابن كثير رحمه الله: "لا يسلم أحدٌ مِن عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال". فهم ينعقون ضد المؤمنين مع كل ناعق.

وبات كثير من هؤلاء اليوم يتستّرون بلباس الناصحين المشفقين، ويظهرون بمظهر الحكماء الحريصين، ثم ما تلبث الأيام حتى تكشف لنا حقيقتهم وسوء مآربهم، وعندها يخلع هؤلاء أزياءهم وينتقلون من طور التستر إلى طور السفور، ويقرّرون الانحدار أكثر في دركات النفاق والعداء لأهل الحق، فيصيرون بوقًا للحكومات الكافرة والمرتدة، يردّدون ما تُردد، وينشرون ما تنشر، وقد كانوا من قبل يزعمون معاداتها، فلمّا وافقت أهواؤُهم أهواءها، حذوا حذوها واقتفوا سيرتها!، فتقاطعت مصالحُهم وتبادلوا أدوارهم، وتشابهت قلوبهم.

إنّ استغلال الأحداث تربّصا وطعنا بأهل الحق مسلك قديم سلكه مشركو قريش مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما كانوا يوظِّفون تأثير آيات القرآن الكريم في نفوس الناس على أنه "سحر وشعوذة"، أو يصوّرون دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- ورسالته العالمية، على أنها "طلب للرئاسة والزعامة"، أو يصفون نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم عن عبادة الأوثان والأنداد، بأنه "شتم وتسفيه للقادة والرموز"، أو يتهمون دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- القبائل إلى توحيد الله والولاء والبراء، بالتفريق بين أبناء القبيلة الواحدة! إلى غيرها من الطعونات والافتراءات.

ولم يكن غريبًا أن يسير على دربهم المنافقون بعد إقامة النبي -صلى الله عليه وسلم- للدولة الإسلامية في المدينة، فالكفار والمنافقون جنس واحد، وإن اختلفت ألوانهم ولغاتهم، فهذا كبيرهم "ابن سلول" يستغل رفض النبي -صلى الله عليه وسلم- لرأيه في غزوة أُحد -بخصوص الخروج من المدينة أو التحصّن فيها-؛ ويتحجّج بذلك لينسحب بثلث الجيش ويخذل المسلمين في هذا الظرف العصيب، أو كما طعن بعضهم بأمّ المؤمنين وزوجة رسول العالمين عائشة -رضي الله عنها- حينما أشاعوا عنها ما أشاعوا، حتى أنزل الله براءتها في كتابه العظيم في سورة النور، وفضحهم على رؤوس الأشهاد وعاملهم بنقيض قصدهم في الدنيا، فأبان للناس دخائلهم وكشف كذبهم، فصاروا عبرة لمن بعدهم.

ومن ضروب الطعن بالمؤمنين أيضًا ما وقع عندما امتثل الصحابة لأمر الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- بالصدقات، فجاء غنيُّهم وفقيرُهم بالصدقات طاعة وقربة لله تعالى، وعندها طعن المنافقون في الطرفين! فلمزوا المطوعين بالمال الكثير بالرياء!، وسخروا من المتصدقين بالقليل زاعمين أنّ الله غني عن هذا!، وحول ذلك قال المفسّرون: "هذا أيضًا من مخازي المنافقين، فكانوا -قبّحهم اللّه- لا يدعون شيئا من أمور الإسلام والمسلمين يرون لهم مقالا، إلا قالوا وطعنوا بغيا وعدوانا".

وما زال هذا الأسلوب، يتوارثه المنافقون، صاغرا عن صاغر، وحاقدا عن حاقد، فلا يخلو منه زمان جمع أهل الحق وأهل الباطل، فهو صفحة من صفحات الصراع بينهما ومشهد من مشاهده، فلا غرابة أن نجده يتكرر في زماننا هذا، بوسائل جديدة وأشكال حديثة لكنها بدوافع قديمة وأحقاد متوارثة، فنرى اليوم المنافقين وأشياعهم وقد تصدّروا الفضائيات والمجلات، وروّجت لهم المواقع والقنوات؛ وعكفوا جميعا على مدار الساعة يتربصون بكل ما يصدر عن المجاهدين، ويتفحّصون كل كلمة وعبارة، ويرصدون كل حركة وسكنة، لعلهم يجدون فيها بغيتهم في الطعن والتشويه، أو يصنعون منها مادة يناوئون بها المجاهدين، لعلهم يطفئون نار الغيظ والحقد الذي تخفيه صدورهم وتفضحه جوارحهم وزلات لسانهم، رغم محاولة الكثيرين منهم الظهور بمظهر "المحايدين" أو "الناصحين" أو "المصلحين" ألا إنهم هم المفسدون، كما وصفهم الله تعالى في كتابه، فقال سبحانه عن المنافقين: {أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ}، قال ابن كثير: "ألا إن هذا الذي يعتمدونه، ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادا".

إن غاية كثير من هؤلاء المنافقين والمتربصين الذين نبأنا الله مِن أخبارهم، وكشف لنا صفاتهم، هي أن يميل المجاهدون عن صراط الله المستقيم، الذي تحمّلوا تبعاته طلبًا لرضاه سبحانه، فيما تكاسل المنافقون والمتساقطون عنه واستصعبوه واستثقلوه، لأنه يفوّت عليهم كثيرا من حظوظ أنفسهم وملذات دنياهم، فآثروا الفانية على الباقية، ولم يكتفوا بذلك، بل ودّ هؤلاء أن يزيغ المجاهدون عن الطريق كما زاغوا، وأن يحيدوا عن الجهاد كما حادوا فيكونوا سواء! حسدا من عند أنفسهم، وإقناعًا لها بأنها على شيء! فيسلقون المجاهدين بألسنة حداد، إنْ رأوا حسنةً منهم دفنوها، أو إلى غيرهم نسبوها، وإنْ رأوا سيئةً أذاعوها وضخّموها! وكل ذلك مواساةً لأنفسهم المعتلّة وهروبًا من مصارحتها بالحقيقة المرة التي يعجزون عن الاعتراف بها، ويجبنون عن مواجهتها، فيلجأون بدلا من ذلك إلى انتقاص المجاهدين والطعن بهم وتتبع زلاتهم وتخطئتهم، ورغم كل ذلك يبقى القلق والريبة تعشعش في قلوبهم، وكلما ازدادوا طعنا وتشويها في المجاهدين، زادت حسراتهم وزفراتهم، فهم يعيشون في صراع نفسي لا ينتهي!، قال تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام].

أما جنود الخلافة فهم يسيرون والحمد لله في طريق جهادهم على بصيرة من أمرهم، لا يضرهم المنافقون ولا المتساقطون ولا المتربصون وكل الناعقين، لأنهم يتبعون سبيلا سماويا ربانيا يبتغون فيه مرضاة الله تعالى وحده، ويقدّمون أمره تعالى على كل أمر سواه، وهم لا يدّعون العصمة فهم بشرٌ يصيبون ويخطئون، لكنهم على التوحيد ماضون وعنه لا يتخلون بإذن الله تعالى، فليقل المنافقون والمتربصون عنهم ما شاءوا، وليحرّفوا الكلم عن مواضعه كلما أرادوا، وليملؤوا الفضائيات والصحف والمواقع طعنًا وتشويهًا وإرجافًا، فلن يغيّروا من واقع الأمر شيئا، فالله تعالى لن يُخلف وعده لعباده المجاهدين، وسيخزي الله الكافرين والمنافقين وأشياعهم، وينصر من آمن به وجاهد في سبيله حقّ جهاده، ويهديهم سبل الرشاد، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 351
الخميس 13 محرم 1444 هـ
...المزيد

تأملات في أكناف الصلاة إن الفلاح متحققٌ بتزكية النفوس لقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن ...

تأملات في أكناف الصلاة


إن الفلاح متحققٌ بتزكية النفوس لقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا}، ولا سبيل إلى تزكيتها إلا بفعل الطاعات واجتناب المنهيات، ولا شك أن مِن أعظم الطاعات تزكيةً للنفوس هي الصلاة التي فرضها الله في السماء السابعة ليلة الإسراء والمعراج، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ}، قال ابن كثير: "أي: أقام الصلاة في أوقاتها؛ ابتغاء رضوان الله وطاعة لأمر الله".

وقد أمرنا الله تعالى بالمحافظة على الصلاة والخشوع فيها، فقال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}، وأثنى الله على الذين يقيمونها إقامة تليق بعِظم الموقف وجلال الأمر، فقال تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ}، والمُتدبر في هذه الآيات يجد أنّ مدار الصلاة يدور حول المداومة عليها والقنوت والخشوع والوجل والإخبات والصبر؛ وكل ذلك وغيره من معاني وأسرار الصلاة التي على المسلم أن يتأملها ويستحضرها قبل وأثناء وبعد الصلاة، لتغدو سراجًا منيرًا له في طريقه نحو تحقيق الفلاح المنشود.

وإن في الصلاة مِن التذكرة ما يجعلها وازعًا إيمانيًا وزاجرًا للنفوس عن داعي الفحشاء والمنكر لقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ}، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "في الآية بيان لما تتضمنه من دفع المفاسد والمضار، فإن النفس إذا قام بها ذكر الله ودعاؤه -لا سيما على وجه الخصوص- أكسبها ذلك صبغة صالحة تنهاها عن الفحشاء والمنكر كما يحسه الإنسان من نفسه، ولهذا قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} فإن القلب يحصل له من الفرح والسرور وقرة العين ما يغنيه عن اللذات المكروهة، ويحصل له من الخشية والتعظيم لله والمهابة" [مجموع الفتاوى].


• الوقوف بين يدي الله

فإذا ما نادى المنادي: الله أكبر.. حيّ على الصلاة، فعليك أخي المسلم أن تسارع إلى قطع علائق الحياة والاستجابة لنداء الإيمان، وأن تتأمل حالك وأنت في وضوئك كحال مَن غسلوه وسجوه بالكفن، وقد أزف لقاؤه مع مولاه، ولذا رُوي أنّ عليا بن الحسين كان "إذا فرغ من وضوئه للصلاة، وصار بين وضوئه وصلاته؛ أخذته رعدة ونفضة، فقيل له في ذلك، فقال: ويحكم أتدرون إلى مَن أقوم، ومن أريد أن أناجي" [حلية الأولياء].

وعندما تنصب قدم العبودية وتقف بين يدي مولاك للصلاة، فجدير بك أن تستشعر ضعفك وفقرك وحاجتك إليه تعالى، وأن تتذكر يوم قدومك على الله فردا، بلا أنيس ولا حبيب، ولا صديق ولا قريب، ما خلا نفسك وما كسبت يداك، قال تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة: 281]، وحول ذلك يقول ابن القيم -رحمه الله-: "للعبد بين يدي الله موقفان: موقف بين يديه في الصلاة، وموقف بين يديه يوم لقائه، فمن قام بحق الموقف الأول؛ هون عليه الموقف الآخر، ومن استهان بهذا الموقف ولم يوفه حقه؛ شدد عليه ذلك الموقف" [الفوائد].


• تكبيرة الإحرام

وعندما ترفع يديك لتكبيرة الإحرام، عليك أن تستشعر بقلبك أنك أسلمت أمرك واستسلمت لمولاك خاضعا ذليلا منقادا له وحده، فتكون تكبيرة الإحرام إيذانا بانقطاع العبد بكليته عن كل ما سوى الله تعالى، تاركا الدنيا خلف ظهره، مقبلا على ربه، فالله أكبر ظاهرا وباطنا، والله أكبر من كل معبود ومطلوب، والله أكبر هي الزاجر الذي يحوط النفس أن تسنح وترتع في الخواطر والشوارد، والله أكبر في قلوب الخاشعين غاية ورغبة ورهبة وخشية ومحبة وشوقا، فحقّ لهذا التكبير والتعظيم أن تتلاشى أمامه كل النوازع والصوارف والشواغل، وأن يتملك قلوب المصلين الخاشعين، فيكون مقام الله تعالى عندهم أكبر وأعظم من كل مقام، عندها تصبح تكبيرة الإحرام واقعا لا شعارا.

• فاتحة الكتاب

وعندما تدخل في كنف فاتحة الكتاب، فعليك أن تتدبر معنى كل كلمة تتلوها، وتشعر أنك تتحدث إلى مولاك سبحانه، فقد جاء في الحديث القدسي أنّ الله تعالى قال: (قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلي عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) [رواه مسلم].

أفيجدر بك أن تلفتَ قلبك عن هذا المشهد الإيماني وتذهب بك الخواطر والشوارد ذات اليمين وذات الشمال؛ عن أنْ تُيمّم قصدك وتجمع قلبك على "أمِّ الكتاب" التي تضمنت نداء الفطرة الذي يجيش في باطن كل مسلم حين تدلهم الخطوب وتشتد الكروب: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، ذلك الميثاق الذي يُجدده العبد مع خالقه كل يوم في كل صلاة، فإذا ما فرغت مِن صلاتك، فاجعل هذا الميثاق ميزانا لك تزن به أفعالك وأقوالك وأحوالك، حتى يحين موعد الصلاة الأخرى وهكذا دواليك، فضع هذا الميثاق في قلبك ونصب عينيك حتى يأتيك اليقين.


• طلب الهداية

وإنّ مِن رحمة الله بعباده أن هداهم إلى طلب الهداية في فاتحة الكتاب، فالعبد أحوج إلى الهداية من حاجته إلى الطعام والشراب، ولكن تنبّه لقلبك وليكن حاضرا منكسرا عند طلبها، فالقلب الغافل بعيد عن نيل هذه الهداية، فعن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاه) [الترمذي]، فعلى من يطلب هذه الهداية أن يطلبها بصدق وحضور قلب، فهي حقا تكتنف القلوب المنيبة المنكسرة فتحوطها بالبركات لتسير على صراط أهل التقى والإيمان، أهل السبق والإحسان، وهي عند مسيرها تتفيؤ ظلال شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وتتنسم عبير رياح طيبة تدفع مراكب المؤمنين نحو برّ الهدى والنجاة.


• بين الركوع والسجود

ثم تأمل حالك وأنت تخرّ راكعا لربك، مُطأطئا هامتك متذللا خاضعا لمولاك، وكأنك تقول: يا رب ها أنا ذا أوفي لك بعهدي، ها أنا ذا قد خضعت وانقدت لك، ها أنا ذا قد ذللت واستَكَنْتُ، "اللهم لك ركعت وبك آمنت، ولك أسلمت، أنت ربي، خشع سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي، وما استقلت به قدمي لله رب العالمين"، ولتتذكر وأنت مطأطئ هامتك أنك لن تذل ولن تخضع إلا لله وحده، ولا ترفع رأسك قبل أن تعد العزم على أنك ستديم هذا الانقياد والخضوع لله تعالى ما حييت.

فإذا ما هويت إلى السجود، تطامنت أعضاؤك وخرّ جبينُك، فإذا سجدتْ أعضاؤك فليسجد قلبك وسائر جوارحك، فأنت في كنف السجود العظيم، وأقرب ما تكون مِن الله صاحب الكرم والجود، فأكثِر من الدعوات، فإن في السجود شرفا للمؤمن وأي شرف؟ شرف القرب من مولاه، فلتعبد الله تعالى كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك، قال تعالى: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء 218-219]، وإن كان الركوع يدل على الخضوع والانقياد، فالسجود هو تمام التذلل والافتقار، ولمّا يدنو العبد دنو الكرامة فهو يسمو بروحه، فسبحان من جعل النفوس تسمو حين تدنو له، وتُعزُّ إذْ تتذلل وتفتقر إليه تعالى.


• من أعظم وسائل الثبات

وقد أمر سبحانه عباده المؤمنين أن يستعينوا بالصلاة فقال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 45-46]، فمَن حقق الخشوع وصلّى صلاة مودّع، كانت له خير عون على معالي الأمور، ولا سيّما في ميدان الجهاد، فالصلاة من أعظم وسائل الثبات أمام جيوش الطغاة، قال تعالى: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]، ولذا، فمن ابتغى الفلاح والثبات فحري به أن يُعطي الصلاة قدرها، ويعظّم أمرها، ويقيمها إقامة القانتين الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا الله وأنهم إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 350
الخميس 6 محرم 1444 هـ
...المزيد

مقال: فلنُحيينّه حياة طيبة خلق اللهُ الإنسان روحًا وجسدًا، وجعل للأرواح غذاء كما للأجساد ...

مقال: فلنُحيينّه حياة طيبة


خلق اللهُ الإنسان روحًا وجسدًا، وجعل للأرواح غذاء كما للأجساد غذاء، فكما أن غذاء الأجساد الطعام والشراب، فقد جعل سبحانه غذاء الأرواح هو الإيمان به تعالى والتقرب إليه بالطاعات والقربات، فمَن أعرض عن هذا الغذاء الربّاني يحيى حياة الضنك والضيق النفسي، الذي أخطأ تشخيصه الأطباء والخبراء، فأخطأوا تبعًا لذلك توصيف العلاج، وراحوا يُطعمون الأجساد بشتى الملذات، ولم يدركوا أنهم كمن يشرب من ماء البحر الذي لا يزيد شاربه إلا عطشًا، أما المؤمنون فهم في حياة أخرى، حياة طيبة وعيشة هنية، عبّر عنها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "إنّ في الدنيا جنة من لم يدخلها، لم يدخل جنة الآخرة!".


• حياة طيبة

إنّ جزاء امتثال النفس لأمر خالقها بالعمل الصالح أنه تعالى يُحييها حياة طيبة في هذه الحياة الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً..} [النحل]، قال ابن القيم رحمه الله: "والصواب أنها حياة القلب، ونعيمه وبهجته وسروره بالإيمان ومعرفة الله ومحبته والإنابة إليه والتوكُّل عليه، فإنه لا حياة أطيب من حياة صاحبها، ولا نعيم فوق نعيمه إلا نعيم الجنَّة" [مدارج السالكين]، فهي إذن حياة القلب ورضاه، واطمئنان النفس وسكونها، بالتوكل على ربها في كل أمر يصيبها، والرضى بأقداره عليها أيا كانت، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، و إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) [رواه مسلم]، وهكذا يعيش أهل الإيمان هذه الحياة الراضية الهنية، لا يبالون بما في الدنيا من متاع حصلوا عليه أو مُنعوا منه، فالدنيا خارج قلوبهم لا داخلها، إلى الحد الذي وصفه التابعي إبراهيم بن أدهم رحمه الله فقال: "لو عَلِم الملوكُ وأبناءُ الملوك ما نحن فيه -أي: من الراحة النفسية- لجالَدُونا عليه بالسيوف" [البداية والنهاية]، وهذه الراحة تتفاوت فيها النفوس بتفاوت الإيمان والعمل الصالح بينها، فكلما زاد إيمان العبد بربه زادت راحته النفسية واطمأن قلبه، ومعلوم أن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.


• معيشة ضنكى!

في المقابل، نجد نفوسا قد أكلتها هموم الدنيا، ونخرت قلوبها حسرات فواتها، وصار متاعها أكبر همّها ومبلغ جهدها، دون انتباه لزاد النفس الذي لا يستقر نهمها إلا به، ولا تشبع من ملذات الدنيا بدونه، فالنفس تحتاج إلى الإيمان والعمل الصالح كي تعيش حياة مستقرة، يستقر معها الجسد وتُكبح شهواته، ويقنع منها بالقليل الحلال، فالإنسان معلوم أنه روح وجسد، ولا ينفع ملء الروح بملذات الجسد، وإلّا فلن يشبع الجسد ولا الروح، وقد أخطأ أكثر بني آدم هذا، فراحوا يُشبعون أجسادهم بشتى الملذات طلبا للراحة النفسية، التي لن يجدوها دون الإيمان بالله حق الإيمان، فأعقبهم معيشة ضنكى دفعت كثيرا من طلاب الدنيا إلى أن يُنهوا حياتهم بقتل أنفسهم! نسأل الله السلامة والعافية، وكل ذلك، بسبب إعراضهم عن ذكر الله والإيمان به، قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ} [طه]، قال ابن كثير رحمه الله:" أي: في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعّم ظاهره، ولبس ما شاء وأكل ما شاء!، وسكن حيث شاء!، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد، فهذا من ضنك المعيشة".

• نماذج من الحياة الطيبة

وقد حكى ابن القيم عن شيخه ابن تيمية رحمهما الله: "قال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنَّتي وبستاني في صدري، أين رُحتُ فهي معي لا تفارقني، إنَّ حبسي خلْوة، وقَتْلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة، ولما دخل إلى القلعة (سجن القلعة)، وصار داخل سُورها نظر إليه، وقال: {فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد]، وعَلِم الله ما رأيتُ أحدًا أطيب عيشًا منه قطُّ، مع ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسَرِّهم نفْسًا، تَلُوح نَضْرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منَّا الظنون، وضاقت بنا الأرض، أتيناه فما هو إلَّا أن نراه ونسمع كلامه، فيذهب ذلك كلُّه، وينقلب انشراحًا وقوَّة ويقينًا وطمأنينة، فسُبحان مَن أشهد عباده جنَّته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطِيبها ما استفرغ قُوَاهم لطلبها والمسابقة إليها" [الوابل الصيب]، وقال في مدراج السالكين: "قال بعض العارفين: إنه لَيَمرُّ بالقلب أوقات أقول: إنْ كان أهل الجنة في مثل هذا إنَّهم لَفِي عيش طيِّب!، وقال بعض المحبِّين: مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطْيَب ما فيها، قالوا: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبَّة الله والأُنْس به، والشوق إلى لقائه، والإقبال عليه، والإعراض عمَّا سواه".


• الجهاد يذهب الهم والغم

ذكرنا أن الله تعالى يُحيي من عمل صالحا من عباده حياة طيبة، ولما كان الجهاد ذروة سنام الأعمال الصالحة، كان للمجاهد من الحياة الطيبة والراحة النفسية ما ليس عند غيره، وكثيرا ما كنا نسمع المجاهدين وهم يرددون: "نحن في سعادة ما يعلم بها إلا الله عز وجل"، يقولون هذا، رغم ما يمرون به أحيانا من شظف العيش وقسوة الحال وتكالب الكفار عليهم، فالحال إذن كما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (جاهِدوا في سبيلِ الله، فإنَّ الجهادَ في سَبيلِ اللهِ بابٌ من أبوابِ الجنَّةِ، يُنجِّي اللهُ تباركَ وتعالى بهِ من الهمِّ والغمِّ) [الطبراني]، وفي ذلك وصية لكثير من شباب المسلمين الذين أكلت الهموم قلوبهم ومزقتهم الدنيا وشواغلها؛ أنْ هلمّوا إلى ساحات الجهاد والتحقوا بركب المجاهدين تسعدون في دنياكم وآخرتكم ويزل عنكم ما أنتم فيه من هموم وأكدار وضياع.

نسأل الله أن يجعلنا ممن آمن وعمل صالحا وجاهد في سبيله، إنه رحيم كريم مجيب.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 350
الخميس 6 محرم 1444 هـ
...المزيد

الصراعُ الرافضي في العراق يزداد الصراع الداخلي بين رافضة العراق احتدامًا، وتتسع دائرته ...

الصراعُ الرافضي في العراق


يزداد الصراع الداخلي بين رافضة العراق احتدامًا، وتتسع دائرته وتتعمّق جذوره يومًا بعد يوم، فتنشأ بينهم خلافات جديدة، وتثور خلافات قديمة ظلت كامنة لسنوات حفاظًا على ما أسموه "وحدة البيت الشيعي"، أو خوفًا مِن أنْ تشغلهم خلافاتهم عن التفرغ لمحاربة المجاهدين، أو خشية أنْ تستغلها الأحزاب الكردية المرتدة لصالحها، ومع ذلك فقد وصل الصراع الرافضي اليوم إلى مرحلة حرجة لا يمكنهم فيها مراعاة تلك "المصالح" أو تجنُّب تلك "المخاوف" في ظل غياب الحلول وتتابع الأزمات.

ويطغى على الصراع الرافضي كثير من التناقضات التي لا تنتهي، حيث ينقسم الرافضة في العراق إلى طرفين رئيسين -على الأقل- يُناطح كل منهما الآخر على السلطة والحكم، ويتهم الطرفان المتناحران كل منهما الآخر بـ"العمالة لجهات خارجية"، فالأول يتهم خصمه بالعمالة لـ"أمريكا ودول الخليج" برغم أن أمريكا هي مَن أوصلتهم جميعا إلى سدة الحكم على ظهور الدبابات، بينما يتهم الطرف الثاني خصمه بالتبعية والولاء لإيران و"تقديم مصالحها على مصالح العراق" ويعيّروهم بذلك، في الوقت الذي يؤكّد فيه الطرفان على ولائهم التاريخي للطاغوت "الخميني" مؤسس إيران وثورتها الرافضية التي أهلكت الحرث والنسل في بلاد المسلمين.

ولا ينتهي تناقض الرافضة عند هذا الحد، بل يتهم الطرفان المتصارعان بعضهما بالسرقة والفساد المالي، في حين أن كليهما مشارك في الحكومات الفاشلة المتعاقبة على النهب والفساد والإفساد في العراق، ولكلا الطرفين "ملفات فساد" تنوء بحملها الجبال، إلى غيرها من التناقضات الصارخة المفضوحة المعهودة عن الرافضة.

دولياً، يبدو الدور الأمريكي فاترًا في محاولة لملمة وسوق القطيع الرافضي إلى بيت الطاعة كما كانت تفعل أمريكا سابقا، وهو ما شكّل قلقًا لدى إيران التي تدرك أن انفلات البيت الرافضي في العراق يعني بالضرورة الإضرار بمصالحها في المنطقة، وهو ما دفع بإيران إلى إرسال أبرز قادتها إلى العراق في محاولة لنزع فتيل الأزمة بين الفرقاء الرافضة قبل الوصول إلى "مرحلة اللاعودة" مع تنامي الحديث عن إمكانية وقوع "حرب أهلية" بين الرافضة، لكن يبدو أن إيران تفشل حتى اللحظة بأداء المهمة الأمريكية السابقة!

وعلى الصعيد الآخر، تبقى الأحزاب المرتدة المحسوبة على أهل السنة، والمشاركة في هذه "العملية السياسية" البائسة هي الطرف الأذل الأضعف، الذي ينتظر تكشّف الأوضاع، ليتحالف مع المنتصر -أيّا كان- ويكون تابعا حليفا له، كعادتهم منذ سقوط النظام البعثي الكافر قبل نحو عقدين من الزمان.

وبينما يزداد المشهد الرافضي تعقيدا وانقساما، تزداد صفوف المجاهدين وحدة والتئاما بفضل الله تعالى، وهذا يستوجب من المجاهدين شكر الله تعالى على هذه النعمة الكبيرة والمحافظة عليها، فإن وحدة الصف واجتماع الكلمة سبب رئيس من أسباب النصر على الأعداء، التزاما بأمر الله تعالى القائل: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، قال الإمام الطبري رحمه الله: "وتمسَّكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عَهده إليكم في كتابه إليكم، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق، والتسليم لأمر الله".[التفسير]

فالوحدة بين المسلمين واجب شرعي لا يتحقق إلا باتباع الحق والتسليم لأمر الله تعالى، وهو ما طبّقته الدولة الإسلامية بين المجاهدين في سائر ولاياتها، وبين عامة المسلمين الذين يعيشون في مناطقها، واضعين نصب أعينهم قول الله تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال]، فكما إن الوحدة تؤدي إلى النصر والقوة، فإن النزاع يؤدي إلى الفشل والضعف وتسلط العدو، لذلك كان لا بُدّ من سدّ كل الذرائع -صغيرها وكبيرها- التي قد تؤدي إلى تفرق صفوف المسلمين أو زرع الفتنة بينهم.

وفي هذا المقام نُذكّر أهل السنة في العراق، أنه مهما تغيّرت الأحوال وتبدّل اللاعبون في الساحة السياسية؛ فإنّ عليهم أن لا ينتظروا أو يتوقّعوا خيرا من هذه الأحزاب الرافضية على اختلاف محاورها؛ الإيراني منها أو الأمريكي، فهم جميعا يدينون بالعداء لأهل السنة ويرون وجوب قتلهم واستحلال أعراضهم وأموالهم!، وبالتوازي مع ذلك فإنّ على أهل السنة أيضًا أنْ يغسلوا أيديهم من الأحزاب المرتدة المحسوبة عليهم، وأن لا ينخدعوا بها مجددا، وأن يكفروا بها ويعادوها، فجميع هذه الأحزاب مع الرافضة في خندق واحد ضد المسلمين، والواقع والتاريخ يؤكد ذلك.

كما حريٌّ بأهل السنة في العراق أن يستخلصوا الدروس والعبر مِن سنوات التيه التي عاشوها بعيدا عن منهاج النبوة، ولهثًا وراء حطام الدنيا الذي لم يُبق لهم منه الرافضة إلا الفتات مغموسا بدماء أبنائهم، وأن يدركوا أنه لا حلّ لما هم فيه من الاستضعاف إلا بالجهاد في سبيل الله تعالى، فإن تعذّر عليهم الجهاد بأنفسهم، فلا أقلّ مِن دعم المجاهدين في سبيل الله وإيوائهم ونصرتهم في حربهم، ونذكّرهم بما قاله لهم الشيخ أبو محمد العدناني رحمه الله قبل عقد من الزمان: "إنّ الدولة الإسلامية ما وُجدت إلا للدفاع عنكم، وحفظ حقوقكم، والوقوف في وجه أعدائكم، وإنّ الدولة الإسلامية هي أملكم الوحيد الصادق -بعد الله عز وجل- للخروج من النفق المظلم الذي أدخلكم فيه زعماؤكم وممثلوكم بتحالفهم مع الرافضة".

فالمجاهدون كانوا -بتوفيق الله تعالى- الطرف الوحيد الذي شخّص الداء بدقة، وما زالوا مستمرين في علاجه إلى أن يطهّروا بلاد الرافدين منه -بإذن الله تعالى-، فإن الرافضة داء ليس له إلا السيف دواء، فاللهم وحّد صفوف المسلمين وأدم ألفتهم، وخالف اللهم بين كلمة المشركين ومزّق صفوفهم وأسقط مُلكهم وانصرنا عليهم، إنك وليُّ ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 350
الخميس 6 محرم 1444 هـ
...المزيد

مقال: مُضيٌّ وإقبال الحمد لله القوي القهار، مكوّر الليل على النهار، والصلاة والسلام على النبي ...

مقال: مُضيٌّ وإقبال


الحمد لله القوي القهار، مكوّر الليل على النهار، والصلاة والسلام على النبي المختار وعلى آله وصحبه الأبرار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الفرار، أما بعد.

فقد خلق الله الخلق لغاية محددة، وجعل لهم أجلا هم بالغوه، وكتب لكل أمة أجلا ولكل امرئ أجله، والناس في هذه الدنيا يمرون على أطوار ومراحل حتى تنقضي بهم آجالهم، وهذا المرور مرهون بتقلب الليل والنهار فيُنتِجُ تقلبهما أياما وأسابيعَ ثم أشهرا وسنينا، يُسْلِم كلٌ منها الإنسانَ إلى ما يليه لينتهي به أجله، وكل يومٍ يدنّي للفتى الأجلَ.

تمر هذه الأزمان على أكثر الناس كمرّ الريح لا يلتفتون لها ولا تدق في قلوبهم عِبرٌ ولا يقظة، وما ذلك إلا لعُمق الغفلة وطول الضجعة، فلا يكاد أحدهم يفيق إلا على هجمة ملك الموت يخاطب روحه أن تخرج حيث لم يبقَ لها في الدنيا بقاءٌ وقد استوفت رزقها فلم يبق لها مثقال ذرة، وحينها لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، فأعقبه الندم وتوالت عليه الحسرات، قال ابن الجوزي رحمه الله: "عباد الله أيامكم مراحل تقطعونها، وساعاتكم مناهل تردونها، والموت يطوف عليكم بالليل والنهار، لا يؤخر من فقدت ساعاته وفرغت أيامه وأوقاته" [بستان الواعظين]


• أما أولوا الألباب

غير أنّ من عباد الله من يدرك سرّ هذا التقلب ويعتبر بليله ونهاره، ويَعظُمُ عنده انقضاء عامه، أولئك أولوا الألباب والعقول الراجحة التي فقهت هدف وجودها، وتنبّهت لما يُراد بها، فراجعت نفسها كل يوم أو أسبوع أو سنة، هم الذين قال الله فيهم: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ... لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]، وقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190]، وقال أيضا: {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ} [يونس: 6]، وقد قيل: "إنّ الليل والنهار يتراكضان كتراكض البريد، يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، وفي ذلك عباد الله ما يلهي عن الشهوات ويسلي عن اللذات ويرغب في الباقيات الصالحات" [العاقبة في ذكر الموت]


• أهمية الزمان

وعند مُضيِّ عام وإقبال آخر، تكون للراغب في الآخرة وقفات لا تكاد تغيب عنه، فأول ما يستوقفه تنبّهه لأهميّة الزمان، وأنه الخزينة التي تُملأ بأعمال العبد، وهي ماضية عليه ماضية، قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: "إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما"، فإنْ عمل فيهما خيرا سُرّ به في نهاية المطاف، وإنْ عمل بهما سوءا أو أمضاهما هملا أصابه الغبن في النهاية، وهو ما يرشد اللبيب أن يكون عامرا لوقته كله فيما ينفع نفسه وأمته، فيكون وقته ذخرا له في الآخرة، فعندما ينتهي العام لا يبقى منه إلا ما كان نتاجا من جهاد أو دعوة وعلم، ويذهب تعب الجد والاجتهاد وتبقى الثمار يانعة، وتُهمل كل ساعات الغفلة واللهو والضياع، فيعزم العاقل على ألا يمضي عليه عامه القابل كعامه الماضي، وفي الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما من قوم يجلسون مجلسا لا يذكرون الله فيه، إلا كانت عليهم حسرة يوم القيامة، وإن دخلوا الجنة) [النسائي]، وكانوا يندمون إذا لم يزدادوا فائدة من أيامهم، جاء عن بعض السلف: "كُلّ يوم يمر بي لا أزداد فِيه عِلماً يقربني من الله عَزَّ وَجَلَّ فلا بورك فِي طلوع شمس ذَلِكَ اليوم"، وقال الجنيد رحمه الله: "الوقت إذا فات لا يستدرك وليس شيء أعز من الوقت". وقال الحسن البصري رضي الله عنه: "أدركت أقواماً كَانُوا عَلَى أوقاتهم أشد منكمْ حرصاً عَلَى دراهمكم ودنانيركم" [شرح السنة].


• ذهاب العمر

ومما يستوقف الراغب في الآخرة أن ذهاب عمره كله كذهاب عامه المنصرم، فكما أنه جنى من عامه هذا يسيرا أو كثيرا، فكذلك يجني من عمره يوم القيامة عندما يقف بين يدي الله ويحاسبه (عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه)، وكما قيل: "مَنْ كَانَتْ مطيتُه اللّيلَ والنّهارَ، سِيرَ به وإن لم يَسِرْ".

• حاسبوا أنفسكم

ويقف الراغب في الآخرة أيضا موقف المُحاسب لنفسه فيما مضى عليه من الشهور في عامه الماضي، وينظر في أعماله أمِنَ الجنة تُدنيه أم إلى النار تُرديه؟ أللموت مستعد وللقاء ربه مُعِدّ؟ وهل من توبة نصوح تُمحي الذنوب المُثقلات؟ أتخذتَ خليلا مُجدّا مُعينا؟ أم رفيقا مثبّطا مُضيّعا؟ وهل تعلمتَ ما يرفعك عند ربك مقاما؟، أم جرّكَ الجهلُ لزامًا؟ … إلى غيرها من الأسئلة التي على المسلم أن يحاسب بها نفسه.

وهذه المحاسبة تحث المؤمن على الاجتهاد فيما يقدم عليه من أيام وأعوام، فإن من حاسب نفسه هو الفَطِن، جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله) [الترمذي]، ومعنى (دان نفسه): أي حاسب نفسه، ومَن لم يحاسب نفسه؛ تخطفته الأماني فهو لها أسير، لا يحسن إلا الكلام، ويتقدم عليه الزمن وهو حبيس التيه والغفلة والضياع، والله المستعان.


• العام الهجري

ويذكّر العام الهجري المؤمن بهجرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- حين خرج مهاجرا مفارقا ديار المشركين، وبعدها أذن الله له في جهادهم؛ إذْ الهجرة أولى خطوات ظهور الحق بقوة وسلطان، وقد اختار عمر رضي الله عنه ابتداء تاريخ المسلمين بالهجرة لأنها البداية الحقيقية للإسلام وهي تبيان الولاء والبراء، والمفاصلة بين الإسلام والجاهلية، فقال: "بل نؤرخ لمهاجرة رسول الله، فإن مهاجرته فرق بين الحق والباطل" [الكامل في التاريخ].

فبداية العام الهجري ابتداء لتجديد النوايا والعزائم ورفع الهمم وإعادة الانطلاقة، ولفتة إلى الجد والاجتهاد، وإن الهجرة لتحيي معاني التضحية في أمة التوحيد؛ بترك الأهل والولد والدار من أجل هذا الدين، وتحيي أيضا معاني التجلّد وتحمّل الصعاب واستعذاب المرّ لبلوغ الغايات العالية، فهذا ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد هجرته للمدينة؛ دعوة وجهاد وإرشاد وتعليم وعمل بلا كلل أو ملل، وهكذا كان معه أصحابه رضي الله عنهم الذين تركوا الدنيا وراء ظهورهم طلبا لرضا الله وإعلاء لكلمته عز وجل.

ويُذكّر العام الهجري أيضا بالاعتزاز بدين الإسلام وتأريخه، والاستغناء به عمّا عند الكافرين من تأريخ أو هدي أو مظهر، فقد أغنانا الله بهذا الدين فأتمه وأكمله، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، ناهيك عن أفضلية التأريخ الهجري القمري لتعلّق العبادات به، ولذلك قال الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189]، وليس من هدي السلف الصالح التهاني بداية العام أو تخصيصه بكلام.

وحري بكل من يعمل لهذا الدين وخاصة المجاهد في سبيل الله أن يكون ابتداء هذا العام فرصة لرسم الخطط وتحديد الأهداف وتدارك ما فات وتعويض التقصير وتجديد العزم، حتى لا يخرج عنه هذا العام إلا بأضعاف أعمال العام الماضي، والقاعد يحدّث نفسه بالنفير، والمجاهد المقاتل يحدّث نفسه بالإثخان في أعداء الله وتكثيف جهده، والداعي -على منهاج النبوة- بزيادة نشاطه لدعوة المسلمين لمنهج الحق، والإعلامي المجاهد بإيصال أخبار المجاهدين وبيان طريقهم للمسلمين في كل مكان، وكذا كل صاحب ثغر دونه ثغره فذاك ميدانه.

اللهم بارك لنا في أوقاتنا وأعمارنا وأعمالنا، وتقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 349
الخميس 29 ذو الحجة 1443 هـ
...المزيد

باقيةٌ على خطى نبيّها -صلى الله عليه وسلم- حفل هذا العامُ بمحطات بارزة في مسيرة الدولة ...

باقيةٌ على خطى نبيّها -صلى الله عليه وسلم-


حفل هذا العامُ بمحطات بارزة في مسيرة الدولة الإسلامية، إذْ ابتدأ بالهجوم الكبير على مطار (كابل) والذي أسقط (31) قتيلا وجريحا من الجيش الأمريكي باعتراف "البنتاغون" بخلاف عشرات الجواسيس والمتعاقدين، ليرسم الهجوم معالم المرحلة ويبدّد أوهام الحالمين بالسلام مع أمريكا، وفي منتصف العام استيقظ الناس على أخبار هدم أسوار (سجن غويران) في ملحمة أسطورية أذهلت العالم، وكانت آخر وأشرف الإنجازات في عهد الخليفة أبي إبراهيم القرشي (رحمه الله)، ليُقتل بعدها في ملحمة أخرى بعد أنْ وفّى بوعده -نحسبه ولا نزكيه-، ثم بايع المسلمون الخليفة أبا الحسن القرشي (حفظه الله)، لتستمر عجلة الجهاد تدور، ولمّا ينتهي العام بعد حتى فاجأت الدولة الإسلامية العالم مجددًا بهدم أسوار سجن (كوجي) قرب العاصمة النيجيرية.

لقد كان عامًا حافلاً بنفس ما كانت تحفل به أعوامُ الدولة الإسلامية الأولى في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وعهد خلفائه الراشدين، جهادا ورباطا ودعوة، قتالا ومراغمة، محنا وصعابا وابتلاءات، عزيمة وصبرا وثباتا، وشريعةُ الله تعالى لم تُعطّل، وحُكمه ماضٍ لم يُبدّل، والمسلمون في مناطقها يتفيئون ظلال الشريعة وينافحون عنها بدمائهم، بينما المنافقون تفرّغوا لهمزها ولمزها والطعن بها.

وفي جولة سريعة في تاريخ الدولة النبوية، وتحديدا في عام الأحزاب عندما حاصر "عشرة آلاف مقاتل" الدولة الإسلامية حتى بلغ الحال بالمسلمين مبلغًا صعبًا أصاب قائدهم وجنودهم، قال جابر -رضي الله عنه- في الحديث المطوّل: "لمّا حفر الخندق رأيت بالنّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- خمصا شديدا، فانكفأت إلى امرأتي، فقلت: هل عندك شيء؟ فإنّي رأيت برسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- خمصا شديدا.." [رواه الشيخان]، بل وصل الأمر بذراري ونساء المسلمين القابعين في وسط المدينة، أن يصبحوا تحت التهديد المباشر من يهود بني قريظة، بينما سائر رجال الدولة الإسلامية يرابطون عند الخندق!، حتى أنزل الله تعالى سورة في القرآن حملت اسم هذه المحنة {الأحزاب}.

وبعد ستة أعوام على هذه المحنة تُوفي النبي -صلى الله عليه وسلم-، ليتولى الحكم مِن بعده الخليفة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- والذي استلم الحكم في فترة عصيبة ارتدت فيها العرب إلا القليل، قال محمد بن إسحاق: "ارتدت العرب عند وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما خلا أهل المسجدين مكة والمدينة!" [البداية والنهاية]، فلم يبق على الإسلام إلا المدينة ومكة والطائف، وقرية صغيرة شرق الجزيرة، بل حتى أصبحت عاصمة الدولة الإسلامية تحت تهديد المرتدين من "بني أسد" لقربهم منها، وغدر المرتدون بكثير من المسلمين الذين كانوا في مناطقهم وفعلوا بهم الأفاعيل كما فعل مسيلمةُ الكذَّاب بمسلمي بني حنيفة، بل وصل الضعف بدولة الإسلام آنذاك أن تجرّأ المرتدون على عاصمتها، وأرسلوا وفودهم يساومون الخليفة ويشترطون عليه "إسلامًا بلا زكاة"، مقابل أن لا يُهاجموا المدينة، وأمام ذلك الموقف الصعب اقترح بعض المسلمين على الخليفة أنْ يوقف جيش أسامة الذي كان قد جهّزه النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل وفاته، ليعود الجيش إلى المدينة لحمايتها! وهنا وقف الصديق الأسيف موقفا حفظ الله به الدين، وقف صلبا حاسما الموقف، رافضا كل الاقتراحات والعروض، واثبا أمام طوفان الردة الجامح، قائلا: "والله لا أحلّ عقدة عقدها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو أن الطير تخطفنا والسباع من حول المدينة!، ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة!، وآمر الحرس يكونون حول المدينة، فكان خروجه في ذلك الوقت من أكبر المصالح والحالة تلك". [البداية والنهاية].

إنّ ما فعله الصدّيق يُعد في عرف كثير من "أدعياء الجهاد" اليوم؛ "فشلا في تحييد الأعداء!" و"تهوّرا وانتحارا عسكريا!" و"عدم مراعاة لفقه الواقع والأولويات!" و"جهلا بالسياسة الشرعية!"، لكنه في الحقيقة كان الفقه الجهادي المفقود في عصر الحسابات البشرية المادية التي طغت على أهل هذا الزمان.

هكذا كان حال دولة الإسلام في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وعهد خلفائه الراشدين، ومع ذلك لم نسمع أنّ أحدا مِن المسلمين أعاب على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه دولتهم، أو عدّها تجربة فاشلة للحكم الإسلامي، ولا طالب الصحابةُ النبي -صلى الله عليه وسلم- بترك أو تأجيل تحكيم الإسلام، والتماهي والانصياع لضغوطات "النظام العالمي" آنذاك، ولم يُعطّل النبي -صلى الله عليه وسلم- الشريعة وحكمها أو عدَل عنها إلى غيرها، وحاشاه -صلى الله عليه وسلم- وحاشا صحابته أن يفعلوا ذلك، بل بقيت دولتهم -على اختلاف أحوالها مدًا وجزرًا- دولة إسلام يحتكم إليها المسلمون ويدافعون عنها، ولم يقل أحد منهم إنها "فشلت" أو "انتهت" أو إنها "دولة وهمية" لا وجود لها إلا في أذهان أصحابها، ولم نجد في كتب السير المعتبرة أحدا ذمّ دولة الإسلام الأولى أو تنقّص منها، أو عكف على همزها ولمزها وتشويهها، بل احتفت كتب السير والمغازي ببطولات الدولة الإسلامية يوم الفتوحات والانتصارات، وأشادت بصبر قادتها وجنودها في المحن والملمّات، فكانت في قوتها وضعفها، وتمددها وانحسارها؛ دولة إسلام، تلك سيرة الدولة الإسلامية الأولى، وعلى خطاها تسير الدولة الإسلامية اليوم.

ولو قارنّا أحوال الدولة الإسلامية اليوم بأحوال أعدائها، فإن جنودها يعيشون وحدةً وترابطًا إيمانيًا في كل الولايات، بينما أعداؤها يعيشون تناحرًا وانقسامًا وتفرقًا يتصاعد كل يوم في كل الساحات؛ فالصليبيون حروبهم عادت دموية بعد أن كانت باردة! وبأسهم بينهم أشد من ذي قبل، والمعسكر الرافضي منقسمٌ على نفسه ولا حلّ لأزمته في الأفق، وجنوده باتوا يتهيّبون حتى مِن أحوال الطقس والمناخ إنْ اغبرّ أو احمرّ أو اصفرّ، فكل ألوانه بالنسبة إليهم نذُر شؤم تلوّح بالعذاب، وفصائل الصحوات في الشام تطحن وتفضح بعضها ولم تعد حقيقتها تخفى إلا على مَن أبى!، ومعارك الاستنزاف والمطاولة مستمرة في الخير والبركة والرقة، وأما في البادية فحدّث ولا حرج، وفي غرب إفريقية يتمدد الجهاد من الصحاري إلى المدن، وها هو يلتحق بمسيرة هدم الأسوار، وفي ولاية الساحل لقّن المجاهدون الجيوش والميليشيات المرتدة درسا لن ينسوه وأهلكوا منهم خلقا كثيرا، وفي وسط إفريقية وموزمبيق بات النصارى في دورة نزوح لا تنتهي، وباتت التجارة العالمية تحت تهديد المجاهدين!، أما في خراسان فاتساع رقعة الهجمات أرهق الميليشيا الوطنية المرتدة، واستنزف طاقتها حتى بدأ الصليبيون يشتكون، ويشكّون في قدرتها على الإيفاء بوعودها بمكافحة الجهاد، وفي سيناء وليبيا وشرق آسيا وغيرها إباء وثبات، وها هم المجاهدون في اليمن يعودون.

لقد مرّت خمسة عشر عاما على إعلان الدولة الإسلامية في العراق، وثمانية أعوام على تمددها وإعلانها دولة خلافة على منهاج النبوة؛ وما زالت باقية ماضية على نفس خطى الدولة النبوية الأولى وعلى منهاج قائدها الأول -صلى الله عليه وسلم-، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 349
الخميس 29 ذو الحجة 1443 هـ
...المزيد

مقال: لا تدابروا إنّ المسلمين فيما بينهم كالبنيان يشدُّ بعضُهم بعضا، إنْ أصيب مسلم في الشرق ...

مقال: لا تدابروا


إنّ المسلمين فيما بينهم كالبنيان يشدُّ بعضُهم بعضا، إنْ أصيب مسلم في الشرق تألم له إخوانه في الغرب، فهم كالجسد الواحد إنْ اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وقد نهى الإسلام عن كل ما يفكك هذه الرابطة الربانية أو يضعفها، ولذلك أمر بوحدة الصف والجماعة والائتلاف، وحذّر من الفرقة بين المسلمين والاختلاف، ويبدأ هذا من علاقة المسلم بأخيه المسلم، فهذه الرابطة هي اللبنة الأولى في تماسك صف المسلمين، فنهت نصوص الشريعة عن هجر المسلم أخاه المسلم، ورتبت على ذلك الوعيد، ورغبت بتقوية العلاقة بين المسلم وإخوانه وجاء في ذلك الأجر الجزيل والثواب الجميل.


• المسلم أخو المسلم

لقد حثّ الإسلام على تقوية الصلة بين المسلمين، ورغّب في أسباب ذلك أيّما ترغيب، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسْلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) [متفق عليه]، فتأمل هذا الحديث الشريف، كيف يبني علاقة المسلمين فيما بينهم، ويحث على أسباب توطيدها، فلا يظلم المسلم أخاه، ولا يُسلمه ولا يخذله، ويكون في حاجته إذا احتاج، ويفرج كربته إن ابْتلي، ويستر عيبه إن بدا له، ومن أسباب تقوية هذه الصلة كذلك، هي محبة المسلم لأخيه المسلم والسلام عليه، وقد جعل الإسلام ذلك من الإيمان الذي لا يدخل الجنة بدونه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تدخلون الجنةَ حتى تُؤمنوا، ولا تُؤمنوا حتى تحابّوا، ألا أدلّكم على شيءٍ إذا فعلتُموه تحاببتم؟ أفشوا السلامَ بينكم) [رواه مسلم].

والمتأمل في نصوص الوحيين يجد أنّ الإسلام يحثّ على كل خلق حسن يزيد من ألفة المسلمين فيما بينهم، فحث على تواضع المسلم لأخيه، والذبّ عن عرضه في غيبته، وعشرته بالحسنى، وتعاهده بالزيارات كما رغب في الإهداء إليه، وعيادته إذا مرض، وتشميته إذا عطس، وخلافته لأهله بخير إذا غاب، وألا يبيع على بيعه، ولا يخطب على خطبته، ولا يغتابه ولا يظلمه، ولا يعين ظالما عليه ولا يعينه على ظلم غيره، وينصحه إذا غلط، ويواسيه إذا أصيب، وغيرها من آداب الإسلام السامية، التي تقوّي هذه الصلة بين المسلم وأخيه، والتي تنتهي بمجتمع متماسك تكون فيه الأخوّة بين المسلمين سمة ظاهرة، وتحقق وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- للمؤمنين فيما بينهم بقوله: (الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) [متفق عليه].


• حرمة القطيعة والتدابر

ولقد نهى الإسلام عن القطيعة والتدابر بين المسلمين، وكثُرت النصوص في ذلك لخطورته، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا..) [متفق عليه]، وروى الإمام مسلم في صحيحه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (تُعرض الأعمال في كل اثنين وخميس؛ فيغفر الله لكل امرئ لا يشرك بالله شيئًا إلا امرءًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذَين حتى يصطلحا)، فتأمل كيف يُحرم المتهاجرون فضل المغفرة كلما رُفعت الأعمال إلى الله تعالى، فيغفر الله للمسلمين حين تعرض أعمالهم عليه في الأسبوع مرتين، ويُؤخّر من كانت بينه وبين أخيه شحناء إلى أن يصطلحا، ويكفي هذا الحديث رادعا لترك الشحناء بين المسلم وأخيه، وقد بيّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه يحرم على المسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، كما جاء في الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا وهذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) [متفق عليه].

وقد رخّص في الهجر ثلاثة أيام فما دونها، لأنه قد يقع بين المسلم وأخيه خلاف، ثم يقع في النفس شيء يدفعها لهجر من خاصمته، وتركه مدة يسكن فيها الغضب وتذهب عنها دواعيه، والثلاثة أيام -كحد أقصى- يكفي لذلك أو يزيد، وخير هذين المتخاصمَين هو الذي يبدأ أخاه بالسلام، وفي ذلك حثّ على البدء والمبادرة إلى قطع هذا الهجران، والعودة إلى الأصل، فالأصل هو التواصل بين المسلمين لا التدابر.

• الهجر الشرعي وضابطه

إلا أن الهجر أحيانا قد يكون مطلوبا لمصلحة راجحة وعندها يكون هجرا شرعيا، مثل هجر أهل المعاصي فهو من التعزير الذي يُرجى أن يؤتي ثماره بترك المنكر، وضابطه أن يؤدي إلى الإقلاع عن المنكر، فإن أدى لعكس ذلك من المداومة عليه أو إفضائه لمنكر أكبر أو معصية أخرى لم يُشرع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وأما هجر التعزير فمثل هجر النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الثلاثة الذين خُلّفوا، وهجر عمر والمسلمين لصبيغ [هو رجل كان يثير المتشابهات من القرآن]، فهذا من نوع العقوبات، فإذا كان يحصل بهذا الهجر حصول معروف أو اندفاع منكر فهي مشروعة، وإن كان يحصل بها من الفساد ما يزيد على فساد الذنب فليست مشروعة، والله أعلم" [مجموع الفتاوی].

وهذا الهجر هو هجر في سبيل الله لا لحظوظ النفس وهواها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فالهجرة الشرعية هي من الأعمال التي أمر الله بها ورسوله، فالطاعة لا بد أن تكون خالصة لله وأن تكون موافقة لأمره، فتكون خالصة لله صواباً، فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجراً غير مأمورٍ به كان خارجاً عن هذا، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهوى ظانةً أنها تفعله طاعةً لله" [مجموع الفتاوی]، وقال الإمام مالك: "ويهجر أهل الأهواء والبدع والفسوق، لأن الحب والبغض فيه واجب، ولما في ذلك من الحث على الخير والتنفير من الشر والفسوق" [الذخيرة].


• لا تدابروا.. فالدنيا قصيرة

إن هذه الحياة مهما طالت فهی قصيرة، وهذه الدنيا مهما عظمت فهي حقيرة، وإنما هي أيام نقضيها ثم نذهب إلى الحياة الآخرة الأبدية، ومن استشعر صغر الدنيا وحقارتها هانت عليه حظوظ النفس وملذاتها، فلا يبقي في صدره غِلا لإخوانه، ويغفر لهم ما يكون من خطأ في حقه، ولا يحمله حظ نفسه وهواها على هجر أخيه، فينبغي للمسلمين أن يستشعروا هذا المعنى، وأن يعلموا أن التدابر بين المسلمين من المعاصي التي تؤخر النصر، وتخلخل صفوفهم وتسلط عليهم عدوهم، نسأل الله ألا يجعل في قلوبنا غلا للمسلمين، وأن يجعلنا مع إخواننا على سرر متقابلين في جنات النعيم، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 348
الخميس 22 ذو الحجة 1443 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
16 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً