قصة شهيد - أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله- أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله تعالى- من فرسان ...

قصة شهيد - أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله-



أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله تعالى-
من فرسان الخلافة بوسط سيناء

يواصل جنود الخلافة في سائر ولايات الدولة الإسلامية جهادهم رغم كل الأخطار والصعاب والمكائد التي تحيط بهم من كل جانب، بعد أن ذاقوا حلاوة الإيمان بالله تعالى ولذة البذل في سبيله سبحانه، وهل هناك أغلى مِن الروح يبذلها المرء قربانًا لله تعالى حتى يُعبد وحده ويُكفر بما سواه... قصتنا اليوم عن أحد فرسان الخلافة من وسط سيناء والذين هداهم الله تعالى إلى سبيل الرشاد فلزموه حتى فارقوا الدنيا عليه، نحسبهم والله حسيبهم.


• هدايته متأثرا بدعوة المجاهدين

إنه الأخ أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله- من قبيلة العزازمة بمنطقة (وادي لصان) وسط سيناء والواقعة تحديدا جنوبي (القصيمة) قرب الحدود الوهمية مع فلسطين.

ولد عام 1413 هـ ونشأ بدايةً كبقية أبناء منطقته مُقبلا على الدنيا وملذاتها، منشغلا بجمع أموالها ومتاعها، حيث تنتشر في تلك المنطقة الحدودية عمليات التهريب عبر الحدود والتي كانت تدرّ أموالا كثيرة على أصحابها وكان يعمل بها أكثر أقرانه.

في حين كان المجاهدون في تلك المنطقة يجتهدون في نشر دعوة التوحيد بين الناس في ظل بيئة ينتشر فيها التصوف والجهل بشكل كبير.

ولقد أثمرت دعوة المجاهدين بفضل الله، حيث هدى الله تعالى أبا رواحة إلى سبيل الرشاد بداية عام 1431 هـ، بعد أن تأثر بنشاط الدعوة والتحريض الذي كان المجاهدون يواظبون عليه في تلك المنطقة والتي كان اليهود يحرصون على بقائها غارقة في وحل الشهوات والفساد.


• مفارقته للمرتدين والمشركين

عرف أبو رواحة -تقبله الله- عقيدة التوحيد فلزمها، وكان خير من استجاب لداعي الإيمان، فترك الدنيا وحطامها وتمسّك بالعروة الوثقى، وامتثل أوامر الكتاب والسنة قولا وعملا، فكان مِن أشد ما يميزه وضوح عقيدة الولاء والبراء لديه، فجهر بالبراءة من المشركين والمرتدين مِن أبناء قبيلته، بل حتى مِن أقرب أصدقائه الذين رافقوه طويلا في دنياه لكنه فارقهم واعتزلهم لما فارقوا دينهم، وأبدى لهم العداوة و البغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده، فلم يجامل في ذلك ولم يخطب ودّ أحد بسخط الله تعالى، امتثالا لقوله تعالى: {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}[المجادلة: 22]، قال ابن كثير رحمه الله: "لا يوادون المحادّين ولو كانوا مِن الأقربين".


• التحاقه بصفوف المجاهدين

ومع بدايات ظهور النشاط العسكري والميداني للمجاهدين في سيناء خصوصا بعد غزوة (أم الرشراش) الشهيرة ضد اليهود الكافرين وغيرها من الهجمات المباركة، قرر أبو رواحة الالتحاق بصفوف المجاهدين بعد أن أدرك الفرض العيني المتحتم عليه ممثلا بفريضة الجهاد في سبيل الله تعالى، إذ لا سبيل لنصرة الإيمان والتوحيد بغير الجهاد والقتال في سبيل الله تعالى، وكل مَن قاتل بغير عقيدة التوحيد، أو زعم التوحيد بغير عقيدة الجهاد، ضلّ وأضلَّ وحاد عن جادة النجاة والشواهد كثيرة.

وبقي أبو رواحة جنديا في صفوف المجاهدين يرابط على ثغور المسلمين ويعد العدة مع بقية إخوانه على قلة أعدادهم وعددهم وتكالب اليهود والمرتدين عليهم.


• من السابقين إلى بيعة الخلافة

وبعد أن منّ الله تعالى على المسلمين بإعلان الخلافة الإسلامية ودعوتها للمجاهدين في كل مكان للمسارعة للبيعة والاعتصام بالجماعة؛ كان أبو رواحة وإخوانه من السابقين الساعين إلى بيعة الدولة الإسلامية فحسموا مواقفهم مبكّرا وأعلنوا بيعتهم لدولة الخلافة ليتم الإعلان بعدها عن بيعة ولاية سيناء والتحاقها بجماعة المسلمين، فيدخل أبو رواحة مع إخوانه المجاهدين مرحلة جديدة من مراحل الجهاد على منهاج النبوة.


• تدرجه في العمل الجهادي

أما عن مهامه في صفوف المجاهدين، فقد عمل بداية جنديا مقاتلا في جنود الخلافة بولاية سيناء، وبعد أن برز بين إخوانه بنشاطه وهمته أُختير ليكون أميرا لإحدى المجموعات العسكرية بمنطقة جبل (الخرم) بوسط سيناء.

ونظرا لخبرته في دروب المنطقة وواقعها، وقع الاختيار عليه ليكون مسؤولا للمفارز الأمنية التي تنشط في مناطق وسط سيناء ضد الصحوات والجواسيس.

وفي منتصف عام 1439 هـ عندما أعلن الجيش المصري المرتد انطلاق حملته "المجابهة الفاشلة" عاد أبو رواحة للعمل في صفوف المجموعات العسكرية حيث عمل أميرا لإحدى هذه المجموعات في (جبل الحلال)، ولاحقا جرى نقله للعمل مسؤولا عسكريا للمجاهدين في إحدى مناطق (المغارة) وسط سيناء.

وخلال سنوات جهاده أتقن أبو رواحة كثيرا من المهارات العسكرية فلقد أجاد في نصب العبوات والشراك المفخخة لدوريات المرتدين، كما أتقن نصب الكمائن المحكمة للميليشيات المرتدة التي تقاتل اليوم في سبيل الطاغوت نيابة عن الجيش المصري المرتد، ومِن خلفه اليهود الكافرون الذين يُديرون الحرب ضد المجاهدين في سيناء.


• في هجومي (الركيب) و(المنجم)

وقد شارك أبو رواحة تقبله الله تعالى في العديد من الهجمات والغزوات ضد الجيش المصري المرتد وميليشياته، ومنها الهجوم على موقع (الركيب) بمنطقة (المغارة) وسط سيناء في أواخر العام 1441هـ، حيث كان -تقبله الله- أميرا لإحدى المجموعات المشاركة في الهجوم والذي أسفر يومها عن مقتل وإصابة عشرة عناصر من الجيش، وأصيب خلاله أبو رواحة إصابة طفيفة في يده إثر قصف جوي.

كما شارك أبو رواحة تقبله الله في الهجوم على تجمع للميليشيات المرتدة بمنطقة (المنجم) منتصف العام الماضي 1442 هـ والذي خلف سبعة قتلى في صفوفهم.

وكما كان أبو رواحة أسدا مقداما في المعارك ضد المرتدين؛ كان رحيما عطوفا بإخوانه المجاهدين، ليّن العشرة قريبا محبوبا منهم يلقاهم دوما بوجهه البشوش المبتسم، وقد كان مواظبا على قيام الليل يقضي ليله قائما مرتّلا للقرآن الكريم في أرض المناجاة، محافظا على صيام الاثنين والخميس برغم قسوة البيئة الصحراوية الجبلية بوسط سيناء، لكنه زاد المجاهد الذي لا غنى عنه فالصيام والقيام هو دأب المجاهدين وزادهم وحاديهم في الطريق.


• مقتله تقبله الله في الشهداء

وبعد 13 عاما قضاها أبو رواحة على ثغور المسلمين في الرباط والقتال والتعرض لمظان الموت في سبيل الله تعالى لم يستطع خلالها اليهود والمرتدون النيل منه؛ قدّر الله تعالى أن يُقتل في شهر الله (المحرم) لعام 1443 هـ، إثر انفجار وقع أثناء قيامه بتفخيخ أحد الممرات وسط سيناء بغية استهداف دورية للمرتدين، ليقتل تقبله الله ويسيل دمه الزكي في معارك المفاصلة والمجانبة للطواغيت وأوليائهم المرتدين، فنسأله تعالى أن يتقبله في الشهداء وأن يعلي مقامه في عليين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 324
الخميس 2 رجب 1443 هـ
...المزيد

قصة شهيد - أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله- أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله تعالى- من فرسان ...

قصة شهيد - أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله-



أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله تعالى-
من فرسان الخلافة بوسط سيناء

يواصل جنود الخلافة في سائر ولايات الدولة الإسلامية جهادهم رغم كل الأخطار والصعاب والمكائد التي تحيط بهم من كل جانب، بعد أن ذاقوا حلاوة الإيمان بالله تعالى ولذة البذل في سبيله سبحانه، وهل هناك أغلى مِن الروح يبذلها المرء قربانًا لله تعالى حتى يُعبد وحده ويُكفر بما سواه... قصتنا اليوم عن أحد فرسان الخلافة من وسط سيناء والذين هداهم الله تعالى إلى سبيل الرشاد فلزموه حتى فارقوا الدنيا عليه، نحسبهم والله حسيبهم.


• هدايته متأثرا بدعوة المجاهدين

إنه الأخ أبو رواحة الأنصاري -تقبله الله- من قبيلة العزازمة بمنطقة (وادي لصان) وسط سيناء والواقعة تحديدا جنوبي (القصيمة) قرب الحدود الوهمية مع فلسطين.

ولد عام 1413 هـ ونشأ بدايةً كبقية أبناء منطقته مُقبلا على الدنيا وملذاتها، منشغلا بجمع أموالها ومتاعها، حيث تنتشر في تلك المنطقة الحدودية عمليات التهريب عبر الحدود والتي كانت تدرّ أموالا كثيرة على أصحابها وكان يعمل بها أكثر أقرانه.

في حين كان المجاهدون في تلك المنطقة يجتهدون في نشر دعوة التوحيد بين الناس في ظل بيئة ينتشر فيها التصوف والجهل بشكل كبير.

ولقد أثمرت دعوة المجاهدين بفضل الله، حيث هدى الله تعالى أبا رواحة إلى سبيل الرشاد بداية عام 1431 هـ، بعد أن تأثر بنشاط الدعوة والتحريض الذي كان المجاهدون يواظبون عليه في تلك المنطقة والتي كان اليهود يحرصون على بقائها غارقة في وحل الشهوات والفساد.


• مفارقته للمرتدين والمشركين

عرف أبو رواحة -تقبله الله- عقيدة التوحيد فلزمها، وكان خير من استجاب لداعي الإيمان، فترك الدنيا وحطامها وتمسّك بالعروة الوثقى، وامتثل أوامر الكتاب والسنة قولا وعملا، فكان مِن أشد ما يميزه وضوح عقيدة الولاء والبراء لديه، فجهر بالبراءة من المشركين والمرتدين مِن أبناء قبيلته، بل حتى مِن أقرب أصدقائه الذين رافقوه طويلا في دنياه لكنه فارقهم واعتزلهم لما فارقوا دينهم، وأبدى لهم العداوة و البغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده، فلم يجامل في ذلك ولم يخطب ودّ أحد بسخط الله تعالى، امتثالا لقوله تعالى: {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}[المجادلة: 22]، قال ابن كثير رحمه الله: "لا يوادون المحادّين ولو كانوا مِن الأقربين".


• التحاقه بصفوف المجاهدين

ومع بدايات ظهور النشاط العسكري والميداني للمجاهدين في سيناء خصوصا بعد غزوة (أم الرشراش) الشهيرة ضد اليهود الكافرين وغيرها من الهجمات المباركة، قرر أبو رواحة الالتحاق بصفوف المجاهدين بعد أن أدرك الفرض العيني المتحتم عليه ممثلا بفريضة الجهاد في سبيل الله تعالى، إذ لا سبيل لنصرة الإيمان والتوحيد بغير الجهاد والقتال في سبيل الله تعالى، وكل مَن قاتل بغير عقيدة التوحيد، أو زعم التوحيد بغير عقيدة الجهاد، ضلّ وأضلَّ وحاد عن جادة النجاة والشواهد كثيرة.

وبقي أبو رواحة جنديا في صفوف المجاهدين يرابط على ثغور المسلمين ويعد العدة مع بقية إخوانه على قلة أعدادهم وعددهم وتكالب اليهود والمرتدين عليهم.


• من السابقين إلى بيعة الخلافة

وبعد أن منّ الله تعالى على المسلمين بإعلان الخلافة الإسلامية ودعوتها للمجاهدين في كل مكان للمسارعة للبيعة والاعتصام بالجماعة؛ كان أبو رواحة وإخوانه من السابقين الساعين إلى بيعة الدولة الإسلامية فحسموا مواقفهم مبكّرا وأعلنوا بيعتهم لدولة الخلافة ليتم الإعلان بعدها عن بيعة ولاية سيناء والتحاقها بجماعة المسلمين، فيدخل أبو رواحة مع إخوانه المجاهدين مرحلة جديدة من مراحل الجهاد على منهاج النبوة.


• تدرجه في العمل الجهادي

أما عن مهامه في صفوف المجاهدين، فقد عمل بداية جنديا مقاتلا في جنود الخلافة بولاية سيناء، وبعد أن برز بين إخوانه بنشاطه وهمته أُختير ليكون أميرا لإحدى المجموعات العسكرية بمنطقة جبل (الخرم) بوسط سيناء.

ونظرا لخبرته في دروب المنطقة وواقعها، وقع الاختيار عليه ليكون مسؤولا للمفارز الأمنية التي تنشط في مناطق وسط سيناء ضد الصحوات والجواسيس.

وفي منتصف عام 1439 هـ عندما أعلن الجيش المصري المرتد انطلاق حملته "المجابهة الفاشلة" عاد أبو رواحة للعمل في صفوف المجموعات العسكرية حيث عمل أميرا لإحدى هذه المجموعات في (جبل الحلال)، ولاحقا جرى نقله للعمل مسؤولا عسكريا للمجاهدين في إحدى مناطق (المغارة) وسط سيناء.

وخلال سنوات جهاده أتقن أبو رواحة كثيرا من المهارات العسكرية فلقد أجاد في نصب العبوات والشراك المفخخة لدوريات المرتدين، كما أتقن نصب الكمائن المحكمة للميليشيات المرتدة التي تقاتل اليوم في سبيل الطاغوت نيابة عن الجيش المصري المرتد، ومِن خلفه اليهود الكافرون الذين يُديرون الحرب ضد المجاهدين في سيناء.


• في هجومي (الركيب) و(المنجم)

وقد شارك أبو رواحة تقبله الله تعالى في العديد من الهجمات والغزوات ضد الجيش المصري المرتد وميليشياته، ومنها الهجوم على موقع (الركيب) بمنطقة (المغارة) وسط سيناء في أواخر العام 1441هـ، حيث كان -تقبله الله- أميرا لإحدى المجموعات المشاركة في الهجوم والذي أسفر يومها عن مقتل وإصابة عشرة عناصر من الجيش، وأصيب خلاله أبو رواحة إصابة طفيفة في يده إثر قصف جوي.

كما شارك أبو رواحة تقبله الله في الهجوم على تجمع للميليشيات المرتدة بمنطقة (المنجم) منتصف العام الماضي 1442 هـ والذي خلف سبعة قتلى في صفوفهم.

وكما كان أبو رواحة أسدا مقداما في المعارك ضد المرتدين؛ كان رحيما عطوفا بإخوانه المجاهدين، ليّن العشرة قريبا محبوبا منهم يلقاهم دوما بوجهه البشوش المبتسم، وقد كان مواظبا على قيام الليل يقضي ليله قائما مرتّلا للقرآن الكريم في أرض المناجاة، محافظا على صيام الاثنين والخميس برغم قسوة البيئة الصحراوية الجبلية بوسط سيناء، لكنه زاد المجاهد الذي لا غنى عنه فالصيام والقيام هو دأب المجاهدين وزادهم وحاديهم في الطريق.


• مقتله تقبله الله في الشهداء

وبعد 13 عاما قضاها أبو رواحة على ثغور المسلمين في الرباط والقتال والتعرض لمظان الموت في سبيل الله تعالى لم يستطع خلالها اليهود والمرتدون النيل منه؛ قدّر الله تعالى أن يُقتل في شهر الله (المحرم) لعام 1443 هـ، إثر انفجار وقع أثناء قيامه بتفخيخ أحد الممرات وسط سيناء بغية استهداف دورية للمرتدين، ليقتل تقبله الله ويسيل دمه الزكي في معارك المفاصلة والمجانبة للطواغيت وأوليائهم المرتدين، فنسأله تعالى أن يتقبله في الشهداء وأن يعلي مقامه في عليين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 324
الخميس 2 رجب 1443 هـ
...المزيد

مقال: كواسر الجهاد (٢) القوة الرمي الحمد لله معز المسلمين ومذل الكافرين والصلاة والسلام على ...

مقال: كواسر الجهاد (٢) القوة الرمي


الحمد لله معز المسلمين ومذل الكافرين والصلاة والسلام على المبعوث بالسيف رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه فرسان الميادين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.

لما كتب الله على المؤمنين القتال، وأمر بالحضّ والتحريض عليه؛ لم يترك سبحانه وتعالى عباده دون توجيه، بل دلّهم على أقوى طرق الجهاد وأنجع سبل الحرب؛ لتعظُمَ النكاية في أعدائهم، فقال سبحانه وتعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:٦٠]، وبيّن جل جلاله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أن القوة إنما هي الرمي، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو على المنبر- يقول: ({وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ}، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي). [مسلم]

وبالرغم من الأمور الكثيرة التي يحتاج إليها الجهاد ويلزم فيها الإعداد إلا أنه لم يُخصص الرمي إلا لما فيه من عظيم النكاية في العدو، قال الطبري: "قال عبدالرحمن الفزاري: أصل الرمي إنما وضع للنكاية فمن لا نكاية له لا رمي له عند علماء هذه الصنعة). [الفروسية لابن القيم]

الرمي قوة أيّما قوة، وقد كان في الأنبياء رماة كالنبي إسماعيل عليه السلام، ولقد رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فعن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رمى عَن قوسه يَوم أحد حَتَّى اندقت سيتها -أي طرفها-. [سيرة ابن إسحاق]

وقد ندب إليه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وحثّ عليه في كثير من الأحاديث، منها ما رواه البخاري وغيره عن سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم ينتضلون -أي: يتسابقون في الرمي- فقال: (ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع بني فلان، قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالكم لا ترمون؟ فقالوا: يا رسول اللّه! كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: ارموا وأنا معكم كلكم).

ومن نعم الله علينا في الجهاد، ما جعله الله في الرماية من الأجر العظيم، فثوابها جزيل ومتعدٍ، لا يقتصر على الرامي وحده، قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (إِن الله ليدْخل بِالسَّهْمِ الْوَاحِد ثَلَاثَة نفر الْجنَّة، صانعه الْمُحْتَسب فِي عمله الْخَيْر، والرامي بِهِ، والممد بِهِ، فارموا واركبوا وَأَن ترموا أحب إِلَيّ من أَن تركبوا) [مسند أحمد]

ومما جاء في فضل الرمي أيضا حديث أبي نجيح عمرو بن عبسة رضي الله عنه، قال: حاصرنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الطائف، فسمعته يقول: (من رمى بسهم في سبيل اللّه، فله عِدْلُ مُحَرَّرٍ، ومن بلغ بسهم في سبيل الله فله درجة في الجنة)، قال: فبلغتُ يومئذ ستة عشر سهماً. [النسائي]، فسهم ترميه يكن لك أجر عتق رقبة، ودرجة تعلوها في الجنة، فذاك أجر عظيم بفعل يسير، يجده المجاهد في سبيل الله.

وتعلم الرماية شرف وفضيلة، وتركها ونسيانها ذنب وإثم، فعن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من علم الرمي، ثم تركه، فليس منا، أو قد عصى). [مسلم]

ولقد كان الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أول من رمى بسهم في الإسلام، فحاز على دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له فقال: (اللهم سدد رميته وأجب دعوته). [الحاكم]

وفي يوم أحد قام أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه مقاما عاليا، ورمى رميا شديدا على أعداء الله، قال أنس رضي الله عنه: "لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة بين يدي النبي مجوب عليه بحجفة له -أي متترس بالترس-، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل فيقول انثرها لأبي طلحة). [متفق عليه]، وفي هذا الحديث دعم للحذاق والبارعين في الرماية وتشجيعهم؛ لأهمية موقفهم في المعركة.

وكان من أشهر الرماة يوم أحد أيضا الصحابي سهل بن حنيف العوفي فقد ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انكشف الناس عنه، وبايعه على الموت، وجعل ينضح يومئذ بالنبل عن رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نبلوا سهلا فإنه سهل). [الحاكم]

وفي هذه الغزوة تبيّنت أهمية ثغر الرُّماة، حيث أنه كان في الجبل خمسون راميا، وكانوا يحمون ظهر الجيش كله وهم قرابة 650 رجلا، فلما نزل الرماة من موقعهم الذي اختاره لهم النبي صلى الله عليه وسلم استطاع المشركون الالتفاف عليهم وتغيير ميزان المعركة.

وقد يبلغ بالرامي الماهر أن يرد كتيبة بأكملها ويوقف جيشا عن التقدم، حيث أنه يكون في مأمنٍ منهم وهم تحت رميه، ويستطيع أن يسقط بكل سهم يطلقه رجلا منهم بإذن الله، ويشهد لهذا قصة صهيب الرومي رضي الله عنه، فعن ابن المسيب قال: أقبل صهيب مهاجرا، واتبعه نفر، فنزل عن راحلته، ونثل كنانته، وقال لقد علمتم أني من أرماكم، واْيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي، فإن شئتم دللتكم على مالي، وخليتم سبيلي؟ قالوا: نفعل فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ربح البيع أبا يحيى)، ونزلت: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِيْ نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة:٢٠٧]. [حلية الأولياء]

وربما كان الرامي كتيبة بنفسه، يُنهِك العدو ويُنكِي به لوحده، كما فعله الصحابي الجليل سلمة بن الأكوع رضي الله عنه الذي يُعد من أمهر الصحابة في الرماية، ومن أعجب مواقفه حين لحق بالمشركين من غطفان في غزوة ذي قرد وكان يرميهم بسهامه ويقول: خذها وأنا ابن الأكوع.. واليوم يوم الرضع حتى أسقطوا كثيرا من متاعهم ليتمكنوا من الهروب منه. [متفق عليه]

وتشتد الحاجة للرماة حين يحمى الوطيس وتقِل الحيل، فتبرز بطولاتهم ودقة إصاباتهم، ففي القادسية عندما جاء الفرس بالفيلة التي لم يعتد المسلمون على قتالها، فأرسل سعد بن أبي وقاص إلى عاصم بن عمرو، فقال: يا معشر بني تميم، ألستم أصحاب الإبل والخيل! أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة؟! قالوا: بلى والله، ثم نادى في رجال من قومه رماة وآخرين لهم ثقافة، فقال لهم: يا معشر الرماة ذبوا ركبان الفيلة عنهم بالنبل، حتى قتلوا من كان على متنها واستطاعوا تحييدها. [تاريخ الطبري]

ويعظُم أثر الرماية لرؤوس الكفر وأئمتهم، ففي حروب الردةّ يوم اليمامة لما قام محكم اليمامة المرتد -وهو أحد جناحي مسيلمة الكذاب-، يخطب في قومه ويحثهم على قتال المؤمنين؛ حمل عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قوسه فرماه بسهم فوقع في نحره فقتله، وكفى الله المؤمنين شره. [تاريخ خليفة خياط]

فهذا نزرٌ من أثر الرماة في المعارك في ماضي تاريخنا المجيد، وفي هذا الزمان قد تطورت آلة الحرب، وأصبحت تعتمد بشكل كبير اليوم على الرماية التي تنوعت أساليبها وتغيرت أدواتها بين البنادق والقناصات والرشاشات والمدافع والصواريخ، وعلى المجاهدين إتقان هذه الفنون وبذل قصارى الجهد في تعلّم جديدها واستخدام حديدها، فبها تفلق الهام وتُهشّم العظام؛ وهي من القوة التي أمر الله بالإعداد بها، قال ابن تيمية رحمه الله في قتال الترك: "فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتالهم، وأخبر أن أمته ستقاتلهم، ومعلوم أن قتالهم النافع إنما هو بالقسي الفارسية، ولو قوتلوا بالقسي العربية... لم تغن شيئاً". [الفتاوى]

فثابروا أيها المجاهدون، واضربوا حيث تكثر المواجع، وإن للقناصات الدور الأكبر في مجال الرماية، فحسن التموضع واختيار المكان المناسب إذا اجتمع مع حذاقة في الرماية فإنه أعظم في النكاية، وأخلع لقلوب الأعداء، وهو أقرب لمفهوم الرماية بالنبل ومشابه لدوره في المعركة، فسددوا في الرؤوس والقلوب وأماكن العطب، فإن لم يكن قتلا حصلت إصابة تحيّد أحد جنود الطاغوت عن المعركة، فانثروا الرصاص وانتقوا السهام الحارقة، وارموا متوكلين على الله، فالله هو الرامي وهو المسدد سبحانه، {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ} [الأنفال:١٧]

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى جميع الآل والأصحاب، والحمد لله رب العالمين



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 324
الخميس 2 رجب 1443 هـ
...المزيد

مقال: كواسر الجهاد (٢) القوة الرمي الحمد لله معز المسلمين ومذل الكافرين والصلاة والسلام على ...

مقال: كواسر الجهاد (٢) القوة الرمي


الحمد لله معز المسلمين ومذل الكافرين والصلاة والسلام على المبعوث بالسيف رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه فرسان الميادين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.

لما كتب الله على المؤمنين القتال، وأمر بالحضّ والتحريض عليه؛ لم يترك سبحانه وتعالى عباده دون توجيه، بل دلّهم على أقوى طرق الجهاد وأنجع سبل الحرب؛ لتعظُمَ النكاية في أعدائهم، فقال سبحانه وتعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:٦٠]، وبيّن جل جلاله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أن القوة إنما هي الرمي، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو على المنبر- يقول: ({وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ}، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي). [مسلم]

وبالرغم من الأمور الكثيرة التي يحتاج إليها الجهاد ويلزم فيها الإعداد إلا أنه لم يُخصص الرمي إلا لما فيه من عظيم النكاية في العدو، قال الطبري: "قال عبدالرحمن الفزاري: أصل الرمي إنما وضع للنكاية فمن لا نكاية له لا رمي له عند علماء هذه الصنعة). [الفروسية لابن القيم]

الرمي قوة أيّما قوة، وقد كان في الأنبياء رماة كالنبي إسماعيل عليه السلام، ولقد رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فعن عَاصِم بن عمر بن قَتَادَة أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم رمى عَن قوسه يَوم أحد حَتَّى اندقت سيتها -أي طرفها-. [سيرة ابن إسحاق]

وقد ندب إليه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم وحثّ عليه في كثير من الأحاديث، منها ما رواه البخاري وغيره عن سلمة بن الأكوع رضي اللّه عنه، قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم ينتضلون -أي: يتسابقون في الرمي- فقال: (ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع بني فلان، قال: فأمسك أحد الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالكم لا ترمون؟ فقالوا: يا رسول اللّه! كيف نرمي وأنت معهم؟ فقال: ارموا وأنا معكم كلكم).

ومن نعم الله علينا في الجهاد، ما جعله الله في الرماية من الأجر العظيم، فثوابها جزيل ومتعدٍ، لا يقتصر على الرامي وحده، قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (إِن الله ليدْخل بِالسَّهْمِ الْوَاحِد ثَلَاثَة نفر الْجنَّة، صانعه الْمُحْتَسب فِي عمله الْخَيْر، والرامي بِهِ، والممد بِهِ، فارموا واركبوا وَأَن ترموا أحب إِلَيّ من أَن تركبوا) [مسند أحمد]

ومما جاء في فضل الرمي أيضا حديث أبي نجيح عمرو بن عبسة رضي الله عنه، قال: حاصرنا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم الطائف، فسمعته يقول: (من رمى بسهم في سبيل اللّه، فله عِدْلُ مُحَرَّرٍ، ومن بلغ بسهم في سبيل الله فله درجة في الجنة)، قال: فبلغتُ يومئذ ستة عشر سهماً. [النسائي]، فسهم ترميه يكن لك أجر عتق رقبة، ودرجة تعلوها في الجنة، فذاك أجر عظيم بفعل يسير، يجده المجاهد في سبيل الله.

وتعلم الرماية شرف وفضيلة، وتركها ونسيانها ذنب وإثم، فعن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من علم الرمي، ثم تركه، فليس منا، أو قد عصى). [مسلم]

ولقد كان الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أول من رمى بسهم في الإسلام، فحاز على دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له فقال: (اللهم سدد رميته وأجب دعوته). [الحاكم]

وفي يوم أحد قام أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه مقاما عاليا، ورمى رميا شديدا على أعداء الله، قال أنس رضي الله عنه: "لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة بين يدي النبي مجوب عليه بحجفة له -أي متترس بالترس-، وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع، كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل فيقول انثرها لأبي طلحة). [متفق عليه]، وفي هذا الحديث دعم للحذاق والبارعين في الرماية وتشجيعهم؛ لأهمية موقفهم في المعركة.

وكان من أشهر الرماة يوم أحد أيضا الصحابي سهل بن حنيف العوفي فقد ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انكشف الناس عنه، وبايعه على الموت، وجعل ينضح يومئذ بالنبل عن رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نبلوا سهلا فإنه سهل). [الحاكم]

وفي هذه الغزوة تبيّنت أهمية ثغر الرُّماة، حيث أنه كان في الجبل خمسون راميا، وكانوا يحمون ظهر الجيش كله وهم قرابة 650 رجلا، فلما نزل الرماة من موقعهم الذي اختاره لهم النبي صلى الله عليه وسلم استطاع المشركون الالتفاف عليهم وتغيير ميزان المعركة.

وقد يبلغ بالرامي الماهر أن يرد كتيبة بأكملها ويوقف جيشا عن التقدم، حيث أنه يكون في مأمنٍ منهم وهم تحت رميه، ويستطيع أن يسقط بكل سهم يطلقه رجلا منهم بإذن الله، ويشهد لهذا قصة صهيب الرومي رضي الله عنه، فعن ابن المسيب قال: أقبل صهيب مهاجرا، واتبعه نفر، فنزل عن راحلته، ونثل كنانته، وقال لقد علمتم أني من أرماكم، واْيم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي، فإن شئتم دللتكم على مالي، وخليتم سبيلي؟ قالوا: نفعل فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ربح البيع أبا يحيى)، ونزلت: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِيْ نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة:٢٠٧]. [حلية الأولياء]

وربما كان الرامي كتيبة بنفسه، يُنهِك العدو ويُنكِي به لوحده، كما فعله الصحابي الجليل سلمة بن الأكوع رضي الله عنه الذي يُعد من أمهر الصحابة في الرماية، ومن أعجب مواقفه حين لحق بالمشركين من غطفان في غزوة ذي قرد وكان يرميهم بسهامه ويقول: خذها وأنا ابن الأكوع.. واليوم يوم الرضع حتى أسقطوا كثيرا من متاعهم ليتمكنوا من الهروب منه. [متفق عليه]

وتشتد الحاجة للرماة حين يحمى الوطيس وتقِل الحيل، فتبرز بطولاتهم ودقة إصاباتهم، ففي القادسية عندما جاء الفرس بالفيلة التي لم يعتد المسلمون على قتالها، فأرسل سعد بن أبي وقاص إلى عاصم بن عمرو، فقال: يا معشر بني تميم، ألستم أصحاب الإبل والخيل! أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة؟! قالوا: بلى والله، ثم نادى في رجال من قومه رماة وآخرين لهم ثقافة، فقال لهم: يا معشر الرماة ذبوا ركبان الفيلة عنهم بالنبل، حتى قتلوا من كان على متنها واستطاعوا تحييدها. [تاريخ الطبري]

ويعظُم أثر الرماية لرؤوس الكفر وأئمتهم، ففي حروب الردةّ يوم اليمامة لما قام محكم اليمامة المرتد -وهو أحد جناحي مسيلمة الكذاب-، يخطب في قومه ويحثهم على قتال المؤمنين؛ حمل عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قوسه فرماه بسهم فوقع في نحره فقتله، وكفى الله المؤمنين شره. [تاريخ خليفة خياط]

فهذا نزرٌ من أثر الرماة في المعارك في ماضي تاريخنا المجيد، وفي هذا الزمان قد تطورت آلة الحرب، وأصبحت تعتمد بشكل كبير اليوم على الرماية التي تنوعت أساليبها وتغيرت أدواتها بين البنادق والقناصات والرشاشات والمدافع والصواريخ، وعلى المجاهدين إتقان هذه الفنون وبذل قصارى الجهد في تعلّم جديدها واستخدام حديدها، فبها تفلق الهام وتُهشّم العظام؛ وهي من القوة التي أمر الله بالإعداد بها، قال ابن تيمية رحمه الله في قتال الترك: "فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتالهم، وأخبر أن أمته ستقاتلهم، ومعلوم أن قتالهم النافع إنما هو بالقسي الفارسية، ولو قوتلوا بالقسي العربية... لم تغن شيئاً". [الفتاوى]

فثابروا أيها المجاهدون، واضربوا حيث تكثر المواجع، وإن للقناصات الدور الأكبر في مجال الرماية، فحسن التموضع واختيار المكان المناسب إذا اجتمع مع حذاقة في الرماية فإنه أعظم في النكاية، وأخلع لقلوب الأعداء، وهو أقرب لمفهوم الرماية بالنبل ومشابه لدوره في المعركة، فسددوا في الرؤوس والقلوب وأماكن العطب، فإن لم يكن قتلا حصلت إصابة تحيّد أحد جنود الطاغوت عن المعركة، فانثروا الرصاص وانتقوا السهام الحارقة، وارموا متوكلين على الله، فالله هو الرامي وهو المسدد سبحانه، {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ} [الأنفال:١٧]

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى جميع الآل والأصحاب، والحمد لله رب العالمين



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 324
الخميس 2 رجب 1443 هـ
...المزيد

مقال: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ تقوى الوقائع بقوة الدوافع، ولا دافع للمؤمن أكبر من إيمانه ...

مقال: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ


تقوى الوقائع بقوة الدوافع، ولا دافع للمؤمن أكبر من إيمانه بالله تعالى ويقينه بموعوده، فإن غلَب الإيمان في قلب المؤمن دفعه إلى فعل أمور لا تقيسها مقاييس البشر، ومِن أعظم هذه الدوافع تبشير المؤمنين، فهو عبادة عظيمة، حثّ الله عليها أنبياءه وأولياءه المؤمنين، وهي تقوم على دعائم مِن أهمها أمران: أما الأول فهو تبشير المؤمنين باستعلائهم بالله تعالى، فقد أكّده الله للمؤمنين كيفما كان حالهم، ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139]

ومن معاني الاستعلاء؛ الشعور بالرفعة والعزة التي ضمِنها الله لمن آمن به وجاهد في سبيله لإعلاء كلمته، فالمؤمن في رفعة دائما؛ لأن رفعته وعزته بعزة الله تعالى والله هو العليّ العزيز، قال الله تعالى في نصره للنبي صلى الله عليه وسلم على قريش حينما كانت تطلبه وهو في الغار: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} [التوبة:40]، فذكر سبحانه أنه سيجعل كلمة الذين كفروا السفلى وذلك لأنهم مهما بغوا وعلوا فسيخفضهم الله بحوله وقوته، فقال: {كَلِمَةَ} وهي منصوبة إعرابا بفعل {جَعَلَ}، أما {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} فهي مرفوعة إعرابا وأبديّة، فلم يجعلها عالية في ذلك الموطن بل هي كانت قبله وما زالت، وبهذا فليبشر المؤمنون أنّ رايتهم عالية دائما وأبدا ولن تُنكّس.

وقال سبحانه في أمر العزة: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون:8]، وما أذل اللهُ قوما اعتصموا به وعادوا وفاصلوا جميع المشركين لأجله سبحانه.

أما الأمر الثاني: فهو تبشير المؤمنين بمعيّة الله لهم، فذاك دافعهم وحاملهم على الإصرار لتحقيق ما يُرضيه سبحانه وتعالى، وإن حسب الناس أنّ ما يرنوا إليه المؤمنون جنونا وخرقا للعادة.

وبهذا طَمْأن الله المجاهدين في القرآن في قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:36]، وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}. [التوبة:123]، وقد جمع الله بين بشرى الاستعلاء وبشرى المعيّة في موطن واحد فقال سبحانه: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ}. [محمد:35]

والتبشير للمؤمنين في كل حال، في السراء والضراء وقت النصر وغيره وفي بداية الدعوة ووقت ظهورها، أو كثرة الأتباع أو تعدد الأعداء؛ وذلك لتعلوَ همم المؤمنين ويثبتوا وتحترق قلوب الكافرين ويغتاظوا، فقد أمر الله موسى عليه السلام بتبشير المؤمنين أيامَ طغيان فرعون، فقال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}. [يونس:87]

وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يبشّر المؤمنين يوم الأحزاب بفتح العراق والشام واليمن وهو يحفر الخندق ويضرب على حجر استعصى عليهم ويقول: (بسم الله، فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله وضرب ضربة أخرى، فقلع بقية الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا)، تبشير وتكبير في أحلك الظروف، وأعجب من هذا قوله صلى الله عليه وسلم بيقين بلغ المنتهى لمّا قيل له إنّ بني قريظة نقضت العهد، فقال صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين).

وإن قلب المؤمن ليتسع للأقدار الكونية من ابتلاء أو استضعاف أو غيره مع الأوامر الشرعية بلزوم أمر الله والصبر عليه وتبشير المؤمنين، أما المنافق فلا يسع قلبه ذلك، لذلك كان المنافقون يوم الخندق يقولون بقلوب فاسدةٍ وألسنة نتنةٍ مِلؤها الإرجاف والتخذيل وسوء ظن بالله: "يعِدنا محمد كنوز كسرى وقيصر، وأحدُنا لا يأمن على خلائه"

والتبشير مُكمِّل للتحريض، فكلاهما أمران ربانيان يؤثّران في الجهاد في سبيل الله، فقال تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمنِينَ}ِ، وقال: {وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ}.

وحيثما أمر الله بالجهاد بشّر عباده المؤمنين، إما بالولاية لهم، وإما بالنصرة، وإما بالجنة؛ ليكون لهم الدافع الأول لتقوية قلوبهم وزيادة عزمهم وتجديد هممهم، كقوله تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف:13]، وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال:39-40].

وقد بشر الله هذه الأمة بالنصر والغلبة والظهور والسناء، فقال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر:51]، وقال جل وعلا: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة:32]، وقال أيضا: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء:105]

وأعظم البشرى هي البشرى بالنجاة من النار ودخول الجنة وحصول رضوان الله على عبده، فقال الله لمن شرى نفسه وباعها لله: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ... وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة:111-112]، وقال عز وجل: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}. [النساء:74]

وقد بشّر الله بها مَن جانَبَ الطاغوت وحاربه فقال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ} [الزمر: 17]، قال الطبري رحمه الله: "لهم البشرى في الدنيا بالجنة في الآخرة".

وتبشير المؤمنين بما وعد الله هو تبشير بحقائق كائنة ولابد، وليس ما يبشر به المجاهدون من قبيل الغرور كما يدّعيه المنافقون القائلون: {غَرَّ هَٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ}. [الأنفال:49]

وما تباشيرهم شعارات جوفاء ولا وعودهم عبثية هوجاء، بل إن وعود المجاهدين صادقة، وتهديداتهم إن شاء الله نافذة، وقد أدركها العدو قبل الصديق؛ لأنها نابعة من يقينهم بالله تعالى ووعده الحق.

وإننا نبشر المسلمين بفتح ودكّ جميع حصون الطواغيت وفتح جزيرة العرب وفلسطين والقسطنطينية من جديد وروما إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا، فتأهّبوا يا عباد الله للقادمات، وتزوّدوا لصادق الموعودات، فذاك وعد الله والله لا يخلف الميعاد، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 324
الخميس 2 رجب 1443 هـ
...المزيد

مقال: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ تقوى الوقائع بقوة الدوافع، ولا دافع للمؤمن أكبر من إيمانه ...

مقال: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ


تقوى الوقائع بقوة الدوافع، ولا دافع للمؤمن أكبر من إيمانه بالله تعالى ويقينه بموعوده، فإن غلَب الإيمان في قلب المؤمن دفعه إلى فعل أمور لا تقيسها مقاييس البشر، ومِن أعظم هذه الدوافع تبشير المؤمنين، فهو عبادة عظيمة، حثّ الله عليها أنبياءه وأولياءه المؤمنين، وهي تقوم على دعائم مِن أهمها أمران: أما الأول فهو تبشير المؤمنين باستعلائهم بالله تعالى، فقد أكّده الله للمؤمنين كيفما كان حالهم، ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139]

ومن معاني الاستعلاء؛ الشعور بالرفعة والعزة التي ضمِنها الله لمن آمن به وجاهد في سبيله لإعلاء كلمته، فالمؤمن في رفعة دائما؛ لأن رفعته وعزته بعزة الله تعالى والله هو العليّ العزيز، قال الله تعالى في نصره للنبي صلى الله عليه وسلم على قريش حينما كانت تطلبه وهو في الغار: {وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} [التوبة:40]، فذكر سبحانه أنه سيجعل كلمة الذين كفروا السفلى وذلك لأنهم مهما بغوا وعلوا فسيخفضهم الله بحوله وقوته، فقال: {كَلِمَةَ} وهي منصوبة إعرابا بفعل {جَعَلَ}، أما {وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} فهي مرفوعة إعرابا وأبديّة، فلم يجعلها عالية في ذلك الموطن بل هي كانت قبله وما زالت، وبهذا فليبشر المؤمنون أنّ رايتهم عالية دائما وأبدا ولن تُنكّس.

وقال سبحانه في أمر العزة: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون:8]، وما أذل اللهُ قوما اعتصموا به وعادوا وفاصلوا جميع المشركين لأجله سبحانه.

أما الأمر الثاني: فهو تبشير المؤمنين بمعيّة الله لهم، فذاك دافعهم وحاملهم على الإصرار لتحقيق ما يُرضيه سبحانه وتعالى، وإن حسب الناس أنّ ما يرنوا إليه المؤمنون جنونا وخرقا للعادة.

وبهذا طَمْأن الله المجاهدين في القرآن في قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:36]، وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}. [التوبة:123]، وقد جمع الله بين بشرى الاستعلاء وبشرى المعيّة في موطن واحد فقال سبحانه: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ}. [محمد:35]

والتبشير للمؤمنين في كل حال، في السراء والضراء وقت النصر وغيره وفي بداية الدعوة ووقت ظهورها، أو كثرة الأتباع أو تعدد الأعداء؛ وذلك لتعلوَ همم المؤمنين ويثبتوا وتحترق قلوب الكافرين ويغتاظوا، فقد أمر الله موسى عليه السلام بتبشير المؤمنين أيامَ طغيان فرعون، فقال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}. [يونس:87]

وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يبشّر المؤمنين يوم الأحزاب بفتح العراق والشام واليمن وهو يحفر الخندق ويضرب على حجر استعصى عليهم ويقول: (بسم الله، فضرب ضربة فكسر ثلث الحجر، وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا، ثم قال: بسم الله وضرب ضربة أخرى، فقلع بقية الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا)، تبشير وتكبير في أحلك الظروف، وأعجب من هذا قوله صلى الله عليه وسلم بيقين بلغ المنتهى لمّا قيل له إنّ بني قريظة نقضت العهد، فقال صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين).

وإن قلب المؤمن ليتسع للأقدار الكونية من ابتلاء أو استضعاف أو غيره مع الأوامر الشرعية بلزوم أمر الله والصبر عليه وتبشير المؤمنين، أما المنافق فلا يسع قلبه ذلك، لذلك كان المنافقون يوم الخندق يقولون بقلوب فاسدةٍ وألسنة نتنةٍ مِلؤها الإرجاف والتخذيل وسوء ظن بالله: "يعِدنا محمد كنوز كسرى وقيصر، وأحدُنا لا يأمن على خلائه"

والتبشير مُكمِّل للتحريض، فكلاهما أمران ربانيان يؤثّران في الجهاد في سبيل الله، فقال تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمنِينَ}ِ، وقال: {وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ}.

وحيثما أمر الله بالجهاد بشّر عباده المؤمنين، إما بالولاية لهم، وإما بالنصرة، وإما بالجنة؛ ليكون لهم الدافع الأول لتقوية قلوبهم وزيادة عزمهم وتجديد هممهم، كقوله تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الصف:13]، وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال:39-40].

وقد بشر الله هذه الأمة بالنصر والغلبة والظهور والسناء، فقال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر:51]، وقال جل وعلا: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة:32]، وقال أيضا: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء:105]

وأعظم البشرى هي البشرى بالنجاة من النار ودخول الجنة وحصول رضوان الله على عبده، فقال الله لمن شرى نفسه وباعها لله: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ... وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة:111-112]، وقال عز وجل: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}. [النساء:74]

وقد بشّر الله بها مَن جانَبَ الطاغوت وحاربه فقال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فَبَشِّرْ عِبَادِ} [الزمر: 17]، قال الطبري رحمه الله: "لهم البشرى في الدنيا بالجنة في الآخرة".

وتبشير المؤمنين بما وعد الله هو تبشير بحقائق كائنة ولابد، وليس ما يبشر به المجاهدون من قبيل الغرور كما يدّعيه المنافقون القائلون: {غَرَّ هَٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ}. [الأنفال:49]

وما تباشيرهم شعارات جوفاء ولا وعودهم عبثية هوجاء، بل إن وعود المجاهدين صادقة، وتهديداتهم إن شاء الله نافذة، وقد أدركها العدو قبل الصديق؛ لأنها نابعة من يقينهم بالله تعالى ووعده الحق.

وإننا نبشر المسلمين بفتح ودكّ جميع حصون الطواغيت وفتح جزيرة العرب وفلسطين والقسطنطينية من جديد وروما إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا، فتأهّبوا يا عباد الله للقادمات، وتزوّدوا لصادق الموعودات، فذاك وعد الله والله لا يخلف الميعاد، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 324
الخميس 2 رجب 1443 هـ
...المزيد

تقرير: (معركة سجن غويران) تحرير أسرى وخسائر بالجملة في صفوف الـ PKK مصادر خاصة تكشف ...

تقرير: (معركة سجن غويران)


تحرير أسرى وخسائر بالجملة في صفوف الـ PKK
مصادر خاصة تكشف لـ(النبأ) تفاصيل جديدة عن
(معركة سجن غويران) ونتائجها


• النبأ: ولاية الشام – البركة

مرة أخرى فاجأت الدولة الإسلامية الجميع وضربت في عمق ديار العدو بل في أكثر مناطقه تحصينا في مدينة (البركة) بعملية هدم أسوار جديدة استهدفت أكبر السجون التي يديرها الـPKK المرتدون وتخضع لرقابة مباشرة من القوات الأمريكية.

هجوم معقد زمانا ومكانا وتخطيطا، دفع العدو وإعلامه إلى نسج روايات وحكايات وصلت إلى حد تشبيه ما جرى بأفلام "هوليود" الخيالية! في محاولة لتفسير ما عجزت عقولهم عن استيعابه بينما ساد العالم موجة هذيان كبيرة وهو يرى صنائع أحفاد عمير والبراء وخالد وأبي دجانة، يكسرون القيود ويُسقطون السجن المحصّن ويقتلون مديره ويأسرون حراسه، ثم يخوضون على مدار سبعة أيام أو يزيد حربا ضروسا حصدت أرواح العشرات من المرتدين ودمرت عددا كبيرا من آلياتهم، واستنفر فيها التحالف الصليبي قواته برا وجوا تزامنا مع استنفار المرتدين لجميع قواتهم ليس في منطقة الهجوم فحسب، بل في سائر مناطق سيطرتهم بشرق الفرات.

في هذا التقرير تكشف مصادر أمنية لـ(النبأ) تفاصيل جديدة وحصرية عن المعركة ونتائجها وجانبا من بطولات فرسانها ضمن المسموح بنشره فقط، وما خفي أعظم.


• بداية الهجوم بشاحنتين مفخختين

- خاص

وفي التفاصيل، قال مصدر أمني لـ(النبأ) إن الهجوم بدأ مساء الخميس (١٧/جمادى الآخرة) بانطلاق اثنين من فرسان الشهادة هما (أبو عبد الرحمن المهاجر) و(أبو الفاروق المهاجر) تقبلهما الله، نحو بوابة السجن وأسواره حيث قاما بتفجير شاحنتين مفخختين، أسفرتا عن دمار كبير في المكان ومقتل وإصابة العديد من عناصر الميليشيا، ليفتحا الطريق بذلك أمام مجموعة الانغماسيين التي كُلفت بمهام الاقتحام والمشاغلة.


• ١٢ انغماسيا فقط وليسوا مئات

وكشف المصدر لـ(النبأ) أن عدد الانغماسيين الذين قادوا الهجوم وباشروه بأنفسهم كان ١٢ مجاهدا فقط، توزعوا على أربع مجموعات، نافيًا البيانات والتصريحات الكاذبة لقادة العدو التي زعمت وصول مئات المجاهدين من مناطق أخرى، حيث هاجم المحور الأول أبراج السجن ومديرية المحروقات القريبة وأحرقوا صهاريج النفط للتعمية على الطائرات الأمريكية، والمحور الثاني هاجم مقرا قريبا للـPKK لإشغاله عن السجن، أما المحوران الثالث والرابع فقد قاما بقطع طريقي الإمداد المتبقيين عن السجن واشتبكا مع دوريات المؤازرة التي حاولت الوصول إلى موقع الهجوم.

وأوضح المصدر أن عملية اقتحام السجن تمت بعد اشتباكات عنيفة على أسوار السجن رافقها تحركات للأسرى من الداخل، تكللت بالسيطرة على مشاجب السلاح وقتل وأسر العديد من حراس وأفراد السجن، حتى تمكن المجاهدون من اقتحام السجن والوصول لإخوانهم الأسارى لتبدأ معركة أخرى داخل السجن وخارجه.


• من كسر القيود إلى حرب الاستنزاف

وحول توسع رقعة الاشتباكات، قال المصدر لـ(النبأ) إنّ الهجوم بداية كان بهدف هدم أسوار السجن وفكاك أسرى المسلمين كواجب شرعي تدين به الدولة الإسلامية ويوصي به قادتها على الدوام، وهو تكرار لعمليات هدم الأسوار التي جرت سابقا في ولايات أخرى كالعراق وخراسان و(كانجباي) بوسط إفريقية.

وأضاف المصدر أنه لم تكن الغاية من الهجوم فتح جبهات قتال ضد الـPKK في المنطقة، ولكن بعد الانهيار السريع لدفاعات المرتدين وسيطرة المجاهدين على مخازن السلاح وحصولهم على أسلحة متنوعة، قرروا توسيع رقعة الاشتباكات لاستنزاف قوات العدو وتحقيق النكاية فيه من جهة، ومن جهة أخرى لتشتيت العدو عن عمليات إخلاء المحرّرين التي حاول الطيران الصليبي جاهدا إفشالها.

وتابع المصدر قائلا، إنه على إثر ذلك توزع المجاهدون على ثلاث جبهات للقتال، الأولى داخل السجن والبنايات المحيطة به، والثانية في حي (غويران)، والجبهة الثالثة في (حي الزهور)، لتندلع المعارك في هذه الجبهات الثلاث على مدار أسبوع بشكل متواصل ليلا ونهارا، وسط مشاركة مباشرة من القوات الأمريكية برا وجوا بعمليات قصف مكثفة تسببت بتدمير أغلب مناطق المواجهات.


• بشرى بتأمين مجموعات من الأسرى المحررين

وبخصوص الأسرى الذين تمكنوا من كسر القيود، قال المصدر إنه بينما كانت الجبهات الثلاث تنكل بقوات المرتدين وتستنزفهم في معارك ضارية، نجحت عدة مجموعات في الخروج من المنطقة بسلام، وجرى نقلهم إلى مناطق آمنة بفضل الله تعالى، وامتنع المصدر عن الإدلاء بمزيد من التفاصيل حول عدد محدد أو أي تفاصيل أخرى تتعلق بذلك مكتفيا بالقول إنه تم تأمين كثير من الأسرى بفضل الله.

وعودة للحديث عن المعارك في الجبهات الثلاثة، أوضح المصدر ذاته أن المجاهدين قاتلوا في تلك الجبهات المشتعلة لسبعة أيام متواصلة حتى نفدت ذخيرتهم واشتد القصف الهمجي عليهم، ومن بينها كانت جبهة السجن وأسواره التي استعصت على الصليبيين والمرتدين طوال أيام المعركة ولم تستطع كل حشودهم أن تتقدم نحو مواقع المجاهدين في السجن برغم القصف العنيف.


• لم يحرروا رهائنهم بالقوة!

وتابع المصدر أنه أمام ذلك الموقف، اضطر المرتدون إلى بدء مفاوضات مع المجاهدين المتحصنين داخل السجن لكنها فشلت بعد تعنتهم، واستمرت الاشتباكات ليجدّد المرتدون طلب التفاوض، وبالفعل بدأت مفاوضات جديدة استمرت يومين استجاب فيها المرتدون لمطالب المجاهدين التي رفض المصدر الإفصاح عنها، والتي بناء عليها أخُليَ سبيل الرهائن الذين أسرهم المجاهدون خلال الهجوم، وقد أُطلقَ سراحهم على دفعات.

ونفى المصدر لـ(النبأ) صحة ما روجت له مواقع وصفحات المرتدين من أنهم تمكنوا من تحرير أسراهم بالقوة، ولو كانوا قادرين على ذلك لفعلوه من اليوم الأول، ولكنهم عجزوا عن ذلك أمام صبر وثبات المجاهدين.

وحول الأسرى الذين أعاد المرتدون أسرهم وعرضهم على شاشات الإعلام، قال المصدر إن هذه المعركة لم يشارك فيها إلا مَن حمل السلاح، بينما يقبع داخل السجن مئات الأسرى من كبار السن وأصحاب الأعذار، وهؤلاء هم مَن يستعرض المرتدون عضلاتهم عليهم، قد أثقلهم المرض وحبسهم العذر، بل هؤلاء هم الذين أقدم المرتدون والصليبيون على قصفهم في داخل السجن ومحيطه وهم عزّل بغير سلاح، نسأل الله أن يتقبل قتلاهم ويشفيَ جرحاهم.


• وفوا ببيعتهم وأبروا وعودهم

وتابع المصدر قائلا، أما المجاهدون الذين حملوا السلاح وتبايعوا على الموت فقد قاتلوا حتى الرمق الأخير داخل السجن وخارجه حتى تعرضوا لعمليات قصف همجي من الطائرات الأمريكية بعد أن فشلوا في القضاء عليهم في المواجهة المباشرة، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من استطاع الانحياز، ومنهم من يواصل الاشتباك حتى لحظة كتابة هذا التقرير.

كما كشف المصدر لـ(النبأ) أن المجاهدين الذين قادوا الهجوم قُتلوا قبل جنودهم -تقبلهم الله تعالى- وقد أوفوا ببيعتهم وأبروا بأيمانهم فسالت دماؤهم ذودا عن إخوانهم، نحسبهم والله حسيبهم.


• خسائر بالجملة في صفوف الـ PKK

وحول حصيلة الخسائر النهائية في صفوف الـ PKK، قال المصدر إن الخسائر النهائية يمكن إحصاؤها فقط عند انتهاء المعركة وتكشّف جميع خيوطها، أما حصيلة الخسائر في صفوف المرتدين حتى الآن فقد بلغت أكثر من 260 قتيلا وجريحا، بينهم عدد من القادة أحدهم "مدير السجن" الذي أجهز المجاهدون عليه بأيديهم، إضافة إلى تدمير 27 مدرعة وآلية منوعة، وقد عرضت وكالة أعماق عدة شرائط مصورة وثقت بداية الهجوم واقتحام السجن وكسر أسواره، كما وثقت سقوط عشرات القتلى في صفوف المرتدين في اليوم الأول.

وقال المصدر إن حصيلة المعركة لم تتوقف عند الخسائر المادية والبشرية، بل تعدتها لتشمل الخسائر المعنوية التي ضربت الروح القتالية لعناصر المرتدين، وشكلت حالة من التخبط والهلع رآها -رأي العين- كل من قرأ بياناتهم وتصريحات قادتهم التي ينقض بعضها بعضا، ورآها أيضا كل من شاهد المجاهدين وهم يتصدون لدبابات العدو التي حاولت اقتحام السجن وهي تفر هاربة لا تلوي على شيء.

وفي المقابل فقد أدى الهجوم إلى رفع الروح المعنوية للمسلمين وأسراهم ليس في الشام فحسب بل في كل ساحة من ساحات القتال، وقد رأى العالم حجم الاستنفار والهوس الأمني الذي ساد قوات المرتدين في سائر المنطقة وجميع السجون الأخرى.


• التحدي الأكبر بين المجاهدين والصليبيين

وقد مثّل الهجوم تحديا كبيرا للقوات الأمريكية والمرتدين حيث جرى تنفيذ الهجوم بعد فترة قياسية من إعلانهم إحباط محاولة سابقة لهجوم مشابه على نفس السجن، الأمر الذي زاد المجاهدين إصرارا على شن الهجوم بعد التوكل على الله تعالى.

وقد حاولت ميليشيا الـ PKK التغطية على فشلها عبر بيانات متكررة زعم فيها قادتهم أن هذا الهجوم شارك في إعداده "دول وأطراف خارجية!" مع علمهم يقينا أنهم وهذه الأطراف الخارجية هدف للمجاهدين طال الزمان أم قصر، وإن غدا لناظره لقريب.


• فشل أمني أمريكي قبل كل شيء

الفشل الكبير لم يرافق المرتدين في مرحلة التصدي للهجوم وحسب، بل كان الفشل ظاهرا منذ البداية وتمثل بنجاح الدولة الإسلامية في اختراق جميع التحصينات والخطوط الأمامية التي تفرضها الميليشيا في سائر المدينة عموما وحول سجن غويران على وجه التحديد، خصوصا أن المدينة بمثابة غرفة عمليات دائمة للقوات الأمريكية وتخضع لرقابة ودوريات مستمرة من قبلهم، ما شكّل ضربة أمنية مزدوجة للطرفين اللذين تقاسما الخيبة معا.

• معارك مستمرة وفصول لم تنته!

وفي نهاية التقرير أكد المصدر لـ(النبأ) أن تفاصيل كثيرة ستبقى في طي الكتمان بناء على توصيات قادة المجاهدين، مشيرا إلى أن فصول المعركة لم تنته بعد، حيث ما تزال العديد من المفارز منتشرة في محيط المنطقة وتشن هجمات ضد المرتدين بين الفينة والأخرى، والتي كان آخرها ما وقع يوم الخميس (24 / جمادى الآخرة) حين استهدف المجاهدون تجمعين لعناصر الـ PKK في محيط السجن، ما أسفر عن مقتل وإصابة ثمانية عناصر، إضافة إلى هجوم ثالث وقع صباح اليوم نفسه واستهدف تجمعا للمرتدين والصليبيين برفقة أطقم إعلامية جاءت لتبث تقاريرها عن "السيطرة على الموقف" والتي لم تكتمل لا على الأرض ولا حتى في الإعلام!، في حين أن المعركة ما تزال مستمرة بإذن الله تعالى.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 323
الخميس 24 جمادى الآخرة 1443 هـ
...المزيد

تقرير: (معركة سجن غويران) تحرير أسرى وخسائر بالجملة في صفوف الـ PKK مصادر خاصة تكشف ...

تقرير: (معركة سجن غويران)


تحرير أسرى وخسائر بالجملة في صفوف الـ PKK
مصادر خاصة تكشف لـ(النبأ) تفاصيل جديدة عن
(معركة سجن غويران) ونتائجها


• النبأ: ولاية الشام – البركة

مرة أخرى فاجأت الدولة الإسلامية الجميع وضربت في عمق ديار العدو بل في أكثر مناطقه تحصينا في مدينة (البركة) بعملية هدم أسوار جديدة استهدفت أكبر السجون التي يديرها الـPKK المرتدون وتخضع لرقابة مباشرة من القوات الأمريكية.

هجوم معقد زمانا ومكانا وتخطيطا، دفع العدو وإعلامه إلى نسج روايات وحكايات وصلت إلى حد تشبيه ما جرى بأفلام "هوليود" الخيالية! في محاولة لتفسير ما عجزت عقولهم عن استيعابه بينما ساد العالم موجة هذيان كبيرة وهو يرى صنائع أحفاد عمير والبراء وخالد وأبي دجانة، يكسرون القيود ويُسقطون السجن المحصّن ويقتلون مديره ويأسرون حراسه، ثم يخوضون على مدار سبعة أيام أو يزيد حربا ضروسا حصدت أرواح العشرات من المرتدين ودمرت عددا كبيرا من آلياتهم، واستنفر فيها التحالف الصليبي قواته برا وجوا تزامنا مع استنفار المرتدين لجميع قواتهم ليس في منطقة الهجوم فحسب، بل في سائر مناطق سيطرتهم بشرق الفرات.

في هذا التقرير تكشف مصادر أمنية لـ(النبأ) تفاصيل جديدة وحصرية عن المعركة ونتائجها وجانبا من بطولات فرسانها ضمن المسموح بنشره فقط، وما خفي أعظم.


• بداية الهجوم بشاحنتين مفخختين

- خاص

وفي التفاصيل، قال مصدر أمني لـ(النبأ) إن الهجوم بدأ مساء الخميس (١٧/جمادى الآخرة) بانطلاق اثنين من فرسان الشهادة هما (أبو عبد الرحمن المهاجر) و(أبو الفاروق المهاجر) تقبلهما الله، نحو بوابة السجن وأسواره حيث قاما بتفجير شاحنتين مفخختين، أسفرتا عن دمار كبير في المكان ومقتل وإصابة العديد من عناصر الميليشيا، ليفتحا الطريق بذلك أمام مجموعة الانغماسيين التي كُلفت بمهام الاقتحام والمشاغلة.


• ١٢ انغماسيا فقط وليسوا مئات

وكشف المصدر لـ(النبأ) أن عدد الانغماسيين الذين قادوا الهجوم وباشروه بأنفسهم كان ١٢ مجاهدا فقط، توزعوا على أربع مجموعات، نافيًا البيانات والتصريحات الكاذبة لقادة العدو التي زعمت وصول مئات المجاهدين من مناطق أخرى، حيث هاجم المحور الأول أبراج السجن ومديرية المحروقات القريبة وأحرقوا صهاريج النفط للتعمية على الطائرات الأمريكية، والمحور الثاني هاجم مقرا قريبا للـPKK لإشغاله عن السجن، أما المحوران الثالث والرابع فقد قاما بقطع طريقي الإمداد المتبقيين عن السجن واشتبكا مع دوريات المؤازرة التي حاولت الوصول إلى موقع الهجوم.

وأوضح المصدر أن عملية اقتحام السجن تمت بعد اشتباكات عنيفة على أسوار السجن رافقها تحركات للأسرى من الداخل، تكللت بالسيطرة على مشاجب السلاح وقتل وأسر العديد من حراس وأفراد السجن، حتى تمكن المجاهدون من اقتحام السجن والوصول لإخوانهم الأسارى لتبدأ معركة أخرى داخل السجن وخارجه.


• من كسر القيود إلى حرب الاستنزاف

وحول توسع رقعة الاشتباكات، قال المصدر لـ(النبأ) إنّ الهجوم بداية كان بهدف هدم أسوار السجن وفكاك أسرى المسلمين كواجب شرعي تدين به الدولة الإسلامية ويوصي به قادتها على الدوام، وهو تكرار لعمليات هدم الأسوار التي جرت سابقا في ولايات أخرى كالعراق وخراسان و(كانجباي) بوسط إفريقية.

وأضاف المصدر أنه لم تكن الغاية من الهجوم فتح جبهات قتال ضد الـPKK في المنطقة، ولكن بعد الانهيار السريع لدفاعات المرتدين وسيطرة المجاهدين على مخازن السلاح وحصولهم على أسلحة متنوعة، قرروا توسيع رقعة الاشتباكات لاستنزاف قوات العدو وتحقيق النكاية فيه من جهة، ومن جهة أخرى لتشتيت العدو عن عمليات إخلاء المحرّرين التي حاول الطيران الصليبي جاهدا إفشالها.

وتابع المصدر قائلا، إنه على إثر ذلك توزع المجاهدون على ثلاث جبهات للقتال، الأولى داخل السجن والبنايات المحيطة به، والثانية في حي (غويران)، والجبهة الثالثة في (حي الزهور)، لتندلع المعارك في هذه الجبهات الثلاث على مدار أسبوع بشكل متواصل ليلا ونهارا، وسط مشاركة مباشرة من القوات الأمريكية برا وجوا بعمليات قصف مكثفة تسببت بتدمير أغلب مناطق المواجهات.


• بشرى بتأمين مجموعات من الأسرى المحررين

وبخصوص الأسرى الذين تمكنوا من كسر القيود، قال المصدر إنه بينما كانت الجبهات الثلاث تنكل بقوات المرتدين وتستنزفهم في معارك ضارية، نجحت عدة مجموعات في الخروج من المنطقة بسلام، وجرى نقلهم إلى مناطق آمنة بفضل الله تعالى، وامتنع المصدر عن الإدلاء بمزيد من التفاصيل حول عدد محدد أو أي تفاصيل أخرى تتعلق بذلك مكتفيا بالقول إنه تم تأمين كثير من الأسرى بفضل الله.

وعودة للحديث عن المعارك في الجبهات الثلاثة، أوضح المصدر ذاته أن المجاهدين قاتلوا في تلك الجبهات المشتعلة لسبعة أيام متواصلة حتى نفدت ذخيرتهم واشتد القصف الهمجي عليهم، ومن بينها كانت جبهة السجن وأسواره التي استعصت على الصليبيين والمرتدين طوال أيام المعركة ولم تستطع كل حشودهم أن تتقدم نحو مواقع المجاهدين في السجن برغم القصف العنيف.


• لم يحرروا رهائنهم بالقوة!

وتابع المصدر أنه أمام ذلك الموقف، اضطر المرتدون إلى بدء مفاوضات مع المجاهدين المتحصنين داخل السجن لكنها فشلت بعد تعنتهم، واستمرت الاشتباكات ليجدّد المرتدون طلب التفاوض، وبالفعل بدأت مفاوضات جديدة استمرت يومين استجاب فيها المرتدون لمطالب المجاهدين التي رفض المصدر الإفصاح عنها، والتي بناء عليها أخُليَ سبيل الرهائن الذين أسرهم المجاهدون خلال الهجوم، وقد أُطلقَ سراحهم على دفعات.

ونفى المصدر لـ(النبأ) صحة ما روجت له مواقع وصفحات المرتدين من أنهم تمكنوا من تحرير أسراهم بالقوة، ولو كانوا قادرين على ذلك لفعلوه من اليوم الأول، ولكنهم عجزوا عن ذلك أمام صبر وثبات المجاهدين.

وحول الأسرى الذين أعاد المرتدون أسرهم وعرضهم على شاشات الإعلام، قال المصدر إن هذه المعركة لم يشارك فيها إلا مَن حمل السلاح، بينما يقبع داخل السجن مئات الأسرى من كبار السن وأصحاب الأعذار، وهؤلاء هم مَن يستعرض المرتدون عضلاتهم عليهم، قد أثقلهم المرض وحبسهم العذر، بل هؤلاء هم الذين أقدم المرتدون والصليبيون على قصفهم في داخل السجن ومحيطه وهم عزّل بغير سلاح، نسأل الله أن يتقبل قتلاهم ويشفيَ جرحاهم.


• وفوا ببيعتهم وأبروا وعودهم

وتابع المصدر قائلا، أما المجاهدون الذين حملوا السلاح وتبايعوا على الموت فقد قاتلوا حتى الرمق الأخير داخل السجن وخارجه حتى تعرضوا لعمليات قصف همجي من الطائرات الأمريكية بعد أن فشلوا في القضاء عليهم في المواجهة المباشرة، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من استطاع الانحياز، ومنهم من يواصل الاشتباك حتى لحظة كتابة هذا التقرير.

كما كشف المصدر لـ(النبأ) أن المجاهدين الذين قادوا الهجوم قُتلوا قبل جنودهم -تقبلهم الله تعالى- وقد أوفوا ببيعتهم وأبروا بأيمانهم فسالت دماؤهم ذودا عن إخوانهم، نحسبهم والله حسيبهم.


• خسائر بالجملة في صفوف الـ PKK

وحول حصيلة الخسائر النهائية في صفوف الـ PKK، قال المصدر إن الخسائر النهائية يمكن إحصاؤها فقط عند انتهاء المعركة وتكشّف جميع خيوطها، أما حصيلة الخسائر في صفوف المرتدين حتى الآن فقد بلغت أكثر من 260 قتيلا وجريحا، بينهم عدد من القادة أحدهم "مدير السجن" الذي أجهز المجاهدون عليه بأيديهم، إضافة إلى تدمير 27 مدرعة وآلية منوعة، وقد عرضت وكالة أعماق عدة شرائط مصورة وثقت بداية الهجوم واقتحام السجن وكسر أسواره، كما وثقت سقوط عشرات القتلى في صفوف المرتدين في اليوم الأول.

وقال المصدر إن حصيلة المعركة لم تتوقف عند الخسائر المادية والبشرية، بل تعدتها لتشمل الخسائر المعنوية التي ضربت الروح القتالية لعناصر المرتدين، وشكلت حالة من التخبط والهلع رآها -رأي العين- كل من قرأ بياناتهم وتصريحات قادتهم التي ينقض بعضها بعضا، ورآها أيضا كل من شاهد المجاهدين وهم يتصدون لدبابات العدو التي حاولت اقتحام السجن وهي تفر هاربة لا تلوي على شيء.

وفي المقابل فقد أدى الهجوم إلى رفع الروح المعنوية للمسلمين وأسراهم ليس في الشام فحسب بل في كل ساحة من ساحات القتال، وقد رأى العالم حجم الاستنفار والهوس الأمني الذي ساد قوات المرتدين في سائر المنطقة وجميع السجون الأخرى.


• التحدي الأكبر بين المجاهدين والصليبيين

وقد مثّل الهجوم تحديا كبيرا للقوات الأمريكية والمرتدين حيث جرى تنفيذ الهجوم بعد فترة قياسية من إعلانهم إحباط محاولة سابقة لهجوم مشابه على نفس السجن، الأمر الذي زاد المجاهدين إصرارا على شن الهجوم بعد التوكل على الله تعالى.

وقد حاولت ميليشيا الـ PKK التغطية على فشلها عبر بيانات متكررة زعم فيها قادتهم أن هذا الهجوم شارك في إعداده "دول وأطراف خارجية!" مع علمهم يقينا أنهم وهذه الأطراف الخارجية هدف للمجاهدين طال الزمان أم قصر، وإن غدا لناظره لقريب.


• فشل أمني أمريكي قبل كل شيء

الفشل الكبير لم يرافق المرتدين في مرحلة التصدي للهجوم وحسب، بل كان الفشل ظاهرا منذ البداية وتمثل بنجاح الدولة الإسلامية في اختراق جميع التحصينات والخطوط الأمامية التي تفرضها الميليشيا في سائر المدينة عموما وحول سجن غويران على وجه التحديد، خصوصا أن المدينة بمثابة غرفة عمليات دائمة للقوات الأمريكية وتخضع لرقابة ودوريات مستمرة من قبلهم، ما شكّل ضربة أمنية مزدوجة للطرفين اللذين تقاسما الخيبة معا.

• معارك مستمرة وفصول لم تنته!

وفي نهاية التقرير أكد المصدر لـ(النبأ) أن تفاصيل كثيرة ستبقى في طي الكتمان بناء على توصيات قادة المجاهدين، مشيرا إلى أن فصول المعركة لم تنته بعد، حيث ما تزال العديد من المفارز منتشرة في محيط المنطقة وتشن هجمات ضد المرتدين بين الفينة والأخرى، والتي كان آخرها ما وقع يوم الخميس (24 / جمادى الآخرة) حين استهدف المجاهدون تجمعين لعناصر الـ PKK في محيط السجن، ما أسفر عن مقتل وإصابة ثمانية عناصر، إضافة إلى هجوم ثالث وقع صباح اليوم نفسه واستهدف تجمعا للمرتدين والصليبيين برفقة أطقم إعلامية جاءت لتبث تقاريرها عن "السيطرة على الموقف" والتي لم تكتمل لا على الأرض ولا حتى في الإعلام!، في حين أن المعركة ما تزال مستمرة بإذن الله تعالى.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 323
الخميس 24 جمادى الآخرة 1443 هـ
...المزيد

مقال: كواسر الجهاد (1) الانغماس الحمد لله معزِّ الإسلام بنصره ومذل الشرك بقهره، الذي قدّر ...

مقال: كواسر الجهاد (1) الانغماس


الحمد لله معزِّ الإسلام بنصره ومذل الشرك بقهره، الذي قدّر الأيام دولا بعدله والصلاة والسلام على من أعلى الله منار الإسلام بسيفه، أما بعد:

لقد شرع الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين الجهاد نشرا لدينه وإعلاء لكلمته وإرغاما لأعدائه، وأَذن للمسلمين بالقتال وبيّن أنه كره للنفوس ولكن كل الخير فيه، ولقد كان المسلمون قبل الإذن بالقتال، يعانون من أذى المشركين صابرين ينتظرون أمر الله حتى جاءهم قوله جل وعلا: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: ٣٩]

فشمّر الصادقون السابقون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن سواعد التضحيات ورسموا أجمل صور البذل والفداء التي لم يَرَ مثلها التاريخ على مرِّ عصوره، فهم والله أبناء الحرب وأهل الحَلقَة، فأضرموا للحرب نارها وأذكوا بشجاعتهم أوارها، وما إن تناهى إلى أسماعهم قول ربهم جل في علاه: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: ٧٤] حتى شروا أنفسهم وأقاموا سوقا تتناثر فيه الأشلاء وتهراق فيه الدماء، ويعجز عن دخوله الجبناء، وتشتاق إليه أنفس الأبطال الأشداء، ولقد تفاضلوا فيما بينهم بعرض بضائعهم من الأجساد والأرواح يبتغون القتل مظانّه، سعيا لنيل الأجور ورضى الرب الغفور، يسعون للموت في ساحات القتال متيقنين أنه من خير معاش الناس لما حدّثهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم وهو يحثهم ويحرضهم فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من خير معاش الناس لهم؛ رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة، طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه) [مسلم]


• "ويضحك إليهم ربُّك"

وكان الانغماس في العدو أسمى صورة تُجسِّد هذا التسابق لنيل فضل الشهادة في سبيل الله وأجرها، فلقد سطّروا أروع ما يعجز عنه الأبطال، ويتقزّم دونه الرجال، فكانوا كواسر الجهاد محطِّمَة الشرك مجندِلة العدا، دوّنوا بجهادهم في سبيل الله نوعا جديدا من فنون القتال، يتحرقون شوقا إلى تلك الأماكن التي ينالون بها الدرجات العلى بإذن الله، فقد أخبر نعيم بن همار، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الشهداء أفضل؟ قال: (الذين إن يلقوا في الصف لا يلفتون وجوههم حتى يُقتلوا، أولئك يتلبطون في الغرف العلى من الجنة، ويضحك إليهم ربك، وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه). [مسند أحمد]

فانظر أيها المؤمن لهذه المنزلة التي يضحك فيها ربُنا سبحانه من عبده، ألا يسرّك أن تُضحك ربك إرضاء له وطمعا في رحمته، وهو عمل يعجَب منه إلهنا جل جلاله فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عَجِبَ ربُّنا تبارك وتعالى من رَجُل غَزا في سبيل الله، فَانْهَزَمَ أصحابه فعلم ما عليه، فَرَجَعَ حتى أُهريق دَمُه، فيقول الله عزَّ وجلَّ لملائكته: انظروا إلى عبدي، رجع رَغْبَة فيما عندي، وشَفَقة مما عندي، حتى أُهريق دَمُهُ) [أبو داود]، وزاد رزين (أُشْهِدُكم أني غَفَرتُ لَه)، فهذا رجل انْهَزَمَ هو وأصحابه، لكنه ما طابت نفسه الاستمرار في الانهزام، فرجع.. نعم رجع وحده تاركا أصحابه فقاتل حتى قُتِل، فهو قد دخل "معركة خاسرة" في حسابات الناس بعدما ولّى أصحابه، لكنه دخل موقنا بالموت طالبا للشهادة فمدح الله فعله وباهى به ملائكته، فواعجبا من تلك الطموحات والآمال!

قال ابن النحاس: "ولو لم يكن في الباب إلا هذا الحديث الصحيح لكفانا في الاستدلال على فضل الانغماس والله أعلم".


• صحابةٌ انغمسوا في صفوف العدو

ولو نظرنا لجهاد الصحابة رضي الله عنهم لوجدنا النماذج الكثيرة في الانغماس، ممن يدخل ليُقتل يقينا أو غالبا، يرجو ثواب الله، فهذا عمير بن الحمام أخذ بفؤاده قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض)، فقال بخ بخ، رجاء أن يكون من أهلها، فبشره النبي صلى الله عليه وسلم على أنه من أهلها، فلم يُرِد المكوث حتى لدقائق قليلة يأكل ما في يده من تمرات، فرمى بها وهبّ مسرعا فقاتل حتى قتل، رضي الله عنه وأرضاه. [مسلم]

وكلنا سمع بقصة أنس بن النَّضْرِ -رضي الله عنه- الذي قال: يا رسول الله، غِبْتُ عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين لَيُرِيَنَّ الله ما أصنع، فلما كان يوم أُحُدٍ تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنَّة وربِّ الكعبة إنِّي أجِدُ ريحها من دونِ أُحُدٍ، قال سعد -يبين عظيم فعل أنس بن النضر-: فما استطعت يا رسول الله ما صنع! قال أنس بن مالك: فوجدنا به بِضْعَا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة بِرُمْح، أو رَمْيَة بسهم، ووجدناه قد قُتل ومَثَّل به المشركون، ومن كثرة الطعنات والضربات تغيرت ملامحه حتى ما

عَرفه أحدٌ إلا أُختُه بطرف أصابعه. قال أنس: كنَّا نرى أو نَظُنُّ أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} [الأحزاب: ٢٣]

وذاكم الأخرم الأسدي رضي الله عنه، حين رجع المسلمون من الحديبية جاء قوم من المشركين فغاروا على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحقهم سلمة بن الأكوع لوحده حتى استنقذها منهم، ثم ما هي إلا لحظات فإذا بفوارس النبي صلى الله عليه وسلم تتخلل الشجر وأولهم الأخرم الأسدي آخذ عنان فرسه، فقال له سلمة: يا أخرم، احذر القوم فإني لا آمن أن يقطعوك، فانتظر حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال: يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحُل بيني وبين الشهادة، قال: فخليت عنان فرسه فلحقهم فقاتل فقتل. [مسلم]

فنعم الرجال والله، وهذا البراء بن مالك البطل الكرار، فعل يوم اليمامة في حرب مسيلمة الكذاب ما لا يُنسى، إذ أمر أصحابه أن يحتملوه على ترس، على أسنة رماحهم، ويلقوه في الحديقة، فاقتحم إليهم، وشد عليهم، وقاتل حتى افتتح باب الحديقة، فجرح يومئذ بضعة وثمانين جرحا، ولذلك أقام خالد بن الوليد عليه شهرا يداوي جراحه. [سير أعلام النبلاء]

ولم يزل الصحابة رضوان الله عليهم يضربون الأمثال في التضحية لمن بعدهم، قال عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه يوم اليرموك: قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن وأفر منكم اليوم؟! ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أُثبِتُوا جميعا جراحا، وقتل منهم خلق، منهم ضرار بن الأزور، رضى الله عنهم. [البداية والنهاية]

وفي يوم اليرموك أيضا قال رجل لأبي عبيدة: إني قد أجمعت على أمري أن أشد عليهم، فهل توصوني إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم بشيء؟ فقال: تقرئه السلام وتخبره أنا قد وجدنا ما وعد الله ورسوله حقاً.

ورُوي أن أبا موسى الأشعري حضّ الناس على القتال في إحدى المعارك، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف)، فقام رجل رث الهيئة فقال: يا أبا موسى آنت سمعت رسول الله يقول هذا؟ قال: نعم، قال فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل. [مسلم]

وقال مالك بن دينار: لما كان يوم الزاوية قال عبد الله بن غالب: "إني لأرى أمرا ما لي عليه صبر روحوا بنا إلى الجنة"، قال: فكسر جفن سيفه ثم تقدم فقاتل حتى قتل، قال: فكان يوجد من قبره ريح المسك. [حلية الأولياء]


• الإنغماس جهادٌ لا تهلكة

وليس الانغماس من التهلكة في شيء ففي غزوة القسطنطينية حمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقى بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري وأخبرهم أن تأويلهم للآية في غير محله ثم قال: فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو. [سنن الترمذي]

وفي يوم نهاوند، أُخبِر عمر رضي الله عنه بالقتلى فقالوا: فلان وفلان ورجل شرى نفسه، فقال رجل من أحمس يقال له مالك بن عوف: ذاك خالي يا أمير المؤمنين زعم ناس أنه ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذب أولئك، بل هو من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا. [سنن البيهقي]

فبتلك المواقف ونظائرها بدماء وأشلاء خيرة خلق الله -رضي الله عنهم- والذين لم يُؤثروا سلامة أنفسهم على التقصير في نشره، بلغ الدين مداه، وتهاوت قلاع الكافرين.

وفي هذا الزمان رأينا من جنود الخلافة -أعزها الله- الذين ثبّت الله بهم الدين ما يثلج الصدور ويبشر بأن الخير في أمة التوحيد ما يزال، وأن الذين تربوا على القرآن والسنة تتشابه أفعالهم وتتماثل بطولاتهم، فلقد سطر حملة راية التوحيد بعملياتهم الاستشهادية والانغماسية بطولات تذكّرنا بالصحابة رضوان الله عليهم، فنجد لتلك العمليات أثرا عظيما في فتح البلدات أو دكّ أسوار السجون.

وكلا البابين واحد الاستشهاد والانغماس فمبتدؤه واحد بالنية المبرمة فيه بغلبة الظن على القتل في سبيل الله، وسواء من ألقى نفسه بينهم فقتل وقتلوه، أو توسطهم ففجّر فيهم فكلٌ مثخن في سبيل الله، وإن كانت العملية الاستشهادية أعظم أجرا وأثرا، وأبلغ في الوصف (من عقر جواده، وأريق دمه). [الدارمي]

وإن كان الجهاد ذروة سنام الإسلام فإن الاستشهاد والانغماس ذروة سنام الجهاد؛ لأنه أكثر ما يشفي صدور المؤمنين ويرهب أعداء الدين ويقض مضاجعهم ويحرض القاعدين والمترددين.

فأين المشمّرون لجنات النعيم؟ وأين حماة الدين والعِرض؟ وأين صنّاع الفتح لأمة الإسلام؟ قد عرفتم فهبّوا، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 323
الخميس 24 جمادى الآخرة 1443 هـ
...المزيد

مقال: كواسر الجهاد (1) الانغماس الحمد لله معزِّ الإسلام بنصره ومذل الشرك بقهره، الذي قدّر ...

مقال: كواسر الجهاد (1) الانغماس


الحمد لله معزِّ الإسلام بنصره ومذل الشرك بقهره، الذي قدّر الأيام دولا بعدله والصلاة والسلام على من أعلى الله منار الإسلام بسيفه، أما بعد:

لقد شرع الله سبحانه وتعالى لعباده المؤمنين الجهاد نشرا لدينه وإعلاء لكلمته وإرغاما لأعدائه، وأَذن للمسلمين بالقتال وبيّن أنه كره للنفوس ولكن كل الخير فيه، ولقد كان المسلمون قبل الإذن بالقتال، يعانون من أذى المشركين صابرين ينتظرون أمر الله حتى جاءهم قوله جل وعلا: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: ٣٩]

فشمّر الصادقون السابقون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن سواعد التضحيات ورسموا أجمل صور البذل والفداء التي لم يَرَ مثلها التاريخ على مرِّ عصوره، فهم والله أبناء الحرب وأهل الحَلقَة، فأضرموا للحرب نارها وأذكوا بشجاعتهم أوارها، وما إن تناهى إلى أسماعهم قول ربهم جل في علاه: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: ٧٤] حتى شروا أنفسهم وأقاموا سوقا تتناثر فيه الأشلاء وتهراق فيه الدماء، ويعجز عن دخوله الجبناء، وتشتاق إليه أنفس الأبطال الأشداء، ولقد تفاضلوا فيما بينهم بعرض بضائعهم من الأجساد والأرواح يبتغون القتل مظانّه، سعيا لنيل الأجور ورضى الرب الغفور، يسعون للموت في ساحات القتال متيقنين أنه من خير معاش الناس لما حدّثهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم وهو يحثهم ويحرضهم فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من خير معاش الناس لهم؛ رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله، يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة، طار عليه يبتغي القتل والموت مظانه) [مسلم]


• "ويضحك إليهم ربُّك"

وكان الانغماس في العدو أسمى صورة تُجسِّد هذا التسابق لنيل فضل الشهادة في سبيل الله وأجرها، فلقد سطّروا أروع ما يعجز عنه الأبطال، ويتقزّم دونه الرجال، فكانوا كواسر الجهاد محطِّمَة الشرك مجندِلة العدا، دوّنوا بجهادهم في سبيل الله نوعا جديدا من فنون القتال، يتحرقون شوقا إلى تلك الأماكن التي ينالون بها الدرجات العلى بإذن الله، فقد أخبر نعيم بن همار، أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الشهداء أفضل؟ قال: (الذين إن يلقوا في الصف لا يلفتون وجوههم حتى يُقتلوا، أولئك يتلبطون في الغرف العلى من الجنة، ويضحك إليهم ربك، وإذا ضحك ربك إلى عبد في الدنيا فلا حساب عليه). [مسند أحمد]

فانظر أيها المؤمن لهذه المنزلة التي يضحك فيها ربُنا سبحانه من عبده، ألا يسرّك أن تُضحك ربك إرضاء له وطمعا في رحمته، وهو عمل يعجَب منه إلهنا جل جلاله فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عَجِبَ ربُّنا تبارك وتعالى من رَجُل غَزا في سبيل الله، فَانْهَزَمَ أصحابه فعلم ما عليه، فَرَجَعَ حتى أُهريق دَمُه، فيقول الله عزَّ وجلَّ لملائكته: انظروا إلى عبدي، رجع رَغْبَة فيما عندي، وشَفَقة مما عندي، حتى أُهريق دَمُهُ) [أبو داود]، وزاد رزين (أُشْهِدُكم أني غَفَرتُ لَه)، فهذا رجل انْهَزَمَ هو وأصحابه، لكنه ما طابت نفسه الاستمرار في الانهزام، فرجع.. نعم رجع وحده تاركا أصحابه فقاتل حتى قُتِل، فهو قد دخل "معركة خاسرة" في حسابات الناس بعدما ولّى أصحابه، لكنه دخل موقنا بالموت طالبا للشهادة فمدح الله فعله وباهى به ملائكته، فواعجبا من تلك الطموحات والآمال!

قال ابن النحاس: "ولو لم يكن في الباب إلا هذا الحديث الصحيح لكفانا في الاستدلال على فضل الانغماس والله أعلم".


• صحابةٌ انغمسوا في صفوف العدو

ولو نظرنا لجهاد الصحابة رضي الله عنهم لوجدنا النماذج الكثيرة في الانغماس، ممن يدخل ليُقتل يقينا أو غالبا، يرجو ثواب الله، فهذا عمير بن الحمام أخذ بفؤاده قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض)، فقال بخ بخ، رجاء أن يكون من أهلها، فبشره النبي صلى الله عليه وسلم على أنه من أهلها، فلم يُرِد المكوث حتى لدقائق قليلة يأكل ما في يده من تمرات، فرمى بها وهبّ مسرعا فقاتل حتى قتل، رضي الله عنه وأرضاه. [مسلم]

وكلنا سمع بقصة أنس بن النَّضْرِ -رضي الله عنه- الذي قال: يا رسول الله، غِبْتُ عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين لَيُرِيَنَّ الله ما أصنع، فلما كان يوم أُحُدٍ تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنَّة وربِّ الكعبة إنِّي أجِدُ ريحها من دونِ أُحُدٍ، قال سعد -يبين عظيم فعل أنس بن النضر-: فما استطعت يا رسول الله ما صنع! قال أنس بن مالك: فوجدنا به بِضْعَا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة بِرُمْح، أو رَمْيَة بسهم، ووجدناه قد قُتل ومَثَّل به المشركون، ومن كثرة الطعنات والضربات تغيرت ملامحه حتى ما

عَرفه أحدٌ إلا أُختُه بطرف أصابعه. قال أنس: كنَّا نرى أو نَظُنُّ أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} [الأحزاب: ٢٣]

وذاكم الأخرم الأسدي رضي الله عنه، حين رجع المسلمون من الحديبية جاء قوم من المشركين فغاروا على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحقهم سلمة بن الأكوع لوحده حتى استنقذها منهم، ثم ما هي إلا لحظات فإذا بفوارس النبي صلى الله عليه وسلم تتخلل الشجر وأولهم الأخرم الأسدي آخذ عنان فرسه، فقال له سلمة: يا أخرم، احذر القوم فإني لا آمن أن يقطعوك، فانتظر حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، قال: يا سلمة، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحُل بيني وبين الشهادة، قال: فخليت عنان فرسه فلحقهم فقاتل فقتل. [مسلم]

فنعم الرجال والله، وهذا البراء بن مالك البطل الكرار، فعل يوم اليمامة في حرب مسيلمة الكذاب ما لا يُنسى، إذ أمر أصحابه أن يحتملوه على ترس، على أسنة رماحهم، ويلقوه في الحديقة، فاقتحم إليهم، وشد عليهم، وقاتل حتى افتتح باب الحديقة، فجرح يومئذ بضعة وثمانين جرحا، ولذلك أقام خالد بن الوليد عليه شهرا يداوي جراحه. [سير أعلام النبلاء]

ولم يزل الصحابة رضوان الله عليهم يضربون الأمثال في التضحية لمن بعدهم، قال عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه يوم اليرموك: قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن وأفر منكم اليوم؟! ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أُثبِتُوا جميعا جراحا، وقتل منهم خلق، منهم ضرار بن الأزور، رضى الله عنهم. [البداية والنهاية]

وفي يوم اليرموك أيضا قال رجل لأبي عبيدة: إني قد أجمعت على أمري أن أشد عليهم، فهل توصوني إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم بشيء؟ فقال: تقرئه السلام وتخبره أنا قد وجدنا ما وعد الله ورسوله حقاً.

ورُوي أن أبا موسى الأشعري حضّ الناس على القتال في إحدى المعارك، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف)، فقام رجل رث الهيئة فقال: يا أبا موسى آنت سمعت رسول الله يقول هذا؟ قال: نعم، قال فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قتل. [مسلم]

وقال مالك بن دينار: لما كان يوم الزاوية قال عبد الله بن غالب: "إني لأرى أمرا ما لي عليه صبر روحوا بنا إلى الجنة"، قال: فكسر جفن سيفه ثم تقدم فقاتل حتى قتل، قال: فكان يوجد من قبره ريح المسك. [حلية الأولياء]


• الإنغماس جهادٌ لا تهلكة

وليس الانغماس من التهلكة في شيء ففي غزوة القسطنطينية حمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقى بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري وأخبرهم أن تأويلهم للآية في غير محله ثم قال: فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو. [سنن الترمذي]

وفي يوم نهاوند، أُخبِر عمر رضي الله عنه بالقتلى فقالوا: فلان وفلان ورجل شرى نفسه، فقال رجل من أحمس يقال له مالك بن عوف: ذاك خالي يا أمير المؤمنين زعم ناس أنه ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كذب أولئك، بل هو من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا. [سنن البيهقي]

فبتلك المواقف ونظائرها بدماء وأشلاء خيرة خلق الله -رضي الله عنهم- والذين لم يُؤثروا سلامة أنفسهم على التقصير في نشره، بلغ الدين مداه، وتهاوت قلاع الكافرين.

وفي هذا الزمان رأينا من جنود الخلافة -أعزها الله- الذين ثبّت الله بهم الدين ما يثلج الصدور ويبشر بأن الخير في أمة التوحيد ما يزال، وأن الذين تربوا على القرآن والسنة تتشابه أفعالهم وتتماثل بطولاتهم، فلقد سطر حملة راية التوحيد بعملياتهم الاستشهادية والانغماسية بطولات تذكّرنا بالصحابة رضوان الله عليهم، فنجد لتلك العمليات أثرا عظيما في فتح البلدات أو دكّ أسوار السجون.

وكلا البابين واحد الاستشهاد والانغماس فمبتدؤه واحد بالنية المبرمة فيه بغلبة الظن على القتل في سبيل الله، وسواء من ألقى نفسه بينهم فقتل وقتلوه، أو توسطهم ففجّر فيهم فكلٌ مثخن في سبيل الله، وإن كانت العملية الاستشهادية أعظم أجرا وأثرا، وأبلغ في الوصف (من عقر جواده، وأريق دمه). [الدارمي]

وإن كان الجهاد ذروة سنام الإسلام فإن الاستشهاد والانغماس ذروة سنام الجهاد؛ لأنه أكثر ما يشفي صدور المؤمنين ويرهب أعداء الدين ويقض مضاجعهم ويحرض القاعدين والمترددين.

فأين المشمّرون لجنات النعيم؟ وأين حماة الدين والعِرض؟ وأين صنّاع الفتح لأمة الإسلام؟ قد عرفتم فهبّوا، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 323
الخميس 24 جمادى الآخرة 1443 هـ
...المزيد

معركة غويران والجيب الأخير لم نجد ما نفتتح به هذا العدد حول "ملحمة غويران" البطولية أفضل مِن ...

معركة غويران والجيب الأخير


لم نجد ما نفتتح به هذا العدد حول "ملحمة غويران" البطولية أفضل مِن أن نبدأ مِن حيث زعم الصليبيون نهاية الدولة الإسلامية في "الجيب الأخير!" كما اتفقوا على تسميته، حيث "ملحمة الباغوز" التي ألقت بظلالها على المشهد مِن بداياته.

لا نبالغ إن قلنا إنّ معركة غويران لم تكن ثأرا لأسرى الباغوز بقدر ما كان أبطال الباغوز هم مِن صُنّاعها وفرسانها، فهل لديكم سجّل يتسع لهذا المجد والجلَد؟، ثمرة تليق بصبرهم، والله يحب الصابرين.

اثنا عشر انغماسيًا ظنّهم المرتدون مئات يقتحمون أعتى السجون، أسرى يحررون أنفسهم ويأسرون الآسرين، مقاتلون يبايعون على الموت ليحيا غيرهم، مهاجرون وأنصار يتزاحمون على فداء إخوانهم وفكاك أسرهم بأرواحهم، كماة لا يرون غير الله ربَّا وغير الجنة ثمنا، أحسنَ قادتُهم تربيتهم على منهاج النبوة وسِيَر السابقين فصاروا حلقات عالية في سلاسل الذهب في سند اللاحقين، علوٌ يطلبه الكثيرون ولا يظفر به إلا الصادقون.

لا الكلمات تفي بحقهم، ولا العبارات تُفلح في وصف مآثرهم، وكيف للكلمات أن تحيط بالدماء، وحدها الآيات هي مَن تصف صنائعهم، فهم منها انطلقوا، وعلى ترتيلها سهروا، وعلى هداها ساروا، لم يتخذوا غير التوحيد دينا فلما أيقنوه، أيقنوا أن لا سبيل لحفظه إلا بالجهاد فملأوا معسكراته وأضرموا غاراته وأحرقوا بلهيب حربه كل الأنداد والأوثان حجارة كانت أو حديدا، أو بشرا وطواغيت.

قال الله تعالى: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}[الأحزاب: 23]، قال المفسّرون: {صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} أي: وفّوا به، وأتمّوه، وأكملوه، فبذلوا مهجهم في مرضاته، وسبَّلوا أنفسهم في طاعته، وقوله تعالى: {فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ} أي: فرغ مِن نذره، ووفّى بعهده، فصبر على الجهاد حتى قُتل، وقوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ} أي: ينتظر ما وعده الله به مِن النصر، أو الشهادة على ما مضى عليه أصحابُه، وقوله تعالى: {وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}: أي ما شكُّوا وما تردّدوا في دينهم، ولا استبدلوا به غيره.

نعم وحدها الآيات من تصف صنائع أحفاد البراء بن مالك، وعمير بن الحمام وسمّاك بن خرشة -رضي الله عنهم- وعن أتباعهم إلى يوم الدين.

لقد وقف العالم بأسره مذهولا مِن هول ما رأى، وهو يبصر نفس العصبة المؤمنة التي قال الصليبيون والمرتدون إنهم قضوا عليها في الجيب الأخير؛ تعود وتعاود الكرة عليهم من جديد، وتضربهم في أكثر مناطقهم تحصينا، حتى راحوا يتخبّطون في تصريحاتهم، هذا يشكّك وذاك يكذّب، هذا يتعجب وذاك يستغرب، والشانئون ينزفون دمًا من الغيظ، والمنافقون عاشوا أياما وليالي سود، وآخرون يصرخون راغمين لقد عادوا من جديد! أما المؤمنون فقد فرحوا واستبشروا بفضل الله ورحمته وتوفيقه لعباده.

إن معركة غويران قبل أن تكون معركة عسكرية وأمنية معقّدة، كانت معركة يقين انتصر فيها مجاهدو دولة الإسلام بفضل الله تعالى، يقين بأن النصر والتوفيق من عند الله تعالى، ويقين بأن الموت بيده سبحانه وحده، لا الإقدام يقدّمه ولا الإحجام يؤخّره، فالموت واقع على كل حال، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا}[آل عمران: 145]، قال القرطبي رحمه الله في تفسير الآية: "هذا حضٌّ على الجهاد، وإعلامٌ أن الموت لا بد منه، وأن كل إنسان مقتول أو غير مقتول ميت إذا بلغ أجله المكتوب له"، وقال ابن كثير رحمه الله معلّقا عليها: "فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه".

بهذه العقيدة القتالية يحيا جنود الخلافة، عقيدة ترى في الموت قدرا لن يُخطئ صاحبه ولو كان في بروج مشيّدة، فيقدمون على الموت يطاردونه في مظانّه، بل يرون فيه سببا لعودة المسلمين إلى منهاج النبوة، فيستجيبون لداعيه بقلوب راضية، يُقتلون ليبثّوا الحياة في أمتهم مِن بعدهم وتدبّ الروح فيها فتحيا بدمائهم مِن جديد، مصداقًا لقوله جلّ جلاله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24].

لقد استجاب جنود الخلافة لما يُحيي إخوانهم المسلمين فاقتحموا غمار الحروب وكسروا أسوار السجون وقبلها أغماد سيوفهم، وانغمسوا حاسرين في صفوف المرتدين في معارك وصفها المنافقون بـ"المؤامرة والتمثيلية" وغيرها من الأوصاف التي ينطق بها فاقدو اليقين.

إنها معركة اليقين التي عبّر عنها أصحاب بيعة الموت عندما رفعوا شعارهم "المنية لا الدنية" وتعاهدوا على أن يخرجوا من هذه المعركة أحرارا، أو يُقتلوا عبيدا لله تعالى، ونحسبهم قد أتمّوا بيعتهم والله حسيبهم، فخرج مَن خرج منهم حرا مِن الأسر إلى قطعات الأرض التي يورثها الله مَن يشاء مِن عباده، وقُتل مَن قُتل منهم مقبلا غير مدبر صادقا ما عاهد الله عليه نحسبهم، ومنهم من ينتظر إحدى الحسنيين.

وبالعودة إلى ما بدأنا به، هل رأيتم دولة -غير دولة الإسلام- يُعلن أعداؤها القضاء عليها كل عام مرة أو مرتين، ثم لا هم يتوبون ولا يذكّرون؟! هذا ما يجري منذ "جيب" الباغوز وحتى معركة غويران التي جمعت بين هدم الأسوار وحرب الاستنزاف في ملحمة بطولية أبرّ فيها أمراء الدولة الإسلامية بأيمانهم ولبوا نداء نبيّهم صلى الله عليه وسلم بفكاك العاني، فلم يجدوا غير الدماء بريد وفاء ودليل صدق فجادوا بها عن طيب خاطر شوقا إلى باريهم -سبحانه- في يوم المزيد.

وليس سرا في الختام أن نخاطب أسرى المسلمين في كل مكان، فنقول إن معركة غويران صفحة من كتاب ثأر وسجل نصر لمّا تكتمل فصوله بعد! فأبشروا وأمّلوا خيرا وتذكروا وصية الخليفة أبي بكر البغدادي -تقبله الله تعالى- إليكم حين قال مخاطبا إياكم: "إنا والله ما نسيناكم ولكم حق علينا، ولن ندخر أي وسيلة في سبيل استنقاذكم، فاثبتوا على العهد، وكونوا عونا لإخوانكم المجاهدين بالدعاء وصدق الالتجاء إليه سبحانه، فإن الأمر كله بيديه، والفرج من عنده، ولن يغلب عسر يسرين"، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 323
الخميس 24 جمادى الآخرة 1443 هـ
...المزيد

معركة غويران والجيب الأخير لم نجد ما نفتتح به هذا العدد حول "ملحمة غويران" البطولية أفضل مِن ...

معركة غويران والجيب الأخير


لم نجد ما نفتتح به هذا العدد حول "ملحمة غويران" البطولية أفضل مِن أن نبدأ مِن حيث زعم الصليبيون نهاية الدولة الإسلامية في "الجيب الأخير!" كما اتفقوا على تسميته، حيث "ملحمة الباغوز" التي ألقت بظلالها على المشهد مِن بداياته.

لا نبالغ إن قلنا إنّ معركة غويران لم تكن ثأرا لأسرى الباغوز بقدر ما كان أبطال الباغوز هم مِن صُنّاعها وفرسانها، فهل لديكم سجّل يتسع لهذا المجد والجلَد؟، ثمرة تليق بصبرهم، والله يحب الصابرين.

اثنا عشر انغماسيًا ظنّهم المرتدون مئات يقتحمون أعتى السجون، أسرى يحررون أنفسهم ويأسرون الآسرين، مقاتلون يبايعون على الموت ليحيا غيرهم، مهاجرون وأنصار يتزاحمون على فداء إخوانهم وفكاك أسرهم بأرواحهم، كماة لا يرون غير الله ربَّا وغير الجنة ثمنا، أحسنَ قادتُهم تربيتهم على منهاج النبوة وسِيَر السابقين فصاروا حلقات عالية في سلاسل الذهب في سند اللاحقين، علوٌ يطلبه الكثيرون ولا يظفر به إلا الصادقون.

لا الكلمات تفي بحقهم، ولا العبارات تُفلح في وصف مآثرهم، وكيف للكلمات أن تحيط بالدماء، وحدها الآيات هي مَن تصف صنائعهم، فهم منها انطلقوا، وعلى ترتيلها سهروا، وعلى هداها ساروا، لم يتخذوا غير التوحيد دينا فلما أيقنوه، أيقنوا أن لا سبيل لحفظه إلا بالجهاد فملأوا معسكراته وأضرموا غاراته وأحرقوا بلهيب حربه كل الأنداد والأوثان حجارة كانت أو حديدا، أو بشرا وطواغيت.

قال الله تعالى: {مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}[الأحزاب: 23]، قال المفسّرون: {صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} أي: وفّوا به، وأتمّوه، وأكملوه، فبذلوا مهجهم في مرضاته، وسبَّلوا أنفسهم في طاعته، وقوله تعالى: {فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ} أي: فرغ مِن نذره، ووفّى بعهده، فصبر على الجهاد حتى قُتل، وقوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ} أي: ينتظر ما وعده الله به مِن النصر، أو الشهادة على ما مضى عليه أصحابُه، وقوله تعالى: {وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}: أي ما شكُّوا وما تردّدوا في دينهم، ولا استبدلوا به غيره.

نعم وحدها الآيات من تصف صنائع أحفاد البراء بن مالك، وعمير بن الحمام وسمّاك بن خرشة -رضي الله عنهم- وعن أتباعهم إلى يوم الدين.

لقد وقف العالم بأسره مذهولا مِن هول ما رأى، وهو يبصر نفس العصبة المؤمنة التي قال الصليبيون والمرتدون إنهم قضوا عليها في الجيب الأخير؛ تعود وتعاود الكرة عليهم من جديد، وتضربهم في أكثر مناطقهم تحصينا، حتى راحوا يتخبّطون في تصريحاتهم، هذا يشكّك وذاك يكذّب، هذا يتعجب وذاك يستغرب، والشانئون ينزفون دمًا من الغيظ، والمنافقون عاشوا أياما وليالي سود، وآخرون يصرخون راغمين لقد عادوا من جديد! أما المؤمنون فقد فرحوا واستبشروا بفضل الله ورحمته وتوفيقه لعباده.

إن معركة غويران قبل أن تكون معركة عسكرية وأمنية معقّدة، كانت معركة يقين انتصر فيها مجاهدو دولة الإسلام بفضل الله تعالى، يقين بأن النصر والتوفيق من عند الله تعالى، ويقين بأن الموت بيده سبحانه وحده، لا الإقدام يقدّمه ولا الإحجام يؤخّره، فالموت واقع على كل حال، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا}[آل عمران: 145]، قال القرطبي رحمه الله في تفسير الآية: "هذا حضٌّ على الجهاد، وإعلامٌ أن الموت لا بد منه، وأن كل إنسان مقتول أو غير مقتول ميت إذا بلغ أجله المكتوب له"، وقال ابن كثير رحمه الله معلّقا عليها: "فإن الإقدام والإحجام لا ينقص من العمر ولا يزيد فيه".

بهذه العقيدة القتالية يحيا جنود الخلافة، عقيدة ترى في الموت قدرا لن يُخطئ صاحبه ولو كان في بروج مشيّدة، فيقدمون على الموت يطاردونه في مظانّه، بل يرون فيه سببا لعودة المسلمين إلى منهاج النبوة، فيستجيبون لداعيه بقلوب راضية، يُقتلون ليبثّوا الحياة في أمتهم مِن بعدهم وتدبّ الروح فيها فتحيا بدمائهم مِن جديد، مصداقًا لقوله جلّ جلاله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24].

لقد استجاب جنود الخلافة لما يُحيي إخوانهم المسلمين فاقتحموا غمار الحروب وكسروا أسوار السجون وقبلها أغماد سيوفهم، وانغمسوا حاسرين في صفوف المرتدين في معارك وصفها المنافقون بـ"المؤامرة والتمثيلية" وغيرها من الأوصاف التي ينطق بها فاقدو اليقين.

إنها معركة اليقين التي عبّر عنها أصحاب بيعة الموت عندما رفعوا شعارهم "المنية لا الدنية" وتعاهدوا على أن يخرجوا من هذه المعركة أحرارا، أو يُقتلوا عبيدا لله تعالى، ونحسبهم قد أتمّوا بيعتهم والله حسيبهم، فخرج مَن خرج منهم حرا مِن الأسر إلى قطعات الأرض التي يورثها الله مَن يشاء مِن عباده، وقُتل مَن قُتل منهم مقبلا غير مدبر صادقا ما عاهد الله عليه نحسبهم، ومنهم من ينتظر إحدى الحسنيين.

وبالعودة إلى ما بدأنا به، هل رأيتم دولة -غير دولة الإسلام- يُعلن أعداؤها القضاء عليها كل عام مرة أو مرتين، ثم لا هم يتوبون ولا يذكّرون؟! هذا ما يجري منذ "جيب" الباغوز وحتى معركة غويران التي جمعت بين هدم الأسوار وحرب الاستنزاف في ملحمة بطولية أبرّ فيها أمراء الدولة الإسلامية بأيمانهم ولبوا نداء نبيّهم صلى الله عليه وسلم بفكاك العاني، فلم يجدوا غير الدماء بريد وفاء ودليل صدق فجادوا بها عن طيب خاطر شوقا إلى باريهم -سبحانه- في يوم المزيد.

وليس سرا في الختام أن نخاطب أسرى المسلمين في كل مكان، فنقول إن معركة غويران صفحة من كتاب ثأر وسجل نصر لمّا تكتمل فصوله بعد! فأبشروا وأمّلوا خيرا وتذكروا وصية الخليفة أبي بكر البغدادي -تقبله الله تعالى- إليكم حين قال مخاطبا إياكم: "إنا والله ما نسيناكم ولكم حق علينا، ولن ندخر أي وسيلة في سبيل استنقاذكم، فاثبتوا على العهد، وكونوا عونا لإخوانكم المجاهدين بالدعاء وصدق الالتجاء إليه سبحانه، فإن الأمر كله بيديه، والفرج من عنده، ولن يغلب عسر يسرين"، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 323
الخميس 24 جمادى الآخرة 1443 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
19 رجب 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً