لا تبحث عنه ف دينار (اول مشروع ف كلاس من 8افراد))والتقه ف اومن70000

لا تبحث عنه ف دينار (اول مشروع ف كلاس من 8افراد))والتقه ف اومن70000

شمة24 نحس -5 وقولكم ف دينارها وسئل بعض حكما اين علم قال عند كل ناس

شمة24 نحس -5 وقولكم ف دينارها وسئل بعض حكما اين علم قال عند كل ناس

°قال جنتين حقوق طريق ومرفق كذا وكذا ومازال جبريل يوصيني بالجار حتى ضننت انه سيورثه °قاال شاعر ...

°قال جنتين حقوق طريق ومرفق كذا وكذا ومازال جبريل يوصيني بالجار حتى ضننت انه سيورثه
°قاال شاعر امريكي في وصف جنتين
°جنات

عقوبات المعرضين عن ذكر رب العالمين -2- الحمد لله إله الأولين والآخرين والصلاة والسلام على ...

عقوبات المعرضين عن ذكر رب العالمين -2-


الحمد لله إله الأولين والآخرين والصلاة والسلام على نبينا محمد سيد المستغفرين وعلى آله وصحبه الأباة الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.

فمن طرق التنفير عن أمر مشين؛ تذكّر عاقبته وعقوبته فذاك أمر يصرِف العاقل عن السوء، وقد ابتدأنا في العدد الماضي الحديثَ عن العقوبات التي أُعدت للمعرضين عن ذكر الله تعالى، وسنكمل ما بقي منها في هذا العدد إن شاء الله:


• العقوبة الخامسة: الإعراض عنه ووروده جهنم

قال تعالى: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف:100-101]، فمن حجز عينيه عن النظر إلى كتاب الله متعاميا معرضا عن أوامره مخالفا لها فهو متوعّد بالنار، وقوله {وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} أي لا يريدون اتباع الحق كقوله تعالى في سورة هود عليه السلام: {يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} [هود:20] فالمراد بنفي الاستطاعة هنا الإعراض وليس عدم القدرة، فلما أعرضوا ابتداءً منعهم الله ذلك جزاءً فجعل على أبصارهم غشاوة، وهذا نحو قوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام:110]، ومثله ما جاء في السنة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد، قال فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه" [البخاري]

وكثير من الناس يقع في المعاصي والكفر من هذا الباب ويحسب أنه على هدى وما يدري أنه في غاية العمى كما قال الله: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف:103-104]، وما ربك بظلام للعبيد فمن أقبل على الله أقبل الله عليه، ومن صدق في طلبه للحق دلَّه الله عليه ولو كان في أقصى الأرض، وقد رأينا من هداهم الله وأخرجهم الله من بيئات في غاية البُعد عن الإسلام فهداهم حين علم صدقهم وعزيمتهم في إرادتهم الإيمان.

هذا وإن القرب من كتاب الله تعالى وطول النظر فيه -مع اتباع أوامره- باب هداية حقيقي، يمن الله به على من يشاء، وقد قال بعض العلماء: "كان النظر في المصاحف خلقا في الأولين"، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقضي يومه في بيته بين المصحف والصلاة.

وقد امتدح الله من يقبل على آيات الله إذا ذُكّر بها ولم يتعامَ عنها قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان:73]، قال ابن جرير رحمه الله: " يقول تعالى ذكره: والذين إذا ذكَّرهم مذكِّر بحجج الله، لم يكونوا صما لا يسمعون، وعميا لا يبصرونها ولكنهم يِقَاظُ القلوب، فُهَمَاءُ العقول، يفهمون عن الله ما يذَّكرهم به، ويفهمون عنه ما ينبههم عليه، فيوعون مواعظه آذانا سمعته، وقلوبا وعته" [التفسير]، وقال ابن كثير رحمه الله: "فقوله: {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} أي: بخلاف الكافر الذي ذكر بآيات ربه، فاستمر على حاله، كأن لم يسمعها أصم أعمى، قال مجاهد: قوله: {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} لم يسمعوا ولم يبصروا، ولم يفقهوا شيئا، وقال الحسن البصري: كم من رجل يقرؤها ويخر عليها أصم أعمى". [التفسير] ولذلك كان السلف رحمهم الله إذا ذُكر أحدهم بآيات الله توقّف عندها واتّهم نفسه ولم يكونوا مجادلين عن أنفسهم ببحث التبريرات والأعذار لما يخُالف الشرع.

• العقوبة السادسة: أن يكون أمره فُرُطا لا بركة فيه

قال الله تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28]، قال ابن جرير رحمه الله: "فقال بعضهم: معناه: وكان أمره ضياعا". [التفسير]

وهذا ملاحظ فقليل الذكر تجده ضائعا قليل البركة ضعيف الهمة نادر الإتقان متشتتا كسولا، وليس من سبب لذلك سوى حضور الشياطين عنده وإفسادها لأموره، ويشهد لهذا قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام:129] بينما يكون صاحب الذكر مجتمعا قلبه كثيرا إتقانه قويا في عزيمته.

وتشتيت المؤمن في أمره هو من سبل الشيطان فإنه إن لم يستطع إيقاع العبد في المعاصي وصده عن العمل الصالح أتاه من باب فعل المفضول وترك الفاضل الأولى والأهم، قال ابن القيم رحمه الله: "العقبة السادسة: وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها، وحسنها في عينه، وزينها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها، وأعظم كسبا وربحا، لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب، طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، وبالمرضي عن الأرضى له" [مدارج السالكين]


• العقوبة السابعة: العذاب الشاق

قال تعالى: {وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} [الجن:17]، قال الإمام الطبري رحمه الله: "قوله عزّ وجلّ: {وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ} الذي ذكره به، وهو هذا القرآن؛ ومعناه: ومن يعرض عن استماع القرآن واستعماله، يسلكه الله عذابا صعدا: يقول: يسلكه الله عذابا شديدا شاقا... عن ابن عباس {عَذَابًا صَعَدًا} قال: جبل في جهنم، وعن قتادة: عذابا لا راحة فيه." [التفسير]، فهذا وعيد لمن أعرض عن القرآن لا يلقي له بالا ولا يعمل به ولا يخاف من عذاب الله الأليم.

فمن أعرض عن آيات الله في عبادة الله وحده وتحكيم شرعه والتحاكم إليه أو آيات الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين أو آيات الجهاد في سبيل الله أو آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ صار مستحقا للعقوبة من الله في الدنيا والآخرة، وما نراه اليوم من فساد في الناس في معايشهم وما أصابهم من أوبئة وأمراض واقتتالهم على الدنيا وجرائم شتى؛ كل ذلك سببه الإعراض عن كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.


• إياك أن تتخذه جليسا!

وكل مَن كان مِن أهل الإعراض عن ذكر الله فإياك أن تتخذه صاحبا أو جليسا أو تصغي إليه فإنه قاطع طريقك إلى الله وإنك لو فحصته لوجدته مغمورا في الغفلة، مفتونا بالدنيا كثيرَ الذكر لها، منشرحا صدره حين الحديث عنها، وإن ذكر الله اشمأز قلبه وضاق، حاله كما قال الله: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر:45]

وقد أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بمجانبة هؤلاء المعرضين عن ذكر الله والابتعاد عنهم مع ما يحمله صلى الله عليه وسلم في صدره من القرآن والعلم، فقال تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَّنْ تَوَلَّىٰ عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [النجم:29]، ومن وصايا لقمان لابنه أنه قال: "يا بني إذا رأيت قوما يذكرون الله فاجلس معهم، فإنك إن تك عالما ينفعك علمك، وإن تك جاهلا علموك، ولعل الله تعالى يطلع عليهم برحمته، فتصيبك معهم، وإذا رأيت قوما لا يذكرون الله تعالى، فلا تجلس معهم، فإنك إن تك عالما لا ينفعك علمك، وإن تك جاهلا يزدك غيا، ولعل الله يطلع عليهم بسخطه فيصيبك معهم ". [تنبيه الغافلين]

اللهم جنّبنا سبل الغواية، واجعلنا من أهل الهداية، أنت مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 317
الخميس 12 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

عقوبات المعرضين عن ذكر رب العالمين -2- الحمد لله إله الأولين والآخرين والصلاة والسلام على ...

عقوبات المعرضين عن ذكر رب العالمين -2-


الحمد لله إله الأولين والآخرين والصلاة والسلام على نبينا محمد سيد المستغفرين وعلى آله وصحبه الأباة الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.

فمن طرق التنفير عن أمر مشين؛ تذكّر عاقبته وعقوبته فذاك أمر يصرِف العاقل عن السوء، وقد ابتدأنا في العدد الماضي الحديثَ عن العقوبات التي أُعدت للمعرضين عن ذكر الله تعالى، وسنكمل ما بقي منها في هذا العدد إن شاء الله:


• العقوبة الخامسة: الإعراض عنه ووروده جهنم

قال تعالى: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف:100-101]، فمن حجز عينيه عن النظر إلى كتاب الله متعاميا معرضا عن أوامره مخالفا لها فهو متوعّد بالنار، وقوله {وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} أي لا يريدون اتباع الحق كقوله تعالى في سورة هود عليه السلام: {يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} [هود:20] فالمراد بنفي الاستطاعة هنا الإعراض وليس عدم القدرة، فلما أعرضوا ابتداءً منعهم الله ذلك جزاءً فجعل على أبصارهم غشاوة، وهذا نحو قوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام:110]، ومثله ما جاء في السنة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد، قال فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه" [البخاري]

وكثير من الناس يقع في المعاصي والكفر من هذا الباب ويحسب أنه على هدى وما يدري أنه في غاية العمى كما قال الله: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف:103-104]، وما ربك بظلام للعبيد فمن أقبل على الله أقبل الله عليه، ومن صدق في طلبه للحق دلَّه الله عليه ولو كان في أقصى الأرض، وقد رأينا من هداهم الله وأخرجهم الله من بيئات في غاية البُعد عن الإسلام فهداهم حين علم صدقهم وعزيمتهم في إرادتهم الإيمان.

هذا وإن القرب من كتاب الله تعالى وطول النظر فيه -مع اتباع أوامره- باب هداية حقيقي، يمن الله به على من يشاء، وقد قال بعض العلماء: "كان النظر في المصاحف خلقا في الأولين"، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقضي يومه في بيته بين المصحف والصلاة.

وقد امتدح الله من يقبل على آيات الله إذا ذُكّر بها ولم يتعامَ عنها قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان:73]، قال ابن جرير رحمه الله: " يقول تعالى ذكره: والذين إذا ذكَّرهم مذكِّر بحجج الله، لم يكونوا صما لا يسمعون، وعميا لا يبصرونها ولكنهم يِقَاظُ القلوب، فُهَمَاءُ العقول، يفهمون عن الله ما يذَّكرهم به، ويفهمون عنه ما ينبههم عليه، فيوعون مواعظه آذانا سمعته، وقلوبا وعته" [التفسير]، وقال ابن كثير رحمه الله: "فقوله: {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} أي: بخلاف الكافر الذي ذكر بآيات ربه، فاستمر على حاله، كأن لم يسمعها أصم أعمى، قال مجاهد: قوله: {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} لم يسمعوا ولم يبصروا، ولم يفقهوا شيئا، وقال الحسن البصري: كم من رجل يقرؤها ويخر عليها أصم أعمى". [التفسير] ولذلك كان السلف رحمهم الله إذا ذُكر أحدهم بآيات الله توقّف عندها واتّهم نفسه ولم يكونوا مجادلين عن أنفسهم ببحث التبريرات والأعذار لما يخُالف الشرع.

• العقوبة السادسة: أن يكون أمره فُرُطا لا بركة فيه

قال الله تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28]، قال ابن جرير رحمه الله: "فقال بعضهم: معناه: وكان أمره ضياعا". [التفسير]

وهذا ملاحظ فقليل الذكر تجده ضائعا قليل البركة ضعيف الهمة نادر الإتقان متشتتا كسولا، وليس من سبب لذلك سوى حضور الشياطين عنده وإفسادها لأموره، ويشهد لهذا قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام:129] بينما يكون صاحب الذكر مجتمعا قلبه كثيرا إتقانه قويا في عزيمته.

وتشتيت المؤمن في أمره هو من سبل الشيطان فإنه إن لم يستطع إيقاع العبد في المعاصي وصده عن العمل الصالح أتاه من باب فعل المفضول وترك الفاضل الأولى والأهم، قال ابن القيم رحمه الله: "العقبة السادسة: وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها، وحسنها في عينه، وزينها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها، وأعظم كسبا وربحا، لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب، طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، وبالمرضي عن الأرضى له" [مدارج السالكين]


• العقوبة السابعة: العذاب الشاق

قال تعالى: {وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} [الجن:17]، قال الإمام الطبري رحمه الله: "قوله عزّ وجلّ: {وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ} الذي ذكره به، وهو هذا القرآن؛ ومعناه: ومن يعرض عن استماع القرآن واستعماله، يسلكه الله عذابا صعدا: يقول: يسلكه الله عذابا شديدا شاقا... عن ابن عباس {عَذَابًا صَعَدًا} قال: جبل في جهنم، وعن قتادة: عذابا لا راحة فيه." [التفسير]، فهذا وعيد لمن أعرض عن القرآن لا يلقي له بالا ولا يعمل به ولا يخاف من عذاب الله الأليم.

فمن أعرض عن آيات الله في عبادة الله وحده وتحكيم شرعه والتحاكم إليه أو آيات الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين أو آيات الجهاد في سبيل الله أو آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ صار مستحقا للعقوبة من الله في الدنيا والآخرة، وما نراه اليوم من فساد في الناس في معايشهم وما أصابهم من أوبئة وأمراض واقتتالهم على الدنيا وجرائم شتى؛ كل ذلك سببه الإعراض عن كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.


• إياك أن تتخذه جليسا!

وكل مَن كان مِن أهل الإعراض عن ذكر الله فإياك أن تتخذه صاحبا أو جليسا أو تصغي إليه فإنه قاطع طريقك إلى الله وإنك لو فحصته لوجدته مغمورا في الغفلة، مفتونا بالدنيا كثيرَ الذكر لها، منشرحا صدره حين الحديث عنها، وإن ذكر الله اشمأز قلبه وضاق، حاله كما قال الله: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر:45]

وقد أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بمجانبة هؤلاء المعرضين عن ذكر الله والابتعاد عنهم مع ما يحمله صلى الله عليه وسلم في صدره من القرآن والعلم، فقال تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَّنْ تَوَلَّىٰ عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [النجم:29]، ومن وصايا لقمان لابنه أنه قال: "يا بني إذا رأيت قوما يذكرون الله فاجلس معهم، فإنك إن تك عالما ينفعك علمك، وإن تك جاهلا علموك، ولعل الله تعالى يطلع عليهم برحمته، فتصيبك معهم، وإذا رأيت قوما لا يذكرون الله تعالى، فلا تجلس معهم، فإنك إن تك عالما لا ينفعك علمك، وإن تك جاهلا يزدك غيا، ولعل الله يطلع عليهم بسخطه فيصيبك معهم ". [تنبيه الغافلين]

اللهم جنّبنا سبل الغواية، واجعلنا من أهل الهداية، أنت مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 317
الخميس 12 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

الترغيب في الورع بسم الله الكبير المتعال مالك الملك ذي الجلال والإكرام، وعلى نبي الهدى ...

الترغيب في الورع


بسم الله الكبير المتعال مالك الملك ذي الجلال والإكرام، وعلى نبي الهدى والرحمة أفضل الصلاة والسلام، وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته إلى يوم الدين، وبعد.

فدِينُ المرء أغلى ما عنده؛ لأنه مقبل على الآخرة بلا شك، ولا ينفع في الآخرة إلا دين الإنسان وعمله، ومن أراد المحافظة على دينه فلابد له من سياج يجعله كالحِمى حتى لا ينخرم دينه فيعجز عن ترقيعه أو تداركه.

ولم يكن السلف من هذه الأمة عظماء في أفعالهم إلا برسوخ دينهم وتقواهم واهتمامهم بأمر الورع الذي يحفظ لهم دينهم، وما مررتَ بسيرة أحدهم إلا وجدتَهم يقولون عنه: "زاهدا وَرِعا"؛ وذلك لأنه خير الدين فكانوا متّصفين به مرغّبين فيه، فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الدين الورع، وأفضل العبادة الفقه). [معجم الطبراني]

وقد كانوا رحمهم الله يتعلمون الورع ويتلقّونه من أشياخهم، قال الضحاك بن مزاحم: "كان أولوكم يتعلمون الورع، ويأتي عليكم زمان يتعلم فيه الكلام". [الزهد لابن المبارك]

وهذا الورع هو ثمرة الإيمان كما قال طاوس رحمه الله: "مثل الإيمان كشجرة، فأصلها الشهادة، وساقها وورقها كذا، وثمرها الورع، ولا خير في شجرة لا ثمر لها، ولا خير في إنسان لا ورع له" [السنة للخلال]

وهو أرفع منازل الزهد المانع لصاحبه من الولوج في تخوم المعاصي، والذنوب المهلكات، فالورع "هو اجتناب الشبهات؛ خوفًا من الوقوع في المحرمات" [التعريفات للجرجاني]، وما أحسن قول القرافي في الورع أنه "ترك ما لا بأس به؛ حذرًا مما به البأس" [الفروق]، أما الكفوي فقال: "الورع: الاجتناب عن الشبهات سواء كان تحصيلًا أو غير تحصيل، إذْ قد يفعل المرء فعلًا تورّعًا، وقد يتركه تورّعًا أيضًا، ويستعمل بمعنى التقوى، وهو الكفُّ عن المحرمات القطعية" [الكليات]

وقد يشتبه الورع والزهد ولكن ثمت فرق بينها، قال ابن القيم رحمه الله: "والفرق بينه وبين الورع: أنَّ الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة" [الفوائد] وهذا أجود ما ذُكر في تبيين الفرق بين الورع والزهد.

فإن علم المرء ذلك، فلا بد له من ترك الشبهات والابتعاد عنها، ويجاهد نفسه على ذلك فهذا دأب المحسنين، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما: قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما مشبَّهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتَّقى المشبَّهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحِمَى يوشك أن يُواقعه، ألا وإنَّ لكلِّ ملك حمى، ألا إنَّ حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، و إذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب) [متفق عليه] قال ابن رجب رحمه الله: "هذا الحديث حديث عظيم؛ وهو أحد الأحاديث التي مدار الدين عليها، وقد قيل: إنَّه ثلث العلم أو ربعه" [فتح الباري]، وقال المناوي: "الوَرِع دائم المراقبة للحقِّ، مستديم الحذر أن يمزج باطلًا بحقٍّ، كما قال الحبر: كان عمر كالطير الحذر، والمراقبة توزن بالمشاهدة، ودوام الحذر يعقب النجاة والظفر" [فيض القدير]

وقال بعضهم: "ويقال: أصل الورع أن يتعاهد المرء قلبه لكي لا يتفكر فيما لا يعنيه، فكلما ذهب قلبه إلى ما لا يعنيه، عالجه حتى يرده إلى ما يعنيه" [تنبيه الغافلين]، وقال سفيان بن عيينة: "لا يصيب عبد حقيقة الإيمان؛ حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزًا من الحلال، وحتى يدع الإثم وما تشابه منه" [فتح الباري]، وقال بعض الصحابة: "كنا ندع سبعين بابًا من الحلال؛ مخافة أن نقع في بابٍ من الحرام" [مدارج السالكين]، وقال الهروي: "الورع توَقٍّ مستقصًى على حذر، وتحرُّجٌ على تعظيم" [مدارج السالكين]، وقال ابن مسكويه: "وأما الورع فهو لزوم الأعمال الجميلة التي فيها كمال النفس". [تهذيب الأخلاق]، وقال سفيان: "عليك بالورع يخفف الله حسابك، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وادفع الشك باليقين يسلم لك دينك". [الورع لابن أبي الدنيا]

• نماذج من ورع السابقين

وقد ضرب لنا الصديق رضي الله عنه مثلا في الورع فيما يُدخله الإنسان لجوفه من الطعام، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه" [البخاري]، فلم يرضَ أبو بكر رضي الله عنه أن يكون في جوفه شيء حرام حتى أخرجه، مع ما في إخراجه من الكُلْفة، ولكنه ورع الصديقين!

أما الورع في الدماء فقد كان السيد فيه عثمان رضي الله عنه، فقد ضرب أعظم الأمثلة في الورع، فحينما اجتمع عليه الغوغاء عرض عليه الصحابة قتالهم، وكانوا حريصين على الدفاع عن عثمان إلا أنه أمرهم بأن يكفوا أيديهم، وقد كان الخليفة المطاع، حتى أرسل علي رضي الله عنه إليه: إن معي خمسمائة دارع -أي مقاتل- فأذن لي فأمنعك من القوم، فقال: "جزيت خيرا، ما أحب أن يهراق دم بسببي". قال: وأرسل إليه الزبير بن العوام رضي الله عنه بمثلها. فقال: "ما أحب أن يهراق دم في سببي". [تاريخ المدينة]


• الورع في الفتيا!

أما الورع في الفتيا فهي سيمة الصحابة رضي الله عنهم، فقد كانت تعرض عليهم المسائل فيتدافعونها، خوفا من القول على الله بلا علم، قال ابن أبي ليلى: "أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من الصحابة، ما سُئل أحدهم عن حديث ولا استفتي في فتيا إلا ودّ أن صاحبه قد كفاه ذلك، وقال مرة: أدركت ثلاثمائة يسأل أحدهم عن الفتيا أو الحديث فيرد ذلك إلى الآخر ويحيل الآخر على صاحبه وكانوا يتدافعون الفتيا ما بينهم". [قوت القلوب]، بينما يسرع أناس اليوم في الفتيا في مسائل لم يحيطوا بها علما ولا بحثا وما سئلوا عنها، وأمور لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر.

وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإنَّ الصدق طمأنينة، وإنَّ الكذب ريبة) [رواه الترمذي]، قال ابن حجر: "قوله: (يريبك) بفتح أوله ويجوز الضمُّ، يقال: رابه يريبه بالفتح، وأرابه يريبه بالضمِّ ريبة، وهي الشكُّ والتردد، والمعنى إذا شككت في شيء فدعه، وترْك ما يُشَكُّ فيه أصل عظيم في الورع"... قال الخطابي: "كلُّ ما شككت فيه، فالورع اجتنابه" [فتح الباري]

قال أبو الدرداء: "تمام التقوى أن يتقي اللهَ العبدُ، حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال، خشية أن يكون حرامًا، حجابًا بينه وبين الحرام". [الزهد لابن المبارك]

ويمنع الورع التساهل في الفضول كفضول الكلام والأكل والنوم والخلطة، قال سهل بن عبد الله: "من ظن ظن السوء حرم اليقين، ومن تكلم فيما لا يعنيه حرم الصدق، ومن اشتغل بالفضول حرم الورع". [حلية الأولياء]

نسأل الله تعالى أن يعيننا على تقواه في السر والعلن وأن يعيذنا من أنفسنا والهوى والشيطان، فهو ولي ذلك والقادر عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 317
الخميس 12 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

الترغيب في الورع بسم الله الكبير المتعال مالك الملك ذي الجلال والإكرام، وعلى نبي الهدى ...

الترغيب في الورع


بسم الله الكبير المتعال مالك الملك ذي الجلال والإكرام، وعلى نبي الهدى والرحمة أفضل الصلاة والسلام، وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته إلى يوم الدين، وبعد.

فدِينُ المرء أغلى ما عنده؛ لأنه مقبل على الآخرة بلا شك، ولا ينفع في الآخرة إلا دين الإنسان وعمله، ومن أراد المحافظة على دينه فلابد له من سياج يجعله كالحِمى حتى لا ينخرم دينه فيعجز عن ترقيعه أو تداركه.

ولم يكن السلف من هذه الأمة عظماء في أفعالهم إلا برسوخ دينهم وتقواهم واهتمامهم بأمر الورع الذي يحفظ لهم دينهم، وما مررتَ بسيرة أحدهم إلا وجدتَهم يقولون عنه: "زاهدا وَرِعا"؛ وذلك لأنه خير الدين فكانوا متّصفين به مرغّبين فيه، فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الدين الورع، وأفضل العبادة الفقه). [معجم الطبراني]

وقد كانوا رحمهم الله يتعلمون الورع ويتلقّونه من أشياخهم، قال الضحاك بن مزاحم: "كان أولوكم يتعلمون الورع، ويأتي عليكم زمان يتعلم فيه الكلام". [الزهد لابن المبارك]

وهذا الورع هو ثمرة الإيمان كما قال طاوس رحمه الله: "مثل الإيمان كشجرة، فأصلها الشهادة، وساقها وورقها كذا، وثمرها الورع، ولا خير في شجرة لا ثمر لها، ولا خير في إنسان لا ورع له" [السنة للخلال]

وهو أرفع منازل الزهد المانع لصاحبه من الولوج في تخوم المعاصي، والذنوب المهلكات، فالورع "هو اجتناب الشبهات؛ خوفًا من الوقوع في المحرمات" [التعريفات للجرجاني]، وما أحسن قول القرافي في الورع أنه "ترك ما لا بأس به؛ حذرًا مما به البأس" [الفروق]، أما الكفوي فقال: "الورع: الاجتناب عن الشبهات سواء كان تحصيلًا أو غير تحصيل، إذْ قد يفعل المرء فعلًا تورّعًا، وقد يتركه تورّعًا أيضًا، ويستعمل بمعنى التقوى، وهو الكفُّ عن المحرمات القطعية" [الكليات]

وقد يشتبه الورع والزهد ولكن ثمت فرق بينها، قال ابن القيم رحمه الله: "والفرق بينه وبين الورع: أنَّ الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة" [الفوائد] وهذا أجود ما ذُكر في تبيين الفرق بين الورع والزهد.

فإن علم المرء ذلك، فلا بد له من ترك الشبهات والابتعاد عنها، ويجاهد نفسه على ذلك فهذا دأب المحسنين، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما: قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما مشبَّهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتَّقى المشبَّهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحِمَى يوشك أن يُواقعه، ألا وإنَّ لكلِّ ملك حمى، ألا إنَّ حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، و إذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب) [متفق عليه] قال ابن رجب رحمه الله: "هذا الحديث حديث عظيم؛ وهو أحد الأحاديث التي مدار الدين عليها، وقد قيل: إنَّه ثلث العلم أو ربعه" [فتح الباري]، وقال المناوي: "الوَرِع دائم المراقبة للحقِّ، مستديم الحذر أن يمزج باطلًا بحقٍّ، كما قال الحبر: كان عمر كالطير الحذر، والمراقبة توزن بالمشاهدة، ودوام الحذر يعقب النجاة والظفر" [فيض القدير]

وقال بعضهم: "ويقال: أصل الورع أن يتعاهد المرء قلبه لكي لا يتفكر فيما لا يعنيه، فكلما ذهب قلبه إلى ما لا يعنيه، عالجه حتى يرده إلى ما يعنيه" [تنبيه الغافلين]، وقال سفيان بن عيينة: "لا يصيب عبد حقيقة الإيمان؛ حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزًا من الحلال، وحتى يدع الإثم وما تشابه منه" [فتح الباري]، وقال بعض الصحابة: "كنا ندع سبعين بابًا من الحلال؛ مخافة أن نقع في بابٍ من الحرام" [مدارج السالكين]، وقال الهروي: "الورع توَقٍّ مستقصًى على حذر، وتحرُّجٌ على تعظيم" [مدارج السالكين]، وقال ابن مسكويه: "وأما الورع فهو لزوم الأعمال الجميلة التي فيها كمال النفس". [تهذيب الأخلاق]، وقال سفيان: "عليك بالورع يخفف الله حسابك، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وادفع الشك باليقين يسلم لك دينك". [الورع لابن أبي الدنيا]

• نماذج من ورع السابقين

وقد ضرب لنا الصديق رضي الله عنه مثلا في الورع فيما يُدخله الإنسان لجوفه من الطعام، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه" [البخاري]، فلم يرضَ أبو بكر رضي الله عنه أن يكون في جوفه شيء حرام حتى أخرجه، مع ما في إخراجه من الكُلْفة، ولكنه ورع الصديقين!

أما الورع في الدماء فقد كان السيد فيه عثمان رضي الله عنه، فقد ضرب أعظم الأمثلة في الورع، فحينما اجتمع عليه الغوغاء عرض عليه الصحابة قتالهم، وكانوا حريصين على الدفاع عن عثمان إلا أنه أمرهم بأن يكفوا أيديهم، وقد كان الخليفة المطاع، حتى أرسل علي رضي الله عنه إليه: إن معي خمسمائة دارع -أي مقاتل- فأذن لي فأمنعك من القوم، فقال: "جزيت خيرا، ما أحب أن يهراق دم بسببي". قال: وأرسل إليه الزبير بن العوام رضي الله عنه بمثلها. فقال: "ما أحب أن يهراق دم في سببي". [تاريخ المدينة]


• الورع في الفتيا!

أما الورع في الفتيا فهي سيمة الصحابة رضي الله عنهم، فقد كانت تعرض عليهم المسائل فيتدافعونها، خوفا من القول على الله بلا علم، قال ابن أبي ليلى: "أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من الصحابة، ما سُئل أحدهم عن حديث ولا استفتي في فتيا إلا ودّ أن صاحبه قد كفاه ذلك، وقال مرة: أدركت ثلاثمائة يسأل أحدهم عن الفتيا أو الحديث فيرد ذلك إلى الآخر ويحيل الآخر على صاحبه وكانوا يتدافعون الفتيا ما بينهم". [قوت القلوب]، بينما يسرع أناس اليوم في الفتيا في مسائل لم يحيطوا بها علما ولا بحثا وما سئلوا عنها، وأمور لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر.

وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإنَّ الصدق طمأنينة، وإنَّ الكذب ريبة) [رواه الترمذي]، قال ابن حجر: "قوله: (يريبك) بفتح أوله ويجوز الضمُّ، يقال: رابه يريبه بالفتح، وأرابه يريبه بالضمِّ ريبة، وهي الشكُّ والتردد، والمعنى إذا شككت في شيء فدعه، وترْك ما يُشَكُّ فيه أصل عظيم في الورع"... قال الخطابي: "كلُّ ما شككت فيه، فالورع اجتنابه" [فتح الباري]

قال أبو الدرداء: "تمام التقوى أن يتقي اللهَ العبدُ، حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال، خشية أن يكون حرامًا، حجابًا بينه وبين الحرام". [الزهد لابن المبارك]

ويمنع الورع التساهل في الفضول كفضول الكلام والأكل والنوم والخلطة، قال سهل بن عبد الله: "من ظن ظن السوء حرم اليقين، ومن تكلم فيما لا يعنيه حرم الصدق، ومن اشتغل بالفضول حرم الورع". [حلية الأولياء]

نسأل الله تعالى أن يعيننا على تقواه في السر والعلن وأن يعيذنا من أنفسنا والهوى والشيطان، فهو ولي ذلك والقادر عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 317
الخميس 12 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

- السؤال:- ما حكم الاحتفال بعيد رأس السنة وهل هناك فرق إذا كان الاحتفال مع النصارى أو مع المسلمين ...

- السؤال:- ما حكم الاحتفال بعيد رأس السنة وهل هناك فرق إذا كان الاحتفال مع النصارى أو مع المسلمين فقط ؟

- الجواب:- ليس للمسلمين إلا عيد الفطر وعيد الأضحى كذا يوم الجمعة كما دلت السنة على ذلك وإضافة عيد والاحتفال به أو التبريك والتهنئة به إحداث وابتداع سواء كان مع المسلمين أو مع الكفار أما لو كان ذلك العيد من أعياد الكفار من نصارى أو يهود أو مجوس وأضرابهم فيتأكد تحريم المشاركة فيه بل حكم بعض العلماء على مرتكبه بالكفر والعياذ بالله قال الله تعالى في وصف المؤمنين ( والذين لا يشهدون الزور ) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أعياد المشركين، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه (لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم )وقال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما (من بنى ببلاد الأعاجم فصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت وهو كذلك حشر معهم يوم القيامة) وقال الإمام مالك رحمه الله (فلا يعاونون على شيء من عيدهم لأن ذلك من تعظيم شركهم وعونهم على كفرهم وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك) وقال الإمام ابن القيم رحمه الله ( وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق مثل أن تهنئم بأعيادهم وصومهم فتقول عيد مبارك عليك أو تهنأ بهذا العيد ونحوه فهذا إن سلم قائله من الكفر فهو من المحرمات إلى أن قال بل ذلك أعظم إثما عند الله وأشد مقتا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس و ارتكاب الفرج الحرام ونحوه وكثير ممن لاقدر للدين عنده يقع في ذلك ولا يدري قبح ما فعل فمن هنأ عبدا بمعصية أو بدعة أو كفر فقد تعرض لمقت الله وسخطه) انتهى كلامه رحمه الله

- وقال أبو حفص الحنفي رحمه الله (من أهدى فيه -أي في أعياد الكفار- بيضة إلى مشرك تعظيم لليوم فقد كفر بالله تعالى )والله المستعان
...المزيد

(إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ) ها هي السنة الرابعة تطلّ برأسها علينا منذ أن أعلن التحالف الصليبي ...

(إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ)
ها هي السنة الرابعة تطلّ برأسها علينا منذ أن أعلن التحالف الصليبي زاعمًا متوهّمًا القضاء على الدولة الإسلامية، ورقصَ أذنابُه ومسوخُه فرحًا بهذا النصر المكذوب، ورأينا كيف جاهر أهل الردة والضلالة بأنهم لم ينقموا من الدولة الإسلامية وجنودها سوى إيمانهم بالله العزيز الحميد وحده وتحكيمهم لشريعته بينهم، وظهر ذلك جليًا في أقوالهم وأفعالهم واحتفالاتهم التي عكفت وسائل الإعلام على بثّها لأيام وأسابيع متواصلة عقب انحياز المؤمنين، قال تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}[البروج:8].

وبان لكل منصف عاقل أنّ حنَق أكثر هؤلاء وحقدهم على الدولة الإسلامية كان بسبب أنها فرضت عليهم أحكام الإسلام وتعاليمه السمحة التي تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر فتمنعهم من ممارسة شهواتهم واتباع أهوائهم، وهذا ما يلاحظه الناظر اليوم في حال المناطق التي انحاز منها المجاهدون وكيف تسلّطت عليها طوائف متناحرة مختلفة الأهداف والمصالح والولاءات، فمِن الروافض وميليشياتهم في العراق، إلى النصيرية وميليشياتهم في الشام، ومِن ملاحدة الأكراد في شرق الشام إلى فصائل وأحزاب الصحوات في غربها، فكيف حال هذه المناطق اليوم؟! لقد فقدت أمنها بعد أن فرّطت بإيمانها! وبات الناس الذين سرّهم دخول جيوش الكفر إلى مناطقهم بعد انحياز المجاهدين عنها، باتوا اليوم يندبون حظهم ويترحمون على أيام حكم الدولة الإسلامية.

حتى ليعلم الناس أنه لا سبيل للنجاة والسعادة في هذه الدنيا إلا باتباع طريق الحق الذي سار عليه مجاهدو الدولة الإسلامية منذ عقدين من الزمان، طريق التوحيد لله تعالى والجهاد في سبيله، فهو السبيل الوحيد الذي تكون فيه كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وهو السبيل الوحيد الذي يحفظ حرمات المسلمين وأعراضهم وكرامتهم ويضمن لهم عيشًا كريمًا في ظلال الشريعة، في حين أنّ العيش في ظل المشاريع والرايات الجاهلية والعمية التي ترفعها الحكومات والفصائل المرتدة، لن يجلب للناس سوى فساد الدين والدنيا.

وبذلك يتضح الفرق بين مشروع الدولة الإسلامية الذي استقته من الوحيين -الكتاب والسنة- وبين المشاريع الأخرى التي قاتلت المجاهدين وحاربت حكمهم؛ تارة بزعم "التحرير"! وتارة بذريعة "قتال الخوارج"! وتارة تحت مسمى "القضاء على الإرهاب"... وغيرها من الشعارات التي رفعها المرتدون على اختلاف مسمياتهم وتوجّهاتهم في حربهم ضد دولة الخلافة أعزها الله تعالى.

فماذا فعلت حكومات وفصائل الردة التي استولت على المناطق في العراق والشام وغيرها من ديار الإسلام؟! وماذا قدّمت للناس سوى الفساد العريض والفشل الكبير في كل مجالات الحياة كبيرها وصغيرها؟! وكيف لهؤلاء الدمى والوكلاء الذين دخلوا المناطق تحت غطاء الطيران الصليبي أن يُحسنوا صنعا أو يُصلحوا للناس شأنا؟! بل كيف لمن لا يملك قرار نفسه وجعل أمره بيد غيره أنْ يحكم الناس ويسوسهم؟! والأدهى من ذلك كله أن ينتظر الناس اليوم عيشا آمنا في ظل حكم هؤلاء المشركين بعيدا عن حكم الإسلام، والله تعالى قد قرر في كتابه أنه لا أمن في الدنيا ولا في الآخرة بغير التوحيد والإيمان، فقال جلّ جلاله: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام:82].

فماذا جنى الناس بعد أربع سنوات من غياب حكم الشريعة الإسلامية غير الهوان والضياع، فها هم الرافضة في العراق تحرّكهم إيران المجوسية وتصول وتجول في أروقتهم العسكرية والسياسية للمكر بأهل السنة، والنصيرية في الشام توجهوا إلى روسيا حتى تخرجهم من المأزق فقدّموا لها كل المقدرات والخيرات التي تمتلئ بها بلاد الشام حتى يبقى أحمقهم "رئيسا" وباتت روسيا الصليبية هي الآمر الناهي في مناطقهم تقرّ ما تقرّه وتلغي ما تلغيه، وأما ملاحدة الأكراد فلقد وجد فيهم الصليبيون ضالتهم، وهل هناك أفضل من حزب تستخدمه متى تشاء وتتركه متى تشاء! وتعود له متى تشاء وهو لك شاكر؟!

وأما صحوات الشام من الجيش الوثني ومَن لف لفهم مِن فصائل وهيئات ومجالس وتشكيلات، فهؤلاء ما يزالون يبحثون عن أبٍ ينتسبون إليه، والكل يتبرأ منهم ويأنف أن ينسبهم إليه، ولقد حاولوا بشتى الوسائل أن يُلصقوا أنفسهم بالكثير من الدول والجهات، وقدموا لهم كافة التنازلات واستغنوا عن مسمى الإسلام حتى في الشعارات إرضاءً للداعمين والحكومات، فإذا دعمهم طواغيت قطر وتركيا كانوا "إخوانا حُلقاء"! وإذا دعمهم طواغيت آل سلول أصبحوا "سلفية عوراء" وإذا دعمهم البنتاغون أصبحوا "ديموقراطيين حدثاء" وإذا شاء داعمهم صيّرهم عبدة أصنام وأوثان!

ماذا جنى الناس في تلك المناطق التي كانت تُحكم بشرع الله وتم استبدالها بالقوانين الكفرية والدساتير الوثنية التي تتشارك فيها كل الحكومات والهيئات، رافضة كانوا أو ملاحدة أو صحوات؟ ماذا جنى سكان تلك المناطق بعد أن فقدوا نعيم الشريعة وحكمها العدْل الأتمّ الأكمل الذي فيه صلاح دينهم ودنياهم، ماذا جنوا مِن نأيهم عن نصرة الدين وخذلانهم للمجاهدين؟ ماذا جنوا من إيثارهم السلامة وحبهم الدنيا وتقديمهم حفظ النفس على حفظ الدين؛ غير الذلة والهوان فلا هم أصابوا دنيا ولا دينا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أما جنود الخلافة الذين غمروا وعمروا تلك المناطق والأمصار طوال فترة حكمهم بطاعة ربهم فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وأقاموا شرعه؛ فما جنوا إلا كل خير بإذن الله تعالى ومصداقه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأحَدٍ إِلَّا للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَه) [رواه مسلم] بل إن جنود الخلافة ما زالوا -بفضل ربهم- يعمرون مجتمعاتهم الصغيرة بين الحضر والبوادي بالشريعة والطاعة والإيمان؛ إعدادًا وجهادًا في سبيل الله، استعدادًا بإذنه تعالى لإعادة النور إلى تلك المجتمعات الجاهلية الكبيرة التي ما زالت جيوشها ترتعب وتستنفر أيامها ولياليها إنْ لاح طيفُ الأباة القانتين عبر شاشات المراقبة!، فيا قومنا: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، فالأرض لله تعالى وسيورثها عباده المؤمنين، وسيهيّئ الله تعالى لعباده من الأسباب ما يعينهم على ذلك، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 317
الخميس 12 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

(إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ) ها هي السنة الرابعة تطلّ برأسها علينا منذ أن أعلن التحالف الصليبي ...

(إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ)
ها هي السنة الرابعة تطلّ برأسها علينا منذ أن أعلن التحالف الصليبي زاعمًا متوهّمًا القضاء على الدولة الإسلامية، ورقصَ أذنابُه ومسوخُه فرحًا بهذا النصر المكذوب، ورأينا كيف جاهر أهل الردة والضلالة بأنهم لم ينقموا من الدولة الإسلامية وجنودها سوى إيمانهم بالله العزيز الحميد وحده وتحكيمهم لشريعته بينهم، وظهر ذلك جليًا في أقوالهم وأفعالهم واحتفالاتهم التي عكفت وسائل الإعلام على بثّها لأيام وأسابيع متواصلة عقب انحياز المؤمنين، قال تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}[البروج:8].

وبان لكل منصف عاقل أنّ حنَق أكثر هؤلاء وحقدهم على الدولة الإسلامية كان بسبب أنها فرضت عليهم أحكام الإسلام وتعاليمه السمحة التي تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر فتمنعهم من ممارسة شهواتهم واتباع أهوائهم، وهذا ما يلاحظه الناظر اليوم في حال المناطق التي انحاز منها المجاهدون وكيف تسلّطت عليها طوائف متناحرة مختلفة الأهداف والمصالح والولاءات، فمِن الروافض وميليشياتهم في العراق، إلى النصيرية وميليشياتهم في الشام، ومِن ملاحدة الأكراد في شرق الشام إلى فصائل وأحزاب الصحوات في غربها، فكيف حال هذه المناطق اليوم؟! لقد فقدت أمنها بعد أن فرّطت بإيمانها! وبات الناس الذين سرّهم دخول جيوش الكفر إلى مناطقهم بعد انحياز المجاهدين عنها، باتوا اليوم يندبون حظهم ويترحمون على أيام حكم الدولة الإسلامية.

حتى ليعلم الناس أنه لا سبيل للنجاة والسعادة في هذه الدنيا إلا باتباع طريق الحق الذي سار عليه مجاهدو الدولة الإسلامية منذ عقدين من الزمان، طريق التوحيد لله تعالى والجهاد في سبيله، فهو السبيل الوحيد الذي تكون فيه كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وهو السبيل الوحيد الذي يحفظ حرمات المسلمين وأعراضهم وكرامتهم ويضمن لهم عيشًا كريمًا في ظلال الشريعة، في حين أنّ العيش في ظل المشاريع والرايات الجاهلية والعمية التي ترفعها الحكومات والفصائل المرتدة، لن يجلب للناس سوى فساد الدين والدنيا.

وبذلك يتضح الفرق بين مشروع الدولة الإسلامية الذي استقته من الوحيين -الكتاب والسنة- وبين المشاريع الأخرى التي قاتلت المجاهدين وحاربت حكمهم؛ تارة بزعم "التحرير"! وتارة بذريعة "قتال الخوارج"! وتارة تحت مسمى "القضاء على الإرهاب"... وغيرها من الشعارات التي رفعها المرتدون على اختلاف مسمياتهم وتوجّهاتهم في حربهم ضد دولة الخلافة أعزها الله تعالى.

فماذا فعلت حكومات وفصائل الردة التي استولت على المناطق في العراق والشام وغيرها من ديار الإسلام؟! وماذا قدّمت للناس سوى الفساد العريض والفشل الكبير في كل مجالات الحياة كبيرها وصغيرها؟! وكيف لهؤلاء الدمى والوكلاء الذين دخلوا المناطق تحت غطاء الطيران الصليبي أن يُحسنوا صنعا أو يُصلحوا للناس شأنا؟! بل كيف لمن لا يملك قرار نفسه وجعل أمره بيد غيره أنْ يحكم الناس ويسوسهم؟! والأدهى من ذلك كله أن ينتظر الناس اليوم عيشا آمنا في ظل حكم هؤلاء المشركين بعيدا عن حكم الإسلام، والله تعالى قد قرر في كتابه أنه لا أمن في الدنيا ولا في الآخرة بغير التوحيد والإيمان، فقال جلّ جلاله: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام:82].

فماذا جنى الناس بعد أربع سنوات من غياب حكم الشريعة الإسلامية غير الهوان والضياع، فها هم الرافضة في العراق تحرّكهم إيران المجوسية وتصول وتجول في أروقتهم العسكرية والسياسية للمكر بأهل السنة، والنصيرية في الشام توجهوا إلى روسيا حتى تخرجهم من المأزق فقدّموا لها كل المقدرات والخيرات التي تمتلئ بها بلاد الشام حتى يبقى أحمقهم "رئيسا" وباتت روسيا الصليبية هي الآمر الناهي في مناطقهم تقرّ ما تقرّه وتلغي ما تلغيه، وأما ملاحدة الأكراد فلقد وجد فيهم الصليبيون ضالتهم، وهل هناك أفضل من حزب تستخدمه متى تشاء وتتركه متى تشاء! وتعود له متى تشاء وهو لك شاكر؟!

وأما صحوات الشام من الجيش الوثني ومَن لف لفهم مِن فصائل وهيئات ومجالس وتشكيلات، فهؤلاء ما يزالون يبحثون عن أبٍ ينتسبون إليه، والكل يتبرأ منهم ويأنف أن ينسبهم إليه، ولقد حاولوا بشتى الوسائل أن يُلصقوا أنفسهم بالكثير من الدول والجهات، وقدموا لهم كافة التنازلات واستغنوا عن مسمى الإسلام حتى في الشعارات إرضاءً للداعمين والحكومات، فإذا دعمهم طواغيت قطر وتركيا كانوا "إخوانا حُلقاء"! وإذا دعمهم طواغيت آل سلول أصبحوا "سلفية عوراء" وإذا دعمهم البنتاغون أصبحوا "ديموقراطيين حدثاء" وإذا شاء داعمهم صيّرهم عبدة أصنام وأوثان!

ماذا جنى الناس في تلك المناطق التي كانت تُحكم بشرع الله وتم استبدالها بالقوانين الكفرية والدساتير الوثنية التي تتشارك فيها كل الحكومات والهيئات، رافضة كانوا أو ملاحدة أو صحوات؟ ماذا جنى سكان تلك المناطق بعد أن فقدوا نعيم الشريعة وحكمها العدْل الأتمّ الأكمل الذي فيه صلاح دينهم ودنياهم، ماذا جنوا مِن نأيهم عن نصرة الدين وخذلانهم للمجاهدين؟ ماذا جنوا من إيثارهم السلامة وحبهم الدنيا وتقديمهم حفظ النفس على حفظ الدين؛ غير الذلة والهوان فلا هم أصابوا دنيا ولا دينا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أما جنود الخلافة الذين غمروا وعمروا تلك المناطق والأمصار طوال فترة حكمهم بطاعة ربهم فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وأقاموا شرعه؛ فما جنوا إلا كل خير بإذن الله تعالى ومصداقه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأحَدٍ إِلَّا للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَه) [رواه مسلم] بل إن جنود الخلافة ما زالوا -بفضل ربهم- يعمرون مجتمعاتهم الصغيرة بين الحضر والبوادي بالشريعة والطاعة والإيمان؛ إعدادًا وجهادًا في سبيل الله، استعدادًا بإذنه تعالى لإعادة النور إلى تلك المجتمعات الجاهلية الكبيرة التي ما زالت جيوشها ترتعب وتستنفر أيامها ولياليها إنْ لاح طيفُ الأباة القانتين عبر شاشات المراقبة!، فيا قومنا: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، فالأرض لله تعالى وسيورثها عباده المؤمنين، وسيهيّئ الله تعالى لعباده من الأسباب ما يعينهم على ذلك، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 317
الخميس 12 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

عقوبات المعرضين عن ذكر رب العالمين الحمد لله منْزل الذكر المبين والصلاة والسلام على نبينا ...

عقوبات المعرضين عن ذكر رب العالمين


الحمد لله منْزل الذكر المبين والصلاة والسلام على نبينا محمد إمام المرسلين وقدوة الذاكرين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فكما أن ذكر الله مجزيٌ به الإنسان أحسن الجزاء وصاحبه محاطٌ بحفظ الله وعنايته وتوفيقه؛ فإن المعرض عن الذكر مُتَوَعَّدٌ بما يسوؤه مِن حال في الدنيا ومآل في الآخرة؛ لِكبيرِ ما اقترفه مِن عملٍ إذْ أنه ينسى الله الذي خلقه وسوّاه وأعطاه، ويُعرض عن أمره ونهيه وكلامه وذكره وشكره، فجوزي بجنس عمله؛ أنْ ينساه ربُّه ولا يبالي به في أي واد هلك؛ {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، ومَن نسيه الله حرمه خشيتَه والقرب منه سبحانه الله وغيرها من المقامات السامية، غير أن مِن القلوب من لا تعي ذلك لموتها "وما لجرح بميت إيام"، وليس أحد يعصي الله عز وجل إلا ناله من العقوبة بحسب معصيته.

وقد خصَّ اللهُ أهل الإعراض عن ذكره بعقوبات عديدة هي بمثابة الوخز للغافلين فينتبهوا، وبمقام السياط للمعرضين لينزجروا، وأشد التهديد ما كان مِن ملك الملوك وقاهرها ومذلّها ومميتها سبحانه، فتهديده -عزَّ شأنه- صدْق ووعيده حتْم، إلا أن يعفوَ فإنه عفوٌ حميد.

وحتى تحذر أخي المسلم من الانجرار إلى طريق المعرضين أو التشبّه بهم أو السقوط في هاويتهم، فيندقّ عنق قلبك فتموت وأنت حيٌ!؛ إليك بعض ما ذَكَرَه الله عزّ وجل من عقوبات أولئك المعرضين عن الذكر:

العقوبة الأولى

الانتقام، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة: 22]، فذكر سبحانه وتعالى أنّ من أعرض عن ذكر الله وآياته -بعد أن يُذكّر بها- أنه أشد الناس ظلما؛ لأنه لم يضع لقلبه ما يصلح له وهو ذكر الله والانتفاع به، ثم سمّاه الله مجرما فقال: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ}، ثم توعده بالانتقام بقوله: {مُنْتَقِمُونَ}، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "أي: لا أظلم ممن ذكّره الله بآياته وبيّنها له ووضّحها، ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها، كأنه لا يعرفها. قال قتادة رحمه الله: إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرة، وأعوز أشد العوَز، وعظم من أعظم الذنوب. ولهذا قال تعالى متهددا لمن فعل ذلك: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} أي: سأنتقم ممن فعل ذلك أشد الانتقام" [التفسير].

وإن هذا وعيد شديد لو تأمله العاقل، فإن ضعفاء المخلوقين لو انتقموا مِن خصمهم لفتكوا به، فكيف إذًا يكون انتقام القوي العزيز ذي البطش الشديد الفعال لما يريد!، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [إبراهيم: 47]، وما أفلتَ مَن انتقم الله منه، وأولى الناس دخولا في هذا الوعيد من دُعي لتحكيم الذكر الحكيم "القرآن" فأعرض وحكم في الناس بما لم يأذن به الله من خزعبلات الكافرين وأهواء الغاوين فأولئكم سينتقم الله منهم في الدنيا والآخرة.

العقوبة الثانية

الوزر، وهو الإثم والذنب العظيم يناله المعرض عن ذكر الله قال تعالى: {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} [طه: 99 - 100]، قال ابن كثير: "وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم، أهل الكتاب وغيرهم، كما قال تعالى: {لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ}، فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع، فمن اتبعه هدي، ومن خالفه وأعرض عنه ضل وشقي في الدنيا، والنار موعده يوم القيامة؛ ولهذا قال: {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ} أي: لا محيد لهم عنه ولا انفكاك {وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} أي: بئس الحمل حملهم" [التفسير].

العقوبة الثالثة

الشقاء، شقاء الحال والمآل، قال تعالى: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} [طه: 2]، فالقرآن نزل بالسعادة في الدارين ومن أخذ به ولزم طريقه لن يشقى، كما قال قتادة: "لا والله ما جعله شقاء، ولكن جعله رحمة ونورا، ودليلا إلى الجنة". [تفسير ابن كثير]، ومفهوم ذلك أنّ مَن أعرض عنه وكان منه بعيدا فهو في شقاء دائم.

ومن الشقاء ضيق العيش والضنك والنكد، قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124]، "عن ابن عباس رضي الله عنهما، قوله: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} يقول: الشقاء، وقال مجاهد وقتادة: ضيّقة" [تفسير الطبري].

فهذا وعيد للمعرض عن ذكر الله بسوء الحال في العيش وهذا يصيبه وإن كان يعيش بكل أدوات الترف! ولو كان أشد الناس زهوا؛ وذلك أن السعادة والشقاوة في القلب لا في الجسد والمظاهر، وهذا العقاب بيّن لكل من ترك ذكر الله والقرآن فلن يكون مطمئنَّ القلب -وإن وجد ذلك مدة-، وما أكثر ما يُسمع من بعض الناس قولهم: "أنا ضائق"، "أنا غير مرتاح" ونحو هذا، ولو فتّش هو عن نفسه لوجد عنده هجرا للقرآن أو بُعدا عن الذكر أو إعراضا عن ذلك كله واسترسالا في المعاصي.

ثم في الآخرة يُحشر المُعرِض أعمى، جزاءَ عماه عن الحق في الدنيا وعدم اكتراثه به، وذلك إمعانا في إبعاده يوم القيامة، قال تعالى: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىٰ} [طه: 124 - 126]

العقوبة الرابعة

تسليط الشياطين عليه، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]، قال ابن جرير: "ومن يعرض عن ذكر الله فلم يَخَفْ سطوته، ولم يخشَ عقابه {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} يقول: نجعل له شيطانا يغويه فهو له قرين: يقول: فهو للشيطان قرين، أي يصير كذلك" [التفسير]، فمن أعرض عن ذكر الله سلّط اللهُ عليه الشياطين فأضلته وزادته ضلالا إلى ضلاله، وزيّنت له أنه على خير، وإسلام الله عبدَه للشيطان هو من العقوبات الشديدة التي يُعاقَب بها العبد؛ لأن الشيطان عدوّه كما قال سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} [فاطر: 6]، وليس شيء أشد على العاقل مِن أن يُسلّم لعدوه الذي يريد إيذاءه، بل حتى غير العاقل من المخلوقات فهي أكره ما تراه وأخوف شيء عندها هو عدوها الذي يفترسها وينهشها ويأكلها، وابن آدم كذلك إن تسلّط عليه عدوه "الشيطان" سيهلكه، وهذا من فقه أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين قال لأبيه: {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم: 45]، فإبراهيم عليه السلام يحذّر أباه من غضب الله فيعاقبه فيجعله وليا للشيطان وتابعا له؛ لأن ولاية الشيطان له نقمة تقوده إلى عذاب أشد وخسارة فادحة يوم القيامة، فمن كان الشيطان وليه فهو الخاسر، قال تعالى: {أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة: 19]، ومثل هذا قوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [فصلت: 25]، فالقرناء من الشياطين تزين الباطل فيهلك المرء في معاصي الله، ثم تتبرأ منه، ومن هنا يُعلم أن مِن ثواب الله للعبد أن يرزقه الصحبة الصالحة التي تدله على الخير وتحثّه عليه، ومِن عقاب الله للعبد أن يحرمه الصحبة الصالحة فتتلقفه شياطين الإنس والجن.

نسأل الله أن يجنّبنا الإعراض عن ذكره وشكره، ويحفظ لنا ديننا ويجعلنا من أهل طاعته، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 316
الخميس 5 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
12 رجب 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً