كواسر الجهاد (6) المواقف الخالدة
الحمد لله عالي الشان، والصلاة والسلام على مربي الشجعان، نبينا محمد وعلى آله وصحبة أصدق الناس جنان، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.
ففي حومة الوغى، ومنزل الأبطال في سوح الجهاد، تسبق النفوس أجسادَها لتسطير مواقف حاسمة خالدة، فتُخمَد إثرها نار الكافرين، ويُهزم فريقهم، ينبري لتلك المواقف جبال الصدق والبذل، وتلك المواقف متفرقة في سبُلها يجمعها تغيير الموازين، وتحقق النصر للمسلمين.
• فتيان قتلا فرعون الأمة!
في معركة بدر كان يقود جيش الكافرين فرعون الأمة أبو جهل، وفي موقف يبين أن كل جندي في الإسلام يستطيع فعل العجائب لنصرة هذا الدين، قال عبد الرحمن بن عوف: "إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن فكأني لم آمن بمكانهما إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه: يا عم أرني أبا جهل! فقلت يا ابن أخي وما تصنع به؟ قال عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه -وفي رواية: أخبرت أنه يسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم! والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا- فقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله، قال: فما سرني أني بين رجلين مكانهما فأشرت لهما إليه فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، -وفي رواية: فابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال: (أيكما قتله؟)، فقال كل واحد منهما: أنا قتلت، فقال: (هل مسحتما سيفيكما؟) قالا: لا، فنظر في السيفين فقال: (كلاكما قتله) وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. [البخاري ومسلم]
ثم جاء فأجهز عليه ابن مسعود قال: أدركت أبا جهل يوم بدر صريعا، قال ومعي سيف لي فجعلت أضربه ولا يحيك فيه ومعه سيف له فضربت يده فوقع السيف فأخذته ثم كشفت المغفر عن رأسه فضربت عنقه ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: الله الذي لا إله إلا هو، قلت: الله الذي لا إله إلا هو قال: الله الذي لا إله إلا هو قلت: الله الذي لا إله إلا هو قال: انطلق فاستثبت، فانطلقت فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن جاءكم يسعى مثل الطير يضحك فقد صدق فانطلقت فاستثبت ثم جئت وأنا أسعى مثل الطائر أضحك أخبرته فقال انطلق فأرني مكانه فانطلقت معه فأريته إياه فلما وقف عليه حمد الله ثم قال هذا فرعون هذه الأمة. [النسائي]
• إن الحرب خدعة
ومن المواقف ما يحتاج فيه إلى الخدعة للعدو فيجعل الله بها سببا في هزيمة الكافرين، ومثال ذلك ما جرى يوم الخندق، لما هزم الله الأحزاب وحده، وذلك أن نعيم بن مسعود بن عامر الغطفاني رضي الله عنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إني قد أسلمت فمرني بما شئت، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنت رجل واحد فخذّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة).
فذهب من حينه ذلك إلى بني قريظة -وكان عشيراً لهم في الجاهلية- فدخل عليهم وهم لا يعلمون بإسلامه فقال يا بني قريظة! إنكم قد حاربتم محمداً، وإن قريشاً إن أصابوا فرصة انتهزوها، وإلا شمروا إلى بلادهم وتركوكم ومحمداً فانتقم منكم.
قالوا: فما العمل يا نعيم؟ قال: لا تقاتلوا معهم حتى يعطوكم رهائن. قالوا لقد أشرت بالرأي.
ثم نهض إلى قريش فقال لأبي سفيان ولهم: تعلمون ودي ونصحي لكم؟ قالوا نعم.
قال: إن يهود ندموا على ما كان منهم من نقض عهد محمد وأصحابه، وإنهم قد راسلوه أنهم يأخذون منكم رهائن يدفعونها إليه ثم يمالئونه عليكم. ثم ذهب إلى قومه غطفان فقال لهم مثل ذلك.
فلما كان ليلة السبت في شوال بعثوا إلى يهود: إنا لسنا بأرض مقام فانهضوا بنا غداً نناجز هذا الرجل، فأرسل إليهم اليهود: إن اليوم يوم السبت، ومع هذا فإنا لا نقاتل معكم حتى تبعثوا إلينا رهناً، فلما جاءهم الرسل بذلك قالت قريش: صدقنا والله نعيم بن مسعود، وبعثوا إلى يهود: إنا والله لا نرسل لكم أحداً فاخرجوا معنا، فقالت قريظة: صدق والله نعيم، وأبوا أن يقاتلوا معهم. وأرسل الله عز وجل على قريش ومن معهم الخور والريح تزلزلهم، فجعلوا لا يقر لهم قرار، ولا تثبت لهم خيمة ولا طنب، ولا قدر ولا شيء، فلما رأوا ذلك ترحلوا من ليلتهم تلك. [الفصول]، وقال ابن كثير معلِّقا على القصة: "وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصة نعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة". [البداية والنهاية]• ثبات وبأس يوم حنين
ومن المواقف ما تكون ثباتا يثبت بها الجيش كله، ففي يوم حنين لما ولى بعض المسلمين، ضرب النبي صلى الله عليه وسلم موقفا عظيما في الثبات، قال البراء رضي الله عنه: "لقد رأيته على بغلته البيضاء وأبو سفيان آخذ بلجامها والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنا النبي لا كذب، وزاد غيره: أنا ابن عبد المطلب، قيل فما روى يومئذ أحد كان أشد منه، وقال غيره نزل النبي صلى الله عليه وسلم عن بغلته، وذكر مسلم عن العباس قال فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض على بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركابه، ثم نادى يا للمسلمين -الحديث-، وقيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب -ولا يغضب إلا لله- لم يقم لغضبه شيء، وقال ابن عمر ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال علي رضي الله عنه إنا كنا إذا حمي البأس ويروى اشتد البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو كان من أشد الناس يومئذ بأسا". [الشفا]
• خالد يوم مؤتة
وربما يكون الموقف أن يُحافظ على من بقي من جيش المسلمين، كما حدث في غزوة مؤتة، لما أخذ خالد بن الوليد الراية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآن حمي الوطيس.
قال الواقدي: فحدثني العطاف بن خالد قال: لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد فلما أصبح غدا، وقد جعل مقدمته ساقته، وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته وميسرته ميمنته قال: فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم، وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين، قال: فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. [البداية والنهاية]، وقال ابن كثير: أن خالد لما أخذ الراية حاش بالقوم المسلمين حتى خلصهم من أيدي الكافرين من الروم والمستعربة، فلما أصبح وحول الجيش ميمنة وميسرة ومقدمة وساقة كما ذكره الواقدي توهم الروم أن ذلك عن مدد جاء إلى المسلمين، فلما حمل عليهم خالد هزموهم بإذن الله والله أعلم.
ونحو هذا ما قام به المثنى بن حارثة يوم الجسر، إذ "حَمَى المثنى وفرسان من المسلمين الناس ونادى يا أيها الناس إنا دونكم فاعبروا على هينتكم ولا تدهشوا فإنا لن نزايل حتى نراكم من ذلك الجانب ولا تغرقوا أنفسكم" [تاريخ الطبري]
• في فتح الاسكندرية
وبعض المواقف ما فيها أن يجدد المجاهد بيع نفسه لله ليفتح الله للمسلمين، وتلك يقوم لها من أحب الله وأحبه، جاء في إحدى روايات فتح الاسكندرية: أن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: إني أهب نفسي لله تعالى وأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين، فوضع سلماً إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام ثم صعد وأمرهم إذا سمعوا تكبيره يجيبونه جميعا؛ فما شعروا إلا والزبير على رأس الحصن يكبر ومعه السيف، وتحامل الناس على السلم حتى نهاهم عمرو خوفاً أن ينكسر السلم، وكبر الزبير تكبيرة فأجابه المسلمون من خارج، فلم يشك أهل الحصن أن العرب قد اقتحموا جميعاً الحصن فهربوا وعمد الزبير بأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه واقتحم المسلمون الحصن. فلما خاف المقوقس على نفسه ومن معه سأل عمرو ابن العاص الصلح. [النجوم الزاهرة]
• في فتوح إفريقية
أما ابنه عبد الله بن الزبير فكان منه أعجب من ذلك، ففي فتوح إفريقية قال ابن الزبير: "هجم علينا جرجير في معسكرنا في عشرين ومائة ألف، فأحاطوا بنا ونحن في عشرين ألفا. واختلف الناس على عبد الله بن أبي سرح، فدخل فسطاطا له فخلا فيه، ورأيت أنا غرة من جرجير بصرت به خلف عساكره على برذون أشهب معه جاريتان تظللان عليه بريش الطواويس، وبينه وبين جنده أرض بيضاء ليس بها أحد، فخرجت إلى ابن أبي سرح فندب لي الناس، فاخترت منهم ثلاثين فارسا وقلت لسائرهم: البثوا على مصافكم، وحملت في الوجه الذي رأيت فيه جرجير وقلت لأصحابي: احملوا لي ظهري، فو الله ما نشبت أن خرقت الصف إليه فخرجت صامدا له، وما يحسب هو ولا أصحابه إلا أني رسول إليه، حتى دنوت منه فعرف الشر، فوثب على برذونه وولى مدبرا، فأدركته ثم طعنته، فسقط، ثم دففت عليه بالسيف، ونصبت رأسه على رمح وكبرت، وحمل المسلمون، فارفض أصحابه من كل وجه، وركبنا أكتافهم". [تاريخ الإسلام]
تلك مواقف خالدة، مضى أصحابها وحطوا رحالهم في الجنان كما نحسبهم، وما زالت مآثرهم حية، فاصنع لنفسك موقفا يكون لك ذخرا عند الله تعالى، فما الدنيا إلا صندوق عمل وعند الله في ذاك الجزاء، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 329
الخميس 7 شعبان 1443 هـ ...المزيد
الأحدث إضافة
عبد الرحمن عارف
التدوينات
منذ 2026-01-25
كواسر الجهاد (6) المواقف الخالدة الحمد لله عالي الشان، والصلاة والسلام على مربي الشجعان، ...
كواسر الجهاد (6) المواقف الخالدة
الحمد لله عالي الشان، والصلاة والسلام على مربي الشجعان، نبينا محمد وعلى آله وصحبة أصدق الناس جنان، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.
ففي حومة الوغى، ومنزل ...المزيد
الحمد لله عالي الشان، والصلاة والسلام على مربي الشجعان، نبينا محمد وعلى آله وصحبة أصدق الناس جنان، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.
ففي حومة الوغى، ومنزل ...المزيد
عبد الرحمن عارف
التدوينات
منذ 2026-01-25
مؤسسة الفرقان - فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ كلمة صوتيّة ...
مؤسسة الفرقان - فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ
فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ
كلمة صوتيّة للمتحدّث الرّسمي للدّولة الإسلامية
الشيخ المجاهد أبي عمر المهاجر (حفظه الله تعالى)
الحمد لله القويّ ...المزيد
فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ
كلمة صوتيّة للمتحدّث الرّسمي للدّولة الإسلامية
الشيخ المجاهد أبي عمر المهاجر (حفظه الله تعالى)
الحمد لله القويّ ...المزيد
المقالات
منذ 2026-01-25
محمد - صلى الله عليه وسلم - الإنسان الرقيق
من أهم الجوانب المثيرة للاهتمام بقوة في شخصية النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إنسانًا رقيقًا مرهف الإحساس، وعرفت عنه هذه الرقة على مدار حياته، مارسها بعفوية تؤكد أنها جزء أصيل في مكونه النفسي، وأنها ليست ناتجة عن افتعال أو تكلف. ... المزيد
وسائل التواصل .. ميدان دعوة .. وجبهة قتال
لم يكن الناس قبل سنوات يتصوّرون أن يجلس أحدهم في زاوية من بيته، ثم يكتب كلمة على جهاز صغير لا يتجاوز كفّه، فإذا هي تجوب أقطار الأرض شرقًا وغربًا ... المزيد
محمود علي البنا
المصحف المرتل - حفص عن عاصم
منذ 2002-02-11
منصور بن محمد المقرن
المقالات
منذ 2026-01-25
حِمَالُ خَـيْـبَر
عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجراً، كان أوّلَ عملٍ قام به هو بناء المسجد، وقد كان يَنْقُلُ مَعَ الصحابة اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ وَيَقُولُ: «(هَذَا الحِمَالُ لاَ حِمَالَ خَيْبَرْ *** هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ)» ... المزيد
Abu-abdullh
التدوينات
منذ 2026-01-25
مقال: حربٌ على العقيدة تزعم كتب التاريخ المزوّر أنّ الحملات والحروب التي داهمت بلاد المسلمين ...
مقال: حربٌ على العقيدة
تزعم كتب التاريخ المزوّر أنّ الحملات والحروب التي داهمت بلاد المسلمين لم تكن في أصلها حروبا عقائدية، وإنما كانت حروبا سياسية سيادية، أو اقتصادية على الثروات والمعادن ...المزيد
تزعم كتب التاريخ المزوّر أنّ الحملات والحروب التي داهمت بلاد المسلمين لم تكن في أصلها حروبا عقائدية، وإنما كانت حروبا سياسية سيادية، أو اقتصادية على الثروات والمعادن ...المزيد
محمد بن عبد الله السحيم
المقالات
منذ 2026-01-25
من بورك له في شيء فليلزمه
إنّ من سماتِ الشريعةِ الغَرَّاءِ عنايتَها بشأنِ الإيجابيةِ ذاتِ العملِ المثمرِ، ورعايتَها أسبابَها الدالةَ عليها والموصلةَ لها، والذي يأتي في مُقَدَّمِها فتوحُ اللهِ التي يفتحُ بها على العبدِ أبوابَ الخيرِ في الدينِ والدنيا.. ... المزيد
المقالات
منذ 2026-01-25
معنى "إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي"
فضرب سعد في صدره فقال: اسكت، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي ... المزيد
المقالات
منذ 2026-01-25
نفسك أولًا
سيقف كل إنسان بين يدي الله وحده، لا يحمل عنه أحد شيئًا، ولا تنفعه ألقاب ولا انتماءات، ولا تشفع له كثرة، ولا تحطّ من قدره قلة. ... المزيد



