سفينة النجاة في عصر الفتن من نعم الله على الموحّدين أنه يؤلف بين قلوبهم فيصبحون بنعمته إخوانا، ...

سفينة النجاة في عصر الفتن

من نعم الله على الموحّدين أنه يؤلف بين قلوبهم فيصبحون بنعمته إخوانا، مهما كانت العداوة بينهم مستحكمة قبل الإسلام، إذ منّ الله -سبحانه- على الأنصار في المدينة بذلك فقال: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103]، وكذلك فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما عتب عليه الأنصار أن تألف قلوب الناس بعد فتح مكة بشيء من حطام الدنيا، فذكّرهم -عليه الصلاة والسلام- أن ما نالهم في الإسلام من الهداية بعد الضلال، والتآلف من بعد العداوة والقتال، هو خير وأثمن من الأموال التي يفرح بها الناس.

أما الكفار والمرتدون بكل أصنافهم وأطيافهم، فلا يزالون متعادين فيما بينهم، وإن جمعهم كلهم العداء للإسلام والمسلمين، وسبب ذلك أن كلاً منهم يعبد إلها يختلف عن آلهة الآخرين، ويتبع منهجا يعارض مناهج الآخرين، أو يتنافس معهم على المتاع ذاته، ولا يمنعهم مانع من أن يطغوا في الأرض، أو يبغي بعضهم على بعض، ولو لأتفه الأسباب.

وقد كان مما منّ الله به على أمة الإسلام في مهدها الأول، أن بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- والعرب أشتاتٌ متفرقون، قد طحنتهم حروب القبائل وثاراتها، وأهلكت فرسانهم ودهاتهم، وكذلك فعلت الحرب بفارس والروم، حتى أذن الله بسحق كل تلك العصبيات الجاهلية على أيدي الموحدين.

وإن هذا السبب من أسباب النصر -الذي يفتح الله به للمجاهدين في كل زمان، باختلاف أعدائهم فيما بينهم، وتنازعهم، وإنهاك بعضهم البعض، قبل أن تكون نهايتهم على أيدي المسلمين- لن ينقطع إلى أن تضع الحرب أوزارها بين أهل الإسلام وأهل الكفر، وذلك لأن أسباب هذا التنازع بينهم لن تنقطع أبدا، بتنافسهم على الدنيا، وتصارعهم في سبيل الهيمنة والملك والأمجاد القومية الجاهلية، وكذلك بتغلغل الرأسماليين وخاصة اليهود منهم في صفوفهم وإذكائهم لتلك النزاعات والصراعات خدمة لمصالحهم، ورغبة في الاستفادة من تلك الصراعات في الاغتناء عن طريق الربا والتجارة.

وخلال القرن الماضي فقط، أهلك الله عشرات الملايين منهم، في حروب مدمّرة قامت فيما بينهم، سواء منها ما كان بين قوميات متصارعة كما في الحربين الكبريين، أو حتى في الصراعات على الملك داخل القوميات، وهي التي تعرف بالحروب الأهلية، وقد أضعف الله أغلب أمم الشرك والكفر بعد تلك الحروب، ولكن لم يكن في أمة الإسلام من يستطيع جمع المسلمين خلفه ليقودهم إلى تحقيق التمكين للمسلمين، وقهر أمم الشرك، وإخضاعها لحكم الإسلام، بل وقع كثير من الناس ضحية تلك الصراعات التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل؛ وذلك لكونهم خلال الفترات الماضية كانوا إما خاضعين لطواغيت الحكم التابعين لأمم الشرك المتجبرة، أو خاضعين لطواغيت الأحزاب والقبائل والطرق الصوفية، الذين لم يكن أحد منهم يتصور يوما أن يصاول أمم الشرك وهو يعبدها من دون الله خوفا ورجاء.

إن أيامنا هذه تشي -بإذن الله- بمرحلة جديدة من التنازع الكبير، والصراعات المدمِّرة في صفوف أمم الشرك المختلفة، وبين القوميات الجاهلية المتنازعة، سببها الرئيس تنافسهم على الأموال والنفوذ، وإنهم في الوقت الذي يصوغون فيه فسطاط كفرهم المحارب لفسطاط الإيمان الذي تمثله الدولة الإسلامية، فإنهم يبنون التحالفات المتعددة المتعارضة داخل ذلك الفسطاط، وكلٌّ منهم يتربص بأخيه الدوائر، ليدفعه عن قطعة من الأرض، أو يزيحه عن مجال من مجالات النفوذ والهيمنة، أو يضعفه في جانب من جوانب الاقتصاد أو السياسة.

ومن نعم الله تعالى أن تحل هذه المرحلة، وللمسلمين جماعة يعتصمون بها عند الفتن، وإمام يتخذونه جُنّة من أمامهم، ويقاتلون به مِن ورائه، وولايات منتشرة في أصقاع الأرض المختلفة يمكنهم أن يأووا إلى جنودها، ويهاجروا إلى أرضها فيستقووا بها ويقووها، وجيش ذو راية نقية يمكنهم أن يقاتلوا في صفوفه لتكون كلمة الله هي العليا، فيقيهم الله بذلك من الضياع وسط دوامة الصراعات الواسعة، والانحراف باتجاه إهلاك النفوس والأموال في خدمة مشاريع ومصالح دول الشرك المختلفة.

وأما من أبى الاعتصام بحبل الله، وبقي على عبادة هواه، واتباعه طواغيته من علماء السوء المبدلين لشريعة الله، وقادة الأحزاب والتنظيمات الضالّين المضلّين، ورؤوس القبائل الجاهليين العابدين للمال والجاه، وغيرهم، فلن ينجو من عذاب الله بإضاعة دينه، فضلا عن إهلاك نفسه وأهله وماله، والله لا يهدي القوم الفاسقين.


المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 65
الخميس 27 ربيع الثاني 1438 ه‍ـ

للمزيد من الحقائق وكشف الشبهات.. تواصل تيليجرام:
@WMC111ART
...المزيد

اجتماع الطواغيت لقضية فلسطين • ما المنتظر من القمة العربية الطارئة بشأن الحرب على غزة؟ لم يكن ...

اجتماع الطواغيت لقضية فلسطين

• ما المنتظر من القمة العربية الطارئة بشأن الحرب على غزة؟

لم يكن الناس ينتظرون الكثير من اجتماع طواغيت بلدان المسلمين، الذي حصل قبل أيام، فقد تعودوا على أن يروهم يعيدون أهم عناوين الأخبار التي تتناول الأحداث المشابهة التي يجتمعون لأجلها ثم يختمون اجتماعهم ببيان ختامي يحمل نفس العبارات المملّة من الشجب والاستنكار والتنديد، والتي أصبحت محط سخرية الناس لخيبتها من جهة ولاستهلاكها بكثرة من جهة أخرى.

والحقيقة هي أن اجتماع هؤلاء الطواغيت جاء لأسباب داخلية وخارجية إعلامية وسياسية تتعلق بمصلحة كل طاغوت منهم، لا علاقة لأهل فلسطين به إلا من حيث ذكرهم في الكلمات الفارغة، وإلا فإن هؤلاء الطواغيت يعلمون جيدا أنهم أضعف من أن يقدموا شيئا على أرض الواقع يخالف ما يريد اليهود والنصارى.

* افتتاحية النبأ "قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ" 417
...المزيد

أبواق الطواغيت • من الناحية الشرعية، فإن العاملين في وسائل الإعلام النصيرية كفار مرتدون محاربون ...

أبواق الطواغيت

• من الناحية الشرعية، فإن العاملين في وسائل الإعلام النصيرية كفار مرتدون محاربون يستوي في ذلك ذكورهم وإناثهم من المراسلين والمحررين والمصورين و "الممثلين" وكل من له صلة بالمنظومة الإعلامية النصيرية التي عكفت سنوات تناصر الطاغوت وتنافح عنه وتؤيد جرائمه، وإن تبديل هؤلاء جلودهم بين ليلة وضحاها من "التشبيح إلى الثورة" يُعد استخفافا بالدماء وإمعانا في الإجرام، وإن حكم الإسلام فيهم هو القتل ردةً جزاء وفاقا لأنهم أولياء وأعوان الطاغوت حكمهم حكمه لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.

مقتبس من افتتاحية صحيفة النبأ العدد 472
...المزيد

تعلموا أمر دينكم • صفة الكفر بالطاغوت تكون بـ: ➊ - اعتقاد بطلانها. ➋ - تركها والتبرؤ منها. ➌ ...

تعلموا أمر دينكم

• صفة الكفر بالطاغوت تكون بـ:
➊ - اعتقاد بطلانها.
➋ - تركها والتبرؤ منها.
➌ - بغضها وعداوتها.
➍ - تكفير أهلها.
➎ - معاداتهم في الله.

والدليل قوله تعالى: { قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۖ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } [الممتحنة: ٤]

إذاً فمن لم يحقق هذه الصفة لم يكن مؤمناً بالله كافرا بالطاغوت، بل العكس، لأن الإيمان بالطاغوت والإيمان بالله ضدان لا يجتمعان في قلب إنسان أبدا، إذ لا يمكن أن يوصف الشخص بأنه مشرك وموحد في نفس الوقت، بل لا بد له من أحد الوصفين لا محالة، إذ لا ثالث لهما، لقوله تعالى: { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ } وقوله: { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا }

فهذا الطاغوت الذي أمرنا أن نكفر به ونجتنبه، وهذه عبادته التي نهينا عنها وأمرنا بتركها وتكفير أهلها ومعاداتهم.

- كتاب تعلموا أمر دينكم صادر عن ديوان الدعوة والمساجد / سلسلة (4)
...المزيد

ألا فلتصونوا هذهِ الأمانة الثقيلة، ألا فلتحمِلوا هذهِ الراية بقوة، اسقوها بدمائكم، وارفعوها على ...

ألا فلتصونوا هذهِ الأمانة الثقيلة، ألا فلتحمِلوا هذهِ الراية بقوة، اسقوها بدمائكم، وارفعوها على أشلائِكم، وموتوا تحتها، حتى تُسلِموها إن شاء الله لعيسى ابن مريم عليه السلام

الشيخ أبي محمد العدناني تقبله الله ...المزيد

أليس هذا حال العساكر؟ • قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "من حالف شخصاً على أن يوالي من ...

أليس هذا حال العساكر؟

• قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "من حالف شخصاً على أن يوالي من والاه، ويُعادي من عاداه، كان من جنس التتر المجاهدين في سبيل الشيطان، ومثل هذا ليس من المجاهدين في سبيل الله تعالى، ولا من جند المسلمين، بل هؤلاء من عساكر الشيطان" أنتهى.

• أليس هذا هو حالكم؟ حيث توالون وتعادون في أشخاص الطواغيت الحكام، توالون من والوهم وتعادون من عادوهم، بغض النظر عن شرعية تلك الموالاة أو المعاداة، تنتهك حرمات الأمة ويُعتدى على مقدساتها، ويُقتل الأطفال والنساء، ويشتم الله ورسوله، فكل هذا وغيره لا يستدعي موقفاً منكم ولا من حكامكم!

الشيخ فارس آل شويل/نصيحة إلى العساكر

اعرف حقيقة الجيوش
...المزيد

سيذّكّر من يخشى ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * ...

سيذّكّر من يخشى

ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى} [الأعلى: 9 - 12] فأخبرَ أن من يخشاه يتذكر، والتذكر هنا مستلزم لعبادته، قال اللّه تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ} [غافر: 13]، وقال: {تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} [ق: 8]؛ ولهذا قال المفسرون في قوله: {سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى}: سيتعظ بالقرآن من يخشى اللّه، وفي قوله: {وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ}: إنما يتعظ من يرجع إلى الطاعة. وهذا لأن التذكُّر التام يستلزم التأثر بما تذكَّره، فإن تذكر محبوباً طلبه، وإن تذكر مرهوباً هرب منه، ومنه قوله تعالى: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6]، وقال سبحانه: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ} [يس: 11]، فنفى الإنذار عن هؤلاء مع قوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}، فأَثْبَت لهم الإنذار من وجه، ونفاه عنهم من وجه؛ فإن الإنذار هو الإعلام بالمخوف، فالإنذار مثل التعليم والتخويف، فمن عَلَّمْتَه فتعلَّم فقد تم تعليمه، وآخر يقول: علَّمته فلم يتعلم. وكذلك من خوَّفته فخاف، فهذا هو الذي تم تخويفه. وأما من خُوِّف فما خاف، فلم يتم تخويفه. وكذلك من هديته فاهتدى، تم هداه، ومنه قوله تعالى: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 2]، ومن هَدَيتَه فلم يهتدِ كما قال: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] فَلم يتم هداه، كما تقول: قطعته فانقطع، وقطعته فما انقطع.

فالمؤثر التام يستلزم أثره، فمتى لم يحصل أثره لم يكن تاماً، والفعل إذا صادف محلاً قابلاً تم، وإلا لم يتم. والعلم بالمحبوب يورث طلبه، والعلم بالمكروه يورث تركه؛ ولهذا يسمى هذا العلم: الداعي، ويقال: الداعي مع القدرة يستلزم وجود المقدور، وهو العلم بالمطلوب المستلزِم لإرادة المعلوم المراد، وهذا كله إنما يحصل مع صحة الفطرة وسلامتها، وأما مع فسادها، فقد يحس الإنسان باللذيذ فلا يجد له لذة بل يؤلمه، وكذلك يلتذ بالمؤلم لفساد الفطرة، والفساد يتناول القوة العلمية والقوة العملية جميعاً، كالممرور الذي يجد العسل مراً، فإنه فسد نفسُ إحساسه حتى كان يحس به على خلاف ما هو عليه للمُرة التي مازجته، وكذلك من فسد باطنه، قال تعالى {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 109 - 110]». انتهى كلامه -رحمه الله- من كتاب الإيمان بتصرف يسير.

المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 65
الخميس 27 ربيع الثاني 1438 ه‍ـ

مقتطف من مقال: إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل تيليجرام:
@WMC111ART
...المزيد

من لم يعمل بعلمه جاهل وفي الكلام المعروف عن الحسن البصري ويروى مرسلاً عن النبي، صلى الله عليه ...

من لم يعمل بعلمه جاهل

وفي الكلام المعروف عن الحسن البصري ويروى مرسلاً عن النبي، صلى الله عليه وسلم: «العلم علمان: فعلم في القلب، وعلم على اللسان. فعلم القلب هو العلم النافع، وعلم اللسان حجة اللّه على عباده».

وقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي موسى، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (مَثَل المؤمن الذي يقرأ القرآن مَثَل الأُتْرُجَّة، طعمها طَيِّب وريحها طيب. ومَثَل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مَثَل التمرة، طعمها طيب، ولا ريح لها. ومَثَل المنافق الذي يقرأ القرآن مَثَل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر. ومَثَل المنافق الذي لا يقرأ القرآن مَثَل الحَنْظَلَة، طعمها مر، ولا ريح لها). وهذا المنافق الذي يقرأ القرآن يحفظه ويتصور معانيه، وقد يصدّق أنه كلام اللّه، وأن الرسول حق، ولا يكون مؤمنا، كما أن اليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وليسوا بمؤمنين، وكذلك إبليس وفرعون وغيرهما. لكن من كان كذلك، لم يكن حصل له العلم التام والمعرفة التامة. فإن ذلك يستلزم العمل بموجبه لا محالة، ولهذا صار يُقال لمن لم يعمل بعلمه: إنه جاهل، كما تقدّم.

وكذلك لفظ [العقل] وإن كان هو في الأصل: مصدر عَقَل يَعْقِل عَقْلاً، وكثير من النظار جعله من جنس العلوم فلا بد أن يُعد علما يُعمل بموجبه، فلا يسمى عاقلاً إلا من عرف الخير فطلبه، والشرَّ فتركه؛ ولهذا قال أصحاب النار: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [الملك: 10]، وقال الله -تعالى- عن المنافقين: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [الحشر: 14]، ومن فعل ما يعلم أنه يضره؛ فمثل هذا ليس له عقل، فكما أن الخوف من اللّه يستلزم العلم به، فالعلم به يستلزم خشيته، وخشيته تستلزم طاعته، فالخائف من اللّه ممتثل لأوامره مجتنب لنواهيه، وهذا هو الذي قصدنا بيانه أولا.


المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 65
الخميس 27 ربيع الثاني 1438 ه‍ـ

مقتطف من مقال: إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل تيليجرام:
@WMC111ART
...المزيد

إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ قال أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية -رحمه الله- في ...

إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ

قال أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية -رحمه الله- في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]: «والمعنى: أنه لا يخشاه إلا عالم، فقد أخبر اللّه أن كل من خشي اللّه فهو عالم، كما قال في الآية الأخرى: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9]، والخشية أبداً متضمنة للرجاء، ولولا ذلك لكانت قنوطاً، كما أن الرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمناً، فأهل الخوف للّه والرجاء له هم أهل العلم الذين مدحهم اللّه.


وقد روي عن أبي حيان التيمي أنه قال: العلماء ثلاثة: فعالم باللّه ليس عالماً بأمر اللّه، وعالم بأمر اللّه ليس عالماً باللّه، وعالم باللّه عالم بأمر اللّه. فالعالم باللّه هو الذي يخافه، والعالم بأمر اللّه هو الذي يعلم أمره ونهيه. وفي الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (واللّه إني لأرجو أن أكون أخشاكم للّه، وأعلمكم بحدوده).

وإذا كان أهل الخشية هم العلماء الممدوحون في الكتاب والسنة، لم يكونوا مستحقين للذم، وذلك لا يكون إلا مع فعلهم الواجبات، ويدل عليه قوله تعالى: {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 13 - 14]، وقوله: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46]، فوَعَدَ بنصر الدنيا وثواب الآخرة لأهل الخوف، وذلك إنما يكون لأنهم أدوا الواجب، فدل على أن الخوف يستلزم فعل الواجب، ولهذا يقال للفاجر: لا يخاف اللّه. ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} [النساء: 17].

- من علم بالله أطاعه:

قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن هذه الآية، فقالوا لي: كل من عصى اللّه فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب. وكذلك قال سائر المفسرين. قال مجاهد: كل عاصٍ فهو جاهل حين معصيته. وقال الحسن وقتادة وعطاء والسُّدِّي وغيرهم: إنما سُمُّوا جهالاً لمعاصيهم، لا أنهم غير مميِّزين. وقال الزجّاج: ليس معنى الآية: أنهم يجهلون أنه سوء، لأن المسلم لو أتى ما يجهله كان كمن لم يواقع سوءاً، وإنما يحتمل أمرين:

أحدهما: أنهم عملوه وهم يجهلون المكروه فيه.
والثاني: أنهم أقدموا على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، وآثروا العاجل على الآجل، فسُمُّوا جهالاً لإيثارهم القليل على الراحة الكثيرة، والعافية الدائمة. فقد جعل الزجّاج الجهل إما عدم العلم بعاقبة الفعل، وإما فساد الإرادة، وقد يقال: هما متلازمان، وهذا مبسوط في الكلام مع الجهمية.

والمقصود هنا أن كل عاص للّه فهو جاهل، وكل خائف منه فهو عالم مطيع للّه، وإنما يكون جاهلاً لنقص خوفه من اللّه، إذ لو تم خوفه من اللّه لم يعص. ومنه قول ابن مسعود، رضي اللّه عنه: كفى بخشية اللّه علماً، وكفى بالاغترار باللّه جهلاً، وذلك لأن تصور المخوف يوجب الهرب منه، وتصور المحبوب يوجب طلبه، فإذا لم يهرب من هذا، ولم يطلب هذا، دلَّ على أنه لم يتصوره تصوراً تاماً، ولكن قد يتصور الخبر عنه، وتصوُّر الخبر وتصديقه وحفظ حروفه غيرُ تصور المُخبَر عنه، وكذلك إذا لم يكن المتصوَّر محبوباً له ولا مكروهاً، فإن الإنسان يصدِّق بما هو مخوف على غيره ومحبوب لغيره، ولا يورثه ذلك هرباً ولا طلباً. وكذلك إذا أُخبر بما هو محبوب له ومكروه، ولم يكذب المُخبِر بل عرف صدقه، لكن قلبه مشغول بأمور أخرى عن تصور ما أُخبر به، فهذا لا يتحرك للهرب ولا للطلب.


المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 65
الخميس 27 ربيع الثاني 1438 ه‍ـ

مقتطف من مقال: إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل تيليجرام:
@WMC111ART
...المزيد

- عُبّاد النظريات: لقد كانت نتيجة تلك التجارب كارثية بحق، فقد قُتل، وسُجن، وشُرِّد، الملايين ...

- عُبّاد النظريات:

لقد كانت نتيجة تلك التجارب كارثية بحق، فقد قُتل، وسُجن، وشُرِّد، الملايين من الناس على أيدي الأنظمة الطاغوتية، دون تحقيق نتيجة تذكر، وكان وراء ذلك في الغالب -بالإضافة إلى الضلال في العقيدة والمنهج- فرضيات خاطئة، حاول أصحابها تجربتها على الواقع، وقد أقنعوا أتباعهم سلفاً بأنها صحيحة، وأن نتائجها الإيجابية مضمونة، بل تعدت نتائج تلك الفرضيات الخسائر الكبيرة المادية والبشرية، لتصيب الدين ذاته، بما جرى إدخاله عليه من البدع والمنكرات باسم الوسائل الضرورية لإحداث التغيير المنشود، ووصل الأمر ببعضهم إلى سلوك طريق الشرك بالله، وهو يزعم أن هذا الطريق يؤدي بالأمة إلى التوحيد الخالص، فلا هم ديناً أقاموا، ولا هم دنياً أبقوا.

ولو تتبعنا الساحة اليوم لوجدنا أنها ما زالت تعج بتلك الفرضيات الفاسدة التي جعلها كثير من الناس إلهاً يُعبد من دون الله، فتتحزب حولها الحركات، ويتعصب لها الأفراد، ويُعقد عليها الولاء والبراء، رغم ما أثبتته من فشل، وما أحلّته بالأمة من كوارث، وفوق ذلك كله وضوح مخالفتها لأصل دين الإسلام، وأحكامه.

- أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ:

قال الإمام الطبري -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الملك: 22]:
«يقول تعالى ذكره: {أَفَمَنْ يَمْشِي} أيها الناس {مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ} لا يبصر ما بين يديه، وما عن يمينه وشماله {أَهْدَى}: أشدّ استقامة على الطريق، وأهدى له، {أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا} مشي بني آدم على قدميه {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} يقول: على طريق لا اعوجاج فيه» [تفسير الطبري].

إذ لا يُتصور بحالٍ أن من يمشي وهو لا يرى الطريق أمامه أهدى من الذي يسير مستقيما على طريق لا عوج فيه ولا عقبات، فالأول مخوف عليه دائما أن يضل الطريق، أما الآخر فقد منّ الله عليه بقدرته على إبصار ما حوله وكذلك هو يسير على صراط مستقيم لا يؤدي به إلا إلى الهدى.

وهكذا الفرق بين مجاهدي الدولة الإسلامية وغيرهم من مرتدي الفصائل والتنظيمات وضُلَّالهم، فأهل الحق لا يسيرون خطوة إلى الأمام إلا بعد أن يعلموا الحكم الشرعي لهذه الخطوة، فلا يسيرونها إلا إن تأكدوا أنها مشروعة لن تخرجهم عن الصراط المستقيم الذي يوصلهم إلى الجنة، فضلا عن كونه سيوصلهم إلى غايتهم في إقامة الدين.

أما أهل الضلال فإنهم قد انكبوا بوجوههم على السبل التي خطها لهم قادتهم لا يرون غيرها، ولا يرون ما فيها من عِوج، ولا ما يعترضها من عقبات، لذلك لا يلبثون أن يصطدموا بعقبة كؤود أو ينحرفوا انحرافا يبعدهم عن الصراط المستقيم.
وسنقدّم -بإذن الله- في حلقات قادمة نماذج لسبل أهل الضلالة في سعيهم المزعوم لإقامة الدين، وتحكيم الشريعة، وإعادة الخلافة، ليظهر الفارق بينها وبين منهاج النبوة الذي سارت عليه -بفضل الله- الدولة الإسلامية حتى مكنها الله في الأرض، والحمد لله رب العالمين.


المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 65
الخميس 27 ربيع الثاني 1438 ه‍ـ
...المزيد

إقامة الدولة الإسلامية بين منهاج النبوة وسبل أهل الضلالة (1) لن نبالغ بالقول إن تحدثنا أنَّ ...

إقامة الدولة الإسلامية
بين منهاج النبوة وسبل أهل الضلالة (1)

لن نبالغ بالقول إن تحدثنا أنَّ مئاتٍ من الحركات والأحزاب والفصائل قامت خلال القرن الماضي زاعمة العمل على إعادة الخلافة، وتطبيق الشريعة، وإقامة الدين في الأرض، ولكنها جميعا فشلت في تحقيق ذلك، رغم أن قليلا منها وصل إلى مرحلة التمكين الحقيقي أو الشكلي، بل منها من تمكن من إقامة بعض أحكام الشريعة، ولكن تلك الآمال كلّها لم تتحقق إلا في الدولة الإسلامية، والفضل لله من قبل ومن بعد.

ولو نظرنا إلى حال تلك الحركات لوجدنا أنها بغالبها صنعت لنفسها العقبات والعراقيل التي سدّت الطريق أمامها، أو دفعتها دفعاً إلى الانحراف عن الطريق الحقيقي والوحيد المُوصل للهدف السامي الذي كانوا يطمحون إليه، وذلك أنهم كلفوا أنفسهم بما لم يكلفهم به الله، وألزموا أنفسهم بما لم يُلزمهم به الله، سواء منهم من سلك طريق التشديد والغلو وافتراض ما لم يفرضه الله عليهم، أو من سلك طريق التفلّت من الأحكام الشرعية، وفي كلا الحالتين كان الابتعاد عن الصراط المستقيم، والمنهج القويم في إقامة الدين.

- حتميّات فاسدة:

ومن أبرز ما كلَّفوا به أنفسهم هو ما ابتدعوه من مناهج في العمل، وضعها لهم قادتهم ومنظروهم وعلماؤهم، أطلق بعضهم عليها أسماءً كالنظريات السياسية والمناهج الحركية أو ما شابه، ويقصدون بذلك ما افترضوه من مقدمات ضرورية للوصول إلى النتائج التي يرومون الوصول إليها من عملهم وحركتهم، حيث أن أفهامهم، وأهواءهم أوحت إليهم طرقاً في العمل ينبغي سلوكها للوصول إلى الهدف المنشود وهو إقامة دين الله في الأرض، ولم يكتفوا بوضع هذه النظريات، أو الفرضيات، بل جعلوها بمثابة الصراط المستقيم بالنسبة للعمل لإقامة دين الله، إذ لا يصح -في نظرهم- سلوك غيرها للوصول إلى الغاية، وبالتالي فقد سلكوا طريق الحتميّة، وكلّفوا أنفسهم ومن تبعهم ما لا يطيقون، مما لم يُفرض عليهم، فزادوا ضلالاً على ضلال، والله لا يهدي القوم الفاسقين.

وهذه الافتراضات قامت على أساس أن الطريق لإقامة الدين ينبغي أن يكون بالوصول إلى هدفٍ مرحلي ما، أو تجاوز عقبة رئيسة ما، وبدون تحقيق هذا أو ذاك لا يمكن -بحسب زعمهم- إقامة الدين، ولا الحديث عن دولة إسلامية، فضلاً عن إقامة خلافة على منهاج النبوة وإمامة عظمى لأمة واحدة.

والمشكلة الأكبر من وراء افتراضاتهم، هي أن الفرضيات -على العموم- لا يمكن إثبات صِحتها، أو بيان بطلانها، إلا بعد إخضاعها للتجربة، فإذا تطابقت النتيجة مع الفرضية، فقد بُرهنت، وعُدَّت نظرية صحيحة، ومع تكرار نجاح هذه النظرية في ظروف مختلفة فإنها تكتسب صفة المعادلة الثابتة، التي يمكن من خلالها توقع نتائج أي فعل، أو مستقبل أي حالة، إذا تطابقت عناصر الفعل وحالته، مع ما تتطلبه المعادلة، وهنا كانت مصيبة أولئك القوم، إذ إنهم عاملوا فرضياتهم على أنها نظرياتٌ مُبرهنٌ على صحتها، أو عاملوا نظريات الآخرين التي ظنوا صحتها في ظروفهم الخاصة على أنها معادلات ثابتة ينبغي العمل بها في كل حال، وزمان، ومكان.

- تجاربٌ أثمانُها الدماءُ:

وبما أن المجال الوحيد لتجربة الفرضيات، أو النظريات التي تخص البشر، أو قسماً منهم، وكل ما يتعلق بحياتهم، هو جعلهم أنفسَهم حقلاً للتجارب، بدفعها إلى تطبيق الفرضيات، وانتظار ظهور النتائج على الواقع، وتسجيلها، ثم الحكم من خلالها على صحة الفرضية، من خلال برهان الواقع، مما يعني تحمل تكلفة عالية للوصول إلى المبتغى، إضافة إلى الخسائر الكبيرة المتوقعة في حال كانت الفرضية خاطئة من الأساس، أو جرى تطبيقها بطريقة خاطئة، أو لمجرد دخول متغير أو عامل مؤثر -غير معتبر سلفا- في التجربة عليها، مع صعوبة أو استحالة إخراجه منها، بسبب تشابك واختلاط العوامل المؤثرة في الطبيعة، بخلاف تجارب المختبرات (كالتي تتعلق بعلمي الفيزياء والكيمياء التقليديين)، التي يمكن فيها عزل التجربة بدرجة كبيرة عن الوسط المحيط، وبالتالي الحصول على نتائج أكثر قرباً من الحقيقة.

فقد حمل المنظرون وقادة الحركات فرضياتهم، وأسقطوها على الأرض فوراً، محملين أتباعهم (وأنفسهم أحيانا) تكاليف تطبيق التجربة، وكلٌ منهم يجرّب فرضياته في من تبعه من الناس، حتى امتلأت الأرض بالتجارب الحركية التي قامت على أساس تلك الفرضيات، وبالتالي شهد القرن الماضي عددا من التجارب الرئيسة، التي تفرَّع عن كل منها عدّة تجارب، وبالمحصِّلة صرنا نجد العشرات من التجارب التي تطبق في آن واحد على المساحة الكبيرة التي ينتشر فيها المسلمون في العالم، بل تجد في البلد الواحد عدة تجارب، يتصارع أصحابها فيما بينهم أكثر مما يتصارعون مع الأنظمة الطاغوتية التي خرجوا في الأساس لمواجهتها.
...المزيد

أحبب من شئت فإنك مفارقه ثم إن هذه الدنيا دار سفر وفراق، وما القرار إلا في دار القرار، فوطِّني ...

أحبب من شئت فإنك مفارقه

ثم إن هذه الدنيا دار سفر وفراق، وما القرار إلا في دار القرار، فوطِّني قلبك على أنه ما من حبيب إلا وسيفارقنا أو نفارقه، تلك سنة قد خلت في الأولين والآخرين، وقد جاء جبريل -عليه السلام- إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من أحببت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به» [رواه الحاكم في المستدرك].

والفراق قد يكون بالموت، وقد يكون بسواه، من انتقال ونحوه، والهجرة في سبيل الله نوع من أنواع المفارقة للأحبة في سبيل الله، إذ يفارق المهاجر في سبيل الله أهله وعشيرته وأحبابه، طلبا لرضا العزيز الحكيم الذي أمر عباده بالتحول عن الدار إن علاها الكفر، إلى دار الإسلام التي تعلوها شريعة الرحمن، وهذه المفارقة في الله جعلها -جل جلاله- من أعلى مراتب الإيمان، وعلامة من علاماته، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218].

وإن توطين النفس على مفارقة الأحبة والأقارب يزداد أهمية عند المجاهد في سبيل الله وعند أهله، إذ إن ضرورات الجهاد ومصلحة المسلمين تدفع ولاة الأمور إلى نقل الجنود من مكان لآخر لسد الثغور والقيام على شؤون البلاد ومصالح العباد، وما على المجاهد إلا أن يسمع ويطيع، ويصبر ويحتسب، هو وأهله، فلا يصدنَّ أحداً منهم عن الانتقال اعتيادٌ على مكان، أو ارتباطٌ بأحباب وخلان، بل ليتقرب العبد إلى الله بتقديم أمره بطاعة ولاة الأمر على ما سوى ذلك من المنافع والمحبوبات. والحمد لله رب العالمين.


المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 65
الخميس 27 ربيع الثاني 1438 ه‍ـ

مقتطف من مقال: أحبب من شئت.. فإنك مفارقه

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل تيليجرام:
@WMC111ART
...المزيد

معلومات

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً