اقزي اقزي المهم استرجع كريتوس كاستل وقمريه ف اغنية ثانية البحر قريبا او اقرب

اقزي اقزي
المهم استرجع كريتوس كاستل وقمريه ف اغنية ثانية البحر قريبا او اقرب

بطاقة الكتاب || إخفاء التشكيل الكاتب: محمد بهجت البيطار __________ نداء للجنس اللطيف يوم ...

بطاقة الكتاب || إخفاء التشكيل

الكاتب: محمد بهجت البيطار
__________
نداء للجنس اللطيف
يوم ذكرى المولد المحمدي الشريف من سنة 1351
في حقوق النساء في الإسلام وحظهن من الإصلاح المحمدي العام
(تابع لما نشر في الجزء الماضي)

30- أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين
وحكمة تعددهن بعد الهجرة وفوائده
(الزوج الأولى خديجة رضي الله عنها)
تزوج صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وعشرين سنة بالسيدة خديجة بنت
خويلد وهي ثيب بنت أربعين سنة، فعاشت معه خمس عشرة سنة قبل البعثة
وعشرًا بعدها، وتوفيت قبل الهجرة بثلاث سنين وكانت عجوزًا بنت 65 سنة وهو
في مستوى العمر الطبيعي، فقد قضى زهرة شبابه فلم يتزوج عليها، ولا أحب أحدًا
مثل حبه لها، وظل طول عمره يذكرها، ويكرم أصدقاءها ومعارفها، وزارته مرة
عجوز في بيت عائشة فأكرم مثواها وبسط لها رداءه فأجلسها عليه، فلما انصرفت
سألته عائشة عنها لتعلم سبب إكرامه لها فأخبرها أنها كانت تزور خديجة، وقد
صح عن عائشة أنها غارت منها وهي لم ترها حتى تجرأت مرة عليه عند ذكرها،
فقالت له: هل كانت إلا عجوزًا أبدلك الله خيرًا منها؟ (تعني نفسها، وكانت تدل
بحداثة سنها وجمالها وكونه صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكرًا غيرها وبكونها بنت
صديقه الأكبر أبي بكر رضي الله عنه وعنها) قالت: فغضب وقال: (لا والله ما
أبدلني الله خيرًا منها: آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني
بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها من النساء) قالت: فقلت
في نفسي لا أذكرها بعدها بسيئة أبدًا. رواه ابن عبد البر والدولابي.
وروى الشيخان عنها أنها قالت: ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله
عليه وسلم ما غرت على خديجة، وما رأيتها قط؛ ولكن كان النبي صلى الله عليه
وسلم يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة
- أي صديقاتها من النساء - وربما قلت له: لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟
فيقول: (إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد) زاد في رواية: قالت: وتزوجني
بعدها بثلاث سنين، وفي صحيح مسلم عنها: كان إذا ذبح الشاة قال: (أرسلوها إلى
أصدقاء خديجة) فذكرت له يومًا فقال: (إني لأحب حبيبها) وكانت خديجة أعقل
العقائل، وفضلى الفواضل، وكانوا يلقبونها من عهد الجاهلية بالطاهرة، وهي أول
من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وقد كنت سئلت عن حكمة تعدد أزواجه صلى الله عليه وسلم سنة 1320
فأجبت جوابًا نُشر في المجلد الخامس من المنار، ثم في الجزء الرابع من التفسير
(ص 37) ثم طرقت هذا البحث في فتاوى (م 28) من المنار، وأنا أذكر هنا
معنى ما هنالك مع فوائد أخرى فأقول:
31- الحكمة العامة لتعدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
إن الحكمة العامة لهذا التعدد بعد الهجرة، في سن الكهولة، والقيام بأعباء
الرسالة، والاشتغال بسياسة البشر، ومصابرة المعادين، ومدافعة المعتدين، دون
سن الشباب وراحة البال - هي السياسة الرشيدة، وتربية الأمة وضرب المثل
الكامل لها في معاشرة النساء بالمعروف، والعدل بينهن، وتخريج بضع معلمات
للنساء، يعلمنهن الأحكام الشرعية الخاصة بهن، مما كان صلى الله عليه وسلم
يستحي أن يخاطب به النساء فيما كان يخصهن به أحيانًا من مواعظه، كما كان
أكثرهن يستحيين أن يسألنه عن أحكام الزوجية والجنابة والطهارة، وقد كان نساء
المهاجرين أشد حياء من نساء الأنصار في هذا، بل كان من نساء الأنصار من
يهبنه أن يسألنه عما لا يُستحيا منه.
ومن الشواهد عنهن في ذلك ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة من
الأنصار سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض فأمرها كيف
تغتسل ثم قال: (خذي فرصة من مسك فتطهري بها، قالت: كيف أتطهر بها؟
قال: تطهري بها، قالت: كيف؟ قال: سبحان الله تطهري، قالت عائشة:
فاجتذبتها إليَّ، فقلت: تتبعي بها أثر الدم) وفي رواية أخرى أنها قال لها: (خذي
فرصة ممسكة [1] فتوضأي ثلاثًا) ثم إنه صلى الله عليه وسلم استحيا أو أعرض
بوجهه حياء، أي منعه الحياء بأن يصرح لها بوضع القطنة المطيبة بالمسك في
المكان الذي كان يخرج منه الدم إتمامًا للطهارة، فأخذتها عائشة وأفهمتها المراد،
والحديث في المسند والصحيحين وأكثر السنن.
وفي صحيح مسلم أن أسماء، وهي بنت شكل [2] سألت النبي صلى الله عليه
وسلم عن غسل المحيض فقال: (تأخذ إحداكن ماءها وسدرها [3] فتطهر فتحسن
الطهور فتصب على رأسها فتدلكه دلكًا شديدًا حتى يبلغ شؤون رأسها، ثم تصب
عليها الماء ثم تأخذ فرصة ممسكة فتطهر بها، قالت أسماء: وكيف أتطهر بها؟
قال: سبحان الله تطهري بها) سبح الله تعجبًا من عدم فهمها المراد بالإيماء
والتعريض، وطلبها للتصريح به والتكشيف، ومنعه الحياء منه، حتى كفته زوجته
عائشة ذلك، وقد ورد في وصفه صلى الله عليه وسلم: (أنه كان أشد حياء من
العذراء في خدرها) (متفق عليه) .
وكان المؤمنات يسألنه عن كل ما يعرض لهن على اختلاف درجاتهن في
الحياء حتى كان بعضهن يشكون إليه هجر بعولتهن لهن اشتغالاً بالتعبد أو لغير ذلك،
وكان لا بد له من تعليمهن وإنصافهن من بعولتهن، وكان أزواجه خير مبلِّغ له
عنهن ولهن عنه في حياته، وخير مرجع في الاستفتاء النسوي بعد وفاته، ومن ذا
الذي يقول إن زوجًا واحدة كانت تقوم بهذا الواجب وحدها؟
بل كان الرجال يرجعون بعده إلى أمهات المؤمنين في كثير من أحكام الدين،
ولا سيما الزوجية، فمن كان له قرابة منهن كان يسألها دون غيرها، فكان أكثر
الرواة عن عائشة أختها أم كلثوم وأخوها من الرضاعة عوف بن الحارث وابنا
أخيها القاسم وعبد الله ابنا محمد بن أبي بكر، وحفصة وأسماء بنتا أخيها عبد
الرحمن وعبد الله وعروة ابنا عبد الله بن الزبير من أختها أسماء، وروى عنها
غيرهم من أقاربها ومن الصحابة والتابعين وهم كثيرون جدًّا.
كذلك كان أكثر الرواة عن حفصة أخوها عبد الله بن عمر وابنه حمزة وزوجه
صفية بنت عبيد وأم بشر الأنصارية ... إلخ، وأكثر الرواة عن ميمونة بنت
الحارث أبناء أخواتها، ولا سيما أعلمهم وأشهرهم عبد الله بن عباس، وأشهر الرواة
عن رملة بنت أبي سفيان ابنتها حبيبة وأخواها معاوية وعنبسة وابنا أخيها وأختها.
وهكذا نرى كل واحدة من أمهات المؤمنين قد روى عنها علم الدين كثير من
أولي قرباها، ومن النساء والرجال الآخرين حتى أن صفية اليهودية كان لها ابن أخ
مسلم روى عنها فيمن روى، فهل كان يمكن أن ينقل ذلك كله زوج واحدة يروي
عنها كل مَن روَى عن أمهات المؤمنين؟ ولعل أكثر ما سمعه النساء منهن لم يصل
إلى الذين دونوا أحاديثهن.
وجملة القول: أن أمهات المؤمنين التسع اللائي توفي عنهن رسول الله صلى الله
عليه وسلم كن كلهن معلمات ومفتيات لنساء أمته ولرجالها ما لم يعلمه عنه غيرهن
من أحكام شرعية وآداب زوجية، وحِكم نبوية، وكن قدوة صالحة في الخير وعمل
البر.
32- الأسباب الخاصة لكل زوج منهن بعد خديجة
1- سودة بنت زمعة رضي الله عنها:
كانت سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس القرشية أول امرأة تزوجها
رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاة خديجة، وكان توفي عنها زوجها ابن عمها
بعد الرجوع من هجرة الحبشة الثانية، والحكمة في اختيارها أنها من المؤمنات
المهاجرات الهاجرات لأهليهن خوف الفتنة والتعذيب لإرجاعها عن الإسلام، ولو
عادت إلى أهلها لأكرهوها على الشرك أو عذَّبوها عذابًا نكرًا ليفتنوها عن الإسلام،
فاختار صلى الله عليه وسلم كفالتها، وفيه تأليف لبني عبد شمس أعدائه وأعداء بني
هاشم، وتشريف لبني النجار أخوال عترته وأكرم أنصاره؛ فإن أمها الشموس بنت
قيس بن زيد الأنصارية من بني عدي بن النجار، وكانت أول من ذكر له مع
عائشة، فكفلها صلى الله عليه وسلم وقد تزوجها بمكة قبل الهجرة في عامها كما
يأتي، فهو لم يجمع بمكة بين زوجين بالفعل.
2- عائشة بنت الصديق الأكبر رضي الله عنها:
روى ابن سعد بسند مرسل رجاله ثقات وابن أبي عاصم من طريق عائشة
قالت: (لما توفيت خديجة قالت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون رضي الله
عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: أي رسول الله ألا تزوج؟ [4] قال: من؟ قالت:
إن شئت بكرًا وإن شئت ثيبًا، قال: فمن البكر، قالت: بنت أحب خلق الله إليك
عائشة بنت أبي بكر، قال: ومن الثيب؟ قالت: سودة بنت زمعة آمنت بك
واتبعتك، قال: فاذهبي فاذكريهما علي) وفي رواية ابن سعد (قالت: أفلا أخطب
عليك، قال: بلى فإنكن معشر النساء أرفق بذلك، قالت عائشة: فجاءت فدخلت
بيت أبي بكر فوجدت أم رومان - تعني أمها - فقالت: ما أدخل الله عليكم من
الخير والبركة، قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم
أخطب عليه عائشة، قالت: وددت لو تنتظرين أبا بكر، فجاء أبوبكر فذكرت له
ذلك فقال: وهل تصلح له وهي بنت أخيه؟ فرجعت فذكرت ذلك للنبي صلى الله
عليه وسلم، فقال: قولي له أنت أخي في الإسلام وابنتك تحل لي) وفي رواية أن
أبا بكر هو الذي قال له هذا القول وأجابه صلى الله عليه وسلم بهذا الجواب، ولم
تكن نزلت في ذلك الوقت آية محرمات النكاح ولا آية {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (الحجرات: 10) .
وكانت عائشة أذكى أمهات المؤمنين وأحفظهن، بل كانت أعلم من أكثر
الرجال، قال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين وعلم
جميع النساء لكان علم عائشة أفضل، بل قال أبو الضحى عن مسروق: رأيت
مشيخة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكابر يسألونها عن الفرائض،
وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيًا
في العامة، وقال هشام بن عروة عن أبيه: ما رأيت أحدًا أعلم بفقه ولا بطب ولا
بشعر من عائشة، وقال أبو بردة بن أبي موسى عن أبيه: ما أشكل علينا أمر
فسألنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها علمًا فيه، وقال أبو الزناد: ما رأيت أحدًا أروى
لشعر من عروة بن الزبير فقيل له: ما أرواك، فقال: ما روايتي في رواية عائشة؟
ما كان ينزل بها شيء إلا أنشدت فيه شعرًا.
وجملة القول أن مصاهرة الرسول صلى الله عليه وسلم لأول أصحابه
وأعلاهم قدرًا وإخلاصًا له ونصرًا، على ما كان من مودة بينهما قبل الإسلام،
كانت أعظم منة ومكافأة وقرة عين له، وخير وسيلة لنشر سنته وفضائله الزوجية
وأحكام شريعته ولا سيما النسوية، ولم يرد في الصحيح عن أحد الرجال أكثر مما
روي عنها من الأحاديث إلا أبي هريرة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وقد
دخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال من السنة الثانية للهجرة.
3- حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما:
كانت حفصة زوجًا لحسن بن حذافة وهو ممن شهدوا غزوة بدر، وتوفي بعدها
في المدينة، فلما انقضت عدتها عرضها عمر على أبي بكر فسكت، فعرضها على
عثمان بن عفان بعد موت زوجه رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال
له: ما أريد أن أتزوج اليوم؛ وإنما كان يرجو أن يزوجه النبي صلى الله عليه
وسلم بنته أم كلثوم، وقد ساء عمر ما كان من أبي بكر وعثمان وهما الكفؤان
الكريمان لبنته، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (يتزوج حفصة من
هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة) فلقي أبو بكر عمر
فقال: لا تجد علي فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر حفصة فلم أكن لأفشي
سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها لتزوجتها.
نعم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة في السنة الثانية من
الهجرة، فكان هذا قرة عين لصاحبه ووزيره الأول وخير مكافأة له في الدنيا على
صدقه وإخلاصه، فلما توفي زوج حفصة بنت وزيره الثاني رأى أن يساوي بينه
وبين أبي بكر في تشريفهما بمصاهرته، ولم يكن في الإمكان أن يكافئهما في هذه
الحياة بشرف أعلى من هذا، فتزوج حفصة في السنة الثالثة، وقيل في السنة
الثانية، ولولا ذلك لكانت حسرة في قلب عمر، فما أجلَّ سياسته صلى الله عليه
وسلم وما أعظم وفاءه للأوفياء له ‍‍! .
ويقابل ذلك إكرامه لعثمان وعلي رضي الله عنهما بتزويجهما ببناته، وهؤلاء
الأربعة أعظم أصحابه في حياته، وخلفاؤه في إقامة ملته ونشر دعوته بعد وفاته.
4- زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها:
زوجها النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى لمولاه (عتيقه) ومتبناه زيد
ابن حارثة، ثم زوَّجه الله إياها بعد طلاق زيد لها لحكمة لا تعلوها حكمة في زواج
أحد من أزواجه، وهي إبطال بدعة التبني التي كانت متبعة في الجاهلية، وكان
ذلك سنة ثلاث، وقيل خمس من الهجرة.
ذلك أنه كان من عادات العرب الباطلة التي اتخذت دينًا تقليديًّا أنهم يتخذون
لأنفسهم أبناء أدعياء يلصقونهم بأنسابهم، ويعطون الدعي منهم جميع حقوق الأبناء
حتى في المواريث ومحرمات النكاح، وما كان الإسلام ليقرهم على باطل، فحرَّم
الله التبني وهو يعلم ما علق بالطباع ولصق بالوجدان من تأثير هذا النسب المفتعل،
وأن إبطاله وإبطال لوازمه مما يثقل على الناس امتثاله كما هو شأن التقاليد العامة
الراسخة، إلا على أصحاب الإيمان الكامل والعزائم المرهفة الحد، الذين لا يبالون
بشعور الجماهير، ولا برميهم لمخالفهم بنعوت التحقير وقليل ما هم.
علم الله تعالى هذا فألهم نبيه من قبل إنزال وحيه عليه وإرساله إلى الناس
مبشرا ونذيرًا أن يتبنى غلامًا كان ملكًا لزوجه خديجة، فوهبته له وأشرب قلبه حبه،
على ما كان من كرهه لعادات الجاهلية الباطلة، ليجعله هو القدوة الصالحة في
إبطال التبني وكل ما كان له من الأحكام، وكان هذا الغلام زيد بن حارثة، ومن
زيد بن حارثة؟
كان زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي من كرام العرب وكانت أمه سعدى بنت
ثعلبة من بني معن بن طيئ، وقد زارت قومها وهو معها فأغار عليهم جيل لبني
العين بن حر فسبوه وهو غلام يفقه، واحتملوه إلى عكاظ فعرضوه للبيع فاشتراه
حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد في الجاهلية، فلما تزوجها رسول الله صلى
الله عليه وسلم وهبته إياه لما رأت من إعجابه بأدبه وفطرته الزكية، وكان أبوه
ينشده وينشد فيه الشعر موصيًا أولاده بالبحث عنه، فحج ناس من قومه فرأوا زيدًا
بمكة فعرفوه وعرفهم، وحمَّلهم شعرًا في حنينه إلى قومه فبلغوا والده حارثة خبره،
فخرج هو وأخوه كعب بفدائه فقدما مكة فسألا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل
لهما هو في المسجد، فدخلا عليه فقالا: (يا ابن عبد المطلب يا ابن سيد قومه أنتم
أهل حرم الله تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ولدنا عندك، فامنن علينا
وأحسن في فدائه فإنا سندفع لك، قال: وما ذاك؟ قالوا: زيد بن حارثة، فقال:
أو غير ذلك؛ ادعوه فخيروه فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني فوالله
ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء.
قالوا: فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء، قال: نعم، هذا أبي وهذا عمي، قال:
فأنا من قد علمت وقد رأيت صحبتي لك فاخترني أو اخترهما، فقال زيد: ما أنا
بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني بمكان الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيد أتختار
العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟ قال: قد رأيت من هذا الرجل
شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا.
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر فقال:
اشهدوا أن زيدًا ابني يرثني وأرثه، فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما،
فدعي زيد بن محمد حتى جاء الله بالإسلام) رواه ابن سعد، ونحوه في سيرة ابن
إسحاق.
وروى الحاكم خبر أسره ومجيء والده وأهله في طلبه مطولاً، وفيه أنه كان
بعد النبوة وأن أباه أسلم؛ ولكن هذه الرواية لا تصح.
ومن تدبر خبر اختيار زيد بن حارثة للرق عند محمد صلى الله عليه وسلم
على الحرية عند أبيه وقومه - وهو كخديجة أعلم الناس بأخلاقه وأعماله - يحكم
حكمًا عقليًّا وجدانيًّا بأن محمدًا كان من قبل النبوة آية من أكبر آيات الله تعالى في
فضائله وآدابه، فكيف يكون بعدها؟ وإذا كان بعض علماء الإفرنج يستدل بإيمان
خديجة به وتقديسها لفضائله وفواضله من قبل البعثة على أنه كان صادقًا في دعوى
النبوة، لا طالبًا لمنفعة أو رياسة، فأحرى بهم أن يعدوا إيثار زيد له على حريته
وأبيه وأمه وعشيرته برهانًا مثل ذلك البرهان على صدقه صلى الله عليه وسلم
وكماله بل أظهر منه.
تضاعف حب النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بهذا الإيثار وأعتقه وتبناه،
وكان التبني أعظم شيء مستطاع في تكريمه وتعظيم قدره، وقد كان يلقب بحب
رسول الله صلى الله عليه وسلم أي حبيبه، وفي صحيح مسلم: أن عبد الله بن
عمر كان يقول: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل في القرآن
{ادْعُوَهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ} (الأحزاب: 5) وفي الصحيحين عن ابن
عمر أنه سُمع يقول: بعث رسول الله بعثًا وأمَّر عليهم أسامة بن زيد فطعن الناس
في إمرته فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إن تطعنوا في إمرته فقد
كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل، وأيم الله إن كان لخليقًا للإمرة، وإن كان لمن
أحب الناس إلي، وإن هذا من أحب الناس إلي من بعده) وفي رواية لمسلم أنه قال
هذا على المنبر، وأن لفظه في زيد وابنه (وأيم الله إن كان لأحب الناس إلي) .
وروي عن الشعبي أنه قال: ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قط
وفيهم زيد بن حارثة إلا وأمره عليهم، أقول وإنما طعن بعض الناس في إمارة زيد
على السرايا؛ لأنه كان عتيقًا فكيف يقدمه على كبراء المهاجرين والأنصار؟ وأما
طعنهم في إمارة ولده حارثة بعده فلأنه كان صغير السن لم يبلغ العشرين؛ ولكن
هذا من أفضل سياسته صلى الله عليه وسلم في خفض استعلاء العصبية وكبرياء
النسب (الأرستقراطية) .
بعد هذه المقدمة أقول: لما أراد الله تعالى أن يبطل دعاية التبني وأحكامها
الجاهلية أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يزوج زينب بنت جحش بن رباب بنت
عمة النبي صلى الله عليه وسلم أميمة بنت عبد المطلب - لزيد بن حارثة مولاه، وهو
عز وجل يعلم أنهما لا يتفقان على هذه الزوجية؛ لأنها تتكبر عليه بالطبع، وهو
عزيز النفس لا يحمل ذل الكبرياء عليه.
فذهب صلى الله عليه وسلم إلى زينب فقال: (إني أريد أن أزوجك زيد بن
حارثة فإني قد رضيته لك، قالت: يا رسول الله ولكني لا أرضاه لنفسي، وأنا أيم
قومي وبنت عمتك فلم أكن لأفعل، فنزلت الآية: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا
قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ
ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً} (الأحزاب: 36) .
فقالت زينب للنبي صلى الله عليه وسلم: قد أطعتك فاصنع ما شئت، فزوجها
زيدًا ودخل عليها، فكانت تغلظ له القول وتتعظم عليه بالشرف فيذهب إلى النبي
صلى الله عليه وسلم شاكيًا منها ويستأذنه في طلاقها، فيقول له صلى الله عليه وسلم
أمسك عليك زوجك واتق الله) وهو يعلم أنه لا بد له من طلاقها، وأن الله يأمره
بالتزوج بها بعده إبطالاً لبدعة التبني وما كان من تحريم الجاهلية لامرأة الدعي
كامرأة الابن الحقيقي؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يظهر له ولا لغيره،
وكان بمقتضى الشعور الطبيعي يخشى ما يقوله الناس ولا سيما المشركين، إن
محمدًا تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله تعالى في ذلك قوله: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ
عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} (الأحزاب: 37) أي واذكر أيها الرسول إذ تقول للذي أنعم
الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه بالعتق والإكرام] أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ [
في معاشرتها بالمعروف ولا تطلقها] وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ [
أن يقولوا تزوج امرأة ابنه أو متبناه] وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ [ولا تبالي بما يقول
الناس في تنفيذك لشرعه وإقامتك لدينه] فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا [
الوطر: الحاجة المهمة أو التي ليس بعدها مأرب، وقضاؤه إياه عبارة عن
تطليقها بمحض إرادته ورغبته؛ لأنه لم يبق له حاجة فيها، ولا رجاء في معاشرتها
بالمعروف، وتنكير (الوطر) هنا دون إضافته إلى زيد للدلالة على أنه شيء أراده
الله تعالى منه وسخره له، وهذا من دقائق البلاغة في تحديد المعاني باللفظ المفرد
النكرة، وقوله تعالى
زَوَّجْنَاكَهَا [نص في أن هذا التزويج كان من الله تعالى لما
ذكر من حكمة التشريع فيه، ولم يكن برغبة النبي صلى الله عليه وسلم وميله.
وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم لم يعقد عليها كما عقد على سائر أزواجه؛
لأن تزويج ربه إياه بها أقوى وأثبت، والعقد بعده لغو لأنه تحصيل حاصل.
ثم قال: {لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ} (الأحزاب:
37) وهو تصريح بعلة تزويجه إياها، أي: لأجل أن لا يجد أحد من المؤمنين
في نفسه أدنى ضيق صدر ولا مبالاة بلوم في التزوج بنساء أدعيائهم بالتبني،
وكفى برسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة في ذلك] إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً [
فطلقوهن بإرادتهم لعدم بقاء شيء من الرغبة لهم فيهن كما فعل زيد] وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ
مَفْعُولاً [أي: وكان قضاؤه في التكوين والتشريع نافذًا لا مرد له، ولا رأي لأحد
فيه.
ثم أكد الله تعالى هذا الأمر برفع الحرج عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه؛
لأنه هو الذي قضاه واختاره له، فما كان له أن يختار لنفسه غيره، ولا أن يخشى
غير الله في تنفيذه، وأن تلك سنته تعالى في رسله بما يبلغون من رسالته وينفذون
من أحكامه ويخشونه ولا يخشون غيره فقال:
{مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن
قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ
أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} (الأحزاب: 38-39) أي ما كان عليه صلى الله
عليه وسلم وهو نبي الله ورسوله أدنى حرج وضيق فيما فرضه وقسمه الله من مثل
هذا الزواج من التشريع وتنفيذ الأحكام وفاقًا لسنته تعالى في إخوانه النبيين الذين
خلوا من قبله، وكان أمر الله الذي يريده من إقامة شرعه يجري على حكم القدر
وهو النظام والتقدير الذي يكون به المسبب على قدر السبب، والمعلول تابعًا للعلة،
كما وقع في إبطال التبني، ولما كان هذا من تبليغ الرسالة الإلهية كان من شأن
رسل الله أن يخشوا الله ولا يخشوا أحدًا غيره في تبليغ رسالته، وكفى بالله رقيبًا
عليهم ومحاسبًا لهم، فلا يبالون بغيره.
وقفى على هذا بنفي أبوة محمد صلى الله عليه وسلم لزيد ولغيره، والرد على
من قالوا إنه تزوج حليلة ابنه، كما رواه الترمذي عن عائشة تأكيدًا لما بينه في أول
السورة من نفي بنوة الأدعياء والأمر بنسبتهم إلى آبائهم، أو وصفهم بأخوة الدين
وولاية العتق فقال: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ
النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} (الأحزاب: 40) .
فرية لبعض الرواة في تفسير
{وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} (الأحزاب: 37)
لقد كان من مثار العجب، وغرائب سفاه العقل وسوء الأدب، أن خطر لبعض
وضاع الحديث، وصناع الروايات في التفسير، أن يحرف هذه الآيات الجلية كلها
عن مواضعها، ويحملها على غرض ينأى عنه منطوقها، ويتبرأ منه مفهومها،
وتأباه حكمة التشريع فيها، ويستلزم الطعن بكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه، والنيل من خلق رسول الله وأدبه، الذي قال الله له فيه:
{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم: 4) فاخترع لها خبرًا زعم فيه أن النبي صلى الله
عليه وسلم مر ببيت زيد وهو غائب فرأى زينب فوقع في قلبه منها شيء فقال:
(سبحان مقلب القلوب) فسمعت التسبيحة زينب، فنقلتها إلى زيد فوقع في قلبه أن
يطلقها، فكان هذا سببًا لاستئذانه النبي صلى الله عليه وسلم في طلاقها، وزعموا
أن هذا هو المراد من قول الله تعالى: {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} (الأحزاب: 37) وهذه الرواية لم يثبت لها سند؛ وإنما نقلها بعض المفسرين
كعادتهم في نقل كل ما يسمعون، وقد صرح بتلفيقها المحققون؛ لأنها مخالفة للآيات
الصريحة المحكمة من جهات كثيرة، ومنافية للعقول المستقلة في الفهم والحكم أيضًا؛
فإن تزويج النبي صلى الله عليه وسلم زينب لمولاه، وحبه وربيبه ومتبناه، يكون
بحسب الطباع الكريمة مانعًا من الميل إلى التزوج بها، وناهيك بما اجتهد به من
إقناعها، وهو يعرفها من صغرها، وهذا إذا كان تزويجه لها تزويجًا عاديًّا ليكونا
زوجين ما بقيا، فكيف وهو صلى الله عليه وسلم يعلم أنه تزويج موقت بالنسبة إلى
عاقبته وغايته التي يجهلها كل منهما، ثم إنه على حسب زعمهم أمر واقع في نفسه،
وتنسمته زينب بالقرينة من تسبيحه، ولفظ ذلك التسبيح لا يدل عليه، ولم يعلم به
الناس فيخشى أن يخوضوا فيه، ويعاتبه ربه على خشيته إياهم وينزل في ذلك
قرآنًا يتلى ويتعبد به، ثم إن زيدًا كان يعلم بمعاشرته له من سن الصبا أن نفسه من
أجل وأكبر من أن يلم بها ذلك، وإن كان لا ينافي عصمة النبوة، ولولا هذا العلم
بعلو نفسه وسمو فضائله لما آثر الرق عنده على الحرية عند والده وفي قومه، وقد
أبى الحافظ ابن كثير ذكر هذه الرواية السخيفة في تفسيره لتجنبه رواية
الموضوعات، وذكر الأباطيل الواضحة فيه، وإن كان ينقل الأحاديث الضعيفة
المعقولة أحيانًا، وشنَّع ابن العربي وغيره على ناقليها.
لولا أن دعاة النصرانية يذكرون هذه الفرية في كل كتاب يلفقونه في الطعن
على الإسلام والنيل من مصلح البشر، وأفضل النبيين والرسل، لما ذكرتها في هذه
الرسالة الوجيزة، وإن لشيخنا الأستاذ الإمام مقالة خاصة في تفنيدها بالمعقول
والمنقول، ولي مقالة أخرى في إيضاح مقالته والرد على أديب نصراني انتقدها،
وقد نشرتهما في المجلد الثالث من المنار، وطبعتها مع تفسير الفاتحة وبعض
مشكلات القرآن.
ولو كان عند هؤلاء الدعاة المبشرين عرق حياء ينبض، لمنعهم الجِذْع الكبير
الذي في أعينهم عن رؤية قذاة ضئيلة في عين غيرهم! أي لمنعتهم قصة داود النبي
الذين يصلون ويعبدون الله بمزاميره مع امرأة أوريا الحثي إذ رآها كما يروي كتابهم
المقدس تغتسل فأعجبته فاستحضرها وضاجعها، فحملت وأمر بجعل زوجها في
مقدمة الحرب وتعريضه للقتل فقتل لينفرد بها من دونه، كما هو مفصل في الفصل
11 من سفر صموئيل الثاني، والمسلمون يبرءون نبي الله داود عليه السلام مما
ترويه عنه كتب قومه المقدسة عندهم وعند النصارى، وقصة داود في سورة (ص)
لا تدل على اقترافه الفاحشة وجريمة القتل إرضاء للشهوة حاشاه الله من ذلك.
5- هند أم سلمة المخزومية رضي الله عنها:
هي هند أم سلمة بنت أبي أمية المخزومية كان أبوها من أجواد العرب
المشهورين، وتزوجت ابن عمها عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، وهو من
السابقين الأولين إلى الإسلام، أسلم بعد عشرة أنفس وهو ابن عمة رسول الله صلى
الله عليه وسلم وأخوه من الرضاعة، وكان أول من هاجر إلى الحبشة، وكانت معه
وولدت له سلمة في أثناء ذلك، ثم عاد إلى مكة، ولما أراد الهجرة بها إلى المدينة
صدها قومها وانتزعوها منه هي وابنها سلمة، ثم انتزع بنو عبد الأسد آل زوجها
ابنها سلمة من آلها بالقوة حتى خلعوا يده، فكانت كل يوم تخرج إلى الأبطح تبكي
حتى شفع فيها شافع من قومها فأعطوها ولدها فرحّلت [5] بعيرًا ووضعت ابنها في
حجرها وهاجرت عليه، فكانت أول امرأة هاجرت إلى الحبشة، ثم كانت أول
ظعينة هاجرت إلى المدينة، وكانت تُجل زوجها أيما إجلال حتى أن أبا بكر وعمر
خطباها بعد وفاته من جرح أصابه في غزوة أحد فلم تقبل، وعزَّاها النبي صلى الله
عليه وسلم عنه بقوله: (سلي الله أن يؤجرك في مصيبتك ويخلفك خيرًا) فقالت:
ومن يكون خيرًا من أبي سلمة؟ فلم ير لها عزاء ولا كافلاً لها ولأولادها ترضاه
غيره صلوات الله تعالى عليه وعلى آله، ولما خطبها لنفسه اعتذرت بأنها مسنة وأم
أيتام وذات غيرة، فأجاب صلى الله عليه وسلم بأنه أكبر منها سنًّا، وبأن الغيرة
يذهبها الله تعالى، وبأن الأيتام إلى الله ورسوله، فاجتمع لها من الفضائل: النسب
الشريف، والبيت الكريم، والسبق إلى الإسلام، وعلو الأخلاق ولا سيما الوفاء
وكفالة اليتيم، وكل منها سبب صحيح لاختيار صاحب الخلق العظيم المبعوث لإتمام
مكارم الأخلاق لهذه المرأة الفضلى أن تكون من أزواجه الطاهرات، وأمهات
المؤمنين ومعلمات المؤمنين.
على أن لها فوق ذلك فضيلة أخرى هي جودة الفكر وصحة الرأي، وحسبك
من الشواهد على هذا استشارة النبي صلى الله عليه وسلم لها في أهم ما حزنه
وأهمه من أمر المسلمين في مدة البعثة، وما أشارت به عليه، ذاك أن الصحابة
رضي الله عنهم كان قد ساءهم صلح الحديبية الذي عقده صلى الله عليه وسلم مع
المشركين على ترك الحرب عشر سنين بالشروط المعلومة التي تدل في ظاهرها
على أن المسلمين مغلوبون، ولم يكونوا بمغلوبين وإنما حبه صلى الله عليه وسلم
للسلم ولاختلاط المسلمين بالمشركين - وكان دونه خرط القتاد - وكراهته للحرب
التي أكرهه المشركون عليها بعداوتهم - هما اللذان حببا إليه قبول شروطهم لهم في
الصلح، وكان من أثر استياء المسلمين من شروطهم أن أمرهم صلى الله عليه وسلم
بالتحلل من عمرتهم بالحلق أو التقصير لأجل العود إلى المدينة، فلم يمتثل أمره أحد،
ولم يقع مثل هذه المخالفة من قبل ولا من بعد، فلما استشارها رضي الله عنها في
ذلك وقال: (هلك الناس) هونت عليه الأمر، وأشارت عليه بأن يخرج إليهم
ويحلق رأسه وجزمت بأنهم لا يلبثون أن يقتدوا به؛ لأنهم يعلمون أنه صار أمرًا لا
مرد له، ولأن تأثير العمل في القدوة أقوى من تأثير القول وحده، وكذلك كان،
خرج فأمر الحلاق بحلق رأسه، فتنافسوا في التبرك بشعره، وبادروا إلى الاقتداء
به. وكانت من أعلم أزواجه، وروى عنها كثيرون من الرجال والنساء، فهي تلي
عائشة في كثرة الرواية والعلم وتفضلها في الروية والرأي.
6- جويرية بنت الحارث رضي الله عنها:
وفي سنة خمس تزوج برة بنت الحارث سيد بني المصطلق وسماها جويرية،
وكان أبوها هو وقومه قد ساعدوا المشركين على المؤمنين في غزوة أحد سنة أربع،
ثم بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجمع الجموع لقتاله، فخرج فالتقى الجمعان
في المريسيع وهو ماء لخزاعة، فأحاط بهم المسلمون وأخذوهم أسرى بعد قتل
عشرة منهم، وكانت برة بنت سيدهم في الأسرى، فكاتب عليها من وقعت في
سهمه [6] ، فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فتعرفت إليه بأنها بنت سيد قومها،
وذكرت لها سَبْيها واستعانته على كتابتها لتحرير نفسها، فقال: (أو خير من ذلك؟
أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك) قالت: نعم، ففعل، فقال المسلمون: أصهار رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فأعتقوا جميع الأسرى والسبايا فأسلموا كلهم، فكانت أعظم
امرأة بركة على قومها، وكان لهذا العمل أحسن التأثير في العرب كلها، وروي أن
أباها جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن بنتي لا يسبى مثلها فخل سبيلها،
فأمره صلى الله عليه وسلم أن يخيرها فسُرَّ بذلك، فخيرها فاختارت الله ورسوله،
وكانت من أعبد أمهات المؤمنين، وروى عنها ابن عباس وجابر وابن عمر
وعبيد بن السباق وابن أختها الطفيل وغيرهم.
7- صفية بنت حيي الإسرائيلية رضي الله عنها:
وفي سنة ست تزوج صفية بنت حيي بن أخطب الإسرائيلية من ذرية نبي الله
هارون أخي موسى عليهما السلام، كانت من بني النضير وأُسِرتْ بعد قتل زوجها
في غزوة خيبر، فأخذها دحية في سهمه، فقال أهل الرأي من الصحابة: يا رسول
الله إنها سيدة بني قريظة والنضير لا تصلح إلا لك، فاستحسن رأيهم وأبى أن تذل
هذه السيدة بالرق عند من تراه دونها، فاصطفاها وأعتقها وتزوجها، كراهة لرق
مثلها في نسبها وقومها، ووصل سببه ببني إسرائيل لعله يخفف مما كان من
عداوتهم له، وروى الإمام أحمد أنه خيَّرها أن يعتقها وتكون زوجته أو يلحقها بأهلها،
فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته، وكان بلال قد مرَّ بها وبابنة عم لها على قتلى
اليهود فصكت ابنة عمها وجهها وحثت عليه التراب وهي تصيح وتبكي، فقال له
النبي صلى الله عليه وسلم: (أنُزعَتْ الرحمة من قلبك حتى تمر بالمرأتين على
قتلاهما) رواه ابن إسحاق، وفي حديث الترمذي أن صفية بلغها أن عائشة وحفصة
قالتا: نحن أكرم على رسول الله منها، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال:
(ألا قلت: وكيف تكونان خيرًا مني وزوجي محمد وأبي هارون وعمي موسى)
وقد لقبتها زينب مرة باليهودية احتقارًا لها، فهجرها النبي صلى الله عليه وسلم
شهرًا كاملاً عقوبة لها، فتأمل هذه الشمائل المحمدية والتربية الإسلامية، روى
عنها ابن أخيها وموليان لها وعلي بن الحسن بن علي عليهم السلام وغيرهم.
8- أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان الأموية رضي الله عنها:
وفي سنة ست أو سبع تزوج أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان الأموي أشد أعدائه
تحريضًا عليه وحربًا له صلى الله عليه وسلم، وكان قومه بنو عبد شمس أعداء
بني هاشم قوم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان تزوُّجُه بها تأليفًا له ولقومه، وقد
كانت أسلمت بمكة وهاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى الحبشة، فتنصر
زوجها هنالك وفارقها، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي فخطبها له
وأصدقها عنه أربعمائة دينار مع هدايا نفيسة، ولما عادت إلى المدينة بنى بها،
ولما بلغ أبا سفيان الخبر قال: هو الفحل لا يقذع أنفه، فهو لم ينكر كفاءته صلى الله
عليه وسلم، بل افتخر به؛ ولكنه ما زال يقاتله حتى يئس بفتح مكة، وكان من
تأليفه صلى الله عليه وسلم يوم الفتح أن قال: (من دخل المسجد الحرام فهو آمن،
ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن) وقد آمن يومئذ رياء وتقية، ثم كان من تأليفه
له صلى الله عليه وسلم بعد غزوة حنين أن أعطاه غنيمة هوازن مائة ناقة، فهذا
التأليف بعد التأليف لأبي سفيان يدل على أن تزوجه صلى الله عليه وسلم ببنته كان
لمثل ذلك على أن تركها أرملة مهينة بعد مصابها بتنصر زوجها وعداوة أبيها وأمها
لم يكن يهون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى عنها ابنتها وأخواها وابن
أخيها أو ابن أختها ومولياها وآخرون.
9- ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها:
وفي أواخر سنة سبع تزوج ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية وكان اسمها
برة فسماها ميمونة، وكان ذلك في إبان عمرة القضاء وهي آخر أزواجه أمهات
المؤمنين زواجًا وموتًا كما في بعض الروايات، وقد قالت فيها عائشة: أما إنها
كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم. ولم أقف على سبب ولا حكمة خاصة لتزوجه
بها؛ ولكن ورد أن عمه العباس رغَّبه فيها وهي أخت زوجه لبابة الكبرى أم الفضل
وهو الذي عقد له عليها بإذنها، ولولا أن العباس رأى في ذلك مصلحة عظيمة لما
عني به كل هذه العناية لإرضاء امرأته، روى عنها أبناء أخواتها ومواليهم
وآخرون أجلهم ابن عباس.
وجملة القول: إنه صلى الله عليه وسلم راعى المصلحة في اختيار كل زوج من
أزواجه عليهن الرضوان في التشريع والتأديب والمودة والتأليف وكفالة الأرامل
والأيتام، فجذب إليه كبار القبائل بمصاهرتهم، وعلَّم أتباعه احترام النساء وإكرام
كرائمهن والعدل بينهن، وقرر الأحكام بذلك وترك من بعده تسع أمهات للمؤمنين
يعلمن نساءهم من الأحكام ما يليق بهن مما ينبغي أن يتعلمنه من النساء دون الرجال،
ولو ترك واحدة فقط لما كانت تغني في الأمة غناء التسع.
ولو كان صلى الله عليه وسلم أراد بتعدد الزواج ما يريده الملوك والأمراء من
التمتع بالحلال فقط لاختار حسان الأبكار على أولئك الثيبات المكتهلات منهن، كما
قال لمن استشاره في التزوج بامرأة ثيب: (هلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك) وفي
رواية زيادة (وتضاحكها وتضاحكك) وهو من حديث جابر في الصحيحين.
وأذكِّر القارئ بأن تعدد الزوجات في ذلك العصر كان من الضروريات لكثرة
القتلى من الرجال وحاجة نسائهم إلى من يكفلهن؛ لأن أكثر أهلهن من المشركين،
فالمصلحة فيه للنساء لا للرجال إما بالكفالة والنفقة، وإما بالشرف والتكرمة؛ ولذلك
كن يسعين أو يسعى الآباء أو غيرهن من الأقربين لمن يقتل زوجها أو يموت بكفؤ
يتزوجها وإن كان له زوج أو أزواج غيرها كما فعل عمر بعرض بنته حفصة على
أبي بكر وعمر.
وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكان النساء يعرضن أنفسهن عليه، كما
يعرضهن بعض أولي القربى منهن، وسيأتي بعض الروايات في ذلك، فهل يتصور
أحد أن تعدد الزوجات كان في ذلك العهد هضمًا لحقوقهن، وقد أعطاهن الإسلام من
الحقوق والتكريم ما أعطاهن، وناهيك بشرف التزوج برسول الله صلى الله عليه
وسلم وسيأتي ما يؤيد ذلك كله.
33- سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في معاشرة نسائه
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المثل الكامل والأسوة الحسنة للرجال في
حسن معاشرة أزواجه بالمعروف، والقسمة بينهن بالعدل في كل من المبيت والنفقة
واللطف والتكريم، وفي احتمال غضبهن وغيرتهن، وتنازعهن بالأناة والرفق
والموعظة الحسنة، وكان يزورهن كلهن صباحًا للوعظ والتعليم، ومساء للمجاملة
والمؤانسة، وكن يجتمعن معه في بيت كل منهن، وكان يخدم في بيته ويقضي
حوائجه بيده، قالت عائشة: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده امرأة
له ولا خادمًا قط) [7] (وسُئلت: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في أهله؟
قالت: كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة) [8] ولها
أحاديث أخرى مفصلة في خدمته في بيته وقيامه بحاجة نفسه، ومن وصفها له:
(كان ألين الناس وأكرم الناس، وكان رجلاً من رجالكم إلا أنه كان بسامًا) [9] .
وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد السفر ضرب القرعة بينهن، إذ لا يمكن
السفر بهن كلهن، وترجيح إحداهن يسخط سائرهن، وإن كان فيها من المرجحات
ما يقتضي الترجيح، إذا لا يتساوى النساء في استعدادهن للسفر ومشقاته؛ ولكنه
لما حج أخذهن كلهن معه.
ولما مرض مرضه الأخير شق عليه أن ينتقل بين بيوتهن كل يوم كما كان
يفعل في حال صحته، فكان يسأل (أين أنا غدًا؟ أين أنا غدًا؟) يريد يوم عائشة،
فأذن له أزواجه كلهن أن يكون حيث شاء، فاختار بيت عائشة وفيه توفي [10] .
وروي عنها أنه بعث في مرضه إلى نسائه فاجتمعن فقال: (إني لا أستطيع
أن أدور بينكن، فإن رأيتن أن تأذنَّ لي أن أكون عند عائشة، فأذِنَّ له) [11] ومن
حكمة ذلك أن يدفن في بيتها، وقد كان صرح بأنه يدفن حيث يموت.
ولما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة تبغي رضاء رسول
الله صلى الله عليه وسلم عنها [12] وفي رواية عنها: (كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا
وهو يطوف علينا جميعًا فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ التي هو
يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنَّتْ وفرقت، أي: خافت
أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله يومي لعائشة، فقبل
رسول الله ذلك منها) [13] .
وقد كان لعائشة بنت الصديق رضي الله عنهما من قلب رسول الله صلى الله
عليه وسلم ما لم يكن لأحد من نسائه بعد خديجة رضي الله عنها، فكانت الحبيبة
بنت الحبيب، وكانت هي أكثرهن إدلالاً عليه، وفي الصحيحين عنها قالت: قال
لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لأعلم إذا كنت راضية عني وإذا كنت
علي غضبى، فقلت: من أين تعرف ذلك؟ قال: أما إذا كنت عني راضية فإنك
تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى قلت: لا ورب إبراهيم! قلت: أجل،
والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك) .
وكان هذا الحب الطبعي الذي تعددت أسبابه أعظم دليل على عدله صلى الله
عليه وسلم بين أزواجه، فهو لم يكن يفضلها على أقلهن مزايا في الخلق والخلق
والذكاء والنسب بشيء من النفقة أو المبيت أو حسن العشرة، ولذلك كان يقول في
قسمه بينهن بالعدل: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) [14]
يعني الحب ولوازمه الطبيعية غير الاختيارية، وما ابتلي الرجال بشيء أبعث
على الجور والمحاباة كفتنة حب النساء؛ فإن الرجل الضعيف الدين والإرادة ليظلم
أولاده ونفسه مرضاة لمن يحبها ولو أجنبية فكيف لا يظلم ضرتها؟
34- تغاير نسائه صلى الله عليه وسلم
وتحزبهن ومناشدتهن إياه العدل
لما كان من طباع البشر أن العدل بينهم يغريهم بالمطالبة بأكثر من حقوقهم،
والظلم يسكتهم على ما دونها ولا سيما النساء، ورأى نساء النبي صلى الله عليه
وسلم أنه لا يفضل إحداهن على غيرها بشيء ما، إلا أن الناس يتحرون بهداياهم له
يوم عائشة - رأين أن في هذا هضمًا لحقوقهن وكرامتهن، وإن كان هذا الهضم ليس
من فعله صلى الله عليه وسلم وكان ينالهن من الهدايا كلهن فطالبنه بإنصافهن،
وأغلظن في المطالبة وألحفن حتى أسكتهن بما يكرهن.
قالت عائشة: إن نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كن حزبين، فحزب
فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء النبي
صلى الله عليه وسلم، وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله صلى الله عليه
وسلم عائشة، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة بعث
صاحب الهدية بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة، فكلَّم حزب
أم سلمة (أم سلمة) فقلن لها: كلِّمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم الناس
فيقول من أراد أن يُهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية فليهدها إليه حيث
كان من بيوت نسائه، فكلمته أم سلمة بما قلن فلم يقل لهن شيئا، فسألنها فقالت: ما
قال لي شيئًا، فقلن لها: كلميه، قالت: فكلمته حين دار إليها أيضًا فلم يقل لها شيئًا،
فسألنها فقالت: ما قال لي شيئًا، فقلن لها: كلميه حتى يكلمك، فدار إليها فكلمته
فقال لها: (لا تؤذيني في عائشة فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلا عائشة)
قالت فقلت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله. ثم إنهن دعون فاطمة بنت
رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تقول:
(إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر، فكلمته فقال: يا بنية ألا تحبين ما
أحب؟ قالت: بلى، فرجعت إليهن فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع،
فأرسلن زينب بنت جحش فأتته فأغلظت، وقالت: إن نساءك ينشدنك العدل في بنت
أبي قحافة فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة فسبتها، حتى أن رسول الله
لينظر إلى عائشة هل تكلم؟ فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها، قالت:
فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عائشة وقال: إنها بنت أبي بكر) [15] يعني أنها
مثل أبيها في الذكاء والعقل والحجة.
ورواية مسلم عنها: (أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنت عليه
وهو مضطجع معي في مرطي، فأذن لها فقالت: يا رسول الله إن أزواجك
أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة - وأنا ساكتة - فقال لها رسول الله
صلى الله عليه وسلم: أي بنية ألست تحبين ما أحب؟ قالت: بلى، قال: فأحبي
هذه، فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلن: ما
نراك أغنيتِ عنَّا من شيء، فارجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولي له:
إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة، فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبدًا،
قالت: فأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش وهي التي كانت
تساميني منهن في المنزلة عند النبي صلى الله عليه وسلم، ولم أر قط امرأة خيرًا في
الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثًا وأوصل للرحم وأعظم صدقة وأشد ابتذالاً
لنفسها في العمل الذي تصدق به وتتقرب به إلى الله تعالى ما عدا سورة من حدة فيها
كانت تسرع منها الفيئة) (أي الرجعة إلى الحلم) ... إلخ.
ولها مع زينب مهاترة أخرى ذكرها أنس ملخصها أن نساء النبي كن يجتمعن
كل ليلة في بيت صاحبة النوبة منهن، فدخلت زينب بيت عائشة فمد إليها النبي
صلى الله عليه وسلم يده، فقالت عائشة: إنها زينب فكف النبي صلى الله عليه وسلم
فتقاولتا حتى ارتفعت أصواتهما، فمر أبو بكر فسمعهما فقال: يا رسول الله احثُ
في أفواههن التراب، وجاءت الصلاة فخرج صلى الله عليه وسلم ولم يكلمهما؛
ولكن أبا بكر عاد بعد الصلاة فعنف عائشة [16] وهو المشهور بالحلم، وأين حلمه
من حلم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
35- غيرة أزواجه صلى الله عليه وسلم
وصبره عليهن فيها
الغيرة الزوجية غريزة أو عاطفة في الرجال والنساء، وهي فيهن أشد ولا
سيما إذا تعددن عند الرجل، وكان يحابي بعضهن على بعض، ولئن كان أزواج
النبي صلى الله عليه وسلم كلهن يغرن من عائشة لعلمهن بأنها أحب إليه، فلهي
كانت أشدهن غيرة عليه، حتى كانت تغار من خديجة زوجه قبلها، وهي لم ترها
كما تقدم، فكانت على شدة ما ترى من عدله ومساواته بين نسائه تطيع ما يوسوس
إليها الشيطان إذا خرج من عندها في ليلتها أنه يذهب إلى غيرها، حتى تبعته مرة
من حيث لا يشعر، فإذا هو قد ذهب إلى البقيع (مقبرة المدينة) يستغفر للمؤمنين
والمؤمنات والشهداء، قالت: فقلت: بأبي أنت وأمي! أنت في حاجة ربك وأنا في
حاجة الدنيا، فانصرفت فدخلت حجرتي ولي نفس عالٍ ولحقني رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فقال: (ما هذا النفس يا عائشة؟ فقالت: بأبي أنت وأمي أتيتني
فوضعت ثوبيك، ثم لم تستتم أن قمت فلبستها فأخذتني غيرة شديدة ظننت أنك تأتي
بعض صويحباتي حتى رأيتك بالبقيع تصنع ما تصنع، فقال: يا عائشة أكنت
تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله) [17] وخرج مرة قالت: (فغرت عليه أن
يكون أتى بعض نسائه فجاء فرأى ما أصنع فقال: أغرت؟ فقلت: وهل مثلي لا
يغار على مثلك؟ فقال: لقد جاءك شيطانك، قلت: أومعي شيطان؟ قال: نعم،
قلت: ومع كل إنسان؟ قال: نعم، قلت: ومعك؟ قال: نعم ولكن ربي أعانني عليه
حتى أسلم) [18] يعني أنني أسلم من طاعة وسوسته، أو هو أسلم فلا يأمر بشر.
وقالت: (ما رأيت صانعة طعام مثل صفية، صنعت لرسول الله صلى الله
عليه وسلم طعامًا وهو في بيتي فأخذني أفكل - هو بالفتح: الرعدة والقشعريرة -
فارتعدت من شدة الغيرة فكسرة الإناء ثم ندمت، فقلت: يا رسول الله، ما كفارة ما
صنعت؟ قال إناء مثل إناء وطعام مثل طعام) [19] .
وقالت تعيب صفية لتغيرها منها: (يا رسول الله حسبك من صفية قصرها،
فقال لها: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) [20] أي أن كلمتها في
قبحها وخبثها لو ألقيت في البحر لأثرت فيه كله وخبث بها.
36- تواطؤ أزواجه وتظاهرهن على الكيد له
صلى الله عليه وسلم
شرب مرة عسلاً عند زينب كان أهدي إليها، وكان يحبه فأغرت عائشة به
جميع نسائه فتظاهرن على الكيد له حتى لا يعود إلى شرب العسل عندها بأن
تواطأن على أن ينكرن رائحته مما شرب ففعلن، وكان شديد الكراهة للرائحة
الخبيثة فامتنع من شرب ذلك العسل عندها وحرمه على نفسه، فلما علم بكيدهن
وكذبهن عليه غضب عليهن كلهن [21] .
وتواطأت عائشة مع حفصة في حادثة تحريم مارية القبطية، وكان سببه
غضب حفصة لاجتماعه بها في بيتها فاسترضاها بتحريمها عليه وأمرها أن تكتم
الخبر فأفشته لعائشة، وروي أنه أسر إليها حديثًا آخر في مسألة الخلافة وتظاهرتا
- أي تعاونتا - عليه في ذلك، وفيهما نزل قوله تعالى معاتبًا له ومنذرًا لهن:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ * وَإِذْ أَسَرَّ
النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ
وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ * إِن
تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ
وَصَالِحُ المُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً
خَيْراً مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً} (التحريم: 1-5) .
حاصل معنى الآيات أنه لا ينبغي لك أيها النبي أن تبالغ في مرضاة أزواجك
فتبلغ منها أن تحرم لأجلهن ما أحل الله لك، والله غفور رحيم، غفر لك هذه فلا
تعودَنَّ إلى مثلها، وإن الله قد شرع لكم كفارة أيمانكم ومنها يمين تحريم المرأة أو
الأمة، فهو كاليمين بالله تعالى - أي يكفره إطعام عشرة مساكين مرة واحدة أو
كسوة كل منهم ثوبًا أو عتق رقبة، فمن لم يستطع إحدى هذه الثلاث وهو مخير فيها،
فصيام ثلاثة أيام - والله هو العليم بأفعالكم ونياتكم فيها الحكيم بما يشرعه لكم فيما
يعرض لكم من مقتضى الطباع البشرية فيربيكم به ويزكيكم، ثم ذكر ذنب التي
أفشت سره صلى الله عليه وسلم وهي حفصة بما هو ظاهر المعنى في الجملة،
وليس تفصيله من موضوع هذه الرسالة، وأرشدها هي والتي أفشت لها السر وهي
عائشة إلى التوبة من ذنبهما وما صغت أي مالت إليه قلوبهما، ووافق أهواءهما من
تلك الواقعة، وأنذرهما إن أصرتا على التظاهر، أي التعاون والتمالؤ على الرسول
صلى الله عليه وسلم بأن الله هو مولاه الذي ينصره ويتولاه في كل أمر وكذلك
جبريل وصالحو المؤمنين، والمراد بهم هنا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما،
والملائكة بعد ذلك كله يظاهرونه ويؤيدونه صلى الله عليه وسلم، ثم هددهما بأن
الرسول إذا طلقهما وسائر أزواجه المتحزبات عليه؛ فإن الله يبدله خيرًا منهن في
كل ما يتفاضل به النساء عنده من صفات الكمال، ولو كان صلى الله عليه وسلم
يهمه التمتع الجسدي لوصف الله البدل بصفات الحسن والجمال؛ ولكنه لم يكن
يحفل به، ولو لم يكن نقصًا في نفسه.
37- غضبه صلى الله عليه وسلم على أزواجه
وإيلاؤه منهن شهرًا فتخييره إياهن بين الطلاق
وبقاء الزوجية المرضية لله ولرسوله
علمنا من الشواهد الصحيحة التي رويناها في حسن عشرة النبي صلى الله
عليه وسلم لأزواجه بما هو أعلى من المعروف من عدل وحلم ولطف، وصبر على
تغايرهن وائتمارهن؛ ليكون أسوة حسنة لرجال أمته ولا سيما المهاجرين في ذلك،
وعلمنا أنه آل أمرهن إلى الائتمار بينهن والتظاهر عليه واستباحة الكذب وإفشاء
السر، وكدن يكن أسوة سيئة لنساء المؤمنين، على خلاف ما يراد من تربية
الرسول لهن ليكُنَّ قدوة صالحة لهن، وكان قد اضطرب أمر النساء مع الرجال إذ
زادت جرأتهن عليهم بتأثير ما أعطاهن الإسلام من الحقوق، وما أوصى بهن النبي
صلى الله عليه وسلم من التكريم حتى إنه قد اجتمع عند نسائه صلى الله عليه وسلم
مرة سبعون امرأة كل تشكو زوجها، فلما انتهى نساؤه معه إلى هذا الحد مع العدل
الكامل، واللطف الشامل، غضب غضبة الحليم، وحلف أن لا يقربهن شهرًا،
واعتزلهن كلهن تربية لهن، ولا تتم التربية إلا بوضع الحلم في موضعه والغضب
في موضعه، وإنني أستخلص من الصحيحين خبر غضبه وحلفه هذا بما فيه زيادة
البيان لما كان عليه حال النساء في أول الإسلام، وأبدأ بسياق مسلم فأقول:
روى مسلم في صحيحه أن عبد الله بن عباس قال: (مكثت سنة وأنا أريد أن
أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له حتى خرج حاجًّا،
فخرجت معه فلما رجع فكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، فوقفت له
حتى فرغ ثم سرت معه، فقلت: يا أمير المؤمنين، من اللتان تظاهرتا على رسول
الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه؟ فقال: تلك حفصة وعائشة، قال: فقلت له:
والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك، قال: فلا
تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فسلني عنه، فإن كنت أعلمه أخبرتك، قال:
وقال عمر: والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرًا حتى أنزل الله تعالى فيهن ما
أنزل وقسم لهن ما قسم، قال: فبينما أنا في أمر أأتمره إذ قالت لي امرأتي لو
صنعت كذا وكذا فقلت لها: وما لك أنت ولما ههنا؟ وما تكلفك في أمر أريده؟
فقالت لي: عجبًا لك يا ابن الخطاب ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع
رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان، قال عمر فآخذ ردائي ثم
أخرج من مكاني حتى أدخل على حفصة، فقلت لها: يا بنية إنك لتراجعين رسول
الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان؟ فقالت حفصة: والله إنا لنراجعه،
فقلت: تعلمين أني أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله؟ يا بنية لا يغرنك هذه
التي قد أعجبها حسنها وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، ثم خرجت حتى
أدخل على أم سلمة لقرابتي منها فكلمتها فقالت لي أم سلمة: عجبًا لك يا ابن
الخطاب، قد دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأزواجه؟ قال: فأخذتني أخذًا كسرتني عن بعض ما كنت أجد [22]
فخرجت من عندها) (هذه مقدمة مسلم لحديث عمر وأذكر تتمته من رواية
البخاري عنه) .
قال: (ثم استقبل عمر الحديث يسوقه قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار
في بني أمية بن زيد وهم من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على النبي صلى
الله عليه وسلم فينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك
اليوم من الوحي أو غيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك، وكنا معشر قريش نغلب
النساء [23] ، فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يأخذن من
أدب نساء الأنصار، فصخبت على امرأتي فراجعتني فأنكرت أن تراجعني قالت:
ولم تنكر أن أراجعك فوالله إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ليراجعنه،
وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل، فأفزعني ذلك وقلت لها: قد خاب من فعل
ذلك منهن، ثم جمعت علي ثيابي، فنزلت فدخلت على حفصة فقلت لها: أي
حفصة أتغاضب إحداكن النبي صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟ قالت: نعم،
فقلت: قد خبت وخسرت أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسوله صلى الله عليه
وسلم فتهلكي، لا تستكثري النبي صلى الله عليه وسلم [24] ولا تراجعيه في شيء
ولا تهجريه وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب
إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يريد عائشة) .
قال عمر: (وكنا قد تحدثنا أن غسان تنعل الخيل لغزونا فنزل صاحبي
الأنصاري يوم نوبته، فرجع إلينا عشاء فضرب بابي ضربًا شديدًا وقال أثم هو؟
ففزعت فخرجت إليه فقال قد حدث اليوم أمر عظيم، قلت: ما هو أجاء غسان؟
قال: لا، بل أعظم من ذلك وأهول، طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه،
فقلت: خابت حفصة وخسرت، قد كنت أظن هذا يوشك أن يكون، فجمعت عليَّ
ثيابي، فصليت صلاة الفجر مع النبي صلى الله عليه وسلم فدخل النبي صلى الله
عليه وسلم مشربة [25] له فاعتزل فيها، ودخلت على حفصة فإذا هي تبكي، فقلت:
ما يبكيك ألم أكن حذرتك هذا؟ أطلقكن النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: لا
أدري ها هو ذا معتزل في المشربة، فخرجت فجئت إلى المنبر فإذا حوله رهط
يبكي بعضهم، فجلست معهم قليلاً، ثم غلبني ما أجد فجئت المشربة التي فيها النبي
صلى الله عليه وسلم فقلت لغلام له أسود: استأذن لعمر، فدخل الغلام ثم كلم النبي
صلى الله عليه وسلم، ثم رجع فقال: كلمت النبي صلى الله عليه وسلم وذكرتك له
فصمت، فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد
فجئت فقلت للغلام استأذن لعمر، فدخل ثم رجع فقال قد ذكرتك له فصمت،
فرجعت فجلست مع الرهط الذين عند المنبر، ثم غلبني ما أجد فجئت الغلام فقلت:
استأذن لعمر، فدخل ثم رجع إلي فقال قد ذكرتك له فصمت، فلما وليت منصرفًا
(قال) إذا الغلام يدعوني فقال: قد أذن لك النبي صلى الله عليه وسلم فدخلت على
رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو مضطجع على رمال حصير [26] ليس بينه
وبينه فراش قد أثر الرمال بجنبه متكئًا على وسادة من أدم حشوها ليف، فسلمت
عليه ثم قلت وأنا قائم: يا رسول الله أطلَّقت نساءك؟ فرفع إليّ بصره فقال: لا،
فقلت: الله أكبر، ثم قلت وأنا قائم أستأنس: يا رسول الله، لو رأيتني وكنا معشر
قريش نغلب النساء فلما قدمنا المدينة إذا قوم تغلبهم نساؤهم، فتبسم النبي صلى الله
عليه وسلم، ثم قلت يا رسول الله لو رأيتني ودخلت على حفصة فقلت لها: لا يغرنك
أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم (يريد عائشة)
فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم تبسمة أخرى، فجلست حين رأيته تبسم فرفعت
بصري في بيته فوالله ما رأيت في بيته شيئًا يرد البصر غير أهبة ثلاثة [27] فقلت:
يا رسول الله ادع الله فليوسع على أمتك فإن فارس والروم قد وسع عليهم وأعطوا
الدنيا وهم لا يعبدون الله [28] فجلس النبي صلى الله عليه وسلم وكان متكئًا فقال: أو
في هذا أنت يا ابن الخطاب؟ إن أولئك قوم عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا، فقلت يا
رسول الله: استغفر لي) فاعتزل النبي صلى الله عليه وسلم نساءه من أجل ذلك
الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة تسعًا وعشرين ليلة وكان قال: (ما أنا بداخل
شهرًا) من شدة موجدته عليهن حين عاتبه الله تعالى، قالت عائشة: ثم أنزل الله
تعالى آية التخيير فبدأني أول امرأة من نسائه فاخترته، ثم خير نساءه كلهن فقلن مثل
ما قالت عائشة.
اتفقت الروايات على أن تخيير النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه بين تطليقهن
وإبقائهن على عصمته على الوجه الذي يريده منهن وهو أن يكن قدوة صالحة
للنساء في الدين بعد حادثة غضبه وهجره لهن شهرًا ثم رضاه عنهن، وقد صح أنه
حدث في أثناء ذلك سبب آخر للتخيير وهو إلحافهن بطلب التوسعة في النفقة
والزينة.
38- مطالبة أزواجه صلى الله عليه وسلم إياه
بسعة النفقة والزينة
كان من السهل على النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيش مع نسائه عيشة
الترف والنعمة، وأن يمتعهن بما أحببن من اللباس والحلي والزينة، بما كان له من
الحق في خُمس الغنيمة، ومنها غنائم بني النضير، ثم بما كان له من الأرض في
خيبر، وكانت غاية توسعته عليهن إعطاؤهن مؤنة سنة كاملة من التمر والشعير
الذي كان يتخذ منه الخبز في الغالب، وكان ربما يتصدق ببعض ما آتاهن أو به
كله إذا وجد من هو أحوج إليه من الفقراء، بل ذبح مرة شاة فتصدق بها كلها فقالت
له عائشة: (هلا أبقيت لنا قطعة منها نفطر عليها، قال: لو ذكرتيني لفعلت) وقد
وقع لها بعده مثل ذلك بعينه، فقالت لها مولاة لها كما قالت للنبي صلى الله عليه
وسلم فأجابتها بما أجابها به، فهذه هي التربية المحمدية لأمهات المؤمنين، ولو اتبع
أهواءهن في الترف والزينة والأمة في طور التأسيس، لعُدِمْنَ فضائل الدين، على
ذم القرآن للمترفين المسرفين.
ولقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بفتح بلاد الشام والفرس ومصر
والاستيلاء على خزائن كسرى وقيصر والسيادة فيها، وفي غيرها من الأرض،
وحذرهم من الإسراف فيما أباح الله لهم في كتابه من الزينة والطيبات، وقال: (ما
تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) [29] ومن هذه الفتنة أنهن الداعيات
إلى الإسراف في النفقة والزينة، فلما أراد نساؤه ذلك جعل الله تعالى له مخرجًا منه
بتخييرهن بين بقائهن على عصمته إيثارًا لحظ الآخرة، وبين تمتيعه لهن بما يطلبن
مع طلاقة لهن وتسريحه لهن بإحسان إيثارًا منهن لمتاع الحياة الدنيا وزينتها، فلو
أن نساءه صلى الله عليه وسلم غلب عليهن التمتع بالنعمة والزينة والترف لاقتدى
بهن جميع النساء من ذلك العهد، ولما استطاع الرجال صرفهن عنه، ولما قامت
للأمة قائمة؛ فإن الإسراف في الترف والزينة يهلك الأمم الغنية، فكيف تقوى به
الأمم الفقيرة؟ أم كيف يمكن أن تؤسس أمة قوية عزيزة مصلحة لفساد البشر
وظلمهم بتنشئتها على التنافس في الشهوات والزينة.
وإنما أباح الله الزينة والطيبات في حال السعة والثروة بدون إسراف ولا بطر
ولا مخيلة، والغرض من كثرة أزواجه أن يكن قدوة للنساء في الفضائل النسائية
كما أنه هو القدوة العليا والأسوة الحسنى للأمة كلها في معاملة النساء وفي سائر
الأمور، وملاك ذلك كله إيثار سعادة الآخرة على متاع الدنيا.
39- تخييره صلى الله عليه وسلم لأزواجه
بين الدنيا والآخرة
قد ثبت أنه كان لهذا التخيير سببان أحدهما غضبه وموجدته عليهن فيما كان
من تظاهرن عليه، وقد ذكرنا أصح الروايات فيه، وأما السبب الآخر وهو
مطالبتهن له بالتوسع في النفقة والزينة فهو ما دلت عليه الآية الأولى من آيتي
التخيير الآتيتين، وذكر بعض المفسرين بعض ما طلبن من ذلك، وإنني أختار من
الروايات الصريحة فيه حديث جابر من صحيح مسلم وهذا نصه:
عن جابر بن عبد الله قال: (دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله
عليه وسلم فوجد الناس جلوسًا ببابه لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر فدخل،
ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا حوله نساؤه
واجمًا ساكتًا، قال: فقال أبو بكر: لأقولن شيئًا أضحك النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: يا رسول الله، لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت
عنقها [30] ، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: هن حولي كما ترى
يسألنني النفقة، فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها
كلاهما يقول: تسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده؟ فقلن: لا
والله لا نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا أبدًا ليس عنده، ثم اعتزلهن
شهرًا أو تسعًا وعشرين، ثم نزلت عليه هذه الآية {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ} (الأحزاب: 28) حتى بلغ {لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} (الأحزاب: 29)
قال فبدأ بعائشة فقال: يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمرًا أحب أن لا تعجلي
فيه حتى تستشيري أبويك، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية قالت:
أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك
أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها
إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا ولكن بعثني معلمًا ميسرًا، ثم خيرهن كلهن
فاخترن ما هو خير لهن) اخترن الله ورسوله والدار الآخرة وهذا نص آيتي
التخيير: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ
أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ
اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً} (الأحزاب: 28-29) .
خلاصة معنى الآيتين: قل لهن: إن كنتن تردن من حياتكن الزوجية حظوظ
الدنيا وشهواتها وزينتها؛ فإنني لم أبعث لذلك ولا تزوجتكن لذلك فتعالين أعطكن
المتعة المالية التي شرعها الله للمطلقات وأسرحكن إلى أهليكن سراحًا جميلاً لا إهانة
فيه ولا إساءة كما أمر الله كل من احتاج إلى تطليق امرأته لعدم استطاعته أن يعيش
معها عيشة راضية مرضية لله ثم له ولها، وهو دليل على أنه صلى الله عليه وسلم
لا يستطيع أن يقوم بوظيفة نبوته مع نساء همهن من حياتهن النعيم والزينة.
وإن كنتن تردن من هذه الزوجية مرضاة الله تعالى ومرضاة رسوله بالقيام
بأعباء الدين، وإصلاح أمور المؤمنات والمؤمنين، وثواب الدار الآخرة، تؤثرنه
على نعمة الدنيا العاجلة؛ فإن الله قد أعد للمحسنات منكن في ذلك أجرًا عظيمًا هو
أعظم وأكبر مما أعده للمحسنات من سائر المؤمنات، وقد بيَّن هذا في الآيات التي بعد
هذه، وهي وما سبق من أسباب نزولها تدل على افتراء أعداء الإسلام الذين يقولون
إن هم محمد من حياته التمتع باللذات والشهوات، وأنه لذلك أكثر من الزوجات.
40- تأديب الله لأزواج نبيه صلى الله عليه وسلم
وتعليمهن ما يراد منهن
أمر الله تعالى رسوله أن يبلغ أزواجه ما ذكر من التخيير على أنه من ربه لا
من عند نفسه، ووصل الأمر بمواعظ وحكم عرفهن بها منزلتهن وتفضيلهن على
سائر النساء بجعلهن قدوة لهن في التقوى وحسن معاملة الأزواج، بما أتاحه لهن من
معاشرة مصلح البشر الأعظم محمد رسول الله وخاتم النبيين وما يتلقينه عنه من
آيات الله والحكمة، وما يشاهدنه من معاملته وعلو أخلاقه من الأسوة الحسنة، وأن
مقتضى ذلك أن يكون أجرهن على العمل الصالح مضاعفًا، وعقابهن على الأعمال
الفاحشة مضاعفًا، على قاعدة الغرم والغنم، وكون الذي يقتدى به في الخير له
أجره ومثل أجور من يقتدون به فيه، والذي يُقتدى به في الشر عليه وزره ومثل
أوزار الذين يقتدون به فيه، وفي ذلك حديث نبوي في صحيح مسلم معروف، ولو
كانت سيرة أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم فاسدة لفسدت سيرة سائر المؤمنات،
بل لكان ذلك من أسباب فساد اعتقاد كثير من الرجال، قال الله عز وجل مخاطبًا
لهن: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ
ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا
مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ
تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْروفاً * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ
وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى
فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً} (الأحزاب: 30-
34) .
الفاحشة المبينة هي الفعلة الظاهرة القبح كالكذب في مسألة العمل دون الهفوة
واللمم بما قد يخفى قبحه على فاعله، والقنوت لزوم الطاعة مع الخضوع وإذعان
النفس، والعمل الصالح أعم منه، والتقوى اتقاء مخالفة الله ورسوله وكل ما تسوء
عاقبته، والخضوع بالقول لين الكلام الأنثوي الذي يطمع الرجل الخبيث الضعيف
الإيمان في المرأة لارتيابه في عفتها - والقول المعروف هو الحسن البريء من
الريبة الذي لا ينكر نزاهة قائلته من يسمعه {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} (الأحزاب:
33) أمر من القرار أي الزمن بيوتكن فلا تخرجن منها لغير حاجة - والتبرج:
التبختر مع إظهار الزينة لجذب الأبصار وهو من منكرات الجاهلية القديمة،
والرجس الدنس المعنوي وهو كل ما يمس الدين أو الشرف، وقوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ
اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ} (الأحزاب: 33) تعليل لهذه الأوامر والنواهي كلها؛
فإن امتثالها ينافيه وتتم به الطهارة بأكمل معانيها، وذكر الضمير (عنكم) ليشمل
صاحب البيت صلوات الله وسلامه عليه فإن شرف أزواجه شرف له، فإن علق
بإحداهن رجس أصابه ألمه وعاره - أعلى الله كرامته ونزه ساحته - وقد يشمل
بعمومه سائر أهل بيته غير نسائه المقصودات بالذات، وتؤيده بعض الروايات،
وآيات الله كتابه وبراهينه، والحكمة المعارف المعقولة المرقية للعقول المزكية
للنفوس، الحاملة لها على معالي الأمور.
41- توسعة الله على نبيه صلى الله عليه وسلم
بما تكمل به تربية أزواجه
بالغ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في التضييق عليه بباعث الغيرة
وجرأهن عليه حلمه الواسع ولطفه، واعتقادهن أن المساواة بينهن واجبة عليه،
وتوهمهن أن منها المساواة في الحب، وفي أمره الناس بأن يهدي إليه من شاء منهم
حيث كان من بيوتهن، فكان من تربية الوحي لهن ما ذكرنا آنفًا من تهديد زعيمتيهن
عائشة وحفصة وإنذارهن الطلاق وإبدال ربه إياه خيرًا منهن، ثم ما خاطبه به في
الآية الخمسين من سورة الأحزاب من أنه أحل له أزواجه اللائي تزوجهن بمهورهن
وغيرهن من قريباته المهاجرات وما أفاء عليه من ملك اليمين ومن تهبه نفسها
ليتزوجها بدون مهر خاصًا به، مع بقاء ما فرضه على سائر المؤمنين من المهور،
وتقييد الزواج بأن لا يزيد على أربع نسوة في حال القدرة مع العدل والمساواة،
وعلى واحدة عند الخوف من الظلم، وكان بعض النساء يهبن أنفسهن له صلى الله
عليه وسلم وبعضهن يعرضن عليه قريباتهن حتى نهاهن عن ذلك [*] ، ثم أفتاه الله
تعالى في الآية التي بعدها برفع الحرج عنه في معاملة أزواجه كلهن بما يشاء ليعلمن
أن مساواته بينهن فضل منه صلى الله عليه وسلم عليهن وإحسان بهن لا واجب
عليه من الله تعالى لهن لئلا يعدن إلى مثل ما كان منهن قال تعالى {تُرْجِي مَن تَشَاءُ
مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن
تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ
اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً} (الأحزاب: 51) .
رفع الله عن نبيه بهذه الآية ما فرضه على أمته من القسم والمساواة بين
الأزواج، وأباح له ما يشاء من إرجاء نوبة بعضهن أي تأخيرها، وإيواء من شاء
إليه متى شاء، وعزل من شاء وإبعادها؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم ظل على ما
كان من مساواته بينهن بالعدل، فرضين منه لأنه بمحض الفضل، ولم يتزوج
عليهن أحدًا ممن أبيح له في الآية التي قبلها، ولو كانت رغبته في تعدد الأزواج
للاستمتاع بهن لفعل ولاختار حسان الأبكار على الثيبات.
ولما نزلت هذه الآية قالت عائشة له كلمة شاذة لعلها أشذ ما صدر عنها من
إدلال وحب الزوجية وغرارة الحداثة، قالت له: ما أرى إلا أن ربك يسارع في
هواك [31] ، تعني بهواه رغبته وميله النفسي، فقابل صلى الله عليه وسلم هذه
الكلمة الجريئة النابية عن الأدب بحلمه الواسع حتى علمت عائشة وغيرها أنه صلى
الله عليه وسلم لم يكن له أدنى هوى نفسي في هذه التوسعة عليه؛ فإنه لم يعمل بها؛
وإنما كانت لأجل تربيتها هي وسائر أزواجه وإقناعهن بكمال عدله فيهن وفضله
عليهن فيما لم يوجبه ربه عليه.
وكانت عائشة على حداثتها قوية الإيمان والإجلال له صلى الله عليه وسلم؛
ولكن الغيرة النسائية كانت تغلب على وجدانها، ولقد أقنعتها حفصة في سفر لهما
مع النبي صلى الله عليه وسلم بأن تستبدل بعيرها ببعيرها ففعلت فرأته صلى الله
عليه وسلم يكلم حفصة ظانًّا أنها عائشة، فاشتعلت نار غيرتها فلما نزلت وضعت
رجلها في الإذخر (نبات معطر معروف) وصارت تدعو الله أن يرسل عليها حية
أو عقربًا تلدغها وتقول: إنه نبيك ولا أستطيع أن أقول له شيئا، رواه البخاري.
روت معاذة عن عائشة قالت: إن رسول الله كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد
أن أنزلت هذه الآية {تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ} (الأحزاب: 51) ... إلخ، فقلت
لها: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول له إن كان ذلك إلي فإني لا أريد يا رسول
الله أن أوثر عليك أحدًا [32] ، وفي رواية لم أوثر أحدًا على نفسي، فأين هذا
الجواب من إنكارها عليه مد يده إلى زينب لمصافحتها في بيتها ومن تجسسها عليه
إذ أبطأ في زيارته لها يوم شرب العسل عندها؟
(يتبع)
((يتبع بمقال تالٍ))
__________
(1) الفرصة الممسكة: بتثليث الفاء قطنة أو صوفة مطيبة بالمسك.
(2) هي أنصارية أيضًا، وقيل إنها الأولى نفسها، وشكل بفتح المثلثة والكاف وقيل إنه محرَّف.
(3) السدر: بالكسر شجر النبق وكانوا يدقون ورق البستاني منه دون البري ويستعملونه في الغسل؛ لأنه نبات منظف كالصابون، وقوله فتطهر بفتح التاء أصله تتطهر وتحذف إحدى التاءين من مثله للتخفيف.
(4) تزوج: بفتح التاء والزاي وتشديد الواو أصله تتزوج.
(5) رحلته: بتشديد الحاء جعلته راحلة تركب.
(6) الكتابة: اشتراء الرقيق نفسه من سيده بمال يؤديه ولو أقساطًا.
(7) رواه النسائي وله تتمة.
(8) رواه البخاري، والمهنة: بكسر الميم وبفتحها الخدمة.
(9) رواه ابن سعد.
(10) رواه البخاري.
(11) رواه أبو داود.
(12) رواه الشيخان وأصحاب السنن.
(13) رواه أحمد وأصحاب السنن وفيه زيادة رأي عائشة أنه نزل في هذه وأشباهها (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً) (النساء: 128) وقد تقدم، وفي رواية عند ابن سعد أنه فارقها فناشدته أن يمسكها وقالت: إنه ليس لها في الرجال حاجة؛ وإنما تريد أن تكون معه في الجنة؛ ولكن هذه الرواية مرسلة.
(14) رواه ابن أبي شيبة وأصحاب السنن الأربعة وابن المنذر عنها.
(15) رواه البخاري ومسلم، وقوله هل تكلم بفتح التاء أصله تتكلم فخُفف.
(16) رواه مسلم.
(17) رواه البيهقي.
(18) رواه مسلم عنها وعن ابن مسعود بلفظ آخر.
(19) رواه أبو داود والنسائي.
(20) رواه أبو داود والترمذي.
(21) رواه الشيخان وغيرهما وروي تعدد هذه القصة.
(22) أي كسرت ما أجده في نفسي ودفعتني عنه حتى لم أقله لها، وفي رواية لابن سعد أنها قالت
له: أي والله إنا لنكلمه، فإن تحمَّل ذلك فهو أولى به، وإن نهانا عنه كان أطوع عندنا منك.
(23) وفي رواية: كنا ونحن بمكة لا يكلم أحد امرأته إلا إذا كانت له حاجة، وفي رواية: كنا لا نعتد بالنساء ولا ندخلهن في أمورنا، هذا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش؛ أحناه على ولد - وفي رواية يتيم - في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده) رواه البخاري ومسلم وتذكير الفعل وإفراده فيه مسموع.
(24) أي لا تطلبي منه الشيء الكثير.
(25) المشربة: بضم الراء الغرفة أو العلية.
(26) وفي رواية: رمال سرير، والرمال اسم لضلوع الحصير التي ينسج بها، فتكون متداخلة كالخيوط في الثوب.
(27) الأهبة: بفتحتين وبضمتين أيضًا الجلود المدبوغة أولاً، واحدها إهاب.
(28) وفي رواية: (فبكيت فقال: ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ فقلت: وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الأنهار والثمار وأنت رسول الله وصفوته) وأما الذي رآه في خزانته فهو قدر صاع من شعير ومثله قرظ مجموع في ناحية الغرفة، والقرظ حب شجر يدبغ به الجلود.
(29) رواه الشيخان وأصحاب السنن ما عدا أبا داود عن أسامة بن زيد.
(30) بنت خارجة زوجته، ووجأ عنقها لكزه بجمع يده أو لواه إظهارًا للإنكار لا لأجل الإيلام.
(*) روى البخاري وغيره عن ثابت قال: (كنت عند أنس وعنده بنت له فقال: جاءت امرأة تعرض نفسها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ألك بي حاجة؟ فقالت بنت أنس: ما أقل حياءها واسوأتاه واسوأتاه! فقال: هي خير منك رغبت في رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرضت نفسها عليه) وروى البخاري وغيره أن خولة بنت حكيم كانت من اللاتي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم، فقالت عائشة: أما تستحي المرأة أن تهب نفسها للرجل، وروي أن أم حبيبة عرضت عليه أختها ليتزوجها فتشاركها في خيرها فأخبرها بعدم حلها له معها وقال: (فلا تعرضوا علي بناتكن ولا أخواتكن) .
(31) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
(32) راه البخاري.

(32/433)


الصفحة السابقة || الصفحة التالية
بداية الكتاب || محرك البحث
...المزيد

تاب || إخفاء التشكيل الكاتب: محمد بهجت البيطار __________ نداء للجنس اللطيف يوم ذكرى ...

تاب || إخفاء التشكيل

الكاتب: محمد بهجت البيطار
__________
نداء للجنس اللطيف
يوم ذكرى المولد النبوي الشريف
في حقوق النساء في الإسلام وحظهن من الإصلاح المحمدي العام

نشرنا في جزء المنار الماضي ما اقترحته علينا لجنة (ذكرى يوم النبي) في
لاهور الهند من كتابة رسالة في هذا الموضوع، لأجل ترجمتها بأشهر لغات العالم
المدني ونشرها في يوم المولد من سنة 1351، وإننا قد شرعنا في كتابتها في شهر
ذي الحجة الذي صدر الجزء الرابع من المنار في آخره.
وأقول الآن: إنني لما شرعت في كتابة الرسالة توخيت فيها الاختصار، وفاقًا لاقتراح لجنة لاهور في كتاب خاص، وقد أرسلت ثلاث كراسات (ملازم) منها
بالبريد الجوي في رابع المحرم، وكراستين أخرتين في الحادي عشر منه، ونبذة
ثالثة في 18 منه، ولما لم يرد إلي جواب من اللجنة ترجح عندي أنها لن تتمكن من
ترجمتها ونشرها في يوم مولد هذا العام، وكان عرض لي أن أبسط بعض المسائل
ولا سيما مسألة تعدد الزوجات، وحكمة كثرة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم
بأكثر مما تطلبه اللجنة على أن أختصر الرسالة لها إذا أرادت ترجمتها لسنة أخرى.
بيد أنني رأيت أن أنشر الرسالة كلها في المنار، ثم أطبعها على حدة وأنشرها
في يوم المولد الشريف من هذا العام، مشاركة لإخواننا مسلمي الهند في إحياء هذه
الذكرى ببيان ما اشتدت إليه حاجة هذا العصر من بيان الإصلاح الإسلامي العام
للبشر، الذي يعلم به أن محمدًا صلى الله عليه وسلم بُعث رحمة للعالمين، ومكملاً
لدين الله على ألسنة النبيين والمرسلين، ومصلحًا لما أفسده البشر من الأديان
والشرائع وشؤون الاجتماع البشري كلها، وهذا نص الرسالة:
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد رسول الله وخاتم النبيين
الذي أرسله لإصلاح جميع البشر في أمور دينهم ودنياهم، وإزالة التعادي
والتناكر بين شعوبهم وقبائلهم بالتعارف والتآلف بينهم، وإثبات المساواة في الحقوق
والأحكام بين أجناسهم وأفراد رجالهم ونسائهم على اختلاف عروقهم وألوانهم،
وبقاعهم وأقطارهم، ومنع التمايز بين الطبقات والعشائر بالأنساب والتقاليد العرفية
أو الوراثية، وتحقيق التوحيد بينهم في جميع المقومات الإنسانية، والأخوة الروحية،
والتفاضل بالفضائل النفسية، من علمية وعملية، فقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا
النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13) .
أما بعد، فيقول محمد رشيد رضا الحسيني منشئ مجلة المنار الإسلامي
ومؤلف التفسير السلفي العصري الأثري السياسي الاجتماعي في مصر - القاهرة:
إن الجماعة التي تألفت من إخواننا مسلمي الهند في مدينة لاهور لإذاعة سيرة
رسول الإنسانية الأعظم، وهديه وإصلاحه الأقوم، وخصصت لذلك يوم مولده من
كل سنة قد اقترحت علي أن أكتب رسالة في أهم ما جاء في كتاب الله تعالى المنزَّل
عليه، وفي سنته المبينة له من حقوق النساء، والإصلاح الذي يجب على الجنس
اللطيف أن يعرفه في كل شعب ويطالب به الرجال، ليترجم باللغات المشهورة
وينشر في الآفاق في يوم ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم من سنة 1351 لهجرته
الشريفة.
فقبلت الاقتراح، وأجبت الدعوة بالارتياح، شاكرًا لإخواني تفضلهم عليَّ
واختصاصهم إياي ببيان هذا الواجب الكفائي، داعيًا أن يلهمني الله تعالى فيه
الصواب، ويؤتيني الحكمة وفصل الخطاب، وقد استحسنت أن أبدأ ما أكتب بنداء
عام للنساء، ليعرفن حقوقهن ويعرفها الرجال، فأقول:
نداء للجنس اللطيف
يوم ذكرى المولد المحمدي الشريف من سنة 1351
في حقوق النساء في الإسلام، وحظهن من الإصلاح المحمدي العام

{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً
وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم: 21) .
ألا يا معشر النساء وبنات حواء، في الشرق والغرب والجنوب والشمال، هل
تدرين كيف كانت عيشة جداتكن قبل بعثة مصلح البشر الأعظم، محمد النبي الأمي
صلى الله عليه وسلم؟ أم تدرين أن البشر لما يفقهوا كنه الأقانيم الثلاثة للحياة
الزوجية التي نزل بيانها من لدن رب العالمين، على قلب محمد خاتم النبيين،
أعني: السكون النفسي الجنسي الذي يتحد به الزوجان فيكونان حقيقة واحدة كالماء
والهواء. والمودة التي تتعدى الزوجين إلى أسرتيهما فيسري بها الحب والتعاون من
الأقارب إلى البعداء. والرحمة التي تكمل لهما بالولد المنفصل منهما الممثل لهما
فينتشر التراحم بين الأحياء.
تعالين أحدثكن عما كانت عليه جداتكن بالإجمال، وبما جاء به محمد صلى الله
عليه وسلم بشيء من التفصيل، لقد كان جميع نساء البشر مرهقات بظلم الرجال
في البدو والحضر، لا فرق فيه بين الأميين والمتعلمين، ولا بين الوثنيين
والكتابيين.
كانت المرأة تُشترى وتباع، كالبهيمة والمتاع، وكانت تكره على الزواج
وعلى البغاء، وكانت تورث ولا ترث، وكانت تُملَك ولا تَملِك، وكان أكثر الذين
يملكونها يحجرون عليها التصرف فيما تملكه بدون إذن الرجل، وكانوا يرون
للزوج الحق في التصرف بمالها من دونها، وقد اختلف الرجال في بعض البلاد
في كونها إنسانًا ذا نفس وروح خالدة كالرجل أم لا؟ وفي كونها تلقن الدين وتصح
منها العبادة أم لا؟ وفي كونها تدخل الجنة أو الملكوت في الآخرة أم لا؟ فقرر أحد
المجامع في رومية أنها حيوان نجس لا روح له ولا خلود؛ ولكن يجب عليها العبادة
والخدمة وأن يكم فمها كالبعير والكلب العقور لمنعها من الضحك والكلام؛ لأنها
أحبولة الشيطان، وكانت أعظم الشرائع تبيح للوالد بيع ابنته، وكان بعض العرب
يرون أن للأب الحق في قتل بنته، بل في وأدها (دفنها حية) أيضًا، وكان منهم
من يرى أنه لا قصاص على الرجل في قتل المرأة ولا دية.
وكان أهم إنصاف للمرأة منحها إياه الشعب الفرنسي في أوربة بعد ميلاد محمد
صلى الله عليه وسلم وقبل بعثته أن قرروا بعد خلاف وجدال أن المرأة إنسان إلا
أنها خُلقت لخدمة الرجال.
ولد محمد صلى الله عليه وسلم في سنة 571 من ميلاد المسيح عليه السلام،
وأصدر الفرنسيس هذا القرار النسوي في سنة 586 أي بعد مولده بخمس عشرة
سنة، ولم يكن يدري هو ولا غيره بما سيجيء به من الإصلاح البشري العام،
والإصلاح النسوي الخاص.
فهل أتاكن يا بنات حواء أنباء ما جاء به محمد نبي الرحمة من التعاليم في
حقكن؟ هذا ما اقترح علي أن أقصه عليكن وعلى رجال الأمم كلها في هذه الرسالة
في هذا اليوم من ذكرى مولد محمد صلى الله عليه وسلم سنة 1351 من هجرته.
بعث محمد صلى الله عليه وسلم في أوائل القرن السابع للمسيح عليه السلام
مبشرًا ونذيرًا للبشر كافة يدعوهم إلى عبادة الله وحده، وإلى إصلاح أنفسهم التي
أفسدتها التقاليد الدينية، والعصبيات القومية والوطنية، وكان للنساء حظ كبير من
هذا الإصلاح لم يسبق الإسلام به دين، ولم يبلغ شأوه تشريع، ودونكن التفصيل:
1- المرأة إنسان هي شقيقة الرجل
قام محمد صلى الله عليه وسلم يتلو على البشر آيات الله عز وجل في كون
النساء والرجال من جنس واحد، لا قوامة للإنسانية إلا بهما وهذه أربع شهادات
منها:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات: 13) .
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا
وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً} (النساء: 1) .
{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} (الأعراف: 189) .
{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} (النحل: 72) .
وكان يقول: (إنما النساء شقائق الرجال) [1] .
2- إيمان النساء كالرجال
قام محمد صلى الله عليه وسلم يتلو على الناس ما أثبته الله تعالى من إيمان
النساء كالرجال، فمن ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ
مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى
الكُفَّارِ} (الممتحنة: 10) الآية.
ومنه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ
احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} (الأحزاب: 58) .
وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ
وَلَهُمْ عَذَابُ الحَرِيقِ} (البروج: 10) .
وأخبرهم بأن الله تعالى أمره أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات جميعًا بقوله:
{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ
وَمَثْوَاكُمْ} (محمد: 19) .
ومن المجمع عليه المعلوم من الدين بالضرورة أن على النساء ما على الرجال
من أركان الإسلام إلا أن الصلاة تسقط عن المرأة في زمن الحيض والنفاس مطلقًا،
فتتركها ولا تعيدها لكثرتها، وأما الصيام فيسقط عنها في زمنهما وتقضي ما أفطرته
من أيام رمضان لقلتها، وأما حجها فيصح في كل حال؛ ولكنها لا تطوف بالبيت
الحرام إلا وهي طاهرة.

3- جزاء المؤمنات في الآخرة كالمؤمنين
وقام يتلو على العالم في جزاء المؤمنات كالمؤمنين آيات من الله تعالى منها
قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل: 97) .
وقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ
أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} (غافر:
40) .
وقوله تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِياًّ وَلاَ نَصِيراً * وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ
أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً} (النساء: 123-
124) .
وقوله تعالى في أولي الألباب الذين يذكرونه كثيرًا ويتفكرون في خلق السموات
والأرض ويدعونه: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ
أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ} (آل عمران: 195) الآية، وفيها وعدهم جميعًا
بإدخالهم الجنة وحسن الثواب.
وقوله تعالى: {إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ
وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ
وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ
وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} (الأحزاب:
35) .
وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ
فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ} (التوبة: 72) .
4- مشاركة النساء للرجال في الشعائر الدينية
(والأعمال الاجتماعية والسياسية)
النساء يشاركن الرجال في العبادات الاجتماعية كصلاة الجماعة والجمعة
والعيدين فتشرع لهن؛ ولكن لا تجب عليهن تخفيفًا عليهن، وصح أن النبي صلى
الله عليه وسلم أذن لِلْحُيَّضِ [2] منهن بحضور اجتماع العيد في المصلى دون صلاته،
وعبادة الحج الاجتماعية مفروضة عليهن كالرجال كما تقدم، ويحرم عليهن وضع
النقاب على وجوههن ولبس القفازين في أيديهن مدة الإحرام، وقد شرع لهن من
الأمور الاجتماعية والسياسية ما هو أكثر من ذلك.
قال الله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 71) فأثبت الله
للمؤمنات الولاية المطلقة مع المؤمنين، فيدخل فيها ولاية الأخوة والتعاون المالي
والاجتماعي، وولاية النصرة الحربية والسياسية، إلا أن الشريعة أسقطت عن
النساء وجوب القتال بالفعل، فكان نساء النبي وأصحابه يخرجن في الغزوات مع
الرجال يسقين الماء، ويجهزن الطعام، ويضمدن الجراح، ويحرضن على القتال،
وقد ثبت في الصحيح أن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة عليها السلام
كانت تحمل قِرَب الماء هي وأم سليم وغيرها إلى الجرحى في غزوة أحد يسقينهم
ويغسلن جراحهم، ولما جُرح رسول الله صلى الله عليه وسلم تولت فاطمة غسل
جرحه وتضميده.
5- أمان المرأة للحربيين
ومن حقوق المرأة السياسية في الإسلام أنها إذا أجارت أو أمنت أحدًا من
الأعداء المحاربين نفذ ذلك، فقد قالت أم هانئ للنبي صلى الله عليه وسلم - وهي
بنت عمه أبي طالب - يوم فتح مكة: إنني أجرت رجلين من أحمائي، فقال صلى
الله عليه وسلم: (قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ) وهذا حديث صحيح متفق عليه،
وفي بعض الروايات أنها أجارت رجلاً فأراد أخوها علي كرم الله وجهه قتله،
فشكته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأشكاها وأجاز جوارها، وفي حديث حسن
عند الترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المرأة لتأخذ
للقوم) يعني تجير على المسلمين اهـ. وفي معناه عن عائشة أم المؤمنين قالت:
(إن كانت المرأة لتجير على المؤمنين فيجوز) ونقل ابن المنذر أن المسلمين
أجمعوا على صحة إجارة المرأة وأمانها.
6- أمر المرأة بالمعروف ونهيها عن المنكر
وما في الآية من فرض الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على النساء
كالرجال يدخل فيه ما كان بالقول وما كان بالكتابة، ويدخل فيه الانتقاد على الحكام
من الخلفاء والملوك والأمراء فمن دونهم، وكان النساء يعلمن هذا ويعملن به.
رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب تغالي الناس في مهور النساء حين
اتسعت دنياهم في عصره، فخاف عاقبة ذلك وهو ما يشكو منه الناس منذ عصور،
فنهى الناس أن يزيدوا فيها على أربعمائة درهم، فاعترضت له امرأة من قريش
فقالت: أما سمعت ما أنزل الله؟ يقول: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ
شَيْئاً} (النساء: 20) فقال: (اللهم غفرًا، كل الناس أفقه من عمر) وفي رواية
أنه قال: (امرأة أصابت وأخطأ عمر) وصعد المنبر وأعلن رجوعه عن قوله.
7- مبايعة النبي صلى الله عليه وسلم
للنساء كالرجال
كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع الرجال على السمع والطاعة والنصرة،
وكانت أول بيعة منه لنقباء الأنصار في عقبة منى قبل الهجرة على بيعة النساء كما
في السيرة؛ ولكن آية بيعة النساء لم تكن نزلت، وبايعهم البيعة الثانية الكبيرة على
منعه - أي حمايته - مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم، وبايع المؤمنين تحت
الشجرة في الحديبية على أن لا يفروا من الموت، سنة ست من الهجرة، وخصت
بيعة النساء بذكر نصها في سورة الممتحنة، وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا
جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ
يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي
مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الممتحنة: 12) نزلت
يوم فتح مكة، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم بها النساء على الصفا بعدما فرغ
من بيعة الرجال على الإسلام والجهاد، وكان عمر بن الخطاب يبلغه عنهن وهو
واقف أسفل منه.
وقد حضرت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان بن حرب بيعة النساء هذه وهي
متنقبة متنكرة مع النساء لئلا يعرفها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي التي
كانت أخرجت كبد عمه حمزة رضي الله عنه يوم قتل في أحد فمضغتها ولاكتها
شماتة وانتقامًا؛ ولكنها كانت تتكلم عند كل جملة، قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (أبايعهن {عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً} (الممتحنة: 12) فرفعت هند
رأسها وقالت: والله إنك لتأخذ علينا أمرًا ما رأيناك أخذته على الرجال - وكان بايع
الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد - فقال النبي صلى الله عليه وسلم
وَلاَ
يَسْرِقْنَ [فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، وإني أصبت من ماله هنات فلا
أدري أيحل لي أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر فهو
لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال لها: وإنك لهند بنت
عتبة، قالت: نعم، فاعف عما سلف عفا الله عنك، فقال
وَلاَ يَزْنِينَ [فقالت:
أو تزني الحرة؟ فقال
وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ [فقالت هند: ربيناهم صغارًا
وقتلتموهم كبارًا فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر،
فضحك عمر رضي الله عنه حتى استلقى، وتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال
وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ [وهو أن تقذف ولدًا على
زوجها وليس منه، قالت هند: والله إن البهتان لقبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم
الأخلاق فقال
وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ [قالت هند: ما جلسنا مجلسنا هذا
وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء، فأقر النسوة بما أخذ عليهن) .
وكان صلى الله عليه وسلم يقول لهن عند المبايعة: (فيما استطعتن وأطقتن)
فيقلن: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا.
أقول: وأية رحمة ويسر في الإسلام أوسع من تقييد الله طاعة رسوله
بالمعروف، وهو لا يأمر إلا بالمعروف، ومنه منع عادات الجاهلية في الموتى، ثم
تقييد الرسول نفسه ذلك بالاستطاعة والطاقة وفاقًا لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا
اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن: 16) وقوله: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} (البقرة:
286) وقوله: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} (البقرة: 185)
وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج: 78) .
وقتل الأولاد يدخل فيه ما كان يفعله بعض العرب من وأد البنات أي دفنهن
حيات اتقاء لعارهن أن يسبين أو يفجرن، وقتل الصغار لأجل الفقر أو خوف الفقر
إذا كبرن. وقال بعض المفسرين: إن منه تعمد المرأة إسقاط الجنين لأي سبب من
الأسباب. وأما البهتان الذي أخذ عليهن ألا يفترينه بين أيديهن فهو أن يلحقن
بالرجل ولدًا ليس له كما فسر في الحديث، أي ولو لقيطًا يلتقطنه؛ فإن المرأة تضع
طفلها كذلك، وهذه الكناية من أبدع كنايات القرآن بلاغة ونزاهة.
ثم بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال بيعة النساء كما في حديث
عبادة بن الصامت المتفق عليه، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في
مجلس فقال: (تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا
تقتلوا أولادكم، وقرأ الآية التي أخذت على النساء {إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ} (الممتحنة: 12) فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب
به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء
غفر له وإن شاء عذبه) .
وروى الإمام أحمد أن فاطمة بنت عتبة جاءت تبايع رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فأخذ عليها {أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ} (الممتحنة:
12) الآية، فوضعت يدها على رأسها حياء، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة:
(أقري أيتها المرأة، فوالله ما بايعنا إلى على هذا) قالت: فنعم إذًا، فبايعها بالآية.
8- حقوق النساء في التعليم والتأديب
بيَّن الله تعالى في مواضع من كتابه أنه أرسل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم
في الأميين ليخرجهم من الأمية، فيتلو عليهم آيات الله ويعلمهم الكتاب والحكمة
ويزكيهم، ومدح العلم في آيات كثيرة، ومدحه رسوله في مواضع لا محل لسرد
شيء منها هنا، وقد فسَّر بعضهم الكتاب في هذه الآيات بصناعة الكتابة؛ لأنه في
الأصل مصدر (كتب) ثم أُطلق على المكتوب، وكان النبي يحث أصحابه على تعلم
الكتابة وقد أمر الله بها في آية الدين (البقرة: 282) وقد ثبت من عدة طرق أن
الشفاء بنت عبد الله المهاجرة القرشية العدوية علَّمت حفصة بنت عمر أم المؤمنين
الكتابة.
وقد اشتركت النساء مع الرجال في اقتباس العلم بهداية الإسلام فكان منهن
راويات الأحاديث النبوية والآثار، يرويه عنهن الرجال، والأديبات والشاعرات
والمصنفات في العلوم والفنون المختلفة، وكانوا يعلِّمون جواريهم وقيانهم كما
يعلِّمون بناتهم.
وقد أجمع المسلمون على أن كل ما فرضه الله تعالى على عباده، وكل ما
ندبهم إليه، فالرجال والنساء فيه سواء إلا ما استثني مما هو خاص بالنساء
لأنوثتهن في الطهارة والولادة والحضانة، وما رفع عنهن من القتال وغير ذلك مما
هو معروف.
وقد بلغ من عناية محمد رسول الله وخاتم النبيين بتعليم النساء وتربيتهن أن
ذكر فيمن يؤتيهم الله تعالى أجرهم مرتين يوم القيامة - أي مُضاعَفًا - قوله: (أيما
رجل كانت عنده وليدة فعلَّمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها
وتزوجها فله أجران) فقرن ثواب التعليم والتأديب بثواب العتق الذي كان يرغِّب
فيه كثيرًا فوق ما شرعه الله تعالى فيه من أسباب تحريره وعتقه، والحديث متفق
عليه عن أبي موسى رضي الله عنه، وله ألفاظ أخرى.
وإن حديث: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) يشمل المسلمات باتفاق
علماء الإسلام، وإن لم يرد فيه لفظ (ومسلمة) وقد صحح في الجامع الصغير
بعض طرقه، وأما متنه فصحيح بالإجماع.
وسيأتي في الكلام على أمهات المسلمين أن الغرض الأول من تعددهن أن يكن
معلمات للنساء ومفتيات لهن، بل كان الرجال حتى الخلفاء يرجعون إليهن فيما
يشكل عليهم من بعض الأحكام الشرعية، ولا سيما السيدة عائشة رضي الله عنها.
9- حقوق النساء المالية
قد أبطل الإسلام كل ما كان عليه العرب والعجم من حرمان النساء من التملك،
أو التضييق عليهن في التصرف بما يملكن، واستبداد أزواج المتزوجات منهن
بأموالهن، فأثبت لهن حق الملك بأنواعه والتصرف بأنواعه المشروعة، فشرع
الوصية والإرث لهن كالرجال، وزادهن ما فرض لهن على الرجال من مهر
الزوجية، والنفقة على المرأة وأولادها وإن كانت غنية، وأعطاهن حق البيع
والشراء والإجارة والهبة والصدقة وغير ذلك، ويتبع ذلك حقوق الدفاع عن مالها
كالدفاع عن نفسها بالتقاضي وغيره من الأعمال المشروعة، وإن المرأة الفرنسية لا
تزال إلى اليوم مقيدة بإرادة زوجها في جميع التصرفات المالية والعقود القضائية.
10- حقهن في الميراث
قال الله تعالى في إبطال ظلم الذين كانوا يمنعون النساء من الإرث ويجعلونه
للرجال خاصة من سورة النساء: {لِلرِجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ
وَلِلنسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً} (النساء: 7) .
ثم بيَّن نصيب كل وارث من الرجال والنساء في آيات المواريث من هذه
السورة (أعني 10 - 12 و116) وهي مبنية على قاعدة {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ
الأُنثَيَيْنِ} (النساء: 11) من الآية العاشرة المفصلة في سائر الآيات، وحكمة
جعل نصيب المرأة نصف نصيب الرجل أن الشرع الإسلامي أوجب على الرجل
أن ينفق على المرأة، فبهذا يكون نصيب المرأة مساويًا لنصيب الرجل تارة وزائدًا
عليه تارة أخرى باختلاف الأحوال.
إذا مات رجل عن ولدين ذكر وأنثى وترك لهما ثلاثة آلاف دينار مثلاً كان
للذكر ألفان ولأخته ألف، فإذا تزوج هو فإن عليه أن يعطي امرأته مهرًا وأن يعد
لها مسكنًا وأن ينفق عليها من ماله سواء أكانت فقيرة أم غنية، ففي هذه الحالة
تكون الألفان له ولزوجه، فيكون نصيبه بالفعل مساويًا لنصيب أخته أو أقل منه،
ثم إذا وُلد له أولاد يكون عليه نفقتهم وليس على أمهم منها شيء، وفي هذه الحالة
يكون ماله الموروث دون مال أخته؛ فإنها إذا تزوجت كما هو الغالب فإنها تأخذ
مهرًا من زوجها وتكون نفقتها عليه فيمكنها أن تستغل ما ورثته من أبيها وتنميه
لنفسها وحدها، فلو لم يكن للوارثين إلا ما يرثونه من أمواتهما لكانت أموال النساء
دائمًا أكثر من أموال الرجال، إذا اتحدت وسائل الاستغلال، فيكون إعطاؤهن
نصف الميراث تفضيلاً لهن عليهم في أكثر الأحوال، إلا أن سببه أن المرأة أضعف
من الرجل عن الكسب، ولها من شواغل الزوجية وما يتصل بها من حمل وولادة،
ثم من شواغل الأمومة ما يصرفها عن الكسب الذي تقدر عليه وهو دون ما يقدر
عليه الرجل في الغالب، فمن ثم لم يكن فرض نفقة الزوجية والدار والأولاد على
الرجل ظلمًا له وتفضيلاً للمرأة عليه في المعيشة، ووجه إعطاء المرأة ما تعطى من
الميراث أن يكون لها مال تنفق منه على نفسها إذا لم يتح لها الزواج، أو مات
زوجها ولم يترك لها ما يقوم بأودها، فهو من قبيل المال الاحتياطي لها وللأسرة
وقد شرحنا هذه المسألة بالتفصيل في مقالات أخرى.
11- مهر الزواج
إن مما امتازت به الشريعة الإسلامية المحمدية في تكريم النساء على جميع
الشرائع والنظم التي يجري عليها البشر في الزواج أنها فرضت على الرجل أن
يدفع لمن يقترن بها مهرًا مقدمًا على البناء بها، من حيث تفرض الشعوب غير
المسلمة على المرأة أن تدفع هي المهر للرجل - ولكنهم يسمونه باسم آخر - فترى
البنت العذراء مضطرة إلى الكد والكدح لأجل أن تجمع مالاً تقدمه لمن يقترن بها إذا
لم يكن لها ولي من والد أو غيره يبذل لها هذا المال، وكثيرًا ما تركب الأوانس
الناعمات أخشن المراكب وتتعرض للعنت، والتفريط في العرض والشرف، في
سبيل تحصيل هذا المال.
وشريعة اليهود تفرض للمرأة مهرًا لكنها لا تملكه بالفعل إلا إذا مات زوجها أو
طلقها؛ لأنه ليس لها أن تتصرف بمالها وهي متزوجة.
فرض الله المهر على الرجل للمرأة فرضًا حتمًا وحرَّم عليه أن يأكل شيئًا منه
بعد الزواج بدون رضاها وطيب نفسها فقال: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} (النساء: 4) والنحلة في اللغة العطاء الذي لا يقابله عوض، فقول الفقهاء: إن
المهر في معنى ثمن الاستمتاع، مخالف للغة، وردَّ عليهم شيخنا الأستاذ الإمام
(الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية رحمه الله) فقال: كلا، إن الصلة بين
الزوجين أعلى وأشرف من الصلة بين الرجل وفرسه أو جاريته ولذلك قال: (نحلة)
فالذي ينبغي أن يلاحظ أن هذا العطاء آية من آيات المحبة وصلة القربى وتوثيق
عرى المودة والرحمة، وأنه واجب حتم لا تخيير فيه كما يتخير المشتري
والمستأجر، وترى عرف الناس جاريًا على عدم الاكتفاء بهذا العطاء بل يشفعه
بالهدايا والتحف اهـ كلامه. ولكنه قال في موضع آخر: إن حكمة المهر للمرأة أن
تطيب نفسها برياسة الرجل عليها، وهو مع ذلك تكريم لها وسيأتي.
والخطاب يحتمل وجهًا آخر، وهو أن الخطاب للأولياء الذين يزوجون اليتامى
وغير اليتامى، فقد كان ولي المرأة في الجاهلية يزوجها ويأخذ صداقها لنفسه دونها،
فنهى الله الأولياء في الإسلام أن يفعلوا ذلك، قال تعالى: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن
شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} (النساء: 4) أي: فإن طابت أنفسهن عن
شيء من المهر فأَعْطَينه من غير إكراه ولا إلجاء بسبب سوء العشرة، ولا إخجال
بالخلابة والخديعة، وقال ابن عباس رضي الله عنه: من غير ضرار ولا خديعة.
{فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً} (النساء: 4) أي سائغًا لا غصص فيه ولا تنغيص، فإذا
طلب منها شيئًا فحملها الخجل أو الخوف على إعطائه ما طلب فلا يحل له،
وعلامات الرضا وطيب النفس لا تخفى.
12- الزواج وحقوق النساء فيه
كان عند العرب في الجاهلية أنواع من الزواج الفاسد الذي كان يوجد عند كثير
من الشعوب، ولا يزال بعضه إلى اليوم في البلاد التي تغلب عليها الهمجية، فمنها
اشتراك الرهط من الرجال في الدخول على امرأة واحدة وإعطاؤها الحق في الولد
أن تلحقه بمن شاءت منهم.
ومنها نكاح الاستبضاع: وهي أن يأذن الرجل لزوجه أن تمكن من نفسها رجلاً
معينًا من الرؤساء والكبراء الممتازين بالشجاعة والكرم؛ ليكون لها منه ولد مثله.
وهذان النوعان لا يزالان موجودان بصفة مطلقة دائمة في بعض البلاد كالتبت
وغيرها، وكان عند العرب مؤقتًا ومقيدًا بما ذكرنا.
(ومنها) السفاح بالبغاء العلني، وكان عند العرب خاصًّا بالإماء دون
الحرائر (ومنها) اتخاذ الأخدان أي الصواحب العشيقات، وكان عرب الجاهلية
يستترون به ويعدون ما ظهر منه لؤمًا وخسة، وهذان النوعان عامّان شائعان في
بلاد الإفرنج كلها جهرًا، وقد سرى فساده منهم إلى بلاد الشرق التي غلب نفوذهم
عليها أو على حكامها كالهند وتونس والجزائر ومصر وسورية ولبنان والعراق
وقد قررت حكومة فرنسة أخيرًا جعل أولاد الأخدان كالأولاد الشرعيين في الميراث
وغيره بعموم الفساد فيه.
(ومنها) نكاح المتعة: وهو المؤقت وقد شاع في بلاد الإفرنج أخيرًا،
ويسمونه نكاح التجربة، وتبيحه الشيعة الإمامية من المسلمين (ومنها) نكاح البدل
والمبادلة وهو أن ينزل رجلان كل منهما عن امرأته للآخر، ونكاح الشغار وهو أن
يزوج كل من الرجلين الآخر بنته أو أخته أو غيرهن ممن تحت ولايتهما بدون
صداق، وهذان النوعان مبنيان على قاعدة حسبان المرأة ملكًا للرجل يتصرف فيها
كما يتصرف في بهائمه وأمواله، ولا يزالان يوجدان في بعض الشعوب الفاسدة أو
الهمجية كالغجر، والغبن في كل ذلك على النساء فهن اللائي يحملن أثقاله وأوزاره
الجسمية والأدبية والمالية.
وأما المرتقون من العرب كقريش فكان نكاحهم هو الذي عليه المسلمون وبعض
الشعوب الراقية من الخطبة والمهر والعقد، وهو الذي أقره الإسلام مع إبطال بعض
العادات الظالمة للنساء فيه من استبداد في تزويجهن كرهًا، أو عضلهن أي منعهن من
الزواج، أو أكل مهورهن، وكذا تعددهن بغير حد في العدد ولا قيد في المصلحة
ولا شرط في العدل ولا في الحقوق، أبطل الإسلام كل المظالم الخالصة وقيد منها
ما فيه وجهان بما يرجح المصلحة على المفسدة والعدل على الظلم.
13- ولاية النكاح وحرية المرأة
واختيارها فيه
جمع الإسلام بين جعل حق التزويج لولي المرأة وحق المرأة في قبول من
ترضاه من الأزواج ورد من لا ترضاه، فمنع الأولياء من الاستبداد في تزويج
مولياتهم من بنات وأخوات وغيرهن بغير رضاهن، وكان من ظلم الجاهلية لهن،
بل لا يزال الوالدان يكرهن بناتهم على الزواج بمن يكرهن من الرجال في جميع
الأمم على ما فيه من الشقاء والفساد، كذلك منع المرأة من التزوج بغير كفؤ يرضاه
أولياؤها وعصبتها، فيكون تزوجها به سببًا لوقوع العداوة والشقاق بينهم وبين
عشيرته بالتبع له، بدلاً من تجديد مودة وتعاون بمصاهرته، وليس للأولياء ولا
للوالد نفسه أن يمنع من زواجها بأي كفؤ ترضاه.
روى الجماعة كلهم [3] عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(لا تنكح الأيم [4] حتى تستأمر ولا البكر حتى تستأذن قالوا: يا رسول الله،
وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت) ورووا (إلا البخاري) عن ابن عباس قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في
نفسها وإذنها صماتها) أي سكوتها يكتفى به فلا تكلف التصريح لحيائها، كما روي
عن عائشة أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن استئذان البكر فقالت: (إن
البكر تستأذن فتستحي فتسكت) فقال: (سكاتها إذنها) متفق عليه، وروى
الجماعة إلا مسلمًا عن خنساء بنت خدام الأنصارية أن أباها زوَّجها وهي ثيب،
فكرهت ذلك فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد نكاحها أي أبطله، قال بعض
المحققين: لا يكون سكوت البنت إذنًا للأب بتزويجها إلا إذا كانت تعلم ذلك، فإن
كانت لا تعلم فينبغي إعلامها.
وروى أحمد والنسائي من حديث ابن بريدة وابن ماجه من حديث عبد الله بن
بريدة عن أبيه قال: (جاءت فتاة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن
أبي زوجني من ابن أخيه ليرفع بي خسيسته، قال: فجعل صلى الله عليه وسلم
الأمر إليها، فقالت: قد أجزت ما صنع أبي؛ ولكن أردت أن أعلم النساء أنه ليس
إلى الآباء من شيء) تعني أنه ليس لهم إكراههن على التزوج بمن لا يرضينه.
وروى الترمذي من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (إذا
خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد
كبير) رواه من حديث أبي حاتم المزني بلفظ: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه
فأنكحوه) ... إلخ ورواه أبو داود في المراسيل.
14- أركان الزوجية الفطرية في الإسلام
أرشد الله البشر بكتابه القرآن الحكيم إلى أن للحياة الزوجية ثلاثة أركان (أو
أقانيم) يجب عليهم تحريها فيها، وهي ما أشرنا إليه في صدر هذه الرسالة
وصدرناها بآيتها من قوله عز وجل: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا
لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم: 21) .
فالسكون النفسي الجنسي وهو الركن الأول من هذه الأركان خاص بالزوجين،
وهو تعبير بليغ عن شعور العشق واللذة والحب الذي يجده كل منهما باتصالهما،
والملابسة بإفضاء أحدهما إلى الآخر الذي به تتم إنسانيتهما فتكون منتجة أناسي
مثلهما، وبه يزول أعظم اضطراب فطري في القلب والعقل لا ترتاح النفس
وتطمئن في سريرتها بدونه.
وإنما تكون المحافظة على هذا الركن بما أرشد كتاب الله تعالى إليه من قصد
الإحصان في النكاح، وهو أن يقصد به كل من الزوجين إحصان الآخر، أي
إعفافه وحفظه من صرف داعية النسل الطبيعية إلى المسافحة أو اتخاذ الأخدان
لأجل اللذة فقط، وقصارى هذا الإحصان أن يقصر كل منهما هذا الاستمتاع على
الآخر ويقصد حكمته وسيلة النسل وحفظ النوع البشري على أسلم وجه وأفضله.
قال الله تعالى بعد بيان محرمات النكاح من سورة النساء: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا
وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ
أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً} (النساء: 24) الآية، ثم قال بعدها في نكاح الإماء:
{فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ
وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} (النساء: 25) .
وقال في سورة المائدة: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ
حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا
الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ} (المائدة: 5) .
والركن الثاني من أركان الزوجية المودة أي المحبة التي يظهر أثرها في
التعامل والتعاون وهو مشترك بين الزوجين وأسرة كل منهما. والركن الثالث الرحمة
التي لا تكمل للإنسان إلا بعواطف الأمومة والأبوة، ورحمتهما لأولادهما، فيكون لكل
البشر أو الأحياء حظ من هذه الرحمة الكاملة، إذا لم يكن فساد التربية والمعاشرة أو
تعاليم العداوات أو العصبيات بين البشر مفسدة لها، أو قاصرة لها على المشاركين في
القومية أو العقيدة أو الوطن، ومن تفكر في هذه الأركان الثلاثة حق التفكر علم أن
عليها مدار سعادة الزوجية التي هي جل سعادة الإنسانية، ولذلك قال تعالى بعد بيانها:
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (الروم: 21) [5] .
15- المساواة بين الزوجين
ودرجة الرجال عليهن
إن الإصلاح الأكبر الذي جاء به الإسلام، ونزل به القرآن في شأن النساء هو
الآية (228) من سورة البقرة، فهذه الآية قد هدمت جميع ما كان من النظريات
والدعاوى والعادات والتقاليد التي يستبد بها الرجال الأقوياء ويستعلون على النساء
الضعيفات في أنفسهن وأموالهن وأولادهن، وقد فسَّرنا هذه الآية في الجزء الثاني من
تفسيرنا بما بيَّنا به هذه الدرجة وننشر هنا ملخصه وهذا نصه:
{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} (البقرة: 228) .
هذه كلمة جليلة جدًّا جمعت على إيجازها ما لا يؤدى بالتفصيل إلا في سِفر
كبير، فهي قاعدة كلية ناطقة بأن المرأة مساوية للرجل في جميع الحقوق إلا أمرًا
واحدًا عبر عنه بقوله
وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [وهذه الدرجة مفسرة بقوله تعالى:
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} (النساء: 34) الآية، وقد أحال في معرفة ما لهن
وما عليهن على المعروف بين الناس في معاشرتهن ومعاملاتهم في أهليهن، وما
يجري عليه عرف الناس هو تابع لشرائعهم وعقائدهم وآدابهم وعاداتهم، فهذه الجملة
تعطي الرجل ميزانًا يزن به معاملته لزوجه في جميع الشؤون والأحوال، فإذا همَّ
بمطالبتها بأمر من الأمور يتذكر أنه يجب عليه مثله بإزائه، ولهذا قال ابن عباس
رضي الله عنهما: (إنني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي) لهذه الآية.
وليس المراد بالمثل المثل لأعيان الأشياء؛ وإنما أراد أن الحقوق بينهما متبادلة
وأنهم أكفاء، فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلا وللرجل عمل يقابله لها إن لم يكن
مثله في شخصه، فهو مثله في جنسه، فهما متماثلان في الحقوق والأعمال، كما
أنهما متماثلان في الذات والإحساس والشعور والعقل، أي أن كلاًّ منهما بشر تام له
عقل يتفكر في مصالحه، وقلب يحب ما يلائمه ويسر به، ويكره ما لا يلائمه وما
ينفر منه، فليس من العدل أن يتحكم أحد الصنفين بالآخر، ويتخذه عبدًا يستذله
ويستخدمه في مصالحه، لا سيما بعد عقد الزوجية والدخول في الحياة المشتركة
التي لا تكون سعيدة إلا باحترام كل من الزوجين الآخر والقيام بحقوقه.
قال الأستاذ الإمام قدَّس الله روحه: هذه الدرجة التي رفع النساء إليها لم
يرفعهن إليها دين سابق، ولا شريعة من الشرائع، بل لم تصل إليها أمة من الأمم
قبل الإسلام ولا بعده، وهذه الأمم الأوربية التي كان من تقدمها في الحضارة
والمدنية أن بالغت في تكريم النساء واحترامهن، وعنيت بتربيتهن وتعليمهن العلوم
والفنون، لا تزال قوانين بعضها تمنع المرأة من حق التصرف في مالها بدون إذن
زوجها، وغير ذلك من الحقوق التي منحتها إياها الشريعة الإسلامية من نحو ثلاثة
عشر قرنًا ونصف.
وقد كان النساء في أوربا منذ خمسين سنة بمنزلة الأرقاء في كل شيء، كما
كن في عهد الجاهلية عند العرب أو أسوأ حالاً، ونحن لا نقول إن الدين المسيحي
أمرهم بذلك؛ لأننا نعتقد أن تعليم المسيح لم يخلص لهم كاملاً سالمًا من الإضافات
والبدع، ومن المعروف أن ما كانوا عليه من الدين لم يُرقِّ المرأة؛ وإنما كان
ارتقاؤها من أثر المدنية الجديدة في القرن الماضي.
وقد صار هؤلاء الإفرنج الذين قصرت مدنيتهم عن شريعتنا في إعلاء شأن
النساء يفخرون علينا، بل يرموننا بالهمجية في معاملة النساء، ويزعم الجاهلون
منهم بالإسلام أن ما نحن عليه هو أثر ديننا. ذكر الأستاذ الإمام في الدرس أن أحد
السائحين من الإفرنج زاره في الأزهر وبينا هما ماران في المسجد رأى الإفرنجي
بنتًا مارة فيه فبهت وقال ما هذا؟ أنثى تدخل الجامع، فقال له الإمام: وما وجه
الغرابة في ذلك؟ ، قال: إننا نعتقد أن الإسلام قرر أن النساء ليس لهن أرواح
وليس عليهن عبادة، فبيَّن له غلطه وفسَّر له الآيات فيهن، قال: فانظروا كيف
صرنا حجة على ديننا؟ وإلى جهل هؤلاء الناس بالإسلام حتى مثل هذا الرجل
الذي هو رئيس لجمعية كبيرة [6] فما بالكم بعامتهم؟
إذا كان الله قد جعل للنساء على الرجال مثل ما لهم عليهن إلا ما ميزهم به من
الرياسة، فالواجب على الرجال بمقتضى كفالة الرياسة أن يعلموهن ما يمكنهن من
القيام بما يجب عليهن، ويجعل لهن في النفوس احترامًا يعين على القيام بحقوقهن
ويسهل طريقه؛ فإن الإنسان بحكم الطبع يحترم من يراه مؤدبًا عالمًا بما يجب عليه
عاملاً به، ولا يسهل عليه أن يمتهنه أو يهينه، وإذا بدرت منه بادرة في حقه رجع
على نفسه باللائمة، فكان ذلك زاجرًا له عن مثلها.
خاطب الله تعالى النساء بالإيمان والمعرفة والأعمال الصالحة في العبادات أو
المعاملات كما خاطب الرجال، وجعل لهن عليهم مثل ما جعله لهم عليهن، وقرن
أسماءهن بأسمائهم في آيات كثيرة، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنات كما
بايع المؤمنين، وأمرهن بتعلم الكتاب والحكمة كما أمرهم، وأجمعت الأمة على ما
مضى به الكتاب والسنة من أنهن مجزيات على أعمالهن في الدنيا والآخرة،
أفيجوز بعد هذا كله أن يحرمن من العلم بما عليهن من الواجبات والحقوق لربهن
وبعولتهن ولأولادهن ولذي القربى وللأمة والملة؟ .
العلم الإجمالي بما يطلب فعله شرط في توجه النفس إليه؛ إذ يستحيل أن تتوجه
إلى المجهول المطلق، والعلم التفصيلي به المبين لفائدة فعله ومضرة تركه يعد سببًا
للعناية بفعله والتوقي من إهماله، فكيف يمكن للنساء أن يؤدين تلك الواجبات
والحقوق مع الجهل بها إجمالاً وتفصيلاً؟ وكيف تسعد في الدنيا أو الآخرة أمة
نصفها كالبهائم لا يؤدي ما يجب عليه لربه ولا لنفسه ولا للناس؟ والنصف الآخر
قريب من ذلك؛ لأنه لا يؤدي إلا قليلاً مما يجب عليه من ذلك ويترك الباقي ومنه
إعانة ذلك النصف الضعيف على القيام بما يجب عليه أو إلزامه إياه بما له عليه من
السلطة والرياسة.
إن ما يجب أن تعلمه المرأة من عقائد دينها وآدابه وعباداته محدود؛ ولكن ما
يطلب منها لنظام بيتها وتربية أولادها ونحو ذلك من أمور الدنيا كأحكام المعاملات
- إن كانت في بيت غنى ونعمة - يختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال، كما
تختلف بحسب ذلك الواجب على الرجال، ألا ترى الفقهاء يوجبون على الرجل
النفقة والسكنى والخدمة اللائقة بحال المرأة؟ ألا ترى أن فروض الكفايات قد
اتسعت دائرتها، فبعد أن كان اتخاذ السيوف والرماح والقسي كافيًا في الدفاع عن
الحوزة صار هذا الدفاع متوقفًا على المدافع والبنادق والبوارج، وعلى علوم كثيرة
صارت واجبة اليوم ولم تكن واجبة ولا موجودة بالأمس؟ ألم تر أن تمريض
المرضى ومداواة الجرحى كان يسيرًا على النساء في عصر النبي صلى الله عليه
وسلم وعصر الخلفاء رضي الله تعالى عنهم، وقد صار الآن متوقفًا على تعلم فنون
متعددة وتربية خاصة؟ أي الأمرين أفضل في نظر الإسلام: أتمريض المرأة
لزوجها إذا هو مرض، أم اتخاذ ممرضة أجنبية تطلع على عورته وتكتشف مخبآت
بيته؟ وهل يتيسر للمرأة أن تمرِّض زوجها أو ولدها إذا كانت جاهلة بقانون
الصحة وبأسماء الأدوية؟ نعم يتيسر لكثير قتل مرضاهن بزيادة مقادير الأدوية
السامة أو بجعل دواء مكان آخر.
(وقد ذكرنا في التفسير هنا كلامًا للمحدثين والفقهاء في حقوق كل من
الزوجين على الآخر كقول الأكثرين: إن المرأة لا يجب عليها للرجل غير الطاعة
في نفسها وحفظ نفسها وماله دون خدمة الدار، ورده بأمر النبي صلى الله عليه
وسلم بنته فاطمة بخدمة البيت وبأمر علي بما كان في خارجه، وجزم بعض
المحققين من الحنابلة أن ذلك يرجع إلى عرف الناس، ثم قلنا: وما قضى به النبي
صلى الله عليه وسلم بين بنته وربيبه وصهره عليهما السلام هو ما تقضي به فطرة
الله تعالى وهو توزيع الأعمال بين الزوجين: على المرأة تدبير المنزل والقيام
بالأعمال فيه، وعلى الرجل السعي والكسب خارجه، وهذا هو المماثلة بين الزوجين
في الجملة، وهو لا ينافي استعانة كل منهما بالخدم والأجراء عند الحاجة إلى ذلك مع
القدرة عليه، ولا مساعدة كل منهما للآخر في عمله إذا كانت هناك ضرورة؛ وإنما
ذلك هو الأصل والتقسيم الفطري الذي تقوم به مصلحة الناس وهم لا يستغنون في ذلك
ولا في غيره عن التعاون {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} (البقرة: 286)
{وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ} (المائدة:
2) .
وإذا أردت أن تعرف مسافة البعد بين ما يعمل أكثر المسلمين وما يعتقدون من
شريعتهم فانظر في معاملتهم لنسائهم تجدهم يظلمونهن بقدر الاستطاعة، لا يصد
أحدهم عن ظلم امرأته إلا العجز، ويحملونهن ما لا يحملنه إلا بالتكلف والجهد،
ويكثرون الشكوى من تقصيرهن، ولئن سألتهم عن اعتقادهم فيما يجب لهم عليهن
ليقولن كما يقول أكثر فقهائهم: إنه لا يجب عليهن خدمة ولا طبخ ولا غسل ولا كنس
ولا فرش، ولا إرضاع طفل، ولا تربية ولد، ولا إشراف على الخدم الذين
نستأجرهم لذلك، إن يجب عليهن إلا المكث في البيت والتمكين من الاستمتاع،
وهذان الأمران عدميان، أي عدم الخروج من المنزل بغير إذن وعدم المعارضة
بالاستمتاع، فالمعنى أنه لا يجب عليهن للرجال عمل قط، بل ولا للأولاد مع
وجود آبائهم.
وأما قوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} (البقرة: 228) فهو يوجب
على المرأة شيئًا وعلى الرجال أشياء، ذلك أن هذه الدرجة هي درجة الرياسة
والقيام على المصالح المفسَّرة بقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ
اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} (النساء: 34) فالحياة الزوجية
حياة اجتماعية ولا بد لكل اجتماع من رئيس؛ لأن المجتمعين لا بد أن تختلف
آراؤهم ورغباتهم في بعض الأمور، ولا تقوم مصلحتهم إلا إذا كان لهم رئيس
يُرجع إلى رأيه في الخلاف، لئلا يعمل كل على ضد الآخر فتنفصم عروة الوحدة
الجامعة ويختل النظام، والرجل أحق بالرياسة لأنه أعلم بالمصلحة وأقدر على
التنفيذ بقوته وماله، ومن ثم كان هو المطالب شرعًا بحماية المرأة والنفقة عليها
وكانت هي مطالبة بطاعته في المعروف ... إلخ.
16- مقتضى الفطرة في أعمال الزوجين
هذا وإن ما تقرر في السُّنة من اقتسام أعمال الزوجين بين الرجل والمرأة هو
مقتضى الفطرة - والإسلام دين الفطرة - فقد فضَّل الله الرجل في خلقته بقوة في
الجسم والعقل كان بها أقدر على الكسب والحماية والدفاع الخاص بالأسرة، والعام
للأمة والدولة، ومن ثم فرض عليه النفقة، وبها كان الرجال قوامين على النساء
يتولون الرياسة العامة والخاصة التي لا يقوم النظام العام ولا الخاص بدونها، فعليه
جميع الأعمال الخارجية في أصل الفطرة، وهذا ما عليه جميع أمم الحضارة.
ومن مقتضى الفطرة اختصاص المرأة بالحمل والرضاع وحضانة الأطفال
وتربيتهم وتدبير المنزل بجميع شؤونه، ولها الرياسة في جميع الأعمال الداخلية
المحضة فيه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع وكلكم مسئول عن
رعيته، فالإمام راعٍ وهو مسئول عن رعيته والرجل راعٍ في أهله وهو مسئول عن
رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها) الحديث، وهو
متفق عليه.
ولا ينازع في تفضيل الله الرجل على المرأة في نظام الفطرة إلا جاهل أو
مكابر، فهو أكبر دماغًا وأوسع عقلاً، وأقوى عضلاً، وأعظم استعدادًا للعلوم وأقدر
على مختلف الأعمال، بل هو يؤدي وظيفته من حكمة الزوجية وهي النسل كإفراغ
مادته بإرادته واختياره في عامة أحواله، والمرأة ليس لها قدرة على مثل هذا؛
وإنما تنشأ فيها بويضات النسل في أوقات مخصوصة لا إرادة لها فيها، والحيوان
المنوي الذي يلقح هذه البويضات هو الذي يسعى إليها في مكانها من مدخل الرحم
إلى مستقره فيلقحها، وليست هي التي تسعى إليه، بل هي لا تشاركه أيضًا في هذا
المسعى؛ وإنما تنتظره انتظارًا، فمنه الحصول والفعل، وعليها القبول والانفعال،
ويجد في البيضة التي يلقحها الغذاء الذي يكون به النمو؛ وإنما الحركة والنمو من
خاصيته لا منها، إلى أن تتكون النطفة المتحدة بالتنقل في الأطوار فتكون جنينًا
لإنسان كامل، فكذلك يسعى الرجل ويكدح وينقل ما يكسبه إلى المرأة في الدار
فتتصرف فيه بما تقتضيه حاجة الأسرة من غذاء وغيره.
ومن استقرأ طباع النساء السليمات الفطرة من جناية سوء التربية وفساد النظام
يرى أن الثابت في غرائزهن أن خير الأزواج وأولاهم بالاختيار من كان قادرًا على
الكسب وحماية النسل وصيانته، وما تتوقف عليه تربيته إلى أن يبلغ أشده، وقد
ألقت غير واحدة من الصحف الإفرنجية ولا سيما الإنكليزية أسئلة على النساء فيمن
يفضلن من الأزواج وصفات الرجال، فجاءت أكثر أجوبتهن على ما ذكرنا.
على أن هذا النظام الفطري الشرعي في الزوجية لا يمنع غير المتزوجات
والأمهات من المسلمات أن يشتغلن بالتوسع في بعض العلوم والأعمال العامة بقدر
استعدادهن ورغبتهن؛ وإنما الفضل والأنفع لهن ولأمتهن وللإنسانية كلها أن يتقنَّ
العلوم والأعمال الخاصة بالزوجية والأمومة، وقد صارت في هذا العصر كبيرة
وكثيرة.
17- رياسة الرجل في الأسرة
شورية لا استبدادية
وردت النصوص الكثيرة في كتاب الله وسنة رسوله محمد خاتم النبيين في
جعل إدارة المنزل والأسرة مقيدة بأوامر الشريعة ونواهيها، وبالعرف المرعي بين
الناس في المعاشرة بالمعروف وحفظ الكرامة في حالتي الحب والكره والرضا
والسخط، قال الله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن
تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} (النساء: 19) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يفرك [7] مؤمن مؤمنة: إن كره منها
خلقًا رضي آخر) رواه مسلم من حديث جابر، والفرك ضد العشق بين الزوجين،
فالحديث بمعنى الآية، والنهي فيه مبني على أن الأصل في الزوجين التحاب التام،
فإن حرما منه فليتجنبا أسباب الكره والبغض، وخص النبي صلى الله عليه وسلم
الرجل بالنهي عن الفرك لزيادة العناية بشأن المرأة - وهو يتضمن نهيها عن فركه
بالأولى - لأن العرب كانت تسند الفرك إلى النساء في الأكثر، والفارك منهن ضد
العَروب - بفتح العين - المتحببة إلى زوجها.
والقاعدة الشرعية في نظام المنزل التزام كل من الزوجين العمل بإرشاد الشرع
في كل ما هو منصوص عليه، والتشاور والتراضي في غير المنصوص عليه
ومنع الضرر والضرار بينهما وعدم تكليف أحدهما الآخر ما ليس في وسعه،
والأصل في قاعدة هذه الأحكام كلها قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ
حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ
بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نُفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى
الوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ} (البقرة:
233) الآية، وهي في الوالدات المُطلَّقات، فالثابتات الزوجية أولى منهن
بالتراضي والتشاور مع الوالد فيما فيه المصلحة لولدهما، وهو يدخل في وصفه
تعالى للمؤمنين بقوله: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى
بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} (الشورى: 38) .
وقال صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالنساء خيرًا؛ فإن المرأة خلقت من
ضلع، وإن أعوج ما في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم
يزل أعوج) [8] ومعناه أن في طبع المرأة عوجًا في صلابة خلقية لحكمة في ذلك،
فهي كالضلع في عوجه وتقوسه لحكمة، فيجب على الرجل أن لا يحاول تقويم هذا
العوج بالقوة، وأن يستوصي بها خيرًا على ما هي عليه مما هو طبع لها؛ وإنما
يكون التأديب على العوج والميل عن الصواب والمصلحة في الأمور العادية التي
يمكن تركها بدون مقاومة للطبع.
وقال صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) [9]
وقال: (خيركم خيركم للنساء) [10] وقال: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم
لأهلي، ما أكرم النساء إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم) [11] وقال صلى الله عليه
وسلم لعمر حين سأله عن آية الوعيد على كنز الذهب والفضلة: (ألا أخبرك بخير
ما يكنز؟ المرأة الصالحة: إذا نظر إليها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب
عنها حفظته) [12] .
وإننا نزيد موضوع تفضيل الرجال على النساء والمساواة شرحًا لما قد تجدد
في هذا العصر من البحث فيه ومن طلب المساواة التامة بين الجنسين التي جرَّأ
نساء أوربة على المطالبة بها وإلحاحهن في الطلب بعد الحرب العالمية الكبرى أنهن
تولين فيها أكثر أعمال الرجال في الكسب والإنفاق ووُجد منهن ألوف الألوف أرامل
وعوانس لا كافل لهن من الرجال، فنشرحه بما يعلم به القارئ أن نساء العرب
استشرفن إلى مثله في صدر الإسلام بما نفخه من روح الحياة فيهن، وأن الوحي
عالجه علاجًا لا يمكن أن يعالج في بلاد الإفرنج إلا به، فنقول:
18- وظائف الرجال والنساء وأعمالهما
قال الله تعالى في سورة النساء: {وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى
بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ
إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} (النساء: 32) .
ذكرنا في الجزء الخامس من تفسير المنار أنه ورد في سبب نزول هذه الآية
وموضوعها ثلاث روايات (الأولى) عن مجاهد أن أم سلمة زوج النبي صلى الله
عليه وسلم قالت: (يا رسول الله، يغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف
الميراث) (الثانية) عن عكرمة أن النساء سألن الجهاد فقلن: وددنا أن الله جعل
لنا الغزو فنصيب من الأجر ما يصيب الرجال (الثالثة) عن قتادة والسدي قالا:
لما نزل قوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} (النساء: 11) قال الرجال:
إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا كما فضلنا عليهن في الميراث، فيكون
أجرنا على الضعف من أجر النساء، وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر
علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم
في الدنيا. كل هذا قد قيل ونزلت الآية فاصلة فيه وفي غيره مما في معناه، ونقلنا
عن أستاذنا الإمام في تفسيرها ما نصه:
سبب تلك الروايات الحيرة في فهم الآية، ومعناها ظاهر، وهو أن الله تعالى
كلف كلاًّ من الرجال والنساء أعمالاً، فما كان خاصًّا بالرجال لهم نصيب من أجره
لا يشاركهم فيه النساء، وما كان خاصًّا بالنساء لهن نصيب من أجره لا يشاركهن
فيه الرجال، وليس لأحد أن يتمنى ما هو مختص بالآخر، وجعل الخطاب عامًّا
للفريقين مع أن الرجال لم يتمنوا أن يكونوا نساء، ولا أن يعملوا عمل النساء وهو
الولادة وتربية الأولاد وغير ذلك مما هو معروف؛ وإنما كان النساء هن اللواتي
تمنين عمل الرجال، وأي عمل الرجال تمنين؟ تمنين أخص أعمال الرجولة وهو
حماية الذمار والدفاع عن الحق بالقوة، ففي هذا التعبيرعناية بالنساء وتلطف بهن
وهن موضع للرأفة والرحمة لضعفهن وإخلاصهن فيما تمنين، والحكمة في ذلك أن
لا يظهر ذلك التمني الناشئ عن الحياة الملية الشريفة منهن، فإن تمني مثل هذا
العمل غريب من النساء جدًّا، وسببه أن الأمة في عنفوان حياتها يكون النساء
والأطفال فيها مشتركين مع الرجال في هذه الحياة وفي آثارها، وإنها لتسري فيها
سريانًا عجيبًا، ومن عرف تاريخ الإسلام ونهضة العرب به وسيرة النبي صلى الله
عليه وسلم والمؤمنين به في زمنه يرى أن النساء كن يسرن مع الرجال في كل
منقبة وكل عمل، فقد كن يأتين ويبايعن النبي صلى الله عليه وسلم تلك المبايعة
المذكورة في سورة الممتحنة، كما كان يبايعه الرجال، وكن ينفرن معهم إذا نفروا
للقتال، يخدمن الجرحى ويأتين غير ذلك من الأعمال، فأراد الله أن يختص النساء
بأعمال البيوت والرجال بالأعمال الشاقة التي في خارجها ليتقن كل منهما عمله،
ويقوم به كما يجب مع الإخلاص له، وتنكير لفظ (نصيب) لإفادة أن ليس كل ما
يعمله العامل يؤجر عليه؛ وإنما الأجر على ما عمل بالإخلاص، أي: ففي الكلام
حث ضمني عليه {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ} (النساء: 32) أي ليسأله كل
منكم الإعانة والقوة على ما نيط به حيث لا يجوز له أن يتمنى ما نيط بالآخر،
ويدخل في هذا النهي تمني كل ما هو من الأمور الخلقية كالجمال والعقل، إذ لا
فائدة في تمنيها لمن لم يعطها، ولا يدخل فيه ما يقع تحت قدرة الإنسان من الأمور
الكسبية، إذ يحمد من الناس أن ينظر بعضهم إلى ما نال الآخر ويتمنى لنفسه مثله
وخيرًا منه بالسعي والجد، كأنه يقول وجهوا أنظاركم إلى ما يقع تحت كسبكم ولا
توجهوها إلى ما ليس في استطاعتكم؛ فإنما الفضل بالأعمال الكسبية فلا تتمنوا شيئًا
بغير كسبكم وعملكم. اهـ المراد نقله.
19- درجة الرجال على النساء الرياسة
(وكونهن معهم قسمين: صالحات وناشزات)
بعد هذا النهي لكل من الرجال والنساء عن تمني ما اختص به الآخر بمقتضى
الفطرة التي أكملها الله بدين الفطرة بين لنا عز وجل سبب التفضيل بقوله:
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ
أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ
فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِياًّ كَبِيراً} (النساء: 34) .
وقد كتبت في تفسيرها من الجزء الخامس ما نصه:
أي أن من شأنهم المعروف المعهود القيام على النساء بالحماية والرعاية
والولاية والكفاية، ومن لوازم ذلك أن يفرض عليهم الجهاد دونهن فإنه يتضمن
الحماية لهن، وأن يكون حظهم من الميراث أكثر من حظهن؛ لأن عليهم من النفقة
ما ليس عليهن، وسبب ذلك أن الله تعالى فضَّل الرجال على النساء في أصل الخلقة،
وأعطاهم ما لم يعطهن من الحول والقوة، فكان التفاوت في التكاليف والأحكام،
أثر التفاوت في الفطرة والاستعداد، وثم سبب آخر كسبي يدعم السبب الفطري،
وهو ما ينفق الرجال على النساء من أموالهم؛ فإن المهور تعويضًا للنساء ومكافأة
على دخولهن بعقد الزوجية تحت رياسة الرجال، فالشريعة كرَّمت المرأة إذ فرضت
لها مكافأة عن أمر تقتضيه الفطرة ونظام المعيشة وهو أن يكون زوجها قيمًا عليها
فجعل هذا الأمر من قبيل الأمور العرفية التي يتواضع عليها الناس بالعقود لأجل
المصلحة، كأن المرأة تنازلت باختيارها عن المساواة التامة، وسمحت بأن يكون
للرجل عليها درجة واحدة هي درجة القيامة والرياسة ورضيت بعوض مالي عنها،
فقد قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} (البقرة: 228) فالآية أوجبت لهم هذه الدرجة التي تقتضيها الفطرة، لذلك كان من
تكريم المرأة إعطاؤها عوضًا ومكافأة في مقابلة هذه الدرجة، وجعلها بذلك من قبيل
الأمور العرفية لتكون طيبة النفس مثلجة الصدر قريرة العين، ولا يقال إن الفطرة
لا تجبر المرأة على قبول عقد يجعلها مرءوسة للرجل بغير عوض، فإنا نرى
النساء في بعض الأمم يعطين الرجال المهور ليكن تحت رياستهم، فهل هذا إلا
بدافع الفطرة الذي لا يستطيع عصيانه إلا بعض الأفراد؟
الأستاذ الإمام: المراد بالقيام هنا هو الرياسة التي يتصرف فيها المرءوس
بإرادته واختياره، وليس معناها أن يكون المرءوس مقهورًا مسلوب الإرادة لا يعمل
عملاً إلا ما يوجهه إليه رئيسه؛ فإن كون الشخص قيمًا على آخر هو عبارة عن
إرشاده والمراقبة عليه في تنفيذ ما يرشده إليه أي ملاحظته في أعماله وتربيته،
ومنها حفظ المنزل وعدم مفارقته ولو لنحو زيارة أولي القربى إلا في الأوقات
والأحوال التي يأذن بها الرجل ويرضى.
(قال) والمراد بتفضيل بعضهم على بعض تفضيل الرجال على النساء ولو
قال (بما فضلهم عليهن) أو قال (بتفضيلهم عليهن) لكان أخصر وأظهر فيما قلنا
أنه المراد؛ وإنما الحكمة في هذا التعبير هي عين الحكمة في قوله: {وَلاَ تَتَمَنَّوْا
مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} (النساء: 32) وهي إفادة أن المرأة من
الرجل والرجل من المرأة بمنزلة الأعضاء من بدن الشخص الواحد: فالرجل
بمنزلة الرأس والمرأة بمنزلة البدن.
(أقول) يعني أنه لا ينبغي للرجل أن يبغي بفضل قوته على المرأة ولا
للمرأة أن تستثقل فضله وتعده خافضًا لقدرها؛ فإنه لا عار على الشخص إن كان
رأسه أفضل من يده وقلبه أشرف من معدته مثلاً، فإن تفضيل بعض أعضاء البدن
على بعض بجعل بعضها رئيسيًّا دون بعض؛ إنما هو لمصلحة البدن كله لا ضرر
في ذلك على عضو ما؛ وإنما تتحقق وتثبت منفعة جميع الأعضاء بذلك، كذلك
مضت الحكمة في فضل الرجل على المرأة في القوة والقدرة على الكسب والحماية،
ذلك هو الذي يتيسر لها به القيام بوظيفتها الفطرية وهي الحمل والولادة وتربية
الأطفال وهي آمنة في سربها، مكفية ما يهمها من أمر رزقها، وفي التعبير حكمة
أخرى وهي الإشارة إلى أن هذا التفضل إنما هو للجنس على الجنس لا لجميع أفراد
الرجال على جميع أفراد النساء، فكم من امرأة تفضل زوجها في العلم والعمل به
وفي قوة البنية والقدرة على الكسب؟ ... إلخ.
20- صفة الزوجات الصالحات
ثم قال تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} (النساء:
34) هذا تفصيل لحال النساء في هذه الحياة المنزلية التي تكون المرأة فيها تحت
رياسة الرجل، ذكر أنهن فيها قسمان: صالحات وغير صالحات، وإن من صفة
الصالحات القنوت، وهو السكون والطاعة لله تعالى وكذا لأزواجهن بالمعروف،
وحفظ الغيب.
قال الثوري وقتادة: حافظات للغيب يحفظن في غيبة الأزواج ما يجب حفظه
في النفس والمال، وروى ابن جرير والبيهقي من حديث أبي هريرة أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (خير النساء التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها
أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها) وقرأ صلى الله عليه وسلم الآية.
وقال الأستاذ الإمام: الغيب هنا هو ما يستحيا من إظهاره أي حافظات لكل ما
هو خاص بأمور الزوجية الخاصة بالزوجين فلا يطلع أحد منهن أحدًا على شيء مما
هو خاص بالزوج.
أقول: ويدخل في قوله هذا وجوب كتمان كل ما يكون بينهن وبين أزواجهن في
الخلوة، ولا سيما حديث الرفث، فما بالك بحفظ العرض؟ وعندي أن هذه العبارة
أبلغ ما في القرآن من دقائق كنايات النزاهة، تقرأها خرائد العذارى جهرًا، ويفهمن
ما تومئ إليه مما يكون سرًّا، وهن على بعد من خطرات الخجل أن تمس وجدانهن
الرقيق بأطراف أناملها، فلقلوبهن الأمان من تلك الخلجات التي تدفع الدم إلى
الوجنات، ناهيك بوصل حفظ الغيب (بما حفظ الله) فالانتقال السريع من ذكر ذلك
الغيب الخفي، إلى ذكر الله الجلي، يصرف النفس عن التمادي في التفكر فيما
يكون وراء الأستار، من تلك الخفايا والأسرار، وتشغلها بمراقبته عز وجل.
وفسروا قوله تعالى: {بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} (النساء: 34) بما حفظه لهن في
مهورهن وإيجاب النفقة لهن، يريدون أنهن يحفظن حق الرجال في غيبتهم جزاء
على المهر ووجوب النفقة المحفوظين لهن في حكم الله تعالى، وما أراك إلا ذاهبًا
معي إلى وهن هذا القول وهزاله، وتكريم أولئك الصالحات بشهادة الله تعالى أن
يكون حفظهن لذلك الغيب من يد تلمس، أو عين تبصر، أو أذن تسترق السمع،
معللاً بدراهم قبضن، ولقيمات يرتقبن، ولعلك بعد أن تمج هذا القول يقبل ذوقك ما
قبله ذوقي وهو أن الباء في قوله: {بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} (النساء: 34) هو صنو باء:
(لا حول ولا قوة إلا بالله) وأن المعنى حافظات للغيب بحفظ الله، أي بالحفظ
الذي يؤتيهن الله إياهن بصلاحهن؛ فإن الصالحة يكون لها من مراقبة الله تعالى
وتقواه ما يجعلها محفوظة من الخيانة، قوية على حفظ الأمانة أو حافظات له بسبب
أمر الله بحفظه، فهن يطعنه ويعصين الهوى، فعسى أن يصل معنى هذه الآية إلى
نساء عصرنا اللواتي يتفكهن بإفشاء أسرار الزوجية، ولا يحفظن الغيب فيها [13] .
21- حكم الزوجات الناشزات
الأستاذ الإمام: إن هذا القسم من النساء ليس للرجال عليهن شيء من سلطان
التأديب؛ وإنما سلطانهم على القسم الثاني الذي بينه وبين حكمه بقوله عز وجل:
{وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} (النساء: 34) النشوز في الأصل بمعنى الارتفاع، فالمرأة التي تخرج عن حقوق
الرجل قد ترفعت عليه وحاولت أن تكون فوق رئيسها، بل ترفعت أيضًا عن
طبيعتها وما يقتضيه نظام الفطرة في التعامل، فتكون كالناشز من الأرض الذي
خرج عن الاستواء، وقد فسَّر بعضهم خوف النشوز بتوقعه فقط وبعضهم بالعلم به؛
ولكن يقال: لِمَ ترك لفظ العلم واستبدل به لفظ الخوف؟ أو: لمَ لمْ يقل (واللاتي
ينشزن؟) لا جرم أن في تعبير القرآن حكمة لطيفة، وهي أن الله تعالى لما كان يحب
أن تكون المعيشة بين الزوجين معيشة محبة ومودة وتراضٍ والتئام لم يشأ أن يسند
النشوز إلى النساء إسنادًا يدل على أن من شأنه أن يقع منهن فعلاً، بل عبر عن ذلك
بعبارة تومئ إلى أن من شأنه أن لا يقع؛ لأنه خروج عن الأصل الذي يقوم به نظام
الفطرة وتطيب به المعيشة، ففي هذا التعبير تنبيه لطيف إلى مكانة المرأة وما هو
الأولى في شأنها، وإلى ما يجب على الرجل من السياسة لها وحسن التلطف في
معاملتها، حتى إذا آنس منها ما يخشى أن يأول إلى الترفع وعدم القيام بحقوق
الزوجية فعليه أولاً أن يبدأ بالوعظ الذي يرى أنه يؤثر في نفسها.
والوعظ يختلف باختلاف حال المرأة، فمنهن من يؤثر في نفسها التخويف من
الله عز وجل وعقابه على النشوز، ومنهن من يؤثر في نفسها التهديد والتحذير من
سوء العاقبة في الدنيا كشماتة الأعداء، والمنع من بعض الرغائب كالثياب الحسنة
والحلي، والرجل العاقل لا يخفى عليه الوعظ الذي يؤثر في قلب امرأته.
وأما الهجر فهو ضرب من ضروب التأديب لمن تحب زوجها ويشق عليها
هجره إياها، ولا يتحقق هذا بهجر المضجع نفسه وهو الفراش، ولا بهجر الحجرة
التي يكون فيها الاضطجاع؛ وإنما يتحقق بهجر في الفراش نفسه، وتعمد هجر
الفراش أو الحجرة زيادة في العقوبة لم يأذن بها الله تعالى، وربما يكون سببًا لزيادة
الجفوة، وفي الهجر في المضجع نفسه معنى لا يتحقق بهجر المضجع أو البيت
الذي هو فيه؛ لأن الاجتماع في المضجع هو الذي يهيج شعور الزوجية، فتسكن
نفس كل من الزوجين إلى الآخر ويزول اضطرابهما الذي أثارته الحوادث قبل ذلك،
فإذا هجر الرجل المرأة، وأعرض عنها في هذه الحالة رُجي أن يدعوها ذلك
الشعور والسكون النفسي إلى سؤاله عن السبب ويهبط بها من نشز المخالفة، إلى
صفصف [14] الموافقة، وكأني بالقارئ وقد جزم بأن هذا هو المراد، وإن كان
مثلي لم يره لأحد من الأموات ولا الأحياء.
وأما الضرب فاشتُرط فيه أن يكون غير مبرح، وروى ذلك ابن جرير
مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والتبريح: الإيذاء الشديد، وروي عن ابن
عباس رضي الله عنه تفسيره بالضرب بالسواك ونحوه، أي كالضرب باليد أو
بقصبة صغيرة.
وقد وردت أحاديث كثيرة في تقبيح الضرب والتنفير عنه، منها حديث عبد الله
ابن زمعة في الصحيحين وغيرهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يجلد
أحدكم امرأته جلد العبد، ثم يجامعها في آخر اليوم) وفي رواية عن عائشة عند
عبد الرزاق: (أما يستحي أحدكم أن يضرب امرأته كما يُضرب العبد، يضربها
أول النهار ثم يجامعها آخره) يذكِّر الرجل بأنه إذا كان يعلم من نفسه أنه لا بد له
من ذلك الاجتماع والاتصال الخاص بامرأته وهو أقوى وأحكم اجتماع يكون بين
اثنين من البشر يتحد أحدهما بالآخر اتحادًا تامًّا، فيشعر كل منهما بأن صلته بالآخر
أقوى من صلة بعض أعضائه ببعض، إذا كان لا بد له من هذه الصلة والوحدة
التي تقتضيها الفطرة، فكيف يليق به أن يجعل امرأته وهي كنفسه، مهينة كمهانة
عبده، بحيث يضربها بسوطه أو يده، حقًّا إن الرجل الحيي الكريم ليتجافى به
طبعه عن مثل هذا الجفاء، ويأبى عليه أن يطلب منتهى الاتحاد بمن أنزلها منزلة
الإماء، فالحديث أبلغ ما يمكن أن يقال في تشنيع ضرب النساء.
وأذكر أنني هديت إلى معناه العالي قبل أن أطلع على لفظه الشريف، فكنت
كلما سمعت أن رجلاً ضرب امرأته أقول: يالله العجب، كيف يستطيع الإنسان أن
يعيش عيشة الأزواج مع امرأة تُضرب؟ تارة يسطو عليها بالضرب فتكون منه
كالشاة من الذئب، وتارة يذل لها كالعبد، طالبًا منتهى القرب! ولكن لا ننكر أن
الناس متفاوتون فمنهم من لا تطيب له هذه الحياة، فإذا لم تُقدِّر امرأته بسوء تربيتها
تكريمه إياها حق قدره، ولم ترجع عن نشوزها بالوعظ والهجران، فارقها بمعروف
وسرحها بإحسان، إلا أن يرجو صلاحها بالتحكيم الذي أرشدت إليه الآية، ولا
يضرب فإن الأخيار لا يضربون النساء، وإن أبيح لهم ذلك للضرورة فقد روى
البيهقي من حديث أم كلثوم بنت الصديق رضي الله عنها قالت: كان الرجال نهوا عن
ضرب النساء، ثم شكوهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهن تمردن عليهم
حتى قال عمر: يا رسول الله قد ذئر النساء على أزواجهن - أي:تمردن وعتين في
النشوز والجرأة - فخلى بينهم وبين ضربهن، ثم قال: (ولن يضرب خياركم) فما
أشبه هذه الرخصة بالحظر. وجملة القول: إن الضرب علاج مر، قد يستغني عنه
الخيِّر الحر؛ ولكنه لا يزول من البيوت بكل حال، أو يعم التهذيب النساء والرجال.
قال تعالى: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} (النساء: 34) قال
الأستاذ الإمام: أي إن أطعنكم بواحدة من هذه الخصال التأديبية فلا تبغوا بتجاوزها
إلى غيرها طريقًا، فابدأوا بما بدأ الله به من الوعظ، فإن لم يفد فليهجر، فإن لم
يفد فليضرب، فإذا لم يفد هذا أيضًا يلجأ إلى التحكيم، ويفهم من هذا أن الصالحات
القانتات لا سبيل عليهن حتى في الوعظ والنصح، فضلاً عن الهجر والضرب
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِياًّ كَبِيراً} (النساء: 34) فإن سلطانه عليكم فوق سلطانكم على
نسائكم، فإذا بغيتم عليهن عاقبكم، وإذا تجاوزتم عن هفواتهن كرمًا وشممًا تجاوز
عنكم، قال الأستاذ: أتي بهذا بعد النهي عن البغي لأن الرجل إنما يبغي على المرأة
مما يحسه في نفسه من الاستعلاء عليها وكونه أكبر منها وأقدر، فذكره تعالى بعلوه
وكبريائه وقدرته عليه ليتعظ ويخشع ويتقي الله فيها، واعلموا أن الرجال الذين
يحاولون بظلم النساء أن يكونوا سادة في بيوتهم؛ إنما يلدون عبيدًا لغيرهم اهـ،
يعني أن أولادهم يتربون على ذل الظلم فيكونون كالعبيد الأذلاء لمن يحتاجون إلى
المعيشة معهم.
22- التحكيم بين الزوجين
قال تعالى بعدما ذكر: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً
مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} (النساء: 35) الخلاف بين
الزوجين قد يكون بنشوز المرأة وقد يكون بظلم من الرجل، فالنشوز يعالجه الرجل
بأقرب التأديبات الثلاثة المبينة في الآية التي قبل هذه الآية، فإذا تمادى هو في
ظلمه أو عجز عن إنزالها عن نشوزها، وخيف أن يحول الشقاق بينهما دون
إقامتهما لحدود الله تعالى في الزوجية بإقامة أركانها الثلاثة: السكون والمودة
والرحمة، وجب على المؤمنين المتكافلين في مصالحهم ومنافعهم أن يبعثوا حكمًا
من أهله وحكمًا من أهلها، عارفين بأحواله وأحوالها، ويجب على هذين الحكمين
أن يوجها إرادتهما إلى إصلاح ذات البين، ومتى صدقت الإرادة كان التوفيق
الإلهي رفيقها إن شاء الله تعالى، ويجب الخضوع لحكم الحكمين والعمل به،
فخوف الشقاق: توُّقعه بظهور أسبابه، والشقاق هو الخلاف الذي يكون به كل من
المختلفين في شق أي في جانب، والحَكَم (بالتحريك) من له حق الحكم والفصل
بين الخصمين، والمراد ببعثهما إرسالهما إلى الزوجين لينظرا في شكوى كل منهما،
ويتعرفا ما يرجى أن يصلح بينهما، ويسترضوهما بالتحكيم، وإعطاؤهما حق
الجمع والتفريق. اهـ المراد هنا من تفسيرنا للآية.
23- نشوز الرجل وإعراضه
وعلاجه بالصلح أيضًا
قال الله تعالى في نشوز الرجل: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ
إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ
الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} (النساء: 128) أرشد
الله الزوجين إلى الصلح عند خوف المرأة نشوز زوجها وإعراضه التام عنها،
وذكرهما بما يحول دون الوفاق من طباع النفس، وهو بُخل كل منهما بأداء ما عليه
من الواجب وحرصه على استيفاء كل ما له من الحق، بل يقصر كل فيما عليه،
ويطالب الآخر بأكثر مما عليه، ولا سيما المرأة؛ فإن الشح جامع لمعنيي البخل
والحرص، فإحضار الأنفس الشح عبارة عن كونها حاضرة له بطبعها لا تكاد
تفارقه إلا بمعالجة وعزيمة قوية، ثم وصف لهما هذا العلاج بما يرغبهما فيه وهو
الإحسان في المعاملة الذي قد يكون فوق أداء الواجب، واتقاء الله في منع الحقوق
أو المطالبة بأكثر منها طاعة لشح النفس، وهاك خلاصة معنى الآية من تفسير
المنار (ص 445 ج 5) .
أي وإن خافت امرأة] مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً [وترفعًا عليها] أَوْ إِعْرَاضاً [عنها،
بأن ثبت لها ذلك وتحقق ولم يكن وهمًا مجردًا، أو وسواسًا عارضًا، وذلك أن
المرأة إذا رأت زوجها مشغولاً بأكبر العظائم المالية أو السياسية، أو حل أعوص
المسائل العلمية، أو بغير ذلك من المشاكل الدنيوية أو المهمات الدينية، لا تعد ذلك
عذرًا يبيح له الإعراض عن مسامرتها أو منادمتها، أو الرغبة عن مناغاتها
ومباعلتها، والواجب عليها أن تتبين وتتثبت فيما تراه من أمارات النشوز والإعراض
فإذا ظهر لها أن ذلك لسبب خارجي لا لكراهتها والرغبة عن معاشرتها بالمعروف،
فعليها أن تعذر الرجل وتصبر على ما لا تحب من ذلك، وإن ظهر لها أن ذلك
لكراهته إياها ورغبته عنها] فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً [أي: فلا
جناح عليها ولا عليه في الصلح الذي يتفقان عليه بينهما كأن تسمح له ببعض حقها
عليه في النفقة أو المبيت معها أو بحقها كله فيهما أو في أحدهما لتبقى في عصمته
مكرمة [15] ، أو تسمح له ببعض المهر ومتعة الطلاق أو بكل ذلك ليطلقها، فهو كقوله
تعالى في سورة البقرة {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} (البقرة: 229) وإنما
يحل للرجل ما تعطيه من حقها إذا كان برضاها لاعتقادها أنه خير لها، من غير أن
يكون ملجئًا إياها إليه بما لا يحل له من ظلمها أو إهانتها.
قال تعالى
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [أي من التسريح والفراق وإن كان بإحسان وأداء
المهر والمتعة وحفظ الكرامة كما هو الواجب على المطلق؛ لأن رابطة الزوجية من
أعظم الروابط وأحقها بالحفظ، وميثاقها من أغلظ المواثيق وأجدرها بالوفاء.
] وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ [البخل الناشئ عن الحرص، ومعنى إحضاره
الأنفس أنها عرضة له، فإذا جاء مقتضى البذل ألم بها ونهاها أن تبذل ما ينبغي بذله
لأجل الصلح وإقامة المصلحة، فالنساء حريصات على حقوقهن في القسم والنفقة
وحسن العشرة شحيحات بها، والرجال أيضًا حريصون على أموالهم أشحة بها،
فينبغي لكل منهما أن يتذكر أن هذا من ضعف النفس الذي يضره ولا ينفعه، وأن
يعالجه فلا يبخل بما ينبغي بذله والتسامح فيه لأجل المصلحة؛ فإن من أقبح البخل أن
يبخل أحد الزوجين في سبيل مرضاة الآخر بعد أن أفضى بعضهما إلى بعض،
وارتبطا بذلك الميثاق العظيم، بل ينبغي أن يكون التسامح بينهما أوسع من ذلك وهو
ما تشير إليه الجملة الآتية:
] وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً [أي وإن تحسنوا العشرة
فيما بينكم فتتراحموا وتتعاطفوا، ويعذر بعضكم بعضًا وتتقوا النشوز والإعراض،
وما يترتب عليهما من منع الحقوق والشقاق؛ فإن الله كان بما تعملونه من ذلك خبيرًا
لا يخفى عليه شيء من دقائقه وخفاياه، ولا من قصدكم فيه، فيجزي الذين أحسنوا
منكم بالحسنى، والذين اتقوا بالعاقبة الفضلى. اهـ باختصار.
ثم بيَّن لنا في الآيتين اللتين بعد هذه أن عدل الرجل بين النساء غير مستطاع
ولا سيما في الحب؛ وإنما عليه ما يملك من العدل في النفقة والمعاشرة، وأن يكبح
جماح الميل النفسي بقوة الإرادة حتى لا يفحش فيه، فتكون المائل عنها كالمعلقة
التي لا هي متزوجة ولا خلية، وأنهما إذا تفارقا لتعذر إقامة حدود العدل والتراضي؛
فإن الله يغني كلاًّ منهما عن الآخر بفضله.
تعدد الزوجات
أيتها السيدات الكرائم:
كأني بكن وقد سمعتن أو قرأتن ما كتبته لكن مما جاء به محمد رسول الله
وخاتم النبيين من تكريمكن وإثبات مشاركتكن للرجال في جميع الأمور الدينية
والحقوق الإنسانية، ترفعن أصواتكن قائلات: آمنا وصدقنا بأن هذا إصلاح لم
يسبق الإسلامَ إليه دينٌ، ولم يبلغ شأو محمد فيه نبي ولا حاكم ولا حكيم؛ ولكن ما
بال تعدد الزوجات بقي في دينه مباحًا حتى أنه هو نفسه لم يتنزه عنه، بل أباح له
شرعه الإلهي منه أكثر مما أباح لغيره من رجال أمته؟
ألا إن لكن أن تسألن هذا السؤال، وعليَّ أن أدلي إليكن بالجواب:

24- مقدمة في تاريخ تعدد الزوجات وأصله
يقول الباحثون في طبائع البشر وتواريخ البدو والحضر: إن تعدد الزوجات
في الأقطار الكثيرة التي اعتاده أهلها هو أثر ما كان من استرقاق النساء، واتخاذ
الأقوياء والأغنياء العدد الكثير منهن للاستمتاع والخدمة والعظمة؛ ولذلك كان خاصًّا
بالملوك والأمراء والرؤساء والأغنياء، وكان يكثر في البلاد الحارة التي يفتن أهلها
بشهوة الاستمتاع، وكثرة التنقل بين الحسان وصغار السن من النساء، وكان عند
بعضهم استرقاقًا محضًا، ثم وجد الجمع بين نكاح الحرائر والاستمتاع بالجواري
المملوكات، فقدماء اليونان الأثينيين كانوا يبيعون النساء في الأسواق، ويبيحون
تعدد الزوجات بغير حساب، وقد أباح الإسبرطيون تعدد الأزواج للمرأة الواحدة
كأهل (التبت) دون تعدد الزوجات للرجل، وكان التعدد فاشيًا في أوربة عند
الغولوا في زمن سيزار ومعروفًا عند الجرمانيين في زمن ناسيت، وقد فشا في
الرومان فعلاً لا قانونًا حتى حظره جوستيان في قوانينه؛ ولكنه ظل فاشيًا بالفعل،
وأباحه بعض البابوات لبعض الملوك بعد الإسلام كشرلمان ملك فرنسة الذي كان
معاصرًا للخليفتين المهدي والرشيد من العباسيين، وقد اختلفت عادات الناس فيه
بين الأمم في جميع القارات والجزائر الجنوبية وما شذَّ عن ذلك إلا أهل أوربة في
القرون الأخيرة؛ ولكنهم استبدلوا بتعدد الزوجات الشرعيات السفاح واتخاذ الأخدان
كما تقدم، وسيأتي مزيد بسط له في بحث التسري.
على أن النساء في أوربة قد كن مهينات كالإماء عند أولئك الوثنيين حتى في
أعراضهن، إلى ما بعد ظهور الإصلاح الإسلامي المحمدي بقرون، والشواهد
التاريخية على هذا كثيرة.
يقول الفيلسوف هربرت سبنسر الإنكليزي في كتابه (علم وصف الاجتماع)
إن الزوجات كانت تباع في إنكلترا فيما بين القرن الخامس والقرن الحادي عشر،
وإنه حدث أخيرًا في القرن الحادي عشر أن المحاكم الكنسية سنت قانونًا ينص على
أن للزوج أن ينقل (أو يعير) زوجته إلى رجل آخر لمدة محدودة حسبما يشاء
الرجل المنقولة إليه المرأة [16] وشر من ذلك ما كان للشريف النبيل (الحاكم)
روحانيًّا كان أو زمنيًّا من الحق في الاستمتاع بامرأة الفلاح إلى مدة أربع وعشرين
ساعة من بعد عقد زواجها عليه (أي على الفلاح) .
وفي سنة 1567 ميلادية صدر قرار من البرلمان الإسكوتلاندي بأن المرأة لا
يجوز أن تُمنح أي سلطة على أي شيء من الأشياء.
وأغرب من هذا كله أن البرلمان الإنكليزي أصدر قرارًا في عصر هنري
الثامن ملك إنكلترا يحظر على المرأة أن تقرأ كتاب العهد الجديد أي يحرم على
النساء قراءة الأناجيل وكتب رسل المسيح، فأين هذا من وضع الصحابة المصحف
الأول الذي كتب في خلافة أبي بكر عند امرأة وهي حفصة أم المؤمنين، ثم كتابة
نسخ المصاحف التي وزعت على الأمصار في خلافة عثمان عن ذلك المصحف،
ولم تخل البلاد الإسلامية من نساء يحفظن القرآن كله حفظًا تامًّا من عصر الصحابة
إلى عصرنا هذا [17] .
ومن العجيب أن بعض الناس الذين جمعوا بين الزواج والتسري كانوا
يحرصون على شرف الزوجات، ويبذلون جواريهم لضيوفهم وأكابر قومهم
يستمتعون بهن، كما نُقل عن أهل جزيرة فيتي، ونقل عن بعض وثنيي أمريكا
الشمالية أن من تزوج امرأة منهم حلَّت له جميع أخواتها، وقالوا: إن هذا قد انتشر
كثيرًا في كولومبيا وغيرها.
وكان تعدد الزوجات شائعًا بين اليهود قبل السبي في ملوكهم وأنبيائهم وناهيك
بداود وسليمان عليهما السلام، وكانت البنت مهينة عندهم حتى كان بعضهم يبيح
لأبيها بيعها، وهاك النص المقدس عندهم - لا عندنا - في نساء أعظم أنبيائهم
وملوكهم داود وسليمان عليهما السلام.
جاء في الفصل الخامس من سفر صموئيل الثاني (7 قال ناثان لداود: أنت هو
الرجل، هكذا قال الرب إله إسرائيل: أنا مسحتك ملكًا على إسرائيل، وأنقذتك من
يد شاول وأعطيتك بيت سيدك ونساء سيدك في حضنك) ثم وبَّخه على قتله لأوريا
الحثي وأخذ زوجته وقال: (11هكذا قال الرب: ها أنا ذا أقيم عليك الشر من
بيتك وآخذ نساءك أمام عينيك، وأعطيهن لقريبك، فيضطجع مع نسائك في عين
هذه الشمس) وسأذكر خبر أوريا مع داود عند الكلام على زينب أم المؤمنين.
وفي الفصل الحادي عشر من سفر الملوك الأول ما نصه (1 وأحب سليمان
نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون، موآبيات وعمونيات وأدوميات وصيدونيات
وحثيات 2 من الأمم الذين قال عنهم الرب لبني إسرائيل لا تدخلون إليهم وهم يدخلون
إليكم لأنهم يجعلون قلوبكم وراء آلهتهم، فالتصق سليمان بهؤلاء بالمحبة 3 وكانت له
سبعمائة من النساء السيدات وثلاثمائة من الجواري فأمالت نساؤه قلبه) ... إلخ.
25- الإصلاح الإسلامي في تعدد الزوجات
لما بعث الله محمدًا خاتم النبيين في العرب وأبطل شرعُه الزنا، وكل ما هو
في معناه من أنواع الأنكحة، وكل ما هو مبني على عدِّ المرأة كالمتاع أو الحيوان
المملوك - لم يحرِّم تعدد الزوجات تحريمًا مطلقًا ولم يدع الرجال على ما كانوا عليه
من الإسراف في العدد وفي ظلم النساء، بل قيَّده بالعدد الذي قد تقتضيه مصلحة
النسل وحالة الاجتماع ويوافق استعداد الرجال له، وهو أن لا يتجاوز الأربع
وبالقدرة على النفقة عليهن واشترط فيه العدل بين الزوجين أو الأزواج لمنع ما كان
من ظلم النساء بقدر الاستطاعة، وهو ما قد يفضي بالمتدين بالإسلام إلى الاقتصار
على زوج واحدة إلا لضرورة.
قال تعالى في سورة النساء: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى فَانكِحُوا مَا
طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} (النساء: 3) .
العول: الجور، أي: ذلك الاقتصار على امرأة واحدة أو ملك اليمين أقرب
الوسائل لعدم وقوعكم في الجور والظلم المانع من تعدد الزوجات لمن خاف الوقوع
فيه، فالآية تدل على تحريم التعدد على من يخاف على نفسه ظلم زوجة محاباة
لأخرى وتفضيلاً لها عليها، وعلى تحريمه بالأولى إذا كان عازمًا على هذا الظلم
بأن كان يريد أن يضارها لكرهه لها، ثم قال تعالى في الآية 129 من هذه السورة
نفسها
وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ [فإذا قرنت هذه القضية
بقضية {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} (النساء: 3) أنتجتا وجوب الاقتصار
على امرأة واحدة؛ ولكنه قال بعدها: {فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} (النساء: 129) فعلم به أن غير المستطاع هو العدل في الحب وأثره من ميل
النفس، فيجب ضبط النفس في أثره وما يترتب عليه من المعاملة المستطاعة في
النفقة والمبيت وغيرها وهو العدل المشروط في الأولى.
ههنا ثلاث مسائل قطعية (إحداها) أن الإسلام لم يوجب تعدد الزوجات ولم
يندب إليه؛ وإنما ذكره بما يدل على أنه قلما يسلم فاعله من الظلم المحرَّم، وحكمة
هذا وفائدته أن يتروى فيه الرجل الذي تطالبه نفسه به ويحاسبها على قصده وعزمه
وما يكون من مستقبل أمره في العدل الواجب.
(الثانية) أنه لم يحرِّمه تحريمًا قطعيًّا لا هوادة فيه لما في طبيعة الرجال
وعاداتهم الراسخة بالوراثة في جميع العالم من عدم اقتصارهم في الغالب على
التمتع بامرأة واحدة، ومن حاجة بعضهم إلى النسل في حال عقم المرأة أو كبرها أو
علة أخرى مانعة من الحمل، ومن كثرة النساء في بعض الأزمنة والأمكنة، ولا سيما
أعقاب الحروب بحيث تكون الألوف الكثيرة منهن أيامى لا يجدن رجالاً يحصنونهن
وينفقون عليهن مع وجود الأقوياء الأغنياء القادرين على إحصان امرأتين أو أكثر
الراغبين فيه.
(الثالثة) أنه لهذا وذاك تركه مباحًا إلا أنه قيَّده بما تقدم بيانه آنفًا من العدد
والشرط الذي يتقى به ضرره، ويرجى به نفعه إذا التزم فاعله جميع أحكام الإسلام
وآدابه في معاملة النساء وقد تقدم أهمها، وقد رأينا بأعيننا وسمعنا بآذاننا من أهل
عصرنا أن من المتدينين المتقين من لم يرزق ولدًا من زوجه الأولى، فعز عليهن
ذلك فرغبنهم في التزوج بغيرهن وخطبن لهم وعشن مع الزوج الثانية كعيشة
الأخوات في حجر والدهن، وقد كان هذا هو أكثر حال المسلمين في قرون الإسلام
الأولى؛ ولكنه قل في هذا الزمن بما طرأ على أكثر الشعوب الإسلامية من الجهل
بالإسلام، وبحكمه وأحكامه وآدابه في الزواج، وفسدت تربيتهم بالتبع لفساد
حكوماتهم، فصار تعدد الزوجات في الأمصار مثارًا لمفاسد لا تحصى في الأزواج
والأولاد وعشائر الزوجين حتى انقلب ما بيناه من أركان الزوجية الثابتة في كتاب
الله تعالى من حب ومودة ورحمة إلى أضدادها. وقد حمل شيخنا الأستاذ الإمام في
سياق تفسيره للآية في الأزهر حملة منكرة شديدة على هذه المفسدة في مصر وقرر
أنه يستحيل تربية الأمة تربية صحيحة مع كثرة هذا التعدد الإفسادي الذي صار
يجب منعه عملاً بقاعدة لا ضرر ولا ضرار الثابتة في الحديث [18] ، وقاعدة تقديم
درء المفاسد على جلب المصالح وهي متفق عليها، وقد نشرنا أقواله في تفسيرها
من الجزء الخامس وذكرنا في أول المجلد 28 من المنار أنه أفتى فتوى غير رسمية
بأن للحكومة منع التعدد لغير ضرورة مبيحة لا مفسدة فيها.
وشرحنا في تفسيرها أيضًا ما أجملناه في المسألة الثانية هنا من وجوه الحاجة
إلى التعدد من شخصية وطبيعية واجتماعية وآراء بعض علماء الإفرنج ونسائهم
الكاتبات في تفضيله على بذل النساء من أبكار وثيبات أعراضهن للرجال في
اختلاطهن بهم في المعامل وخدمة البيوت، وما في ذلك من المفاسد والمضرات
التي لا يعد تعدد الزوجات بالنسبة إليها شيئًا قبيحًا أو ضارًّا إذا التزم فيه شرع
الإسلام، وقد زاد ما كتبناه في موضوعها على ثلاثين صفحة ولا تتسع هذه الرسالة
لنقله كله، فيراجع تفصيله في محله [19] .
بيد أنني أكتب هنا كلمة في استعداد كل من الزوجين للنسل الذي هو غاية
الزوجية ومقصدها الفطري، بما تظهر به حكمة جعل الحد الأقصى في عدد
الزوجات أربعًا، وأقفي عليه ببيان الأسباب التي يكون بها التعدد حاجة أو ضرورة
تقتضيها مصلحة الزوجية، بل مصلحة الإنسانية، ثم أنقل بعض ما أشرت إليه من
ذلك التفصيل.
26- استعداد كل من الذكر والأنثى للنسل
من المعلوم بالمشاهدة أن الذكر قد يكون مستعدًّا لوظيفة النسل من سن البلوغ
إلى نهاية العمر الطبيعي وهو مائة سنة، وأن الأنثى ينقطع استعدادها في سن
الخمسين إلى 55، ثم إنها إذا حملت كان حملها شاغلاً لها عن غيره إلى نهاية مدته
وهي تسعة أشهر في الغالب، ثم إلى انتهاء النفاس وهو أربعون يومًا في المتوسط،
وقد يمتد إلى شهرين ولكن لا حد لأقله، ثم إن استعدادها للحمل في مدة الرضاعة
يكون ضعيفًا جدًّا ومن مصلحتها ومصلحة طفلها أن لا يقع وإن كان ممكنًا، ومدة
الحمل والرضاعة المشتركة بين البدو والحضر سنتان ونصف كما قال تعالى:
{وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً} (الأحقاف: 15) ولكن الرجل يكون في كل هذه
المدة مستعدًّا للقيام بوظيفة الزوجية إن لم يكن في كل يوم، ففي كل أسبوع أو أقل
أو أكثر على حسب قوة المزاج وسلامة البنية وحسن الغذاء، وما يقابل ذلك من
الأضداد، فإذا فرضنا أن زوجين اقترنا في متوسط سن البلوغ وهو 15 سنة كان
أقصى ما تلده له 20 ولدًا في أربعين عامًا، وهو على كونه نادرًا يبلغ ربع ما
يمكن أن يولد له من أربع نسوة إلى سن الثمانين.
وقد بيَّنت في آخر فصل المساواة بين الزوجين ما يفضل به الرجل على المرأة
في مادة النسل وعملها في العلوق والحمل الذي للمرأة فيه ما هو معروف مما هو
خاص بها.
وقد علم بالاختبار أنه يوجد من النساء الزاهدات في الرجال لضعف استعدادهن
للنسل أضعاف ما يوجد في الرجال من الزاهدين في النساء، وأن موانعه الخلقية
فيهن أكثر من موانعه فيهم.
27- مصلحة الزوجية أو الإنسانية
في تعدد الزوجات
سبق لي أن بينت هذا الموضوع في فتوى عن سؤال ورد من طالب طب في
أمريكا نشرت في مجلد المنار السابع (سنة 1321) ثم في جزء التفسير الرابع،
وبدأتها بخمس مقدمات قفيت عليها بما يلي:
إذا أنعمت النظر في هذه المقدمات كلها، وعرفت فرعها وأصلها، تتجلى لك
النتيجة أو النتائج الآتية: إن الأصل في السعادة الزوجية والحياة البيتية هو أن
يكون للرجل زوجة واحدة، وأن هذا هو غاية الارتقاء البشري في بابه، والكمال
الذي ينبغي أن يُربى الناس عليه ويقتنعوا به، وأنه قد يعرض له ما يحول دون أخذ
الناس كلهم به، وقد تمس الحاجة إلى كفالة الرجل الواحد لأكثر من امرأة واحدة،
وأن ذلك قد يكون لمصلحة الأفراد من الرجال والنساء جميعًا كأن يتزوج الرجل
بامرأة عاقر فيضطر إلى غيرها لأجل النسل، وقد يكون من مصلحتها أو
مصلحتهما معًا أن لا يطلقها وترضى بأن يتزوج بغيرها، لا سيما إذا كان ملكًا أو
أميرًا، أو تدخل المرأة في سن اليأس ويرى الرجل أنه مستعد للإعقاب من غيرها،
وهو قادر على القيام بأود غير واحدة وكفاية أولاد كثيرين وتربيتهم، أو يرى أن
المرأة الواحدة لا تكفي لإحصانه؛ لأن مزاجه يدفعه إلى كثرة الإفضاء ومزاجها
بالعكس، أو تكون فاركًا منشاصًا - أي تكره الزوج طبعًا - أو يكون زمن حيضها
طويلاً ينتهي إلى خمسة عشر يومًا في الشهر، ويرى نفسه مضطرًّا إلى أحد
الأمرين: التزوج بثانية أو الزنا الذي يضيع الدين والمال والصحة، ويكون شرًّا
على الزوجة من ضم واحدة إليها مع العدل بينهما كما هو شرط الإباحة في الإسلام،
ولذلك استبيح الزنا في البلاد التي يمنع فيها التعدد بالمرة.
وقد يكون التعدد لمصلحة الأمة كأن تكثر فيها النساء كثرة فاحشة كما هوالواقع
في مثل البلاد الإنكليزية، وفي كل بلاد تقع في حرب مجتاحة تذهب بالألوف
الكثيرة من الرجال، فيزيد عدد النساء زيادة فاحشة تضطرهن إلى الكسب والسعي
في حاج الطبيعة ولا بضاعة لأكثرهن في الكسب سوى أبضاعهن، وإذا هن بذلنها
لا يخفى على الناظر ما وراء بذلها من الشقاء على المرأة التي لا كافل لها إذا
اضطرت إلى القيام بأود نفسها، وأود ولد ليس له والد ولا سيما عقب الولادة ومدة
الرضاعة، بل الطفولية كلها، وما قال من قال من كاتبات الإنجليز بوجوب تعدد
الزوجات إلا بعد النظر في حال البنات اللواتي يشتغلن في المعامل وغيرها من
الأماكن العمومية وما يعرض لهن من هتك الأعراض، والوقوع في الشقاء والبلاء؛
ولكن لما كانت الأسباب التي تبيح تعدد الزوجات هي ضرورات تقدر بقدرها
وكان الرجال إنما يندفعون إلى هذا الأمر في الغالب إرضاء للشهوة لا عملاً
بالمصلحة، وكان الكمال الذي هو الأصل المطلوب عدم التعدد - جُعل التعدد في
الإسلام رخصة لا واجبًا ولا مندوبًا لذاته، وقيد بالشرط الذي نطقت به الآية
الكريمة، وأكدته تأكيدًا مكررًا فتأملها اهـ.
وكتبنا في الرد على لورد كرومر إذ ألقى خطبة انتقد بها الشريعة الإسلامية ما
نصه نقلاً عن (ص 225) من مجلد المنار العاشر:
طالما انتقد الأوربيون على الإسلام نفسه مشروعية الطللاق وتعدد الزوجات،
وهما لم يطلبا ولم يحمدا فيه؛ وإنما أجيزا لأنهما من ضرورات الاجتماع كما بيَّنا
ذلك غير مرة، وقد ظهر لهم تأويل ذلك في الطلاق فشرعوه وإن لم يشرعه لهم
كتابهم الإنجيل إلا لعلة الزنا، وأما تعدد الزوجات فقد تعرض الضرورة له فيكون
من مصلحة النساء أنفسهن كأن تغتال الحرب كثيرًا من الرجال، فيكثر من لا كافل
له من النساء فيكون الخير لهن أن يكن ضرائر ولا يكن فواجر يأكلن بأعراضهن
ويعرضن أنفسهن بذلك لمصائب ترزحهن أثقالها، وقد أنشأ القوم يعرفون وجه
الحاجة، بل الضرورة إلى هذا كما عرفوا وجه ذلك في مسألة الطلاق، وقام غير
واحدة من نساء الإنكليز الكاتبات الفاضلات يطالبن في الجرائد بإباحة تعدد
الزوجات رحمة بالعاملات الفقيرات، وبالبغايا المضطرات، وقد سبق لنا في المنار
ترجمة بعض ما كتبت إحداهن في جريدة (لندن ثروت) مستحسنة رأي العالم
(تومس) في أنه لا علاج لتقليل البنات الشاردات، إلا تعدد الزوجات. وما كتبت
الفاضلة (مس أني وود) في جريدة (الإسترن ميل) والكاتبة اللادي كوك في
جريدة (الأيكو) في ذلك (راجع ص481 م4 منار) .
إن قاعدة اليسر في الأمور ورفع الحرج لهي من القواعد الأساسية لبناء الإسلام
{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} (البقرة: 185) و {مَا يُرِيدُ اللَّهُ
لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ} (المائدة: 6) ولا يصح أن يبنى على هذه القاعدة تحريم
أمر تلجئ إليه الضرورة أو تدعو إليه المصلحة العامة أو الخاصة - كما بينا ذلك
في مقالات الحياة الزوجية وغيرها - وهو مما يشق امتثاله دفعة واحدة لا سيما على
من اعتادوا المبالغة فيه كتعدد الزوجات، كذلك لا يصح السكوت عنه وترك الناس
وشأنهم فيه على ما فيه من المفاسد، فلم يبق إلا أن يقلل العدد ويقيَّد بقيد ثقيل،
وهو اشتراط انتفاء الخوف من عدم العدل بين الزوجات، وهو شرط يعز تحققه
ومن فقهه واختبر حال الذين يتزوجون بأكثر من واحدة يتجلى له أن أكثرهم لم
يلتزم الشرط، ومن لم يلتزمه فزواجه غير إسلامي.
وجملة القول في هذه المسألة أن القرآن أتى فيها بالكمال الذي لا بد أن يعترف
به جماهير الأوربيين ولو بعد حين، كما يعترف به بعض فضلائهم وفضلياتهم الآن،
وأما المسلمون فلم يلتزموا هدايته فصاروا حجة على دينهم، ونحن أحوج إلى
الرد عليهم والعناية بإرجاعهم إلى الحق منا إلى إقناع غير المسلمين بفضل الإسلام،
مع بقاء أهله على هذه المخازي والآثام، إذ لو رجعوا إليه لما كان لأحد أن
يعترض عليه اهـ.
28- أقوال بعض فضليات الإنكليزيات في تعدد الزوجات
أما ما أشرنا إليه من اقتراح بعض كاتبات الإفرنج تعدد الزوجات فهو ما
أودعناه مقالة عنوانها (النساء والرجال) نُشرت في (ص 481 م 4) من
المنار [20] وهاك المقصود منها:
لما تنبه أهل أوربا إلى إصلاح شؤونهم الاجتماعية وترقية معيشتهم المدنية
اعتنوا بتربية النساء وتعليمهن، فكان لذلك أثر عظيم في ترقيتهم وتقدمهم؛ ولكن
المرأة لا تبلغ كمالها إلا بالتربية الإسلامية، وأعني بالإسلامية ما جاء به الإسلام لا
ما عليه المسلمون اليوم ولا قبل اليوم بقرون، فقد قلت آنفا إنهم ما رعوا تعاليم
دينهم حق رعايتها، ولهذا وجدت مع التربية الأوربية للنساء جراثيم الفساد ونمت
هذه الجراثيم فتولدت منها الأدواء الاجتماعية والأمراض المدنية، وقد ظهر أثرها
بشدة في الدولة السابقة إليها - وهي فرنسا - فضعف نسلها وقلت مواليدها قلة تهددها
بالانقراض، والذنب في ذلك على الرجال.
حذر مغبة هذه الأمراض العقلاء، وحذَّر من عواقبه الكُتَّاب الأذكياء، وصرَّح
من يعرف شيئًا من الديانة الإسلامية، بتمني الرجوع إلى تعاليمها المرضية،
وفضائلها الحقيقية، وصرَّحوا بأن الرجل هو الذي أضل المرأة وأفسد تربيتها،
وأن بعض فضليات نساء الإفرنج صرَّحن بتمني تعدد الزوجات للرجل الواحد
ليكون لكل امرأة قيم وكفيل من الرجال.
(1) جاء في جريدة (لاغوس ويكلي ركورد) في العدد الصادر في 20
أبريل (نيسان) سنة 1901 نقلاً عن جريدة (لندن ثروت) بقلم كاتبة فاضلة ما
ترجمته ملخصًا:
لقد كثرت الشاردات من بناتنا، وعم البلاء وقل الباحثون عن أسباب ذلك،
وإذ كنت امرأة أراني أنظر إلى هاتيك البنات وقلبي يتقطع شفقة عليهن وحزنًا،
وماذا عسى يفيدهن بثي وحزني وتوجعي وتفجعي وإن شاركني فيه الناس جميعًا؟
لا فائدة إلا في العمل بما يمنع هذه الحالة الرجس ولله در العالم الفاضل (تومس)
فإنه رأى الداء ووصف الدواء الكافل الشفاء، وهو أن يباح للرجل التزوج بأكثر
من واحدة، وبهذه الواسطة يزول البلاء لا محالة وتصبح بناتنا ربات بيوت،
فالبلاء كل البلاء في إجبار الرجل الأوربي على الاكتفاء بامرأة واحدة، فهذا التحديد
هو الذي جعل بناتنا شوارد وقذف بهن إلى التماس أعمال الرجال، ولا بد من تفاقم
الشر إذا لم يبح للرجل التزوج بأكثر من واحدة.
أي ظن وخرص يحيط بعدد الرجال المتزوجين الذين لهم أولاد غير شرعيين
أصبحوا كلاًّ وعالة وعارًا على المجتمع الإنساني؟ فلو كان تعدد الزوجات مباحًا لما
حاق بأولئك الأولاد وبأمهاتهم ما هم فيه من العذاب الهون، ولسلم عرضهن
وعرض أولادهن؛ فإن مزاحمة المرأة الرجل ستحل بنا الدمار، ألم تروا أن حلل
خلقتها تنادي بأن عليها ما ليس على الرجل وعليه ما ليس عليها؟ وبإباحة تعدد
الزوجات تصبح كل امرأة ربة بيت وأم أولاد شرعيين.
ونشرت الكاتبة الشهيرة (مس أنرود) مقالة مفيدة في جريدة (الإسترن ميل)
في العدد الصادر منها في عشرة مايو (أيار) سنة 1901 نقتطف منها ما يأتي:
لأن يشتغل بناتنا في البيوت خوادم أو كالخوادم خير وأخف بلاء من اشتغالهن
في المعامل، حيث تصبح البنت ملوثة بأدران تذهب برونق حياتها إلى الأبد، ألا
ليت بلادنا كبلاد المسلمين فيها الحشمة والعفاف والطهارة ردء الخادمة والرقيق
يتنعمان بأرغد عيش، ويُعاملان كما يُعامل أولاد البيت، ولا تمس الأعراض بسوء،
نعم إنه لعار على بلاد الإنكليز أن تجعل بناتنا مثلاً للرذائل بكثرة مخالطة الرجال،
فما بالنا لا نسعى وراء ما يجعل البنت تعمل على ما يوافق فطرتها الطبيعية من
القيام في البيت وترك أعمال الرجال للرجال؛ سلامة لشرفها؟
وقالت الكاتبة الشهيرة (اللادي كوك) بجريدة الأيكو ما ترجمته، وهو ما يؤيد
ما تقدم:
إن الاختلاط يألفه الرجال ولهذا طمعت المرأة بما يخالف فطرتها، وعلى قدر
كثرة الاختلاط تكون كثرة أولاد الزنا، وهنا البلاء العظيم على المرأة، فالرجل
الذي علقت منه يتركها وشأنها تتقلب على مضجع الفاقة والعناء، وتذوق مرارة
الذل والمهانة والاضطهاد، بل الموت أيضًا، أما الفاقة فلأن الحمل وثقله والوحم
ودواره من موانع الكسب الذي تحصل به قوتها، وأما العناء فهو أن تصبح شريرة
حائرة لا تدري ماذا تصنع بنفسها، وأما الذل والعار فأي عار بعد، وأما الموت
فكثيرًا ما تبخع المرأة نفسها بالانتحار وغيره.
هذا والرجل لا يُلم به شيء من ذلك، وفوق هذا كله تكون المرأة هي المسئولة
وعليها التبعة مع أن عوامل الاختلاط كانت من الرجل.
أما آن لنا أن نبحث عما يخفف - إذا لم نقل عما يزيل - هذه المصائب العائدة
بالعار على المدنية الغربية؟ أما آن لنا أن نتخذ طرقًا تمنع قتل ألوف الألوف من
الأطفال الذين لا ذنب لهم، بل الذنب على الرجل الذي أغرى المرأة المجبولة على
رقة القلب المقتضي تصديق ما يوسوس به الرجل من الوعود ويمني به من الأماني،
حتى إذا قضى منها وطرًا تركها وشأنها تقاسي العذاب الأليم.
يا أيها الوالدان لا يغرنكما بعض دريهمات تكسبها بناتكما باشتغالهن في المعامل
ونحوها ومصيرهن إلى ما ذكرنا، علموهن الابتعاد عن الرجال، أخبروهن بعاقبة
الكيد الكامن لهن بالمرصاد، لقد دلنا الإحصاء على أن البلاء الناتج من حمل الزنا
يعظم ويتفاقم حيث يكثر اختلاط النساء بالرجال، ألم تروا أن أكثر أمهات أولاد
الزنا من المشتغلات في المعامل والخادمات في البيوت وكثير من السيدات
المعرضات للأنظار، ولولا الأطباء الذين يعطون الأدوية للإسقاط لرأينا أضعاف ما
نرى الآن، لقد أدت بنا هذه الحال إلى حد من الدناءة لم يكن تصورها في الإمكان،
حتى أصبح رجال مقاطعات من بلادنا لا يقبلن البنت زوجة ما لم تكن مجربة، أي
عندها أولاد من الزنا ينتفع بشغلهم!! وهذا غاية الهبوط بالمدنية، فكم قاست هذه
المرأة من مرارة هذه الحياة حتى قدرت على كفالتهم، والذي علقت منه لا ينظر
إلى أولئك الأطفال ولا يتعهدهم بشيء، ويلاه من هذه الحالة التعسة، ترى من
كان معينًا لها في الوحم ودواره، والحمل وأثقاله، والوضع وآلامه، والفصال
ومرارته؟ اهـ.
ذلك ما قلناه في وجه الحاجة تارة والضرورة تارة إلى تعدد الزوجات، ويزاد
عليه ما علم منه ضمنًا من كثرة النسل المطلوب شرعًا وطبعًا، فإذا كان منع التعدد
ولا سيما في أعقاب الحروب وكثرة النساء يفضي إلى كثرة الزنا وهو مما يقلل
النسل - كان مما يليق بالشريعة الاجتماعية المرغِّبة في كثرة النسل والمشددة في منع
الزنا أن تبيح التعدد عند الحاجة إليه لأجل ذلك مع التشديد في منع مضراته، وقد
صرَّح بعض علماء أوربا بأن تعدد الزوجات من جملة انتشار الإسلام في إفريقية
وغيرها وكثرة المسلمين، ومهما يكن من ضرر تعدد الزوجات فهو لا يبلغ ضرر
قلة النسل الذي منيت به فرنسا بانتشار الزنا وقلة الزواج وستتبعها إنكلترا وغيرها
من الأمم التي على شاكلتها في التساهل في الفسق.
وأما منع تعدد الزوجات إذا فشا ضرره وكثرت مفاسده وثبت عند أولي الأمر
أن الجمهور لا يعدلون فيه في بعض البلاد لعدم الحاجة إليه بله الضرورة، فقد
يمكن أن يوجد له وجه في الشريعة الإسلامية السمحة إذا كان هناك حكومة إسلامية؛
فإن للإمام أن يمنع المباح الذي يترتب عليه مفسدة ما دامت المفسدة قائمة به
والمصلحة بخلافه، بل منع عمر رضي الله عنه في عام الرمادة أن يحد سارق
ولذلك نظائر أخرى ليس هذا محل بيانها، وللأستاذ الإمام فتوى في ذلك (تقدم أنها
في أول المجلد 28 من المنار) .
لكن الإفرنج يبالغون في وصف مفاسد التعدد، وكذا المتفرنجون كدأب الناس
في التسليم للأمة القوية والتقليد لها، وما قال الأستاذ الإمام ما قاله في التشنيع على
التعدد إلا لتنفير الذواقين من المصريين وأمثالهم الذين يتزوجون كثيرًا ويطلِّقون
كثيرًا لمحض التنقل في اللذة والإغراق في طاعة الشهوة مع عدم التهذيب الديني
والمدني.
ألا إن التهذيب الذي يعرف به الإنسان قيمة الحياة الزوجية يمنع صاحبه التعدد
لغير ضرورة، فهذه الحياة التي بيَّنها الله تعالى في قوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم
مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم: 21) قلما
تتحقق على كمالها مع التعدد ولا سيما إذا كان لغير عذر؛ ولذلك يقل في المهذبين
من يجمع بين زوجين، وإنني لا أعرف أحدًا من أصحابي في مصر وسورية له
أكثر من زوج واحدة. اهـ المراد منه.
يا معشر النساء المحصنات
أرأيتن ما نقلته إليكن عن بعض نساء الشعب الإنجليزي الذي هو أسلم من
الشعب الفرنسي أخلاقًا، وأمثل تربية وأكثر نسلاً؟ ذلك ما كتبته منذ ثلاثين عامًا،
فما رأيكن فيما يقوله أمثالهن من الكاتبات والكاتبين في هذه الأعوام، وقد فقدت
أوربة في حربها العالمية الكبرى زهاء عشرين مليون رجل أمسى مثلهم أو أكثر
منهم من النساء محرومات من الحياة الزوجية والنسل وكفالة الرجل [21] فترجل
الملايين منهن، وصرن يزاحمن الرجال في الأعمال على كثرة العاطلين منهم
والبطَّالين، ويطلبن مساواتهم في كل شيء، فقلت الرغبة في الزواج، وتفاقم شر
الطلاق، واستشرى فساد الخنا والبغاء، حتى صرَّح بعض كبار العقلاء من الكُتَّاب
بأن البيوت الإنكليزية مهددة بالسقوط والزوال، بعد أن كانت أشد رسوخًا وثباتًا من
الجبال، وأن الحال فيما عدا إيطالية من الدول الحربية أسوأ، ولا سيما الولايات
المتحدة الأمريكية؛ فإن إسراف نسائها ورجالها في الطلاق، وفي نكاح التجربة قد
أوشك أن يقوض فيها بناء الأسرة وينتهي باستقلال النساء وأمر النسل إلى الشيوعية
المحضة، وإن آخر ما قرأنا عن نسبة عدد الطلاق إلى عدد الزواج فيها أنه الخمس
أي 20 في المائة، ويقال إنه يتوقع بلوغه النصف بعد سنين قليلة.
29- كلمات لبعض كبار علماء أوربة
في التعدد والإسلام
ولولا أن تطول هذه الرسالة بما يخرج عما اقترحه طالبوها من القصد فيها
لنقلتُ؛ لَكُنَّ كثيرًا من أقوال الصحف الإفرنجية في إثبات ما ذكرت؛ ولكنني أختم
هذه المسألة بحكم حكيمين من أكبر علماء الاجتماع وفلسفة التاريخ الواسعي الاطلاع
على تاريخ المسلمين وغيرهم في المسألة:
(الأول) الدكتور غوستاف لوبون الفرنسي صاحب المصنفات، وله في
تعدد الزوجات وأقوال علماء الإفرنج فيه أقوال كثيرة في مصنفاته أوسعها بسطًا
وتحقيقًا ما نشره في كتابه (حضارة العرب) فأثبت به عدالة حكم الإسلام بالتعدد
واقتضاء الضرورة الاجتماعية له، وله فيه عبارة مختصرة في كتابه روح السياسة
قالها في سياق الكلام على إصلاح أمور المسلمين في الجزائر، هذه ترجمتها:
وأهم إصلاح يراه الموسيو لروا بوليو هو تحريم تعدد الزوجات، وقد أسهب
في بيان فوائد الاقتصار على زوجة واحدة فقال: (إن تدبير المنزل يقوم على
الزوجة الواحدة فقط، فبتعدد الزوجات تزول روح العائلة وهناء البيت وينحط
المجتمع العربي) .
(ولا أريد أن أبيِّن هنا الأسباب التي جعلت الشرقيين يقولون بتعدد الزوجات
وأن أذكر أن تعدد الزوجات الشرعي عند الشرقيين خير من تعدد الزوجات الخبيث
المؤدي إلى زيادة اللقطاء في أوربا، فعلى القارئ أن يطالع كتابي (حضارة العرب)
ففيه يجد إيضاحًا كافيًا لهذه المسائل وغيرها ويرى أنه ظهر أيام سلطان العرب
نساء فاضلات عالمات كما يظهر عندنا في هذه الأزمنة.
وقد ثبت في أيامنا أن توقف ارتقاء المسلمين لم ينشأ عن تعدد الزوجات، وهل
من الضروري أن أذكر أن العرب وحدهم هم الذين أطلعونا على العالم الإغريقي
الروماني، وأن جامعات أوربا ومنها جامعة باريس لم تعرف في ستة قرون لها
موردًا علميًّا غير مؤلفات العرب وتطبيق مناهجهم؟ فحضارة العرب هي إحدى
الحضارات التي لم يعرف لها التاريخ ما هو أكثر منها نضارة، ولا ننكر أنها ماتت
ككثير من أخواتها غير أننا نرى من السذاجة أن نعزو إلى مبدأ تعدد الزوجات نتائج
صادرة عن عوامل أكثر منها أهمية) .
ولا ندرك السبب في حقد ذلك الأستاذ الفاضل على مبدأ تعدد الزوجات وهو
الذي يخبرنا باقتصاره على عائلات العرب المثرية، وبأن ظله يتقلص بالتدريج،
وإذا كان الرجوع إليه نادرًا، فلماذا يُراد إلغاؤه وكيف يكون من الأسباب الكبيرة في
انحطاط المجتمع العربي؟
وأما العالم الثاني فهو الأستاذ (فون أهر مسلس) الألماني فإنه قد صرَّح بأن
قاعدة تعدد الزوجات لازمة أو ضرورية للسلائل الآرية، أي لنموها وبقائها.
وهكذا يَرجِع علماء الإفرنج وحكماؤهم إلى قواعد الإسلام قاعدة بعد قاعدة، بل
جزم العلامة برناردشو الإنكليزي في كتابه (التزويج) أو الحياة الزوجية بأن الدولة
الإنكليزية ستضطر إلى اتخاذ الإسلام دينًا لها قبل انقضاء هذا القرن، ونقلت عنه
بعض الصحف العربية أنه جزم بأن شعوب أوربة وأمريكا كلها ستهتدي بالإسلام
قبل انقضاء قرن، وهذا ما نجزم بانتهاء جميع الإفرنج إليه بالتبع لما جزم به قبلنا
حكيما الإسلام السيد جمال الدين والشيخ محمد عبده رحمهما الله، وسيصدق عليهم
قول الله عز وجل
سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ
الحَق [, (فصلت: 53) .
((يتبع بمقال تالٍ))
__________
(1) رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن عائشة أم المؤمنين والبزار عن أنس.
(2) الحيض: بتشديد الياء جمع حائض، ومصلى العيد كان خارج البلد.
(3) الجماعة: أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.
(4) الأيم - بتشديد الياء - غير المتزوجة، بكرًا كانت أو ثيبًا.
(5) قد أنشأنا عدة فصول في شرح هذه الأركان نشرناها في مجلد المنار الثامن.
(6) كان سبب هذا ما أذاعه رجال الكنيسة من الكتب والرسائل والأناشيد في ذم الإسلام والافتراء عليه.
(7) فرك: مثال ضرب يضرب.
(8) رواه الشيخان في صحيحيهما، وفي رواية (كالضلع) .
(9) رواه الترمذي عن عائشة، وابن ماجه عن ابن عباس، والطبراني عن معاوية وهو صحيح.
(10) رواه الحاكم عن ابن عباس.
(11) رواه ابن عساكر عن علي، وهو صحيح كما علَّم عليه السيوطي في الجامع الصغير.
(12) رواه ابن أبي شيبة وأبو داود وأبو يعلى وغيرهم.
(13) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر أحدهما سر صاحبه) وفي رواية التعبير عن ذلك بأنه (من أعظم الإهانة عند الله) رواه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري، وفي المسند والسنن أحاديث في هذا المعنى.
(14) النَّشَز - بالتحريك - المكان المرتفع من الأرض، والصفصف: المستوي من الأرض.
(15) هذا ما فسرت به الصلح عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: (هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها (أي من معاشرتها لكبر سن أو مرض أو غير ذلك) فيريد طلاقها أو يتزوج غيرها فتقول أمسكني ولا تطلقني، ثم تزوج غيري فأنت في حل من النفقة علي، والقسمة لي إلخ) ، رواه البخاري وغيره عنها، ومثل هذا يقع كثيرًا باختيار المرأة لمصلحتها.
(16) من الغرائب التي نقلت عن بعض صحف إنكلترة في هذه الأيام أنه لا يزال يوجد في بلاد الأرياف الإنكليزية رجال يبيعون نساءهم بثمن بخس جدًّا كثلاثين شلنًا، وقد ذكرت أسماء بعضهم.
(17) كان المناسب وضع هذه النصوص التاريخية في مقدمة الرسالة.
(18) رواه أحمد وابن ماجه عن ابن عباس.
(19) راجع ص 344 - 375 ج 4 تفسير المنار.
(20) هو الذي صدر في جمادى الآخرة سنة 1319هـ الموافق سبتمبر سنة 1901م.
(21) جاء في بعض الجرائد أن عدد النساء الأيامى في أوروبة 25 مليونًا.

(32/352)
...المزيد

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً