الحسبة في الإسلام مكانتها وفضيلتها • الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّد ...

الحسبة في الإسلام مكانتها وفضيلتها

• الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين، نبيّنا محمد وعلى آله الطّيبين وصحابته الأكرمين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدّين، أمّا بعد:

فقد بعث الله نبيّه محمّداً صلى الله عليه وسلّم بخير دين وخير كتاب، وجعل أمّته خير أمّة بين الأمم، وخصّص هذه الخيريّة بمزيّةٍ عظيمةٍ فقال: { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } [آل عمران: ١١٠]، وقد عرفت هذه الشّعيرة العظيمة في التّاريخ الإسلاميّ باسم الحِسبة.

فما هي الحِسبة؟ وما هي مكانتها في الشّرعية الإسلاميّة؟
وما فضيلتها وفوائدها؟ وما الآثار المترتّبة على تركها؟

• تعريف الحِسبة:

الحِسبة لغةً: بالكسر هو الأجر؛ تقول: فعلته حِسبةً؛ والاحتساب: طلب الأجر، وفي الحديث: (من مات له ولد فاحتسبه)، أي احتسَبَ الأجر بصبره على مصيبته به، وفي الحديث: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا)، أي طلبا لوجه الله تعالى وثوابه. انظر لسان العرب لابن منظور.

الحسبة اصطلاحاً: قال صاحب الأحكام السّلطانيّة: "هي أمرٌ بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهيٌ عن المنكر إذا أظهر فعله."، وقال صاحب الإحياء: "الحسبة عبارةٌ عن المنع عن منكرٍ لحَقِّ الله صيانةً للممنوع عن مقارفة المنكر".

فالحسبة إذاً ولاية دينيّة تتولى مهمّة الأمر بالمعروف إذا أظهر النّاس تركه، والنّهي عن المنكر إذا أظهر النّاس فعله، حماية لجناب الشّريعة من الضّياع، وصيانة للجماعة المسلمة من الانحراف، وتحقيقاً لمصالح النّاس الدينيّة والدنيويّة وفقاً لشرع الله تعالى.

• منزلة الحسبة في الإسلام:

قال ابن تيميّة رحمه الله: "جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدّين كلّه لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فإنّ الله - سبحانه وتعالى - إنّما خلق الخلق لذلك، وبه أنزل الكتب، وبه أرسل الرّسل، وعليه جاهد الرّسول والمؤمنون، قال الله تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } (الذاريات: ٥٦)، وقال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } (الأنبياء: ٢٥)، وقال سبحانه: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } (النحل: 36)".

وقال القرطبيّ عن الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر: "هو فائدة الرّسالة وخلافة النّبوة" تفسير القرطبيّ. فالحسبة هي سفينة النّجاة التي تحمل الأمة وتنجو بها من التّيه في غياهب المعاصي والشّهوات، والضّلالات والشّبهات.

وقد ضرب لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مثلاً واضحاً فقال: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينةٍ، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا" رواه البخاريّ.


• مقتطف من صحيفة النبأ – العدد 7
مقال:
الحسبة في الإسلام مكانتها وفضيلتها


الحسبة في الإسلام مكانتها وفضيلتها

• مشروعيّة الحسبة وحكمها:

قال القاضي عياض: "الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر من واجبات الإيمان ودعائم الإسلام بالكتاب والسّنة وإجماع الأمّة" إكمال المعلم بفوائد مسلم. والأدلّة من القرآن الكريم والسّنة المطهّرة على وجوب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر أكثر من أن تحصى في هذه الأسطر؛ فمنها: قول الله تعالى: { وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [آل عمران: ١٠٤]، وقال تعالى: { فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ } [هود: ١١٦].

وعن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «من رأى منكم منكراً فليغيرّه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». صحيح مسلم.

فجعل تغيير المنكر من صفات المؤمن الرّاسخة مصداقاً لقوله تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ } [التوبة: ٧١]. وليست مقتصرةً على مؤسّسةٍ معيّنةٍ أو طائفةٍ أو فرقةٍ من المسلمين، بل هي واجبةٌ على كلّ مسلمٍ لعموم الأدلّة الواردة في وجوب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، و علّق الإمام ابن كثيرٍ على قوله تعالى: { وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ } فقال: "والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقةٌ من الأمّة متصدّية لهذا الشّأن، وإن كان ذلك واجباً على كلّ فردٍ من الأمّة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "من رأى منكم منكراً فليغيرّه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وفي رواية: "وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل".


• مقتطف من صحيفة النبأ – العدد 7
مقال:
الحسبة في الإسلام مكانتها وفضيلتها

حُ ـ ـ / ـماة الشَّريـ؏ـة, [04/11/24 02:11 م]
الحسبة في الإسلام مكانتها وفضيلتها

• فضائل الحسبة:

لمّا كانت مكانة الحسبة في الشّريعة عظيمةً كان فضلها عظيماً، وكان القائمون عليها بصدقٍ وحقٍ هم أهل الفضائل الذين صدَّقوا القول بالعمل، ودعوا النّاس لدين الله وأخذوا على يد الظّالم والمسيء، وقد تكلّم الله سبحانه وتعالى في كتابه عن صالحي أهل الكتاب من الأمم قبلنا فقال: { لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) } [آل عمران]، فجعل أول علامة للصّالحين بعد الإيمان بالله واليوم الآخر هي الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.

• فوائد الحسبة الدينيّة والدنيويّة:

اشتملت هذه الشّعيرة المباركة على فوائد دينيّةٍ ودنيويّةٍ جمَّةٍ، منها - على سبيل المثال لا الحصر -:

- النّجاة من عذاب الله تعالى كما قال سبحانه: { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } [الأعراف: ١٦٥].

- إدراك رحمة الله لمن قام بشعيرة الحسبة، قال تعالى: { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) } [التوبة].

- شيوع الأمن الحقيقيّ والأمن النّفسيّ بين رعية الدّولة الإسلاميّة، فحين يقوم كلّ فردٍ بدوره الشّرعيّ المأمور به من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ينتفي الظّلم وتشيع الفضيلة، قال تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } [الأنعام: ٨٢].

- تنبيه الغافلين عن أوامر الله، الغارقين في معاصي الله، وتحقيق مفهوم الرّحمة المتمثّلة ببعثة النّبي صلّى الله عليه وسلّم { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } [الأنبياء: ١٠٧]، فالرّحمة تقتضي الحرص على النّاس ومنعهم من ولوج محارم الله الموصلة إلى سخطه وعذابه في الدّنيا والآخرة.

- التّقليل ما أمكن من مظاهر الانحراف الأخلاقيّ والسّلوكيّ بين الرعيّة، فما دام دعاة الطّاعة قائمين على رؤوس النّاس فلن يجد - بإذن الله - دعاة جهنّم مكاناً لهم ليفتنوا عباد الله عن صراطه المستقيم.

• الآثار المترتبة على ترك الحسبة:

كما أنّ للحسبة فوائدَ وفضائلَ ظاهرةً فإن لتركها وإهمالها آثارًا خطيرةً على الجماعة المسلمة، منها:

- حلول الغضب الإلهيّ بسبب شيوع المنكرات وهجران الطّاعات، وفشوّ الفساد بين الرعيّة دون نكير أو تحذير.

- تمكّن الباطل وأهله في المجتمع، وذلك يؤدي إلى أن تتحوّل الأرض إلى بؤرةٍ من الشّرّ والفساد قال الله تعالى: { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ } [البقرة: ٢٥١]، { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا } [الحج: ٤٠].


• مقتطف من صحيفة النبأ – العدد 7
مقال:
الحسبة في الإسلام مكانتها وفضيلتها
...المزيد

معركة الجماعة والفصائل (6) تجارب أهل الجماعة مع الفصائل • كان إعلان دولة العراق الإسلاميّة ...

معركة الجماعة والفصائل
(6) تجارب أهل الجماعة مع الفصائل

• كان إعلان دولة العراق الإسلاميّة واحداً من أهمّ الأحداث في تاريخ المسلمين الحديث، لعدّة أسباب منها القيام بالواجب الشّرعيّ المضيّع، وقطع الطّريق على لصوص الجهاد الذين كانوا يحضّرون أنفسهم للاستيلاء على ثمرات تضحيات المجاهدين خاصّة مع ظهور بوادر الفشل الأمريكيّ وكثرة التّوقّعات حول رغبته في الانسحاب من العراق، وكذلك لأنّ هذا الإعلان كان يحمل في طيّاته الانتهاء من مرحلة الفصائل التي مزّقت الجهاد في العراق؛ بسبب المرجعيّات المختلفة لهذه الفصائل، ورؤاها المتعدّدة بخصوص مستقبل الجهاد ومستقبل العلاقة مع الأطراف المختلفة في السّاحة العراقيّة.

هذا الإعلان لم يكن للفصائل أن تفهمه الفهم الصّحيح على أنّه دعوةٌ للاجتماع والاعتصام بحبل الله عن طريق الوسيلة الشّرعيّة ألا وهي إقامة جماعة المسلمين ونصب الإمام لها الذي يجتمع عليه المسلمون كلّهم، ولكنّها فهمتها من منطلق الأحزاب والدّيموقراطيّات التي أُشربتها قلوبهم وإن أنكرتها ألسنتهم، فلم يكن لهم ليتقبّلوا أن يدعوا إلى جماعةٍ غير فصيلهم ولو كانت جماعة المسلمين، ولا لإمامٍ غير أنفسهم ولو استكمل كلّ شروط الإمامة الشّرعيّة، فأعلنوا الحرب على الدّولة الإسلاميّة، وأكّدوا بأفعالهم أنّ الثّابت الوحيد في عرفهم أنْ تبقى فصائلهم، وكلّ ما سوى ذلك متغيّراتٌ تبعٌ للحفاظ على ذلك الثّابت، فصار المحتلّ الأمريكيّ الذي كانوا يقاتلون لإخراجه من العراق حليفاً مقرّباً ضدّ العدوّ المشترك وهو الدّولة الإسلاميّة، وصار الرّوافض الذين كانوا عملاء للمحتلّ "شركاء في الوطن" بل حتّى "شركاء في العمليّة السّياسيّة"، وبات المجاهدون من جنود الدّولة الإسلاميّة هم العدوّ الوحيد الذي يجب القضاء عليه "للحفاظ على الجهاد في العراق"، وزيادةً في الإثم قاموا بتشكيل تجمّعاتٍ بدعيّةٍ مرتدّةٍ لصدّ النّاس عن الدولة الإسلامية وحشد القوى لقتالها.

وكان لتمسّك قادة دولة العراق الإسلاميّة وعلى رأسهم الشيخان (أبو عمر البغداديّ وأبو حمزة المهاجر) تقبّلهما الله بهذه الدولة ورفض التّراجع عنها بل وحتى رفض أيّ تفاوضٍ مع خصومها في شأن بقائها الأثر الكبير في منع العودة بها إلى مرحلة الفصائل، رغم أنّها أضعفت كثيراً من حيث العدد والعدّة وانحازت من أغلب المناطق التي كانت تحت سيطرتها، لكن كان بقاء الدّولة الإسلاميّة ثابتاً لا يقبل الشّيخان التّفاوض حوله مع العدوّ والصّديق على حدٍّ سواء، حيث أطلق وزير الحرب تصريحه الشهير "إن قلوبنا مفتوحة لكل نقد وتعديل يخص هذا المشروع، فقط لا يمكن الرجوع عن أمرين: الدولة وأميرها، لأنا اجتهدنا ونحسب فيهما الخير والبركة والفلاح". وأطلق أمير دولة العراق الإسلاميّة الشّعار المعروف "باقية" لقطع النّقاش في هذه المسألة.

خبرات العراق وفصائل الشّام

دخل مجاهدو دولة العراق الإسلاميّة إلى الشّام مثقلين بالتّجارب المريرة مع الفصائل المسلّحة في العراق، نصرةً للمسلمين في وجه الطّاغوت النّصيريّ من جهة، ولتنشيط ساحتها من جهة أخرى لتكون بذلك عمقاً استراتيجيّاً لساحة العراق وامتداداً لها، في إطار وحدة جهاد الأمّة المسلمة، لكنّ الفصائل أبت ذلك.

كان قادة الدّولة الإسلاميّة يعلمون علم اليقين أنّ هذه الفصائل لن تترك الدّولة الإسلاميّة دون قتال، ولكنّ الخيار كان بتأجيل قتالهم المؤكّد ما استطاعوا ذلك.

وفي نفس الوقت كان أعداء الدّولة الإسلاميّة من الصّليبيّين وأنصارهم من الطّواغيت والأحزاب المنحرفة يضعون نصب أعينهم القضاء عليها وقتل مشروعها في الشّام في مهده بالأسلوب ذاته الذي طُبّق في العراق، فكثرت الزّيارات التي يقوم بها المسؤولون الأمريكيّون إلى تركيا للالتقاء بقادة الفصائل، وفي الوقت ذاته بدأت مشاريع لإنشاء قوّاتٍ مدرّبةٍ أمريكيّاً في الأردن لقتال الدّولة الإسلاميّة.

وكان من فضل الله على الدّولة الإسلاميّة وما حمله قادتها من خبرة في التّعامل مع الفصائل بناءً على تجاربهم في العراق، والتي علّمتهم أنّ التّهاون في شأن ردّ عاديتها، وتوضيح حكمها الشّرعيّ مفسدةٌ للدّين، مضيعةٌ للجهاد، فبيّنوا للنّاس عامّةً ولجنودهم خاصّةً حكم قتال هذه الفصائل، وشدّ المجاهدون وقادتهم لقتالها مآزرهم، ولم يسقطوا السّيف من أياديهم إلا والفصائل مكسورون، مدحورون، والدولة الإسلاميّة ممكّنة في جزءٍ كبيرٍ من الشّام تطبّق شرع الله وتقيم حدوده فيه.


• مقتطف من صحيفة النبأ – العدد 7
مقال:
معركة الجماعة والفصائل (6)
تجارب أهل الجماعة مع الفصائل


معركة الجماعة والفصائل
(6) تجارب أهل الجماعة مع الفصائل

- لا جماعات مع الجماعة في العراق:

مع فتح الموصل وتساقط أجزاءٍ واسعةٍ من العراق بيد المجاهدين، وزوال قبضة الرّافضة عنها، لم تجد الدّولة الإسلاميّة صعوبةً في توحيد صفّ المسلمين هناك خاصّةً بعد إعلان الخلافة الإسلاميّة، والسّبب - بعد فضل الله - يعود إلى خلوّ السّاحة من الفصائل، فالفصائل التي كانت لها القوّة والشّوكة في بدايات الاحتلال الصّليبيّ الأمريكيّ للعراق أتلفت نفسها في قتال الدّولة الإسلاميّة، فتفكّكت وزالت ولم يبق منها إلا بيانات تُنشر على مواقع التّواصل من حسابات يديرها قادتها القابعون في رعاية الطّواغيت في "دول الجوار"، ولم يكن زوالها ناتجاً فقط عن خسائرها في قتال الدّولة الإسلاميّة، بل بانفضاض المقاتلين عنها، حيث تركها الكثيرون ممّن انخدعوا بها سنيناً عندما وجدوا أنفسهم في صفّ الصّليبيّين ضدّ من كانوا يعدّونهم إخوة الجهاد في الأمس، وكذلك انفضّ عنها الذين وجدوا في الانضمام إلى الصّحوات وإلى صفّ الرّوافض والصّليبيّين فرصةً أفضل لتحقيق المنافع من بقائهم في صفّ هذه الفصائل، خاصّةً في ظلّ حشد الفتاوى والتّصريحات من علماء السّوء الذين جعلوا من قتال دولة العراق الإسلاميّة واجب العصر، فزالت الفصائل في العراق، ورحل المحتلّ الصّليبيّ منه، وبقيت الدّولة الإسلاميّة تصاول الرّوافض سنين حتّى فتح الله عزّ وجلّ عليها الأرض.

إنّ تجربة الدّولة الإسلاميّة وخاصّةً بعد إعادة الخلافة الإسلاميّة قدّمت نموذجاً حيّاً عن الفرق بين حال المسلمين في ظلّ الجماعة عن حالهم في ظلّ الفصائل، وإن مقارنةً بسيطةً بين المناطق الخاضعة لحكم الدّولة الإسلامية في الشّام والأخرى التي تسيطر عليها الفصائل كفيلةٌ بتوضيح هذا الفارق.

إذ لم يكن ممكناً على سبيل المثال تطبيق شريعة الله بوجود الفصائل، لأنّ أيّ قضيّة يكون أحد أطرافها تابعاً لفصيل ما، لا يمكن حلّها إلا بمعركةٍ مع هذا الفصيل، في الوقت الذي يخضع كلّ النّاس في دولة الخلافة لسلطة الشّرع، ويحقّ للقضاة فيها استدعاء أيّ مدّعىً عليه مهما بلغت سلطته وليحاكم وفقاً لشريعة الله. ولا تزال الفصائل في المناطق التي تسيطر عليها من الشّام ترفض تطبيق شرع الله بدعوى عدم تمكّنها من الأرض، فأنشأ كلّ فصيلٍ منها محكمةً خاصّة به، فضاعت حقوق العباد بين محاكم الأوغاد. ومن النّاحية العسكريّة، فإنّ ثبات الدّولة الإسلاميّة بفضل الله وهي تخوض حرباً عالميّةً بمفردها لم يكن ليتحقّق في ظلّ وجود الفصائل التي كرّرت تجربة الصّحوات بطريقة أو بأخرى.

الجماعة والفصائل ... لن يتكرّر الخطأ

وبناءً على هذه التّجربة الطّويلة المريرة في التّعامل مع الصّحوات، أدرك قادة الدّولة الإسلاميّة، أن لا حلّ ممكنٌ مع الفصائل إلا بتفكيكها وإزالتها، حيث لا يمكن بأيّ حالٍ أن تنضمّ هذه الفصائل جميعها إلى مشروعٍ جامعٍ للأمّة، لأنّ كلّاً منها يريد أن يكون قائداً للأمّة، إنْ لم يكن يرى في فصيله أنّه هو الأمّة، وكذلك بسبب استقواء أكثر الفصائل بالطّواغيت لتوفير الدّعم اللّازم لاستمرارها وبالتّالي خضوعها لشروط هؤلاء الطّواغيت التي لا يمكن أن تكون في مصلحة المسلمين.

فكان الخطاب الأخير للشّيخ العدنانيّ تقبله الله (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ) يحمل في طيّاته النّتيجة النّهائيّة لمصير الفصائل بعد قرنٍ من الزّمن راجت وكثرت فيه الفصائل في ظلّ غياب جماعة المسلمين، ولكنّ تجربة الفصائل وتعدّدها كانت كارثةً من حيث النّاتج العامّ، إذ ضاعت ثمرة الكثير من التّجارب الجهاديّة بسبب هذه الفصائل وتنازعها، وارتباط كثير منها بالطّواغيت، ودخول كثيرٍ منها في مشاريع تحالفاتٍ وائتلافاتٍ مع الطّواغيت لتحقيق مصالح هذه الفصائل، ولإضعاف خصومها، وما تجارب الشّام الأولى (ضدّ الطاّغوت حافظ الأسد) وأفغانستان الأولى (ضدّ الشّيوعيّين) والجزائر (ضدّ أبناء فرنسا) والعراق الأولى (ضدّ الصّليبيّين الأمريكيّين)، والشّام الحاليّة، إلا أمثلةٌ واقعيةٌ عن الكوارث التي أحلّتها الفصائل بالجهاد. وبذلك تنطلق الأمّة المسلمة نحو مرحلةٍ جديدةٍ عنوانها (جماعة المسلمين) التي تقودها الخلافة الإسلاميّة نسأل الله لها النّصر والتّمكين.


• مقتطف من صحيفة النبأ – العدد 7
مقال:
معركة الجماعة والفصائل (6)
تجارب أهل الجماعة مع الفصائل
...المزيد

ليس الإرجاء فحسب، ولكنه التنكر لنعمة الله! • فمعرفة الله تورث محبته، ومحبته تورث الغيرة على ...

ليس الإرجاء فحسب، ولكنه التنكر لنعمة الله!

• فمعرفة الله تورث محبته، ومحبته تورث الغيرة على دينه، فإذا وجد المحب غيرة في قلبه، فتركها لهواه أو بحجة فقه الواقع والتلطف لمن حمله على المخالفة الكبر والمعاندة الدنية لا الجهل وحسن النية؛ هنا بالضبط تكون نقطة التحول، فإذا حاول استدعاءها مرة أخرى لحظ نفس أو غيرة متكلفة كان ذلك أعز عليه من بيض الأنوق ﴿ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾، فملاطفة المعاند مفسدة، كما أن الغلظة على الجاهل مفسدة أيضا..

ووضع الندى في موضع السيف في العلا
مضر كوضع السيف في موضع الندى
...المزيد

﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ...

﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ آل عمران ۝٣٠

• هذه الآية الكريمة حاكمةٌ على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية؛ فإنه كاذبٌ في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المُحمدي والدين النبويَّ في جميع أقواله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من عمِل عملًا ليسَ عليهِ أمرُنا فهو ردٌّ) ولهذا قال: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ أي: يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول، كما قال بعض الحكماء العلماء: ليس الشأن أن تُحِبَّ، إنما الشأن أن تُحَبَّ وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية، فقال: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ ‍[ يُنظر تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى ]

فالمحبة الصادقة هي اتباعه - صلى الله عليه وسلم - في كل صغيرة وكبيرة، لا مخالفة أمره.
...المزيد

فوائد معرفة أَحْوال السَّابِقِين "وأما السابقون المقربون: فنستغفر الله الذي لا إله إلا هو أولا ...

فوائد معرفة أَحْوال السَّابِقِين

"وأما السابقون المقربون: فنستغفر الله الذي لا إله إلا هو أولا من وصف حالهم وعدم الاتصاف به، بل ما شممنا له رائحة، ولكن محبة القوم تحمل على تعرف منزلتهم والعلم بها، وإن كانت النفوس متخلفة منقطعة عن اللحاق بهم، ففي معرفة حال القوم فوائد عديدة:

• منها: أن لا يزال المتخلف المسكين مزريا على نفسه ذامًا لها

• ومنها: أنه لا يزال منكسر القلب بين يدي ربه تعالى ذليلا له حقيرا يشهد منازل السابقين وهو في زمرة المنقطعين، ويشهد بضائع التجار وهو في رفقة المحرومين

• ومنها: أنه عساه أن تنهض همته يوما إلى التشبث والتعلق بساقة القوم ولو من بعيد

• ومنها: أنه لعله أن يصدق في الرغبة واللجأ إلى من بيده الخير كله أن يلحقه بالقوم ويهيئه لأعمالهم فيصادف ساعة إجابة لا يسأل الله عز وجل فيها شيئا إلا أعطاه

• ومنها: أن هذا العلم هو من أشرف علوم العبادة، وليس بعد علم التوحيد أشرف منه، وهو لا يناسب إلا النفوس الشريفة، ولا يناسب النفوس الدنيئة المهينة

• ومنها: أن العلم بكل حال خير من الجهل، فإذا كان اثنان أحدهما عالم بهذا الشأن غير موصوف به ولا قائم به، وآخر جاهل به غير متصف به فهو خلو من الأمرين

• ومنها: أنه إذا كان العلم بهذا الشأن همه ومطلوبه، فلا بد أن ينال منه بحسب استعداده ولو لحظة لو بارقة، ولو أنه يحدث نفسه بالنهضة إليه

• ومنها: أنه لعله يجري منه على لسانه ما ينتفع به غيره بقصده أو بغير قصده، والله لا يضيع مثقال ذرة فعسى أن يرحم بذلك العامل"

[طريق الهجرتين] لابن القيم - رحمه الله -


• المصدر: إنفوغرافيك صحيفة النبأ الأسبوعية العدد "460"
...المزيد

{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا} • لا نبالغ لو قلنا إنك أينما وجّهتَ ناظريك حول العالم، رأيت ...

{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا}

• لا نبالغ لو قلنا إنك أينما وجّهتَ ناظريك حول العالم، رأيت ألوان البلايا وأنواع الرزايا قد نزلت بالمسلمين وحلت بديارهم، فلا يكاد يخلو صقع من الأرض من مسلم يؤذى في دينه ويبتلى في نفسه أو أهله أو ماله أو ولده أو في ذلك كله، بالقتل أو الأسر أو التهجير أو غيرها من صنوف العذاب التي يلحقها طواغيت العصر عربا وعجما بالمسلمين، فما سبب ذلك؟ وما السبيل للخروج من هذا الواقع المر وقلبه على رؤوس الطواغيت وزبانيتهم؟

إن أحوال المسلمين اليوم لا تخفى، فمن جور الشيوعيين في الصين وتركستان، إلى جرائم البوذيين والهندوس في الهند وبورما وأراكان، مرورا بالنصارى الشرقيين المشربين ببطش الشيوعية، إلى نصارى أمريكا وأوروبا الصليبية الذين ملؤوا العالم كفرا وظلما، ومثلهم اليهود الكافرون ومجازرهم في فلسطين، وليس أقل منهم كفرا وجرما الرافضة والنصيرية وما فعلوه في العراق والشام واليمن ولبنان.. إلى غيرهم من ملل الكفر الذين شنوا الحروب تلو الحروب على بلاد المسلمين، ولا ننسى بالطبع الحكومات والجيوش العربية المرتدة التي جرى تأسيسها لحرب المسلمين وقمعهم وإفساد عقيدتهم وأخلاقهم وإسكاتهم وكبح أي محاولة جادة للتغيير والسير نحو الحق، وليس آخرها جرائم هذه الجيوش بحق مسلمي السودان، فكم قتلوا وكم أسروا وكم طغوا وبغوا في الأرض فكانوا بحق فراعنة العصر في الكفر والإفساد.

ومما يزيد الطين بلة ويجعل المشهد أكثر قتامة، تلك الحركات والكيانات المنحرفة عن التوحيد المائلة إلى الشرك، التي كانت وبالا على المسلمين، وشكلت معول هدم تهدم الإسلام من الداخل بما بثته وصدّرته من مناهج باطلة في التغيير خلافا لمنهاج الكتاب والسنة الذي تستروا خلفه أحيانا، واستعرّوا منه أحايين أخرى، لكنهم لم يتبنوه ولم يطبّقوه أبدا في واقعهم وتجاربهم المتعاقبة على الفشل، بل كانوا حربا على من طبّقه أو سعى لتطبيقه، وسلما على من حاربه، وقد رأيناهم من قبل في العراق ومصر وتونس وليبيا، أينما رفعت راية الشريعة كانوا خصومها وأعداءها، وأينما رفعت رايات الجاهلية كانوا أنصارها وحماتها، فكانوا بذلك حربا على الإسلام حقا.


• المصدر: مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ الأسبوعية العدد "460"


{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا}

• وعن أسباب هذا الهوان والذل والاستضعاف، يطول الكلام وتكثر زواياه، لكننا نتناوله اليوم من زاوية أخرى، فنقول إن الهوان والذل الذي أصاب المسلمين سببه هجرهم مصدر عزتهم وهدايتهم، هجرهم كتاب ربهم، ليس هجر قراءته والترنم به وحفظه وتدشين الحلقات لذلك، بل هجر العمل به وتطبيقه، هجر اليقين بوعده وما جاء به، هجر نقله من السطور والصدور إلى أرض الواقع، ومن ذلك قوله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}، فهو سبحانه لم يقل: هادنوهم! ولم يقل: سالموهم! بل قال: {قَاتِلُوهُمْ}، وعاتب الله المسلمين كثيرا بقوله: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}، وساءلهم أكثر من مرة: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا}، وتوعدهم لما تقاعسوا عن ذلك بقوله: {إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، وبين لهم أنه غني عنهم وإنما يعود النفع عليهم لا عليه جل جلاله فقال: {وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}، وأخبرهم سبحانه بأنه قادر على إنزال النصر بدون جهاد فقال: {ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ}، وإنما شرع سبحانه الجهاد اختبارا وتمحيصا للعباد فقال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}، ودلّهم على أن خيري الدنيا والآخرة في الجهاد وإن كرهته النفوس فقال: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، قال ابن كثير: "لأن القتال يعقبه النصر والظفر على الأعداء، والاستيلاء على بلادهم، وأموالهم، وذراريهم، وأولادهم، وهذا عام في الأمور كلها، قد يحب المرء شيئا، وليس له فيه خيرة ولا مصلحة، ومن ذلك القعود عن القتال، قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم".

فبعد كل هذه الآيات الربانية التي دلت على طريق الخلاص؛ {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ}؟، ألم يأن للذين آمنوا أن يستشعروا خطاب الله لهم في تلك الآيات؟ ألم يأن لهم أن تتحرك نفوسهم لرد عادية الكفر والظلم، ألم يأن لهم أن يهاجروا ويجاهدوا وينصروا إخوانهم؟ ألم يأن لهم أن يعلموا كم خسروا بتفريطهم في الجهاد؟

ثم ألم يأنِ للذين آمنوا أن يعرفوا أن ضريبة الجهاد أخف من ضريبة تعطيله وهجره، فلا يوجد أدنى مجال للمقارنة بين من سقطوا قتلى - مثلا - في معركة شقحب ضد التتار، ومن أخذهم سيل التتار الجارف حتى وصل إلى الشام! وكيف يقاس ما قدمه المسلمون في حطين مع ما قدموه للصليبيين في حملاتهم إلى بيت المقدس؛ لا لن نقيس، ولن نقارن فلا وجه للمقارنة بحال بين الطاعة والمعصية، بين العزة والمذلة، فالمكاسب أعز وأوفر من ذلك، بل على العكس تماما سنعمد للمقارنة والتذكير بما جرته علينا السلامة والموادعة اللتان أدتا لسقوط الأندلس وسفك الد,ماء وانتهاك الأعراض المسلمة، فذلك قد كان أضعافا مضاعفة عما أوصلنا له الإقدام والجهاد في فتحها يوم كانت تعلوها راية الإسلام.

ألم يأن للذين آمنوا أن يدركوا كل ذلك، فيخلعوا هوان القعود وضعف الفرقة، ويكسبوا عز الجهاد وقوة الجماعة، أيحتاج الأمر مزيدا من الجراحات والمجازر، أم طال العهد فقست القلوب وتحجرت؟!

هكذا دلنا الله تعالى في كتابه على طريق النجاة والخروج من نفق الذل والتيه الذي يعيشه أكثر أهل القبلة اليوم، وليس هناك طرق أخرى، فإما أن تبادر وتمتثل الأمر الإلهي بالجهاد والنفير لتقلب الطاولة على رؤوس الطواغيت وتقلب الواقع رأسا على عقب، أو تقعد وتجبن وتتثاقل وتتخلف عن قافلة الجهاد فتنال بذلك خسارة الدنيا والآخرة، أو تسلك طريق نبيك وصحابته فتفوز كما فازوا وتعز كما عزوا، والجزاء من جنس العمل.

• المصدر: مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ الأسبوعية العدد "460"
...المزيد

تحولات الجهاد العالمي بعد إعلان الخلافة • بعيداً عن الجدل حول أولويّات القتال عند المسلمين في ...

تحولات الجهاد العالمي بعد إعلان الخلافة

• بعيداً عن الجدل حول أولويّات القتال عند المسلمين في العصر الحديث بين العدوّ القريب (الذي يُقصد به المُرتدّون) والعدو البعيد (الذي يُقصد به اليهود والنّصارى)، فإنّ الدّولة الإسلاميّة أظهرت مرونة عالية في الممارسة الاستراتيجيّة للصراع مع أعداء الإسلام كافّة.

مصادر استخباراتيّة غربيّة تحدّثت عن الصّدمة التي تلقّتها أجهزتهم بُعيد عمليّة باريس المباركة في الأوّل من صفر، ليس في تكتيك العمليّة فحسب، التكتيك الذي اعتمد على أسلوب الانغماسيّين الذي اشتهرت به كتائب جيش الخلافة والذي يقوم على قاعدة أساسيّة مفادها "استمر بالقتل حتى تُقتل"، ولكن أيضاً في التحوّل الكبير في استراتيجيّة الدّولة الإسلاميّة المتمثّل بالانطلاقة الكبيرة والمدوّية لعمليّاتها الدّوليّة في إطار ما اصطلح على تسميته بالجهاد العالميّ بعد أكثر من عقد من الزمن، رضي فيه المجاهدون أن يسلموا قيادة هذا الجهاد لقيادة تنظيم القاعدة.

فبعد الصّدمة الكبيرة التي تلقّتها أجهزة الاستخبارات الصليبيّة بعد اكتشاف سوء تقديرها لإمكانات الدّولة الإسلاميّة بعد فتح الموصل وسيطرتها على أجزاء واسعة من العراق، في الوقت الذي كانت تقديراتهم تشير إلى أنّ حرب الصحوات في الشّام ستستنزف كلّ طاقاتها، جاءت صدمة عمليّات باريس المباركة، في الوقت الذي ظنّ فيه الصليبيّون أنّ عمليّاتهم الجويّة وتحرّكات حلفائهم على الأرض من شأنها أن تستنزف كلّ طاقات الدّولة الإسلاميّة، وتدفعها إلى الانشغال بالدفاع عن أطرافها المترامية، والتي يحاول أعداؤها التقدّم فيها من كلّ الجهات.

هذه الصّدمة دفعتهم إلى إحصاء العمليّات النوعيّة للمفارز الأمنيّة لدولة الخلافة خارج مناطق تمكينها، ليتبيّن لهم أنّها خلال شهر واحد هزّت ثلاثة من عواصم دول الكفر وهي بغداد وبيروت وباريس، كما نفّذت اختراقاً أمنيّاً في أحد المطارات لتتمكّن من إسقاط طائرة ركّاب روسيّة بعد فترة قليلة من دخول روسيا على خطّ الحرب المباشرة ضد الدّولة الإسلاميّة في الشام، لتكون نتيجة هذه العمليّات مقتل وإصابة ما لا يقل عن ٧٥٠ من رعايا الصليبيّين في باريس وسيناء، وأكثر من ٥٠٠ قتيل وجريح من الرافضة في كل من بغداد وبيروت، ليتيقّن الصليبيّون عندها أنّ هذه العمليّات تمثّل مرحلة جديدة من عمليّات الجهاد العالمي تقوم على توسيع دائرة النّكاية في المشركين عالميّاً، عن طريق المفارز الأمنيّة، في الوقت ذاته الذي يقوم به جيش الخلافة بتوسيع دائرة التمكين إقليميّاً، والحفاظ عليها في المناطق الواقعة تحت حكم الشريعة وجوارها، وبذلك تجمع استراتيجيّة الدّولة الإسلاميّة بين غايتي شوكة النكاية وشوكة التمكين.


• المصدر: مقتطف من صحيفة النبأ – العدد 6
مقال:
تحولات الجهاد العالمي بعد إعلان الخلافة


تحولات الجهاد العالمي بعد إعلان الخلافة

• خلفيّات التحوّل الاستراتيجي

قُبيل إعلان الخلافة أصدرت الدّولة الإسلاميّة كلمة صوتيّة للمتحدّث الرسمي لها الشيخ المجاهد أبي محمد العدنانيّ الشاميّ - تقبله الله - تجيب فيها عن بعض التساؤلات حول العلاقة بينها وبين تنظيم القاعدة، وتوضّح فيها الحدود الفاصلة بينهما، ومن بين الأمور التي توضّحت في هذه الكلمة التي كانت بعنوان (عذراً أمير القاعدة)، أسباب حصر الدّولة الإسلاميّة لعمليّاتها بالعراق وحده دوناً عن محيطه الإقليمي الذي يعجّ بالأعداء، أو في المجال الدوليّ الذي كانت الدّولة الإسلاميّة قادرة على العمل فيه بطريقة أو أخرى. فقد أوضح الشيخ العدناني -تقبله الله- حقيقة الأمر في أكثر من موضع من هذه الكلمة الصوتيّة، وممّا جاء فيها:

- «لمّا كانت الدّولة الإسلاميّة جزءا من الجهاد العالميّ، وكان لا بدّ للجهاد العالميّ - تديّناً - من رأس يديره، وكان قادة القاعدة - رحمهم الله - هم رموز الجهاد في هذا العصر وأصحاب السبق والفضل، تركت لهم الدّولة قيادة الجهاد في العالم توقيرا واحتراما وتقديرا وتبجيلا وتكريما وتشريفا وتعزيرا، فلم تتجاوز عليهم أو تخالفهم في سياسة خارج مناطقها، وخاطبتهم خطاب القادة والأمراء».

- «ظلّت الدّولة الإسلاميّة تلتزم نصائح وتوجيهات شيوخ الجهاد ورموزه، ولذلك لم تضرب الدّولة الإسلاميّة الروافض في إيران منذ نشأتها، وتركت الروافض آمنين في إيران، وكبحت جماح جنودها المستشيطين غضبا، رغم قدرتها آنذاك على تحويل إيران لبرك من الدماء».

- «وبسبب القاعدة أيضا لم تعمل الدّولة في بلاد الحرمين، تاركة آل سلول ينعمون بالأمن، مستفردين بعلماء الأمّة هناك وشباب التوحيد الذين مُلِئت بهم السجون.

وبسبب القاعدة لم تتدخل الدّولة في مصر أو ليبيا أو تونس، وظلّت تكظم غيظها وتكبح جماح جنودها على مرّ السنين، والحزن يملأ أركانها وربوعها لكثرة استغاثة المستضعفين بها، والعلمانيّون يُنصّبون طواغيت جدد أشد كفرا من سلفهم في تونس وليبيا ومصر، والدّولة لا تستطيع تحريك ساكن لتوحيد الكلمة حول كلمة التّوحيد، لعدم مخالفة رموز وقادة الجهاد المتمثلين بالقاعدة التي تولّت الجهاد العالميّ وحملت على عاتقها العمل في تلك البلاد».


• المصدر: مقتطف من صحيفة النبأ – العدد 6
مقال:
تحولات الجهاد العالمي بعد إعلان الخلافة




تحولات الجهاد العالمي بعد إعلان الخلافة

• فالذي منع الدّولة الإسلاميّة من امتداد نشاطها خارج العراق في السابق كان التزامها عدم مزاحمة تنظيم القاعدة في ساحة الجهاد العالميّ، على اعتبار أن لهم الأسبقيّة في هذا الميدان على يد الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله، ولكن بإعلان الخلافة الإسلاميّة التي تمثّل جماعة المسلمين في كل العالم، فإن قيادة المسلمين في كل أنحاء العالم في كل شؤون حياتهم ومنها الجهاد العالميّ باتت من واجبات إمام المسلمين، وحقّاً من حقوقه لا ينازعه فيه أحد، فكانت الخطوة الأولى في هذا الشأن العمل على جمع صفّ المسلمين في أنحاء الأرض المختلفة، فاستجاب لدعوة الخلافة الكثير من الجماعات المجاهدة في مشارق الأرض ومغاربها، وانضمّ إليهم المجاهدون، فأعلنت الولايات التابعة للدّولة الإسلاميّة، وقام المجاهدون في كلّ ولاية بقتال من يليهم من الكفار والمرتدّين، بل وأُسّست المفارز الأمنيّة وفُعّلت في بعض الأصقاع البعيدة لتقوم بدورها أيضاً في النكاية بأعداء الله ريثما يفتح الله عليهم بالتّمكين، وفي الوقت نفسه كان العمل يجري للتحضير لإطلاق مرحلة جديدة من الجهاد ضد أعداء الله من الصليبيّين خاصّة، وبتنسيق بين ولايات الدّولة الإسلاميّة المختلفة.

فبعد قيام روسيا بقصف المسلمين في ولايات الشّام، تحرّكت المفارز الأمنيّة في ولاية سيناء لتسقط طائرة ركابهم، وتجبر ما يقارب ٩٠ ألفاً منهم على مغادرة سيناء ومصر فارّين بجلودهم، مع امتناع الطائرات الروسيّة عن دخول المطارات المصريّة إلى أجل غير مسمّى.

وانتقاماً من جرائم رافضة لبنان بحق أهل السنّة في ولايات الشّام والعراق، قامت المفارز الأمنيّة في بيروت بتنفيذ عمليّتي تفجير إحداهما استشهاديّة في قلب (الضاحية الجنوبيّة) التي تمثّل معقل "حزب اللات" الرافضيّ الذي يقود حرب الرافضة على أهل السنّة في الشّام.

أمّا عمليّات المفارز الأمنيّة في ولاية بغداد فلم تتوقف - بفضل اللهة- منذ الغزو الأمريكي، وهي مستمرّة في النكاية في الرافضة الذين يحاربون المسلمين في العراق والشام واليمن، بإذن الله.

وكذلك قامت ولاية عدن سابقاً بمهاجمة مقر قيادة القوّة الخليجيّة التابعة لطواغيت الخليج الذين شاركوا في الحملة الصليبيّة ضد الدّولة الإسلاميّة في الشام والعراق.

وقبيل انطلاق حاملة الطائرات (شارل ديغول) من الموانئ الفرنسيّة لتعزيز الحملة الجويّة الصليبيّة الفرنسيّة ضدّ الدّولة الإسلاميّة - بعد إعلان الرئيس الفرنسيّ (فرانسوا هولاند) مشاركة الحاملة في عمليّات التحالف - قامت المفارز الأمنيّة التابعة للدّولة الإسلاميّة بعمليتها المنسّقة في قلب باريس.

وبذلك أظهر مجاهدو الدّولة الإسلاميّة قدرتهم على العمل كجيش واحد يخوض معركة واحدة على مستوى العالم كلّه.


• المصدر: مقتطف من صحيفة النبأ – العدد 6
مقال:
تحولات الجهاد العالمي بعد إعلان الخلافة
...المزيد

• فوائد إخْفَاء الدُعاء 1- أنه أعظم إيمانًا؛ لأن صاحبه يعلم أن الله تعالى يسمعُ دعاءه ...

• فوائد إخْفَاء الدُعاء


1- أنه أعظم إيمانًا؛ لأن صاحبه يعلم أن الله تعالى يسمعُ دعاءه الخفيَّ.

2- أنه أعظم في الأدب والتعظيم، ولهذا لا تخاطب الملوك ولا تُسألُ برفع الأصوات، وإنما تخفض عندهم الأصوات، ويخفى عندهم الكلام بمقدار ما يسمعونه.

3- أنه أبلغُ في التضرع والخُشوع الذي هو رُوح الدعاء ولُبُّهُ ومقصوده.

4- أنه أبلغُ في الإخلاص.

5- أنه أبلغُ في جمعية القلب على الله تعالى في الدعاء، فإن رفع الصوت يفرقه ويشتته.

6- وهو من النكت السرية البديعة جدًّا، أنه دال على قرب صاحبه من الله، وأنه لاقترابه منه وشدة حضوره يسأله مسألة أقرب شيء إليه فيسأله مسألة مناجاة للقريب لا مسألة نداء البعيد للبعيد.

7- أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال، فإن اللسان لا يملُّ والجوارح لا تتعب.

8- أن إخفاء الدعاء أبعد من القواطع والمشوشات والمضعفات، فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد فلا يحصل هناك تشويش ولا غيره وإذا جهر به تفطنت له الأرواح الشريرة والباطولية والخبيثة من الجن والإنس، فشوَّشت عليه ولا بد، ومانعته وعارضته.

9- أعظم النعم الإقبال على الله والتعبد له والانقطاع إليه، والتبتلُ إليه، ولكل نعمة حاسد على قدرها دقَّت أو جلَّت، ولا نعمة أعظم من هذه النعمة، وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد.

10- أن الدعاء هو ذكر للمدعو سبحانه، فهو ذكر وزيادة، وقد قال تعالى: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} [الأعراف]، فأمر نبيه أن يذكره في نفسه.

[بدائع الفوائد] لابن القيم -رحمه الله-


▫المصدر: إنفوغرافيك النبأ - فوائد إخْفَاء الدُعاء
صحيفة النبأ الأسبوعية العدد 467
الخميس 28 ربيع الآخر 1446 هـ
...المزيد

▫ مجاهد ومعلّم.. أبو خالد الحمادي -تقبله الله- [قصة شهيد] • قيَّض المولى سبحانه لشجرة التوحيد ...

▫ مجاهد ومعلّم.. أبو خالد الحمادي -تقبله الله-
[قصة شهيد]

• قيَّض المولى سبحانه لشجرة التوحيد سقاة كماة يروونها بدمائهم الزكية لتنمو وتعمّ ظلالها أرجاء الواسعة، رجال قلائل باعوا النفوس لربهم ولبّوا نداء مليكهم، وعقدوا معه سبحانه أعظم صفقة ما أجلها وأعلى قدرها، إذ رضوا بأن يُقتلوا في سبيله تعالى ثمنا لها، وشروا أنفسهم ابتغاء مرضاته، فهجروا أعراض الدنيا الدنية ولم يغتروا بزهرتها وبهجتها الزائفة وأرادوا ما عند الله تعالى، فما عنده خير وأبقى.

نحسب من بين هؤلاء الأخ أبا خالد الحمادي محمد بن هارون البرناوي -تقبله الله-

- نشأته ونفيره:

ولد أبو خالد في بلدة (كالا بالغي) بمنطقة (برنو) سنة 1417 من الهجرة، ونشأ فيها نشأة صالحة على يد والديه اللذين اعتنيا بتربيته تربية إيمانية، وحينما ناهز البلوغ، وتزامنا مع توسع عمليات المجاهدين في غرب إفريقية، ألقى الله تعالى في قلبه حب الجهاد والمجاهدين، ودعوتهم إلى التوحيد وتحكيم الشريعة ونبذ الشرك ومنه الديمقراطية والبراءة من الطواغيت بجميع رؤوسهم وأذنابهم، وهي بالذات الأمور التي حفزته للقفز إلى صفوف المجاهدين والانضمام إليهم.

التحق أبو خالد بركب المجاهدين في عام 1435 هـ قبل بضعة أشهر من إعلان دولة الخلافة -أعزها الله-، وظل مع المجاهدين فردا من أفرادهم يصول معهم حيث صالوا ويجول حيث جالوا.

- في ديوان الدعوة:

بينما كان أبو خالد تقبله الله بين المجاهدين يشهد معهم المعارك، ظهر للقاصي والداني علو همته وحزمه، إذ كان أكبر همه نصرة دينه ونفع إخوانه، ما رشّحه لتولي كثير من المهام الجهادية، حتى غدا كالنخلة تؤتي أكلها كل حين كما وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- المؤمن، وكان من بين المهام التي أوكلت إليه تعليم الأشبال وتنشئتهم تنشئة دينية على صعوبة ذلك، وفي نفس الوقت كان إماما يؤم الناس في الجماعات، فكان يجمع بين النزول إلى مواطن الرجال وميادين الأبطال وبين تعليم القرآن، فكان بحق داعيا إلى الله تعالى بسنانه ولسانه.

ظل أبو خالد يقاتل ويتعلم ويُعلّم إلى أن بايع المجاهدون الخليفة القرشي أبا بكر الحسيني -تقبله الله- وقامت ولاية غرب إفريقية وتم تطبيق النظم والتوجيهات التي أملتها الدولة الإسلامية على سائر ولاياتها ومنها الدواوين، فانتُدب الأخ أبو خالد حينها ليكون عضوا في ديوان الدعوة والمساجد لما لاح لأمرائه من جدارته بالعمل في هذا المضمار المهم، فحدِّث عن جهده الدعوي ولا حرج، فقد كان يتنقل بين المراكز والبلدان والقرى ومجامع الناس يعظهم ويعلمهم واجبات دينهم ويحرضهم على الجهاد، بل كان يحرض المجاهدين على الثبات عند اقتراب ساعة الصفر في الغزو، فلم يتوقف عن القتال اشتغالا بالدعوة؛ أسوته وقدوته في ذلك نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، في الجمع بين الكتاب والسيف، وقد استطاع -بفضل الله تعالى- استمالة كثير من الشباب واستقطابهم وجذبهم إلى صفوف المجاهدين بأسلوبه المميز ولسانه الفصيح الذرب الذي وهبه الله إياه، وبينما كان يصول ويجول في ميدان الدعوة تم نقله للعمل في المكتب الأمني وتعيينه مسؤولا للمكتب في إحدى مناطق ولاية غرب إفريقية، فكان يمارس عمله قائما بالقسط لا يخاف في الله لومة لائم كما شهد له بذلك إخوانه.


▫ المصدر: قصة شهيد - صحيفة النبأ - أبو خالد الحمادي -تقبله الله-
صحيفة النبأ الأسبوعية العدد 467
الخميس 28 ربيع الآخر 1446 هـ

▫ مجاهد ومعلّم.. أبو خالد الحمادي -تقبله الله-
[قصة شهيد]

- صفاته وأخلاقه:

امتن الله تعالى على الأخ أبي خالد بأخلاق دمثة وخصال حميدة، ما أكسبه محبة إخوانه ورفاق دربه.

أما عن معاملته مع إخوانه فقد كان كثير التبسم في وجه إخوانه طلق المحيا أمامهم يرحم صغيرهم ويوقر كبيرهم ويواسي مبتلاهم، كما كان كثير الجود في الغنى والفقر، حيث شهد له بعض إخوانه أنه كان يقضي حوائجهم بمجرد ما يلاحظ ذلك دون أن يبوحوا بها، وقد شُهد للأخ أبي خالد بصبره في البلاء صبرا يثنى على صاحبه، فقد نال حظه من البلاء في عيشه حينما كان معلما للأشبال ومرض بعض أهله وولده وهو في ذلك الوقت شديد الفقر، فكان يسعى في كسب ما يقضي به حوائجه دون البوح بمشكلته لأحد، إلى أن جلى الله عنه الغمة، ولم يثنه ما أصابه عن نصرة دينه أو يحط من عزمه أو يفت في عضده تقبله الله تعالى، كما عُرف بكثرة قراءة القرآن الكريم، غاديا رائحا يتفيأ ظلال آيات الرحمن، في حل كان أو ترحال.

- قائدا عسكريا في (كرينوا):

كما كان مثالا يحتذى في السمع والطاعة والنصح لأمرائه، محبا للحق ودائرا معه حيث دار لا يخاف لومة لائم.

كذلك كان قوي البنية يتمتع بلياقة بدنية عالية، أضف إلى ذلك حزمه وعزمه في الأمور ما جعل أمراءه يضعون فيه الأمل والثقة في إنجاز كثير من المهام، حتى انتهى به المطاف أن عين قائدا للجند في منطقة (كرينوا)، حيث قاد كثيرا من المعارك بنفسه واستبسل فيها وألقى نفسه في المخاطر حاملا روحه في كفه، وقد كان إقدامه سببا في فتح كثير من الثكنات بفضل الله تعالى، وقد برز عزمه وشجاعته في الغزوة الموحدة الأخيرة: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم)، حيث داهم بنفسه على رأس المفارز الأمنية عددا من أوكار النصارى والمرتدين وفلق رؤوسهم، كما كان شديد الاعتناء بتربية الجنود وعبادتهم، يكثر من تذكيرهم ووعظهم سعيا في تعليق قلوب المجاهدين بربهم سبحانه، وتمتين علاقتهم بخالقهم، إذ هو الناصر والمعين.

- همة عالية:

في الأيام الأخيرة التي سبقت مقتله، ازدادت همته وأصبح لا شيء يوقفه ولا يعرف للتعب معنى في حسابه، فخلال الحملات الأخيرة للمرتدين على منطقة (كرينوا) كان أبو خالد يقود ويتقدم الصفوف في المعارك الدائرة مع الكافرين، ولم يزل الإخوة يظنون أنه لن يخرج من معركة يخوضها لما يلقي بنفسه وسط المعامع إذا حمي الوطيس، حتى أصيب بطلقة (دوشكا) في أحد أضلاعه، وحينها أجبره أمراؤه على أن يعود للعلاج ويأخذ قسطا من الراحة، فأعيد للبيت على كره منه، وفي يوم من الأيام تقدم المرتدون على حساب المجاهدين في أحد المحاور، وإذ بصوت أبي خالد في الجهاز اللاسلكي يدير ويوجه مجموعات المجاهدين، فتفاجأ الإخوة وقد كانوا يظنون أنه ما يزال في المنزل حيث لم يتماثل للشفاء بعد، وما هي إلا دقائق حتى شوهد أبو خالد في الصفوف يقاتل جنبا إلى جنب مع إخوانه رغم إصابته تلك، فلم يزل يصول ويجول حتى هزم الله المرتدين وقد اندمل جرحه وقارب الانتعاش في ساحات الوغى ولم يرض بأن يبقى أسير الفراش وهو يرى الأعداء يحاولون استباحة أرض الإسلام وتدنيس حرمات المسلمين.

- مقتله تقبله الله:

لم يزل أبو خالد كما كان كلما استعصت ثكنة أو تعسر فتحها، خرج على رأس الجند لغزوها، وللدور الذي يؤديه في تثبيت عزيمة المجاهدين وتحريضهم بالقول والفعل جعل كثيرا من الإخوة يستبشرون بمجرد رؤيته في أوساطهم في الغزو، فكانت ثكنة بلدة (إيزغي) الكاميرونية صعبة الغزو لطبيعة التضاريس مع كثافة الأعشاب التي تحجب بعض أجزاء الطريق وما حول الثكنة بحيث لا يرى المهاجم ما يكون أمامه، فخرج على رأس الجند لغزوها كما ذلك دأبه وديدنه بعد تذكرة وتحريض، فكتب الله للمجاهدين النصر وجعل فتح الثكنة والسيطرة عليها من نصيبهم، فقام بتوجيه الإخوة بالإسراع في إخلاء الغنائم إلى مناطق آمنة تحسبا للمدد الذي قد يصل لمؤازرة المرتدين، وانتدب نفسه وبعض مرافقيه لحراسة الإخوة وصد المدد والاشتباك معهم إذا ما قدم، وبالفعل قدم مدد العدو كما كان يتوقع، فلم يتوانَ ولم يتراجع وانبرى يصد عن إخوانه ويغطي انسحابهم، فثبت وقاتل قتال المستميت حتى أصيب إصابة بالغة جعلت مرافقيه يخلونه من ساحة المعركة، وقبل وصولهم إلى مواقع إخوانهم فاضت روحه إلى باريها بعد أن فدى إخوانه بدمه، نسأله تعالى أن يتقبله ويعلي درجته في عليين.


▫ المصدر: قصة شهيد - صحيفة النبأ - أبو خالد الحمادي -تقبله الله-
صحيفة النبأ الأسبوعية العدد 467
الخميس 28 ربيع الآخر 1446 هـ
...المزيد

يريدون وجهه • (لمّا أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله عزّ وجلّ أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار ...

يريدون وجهه

• (لمّا أصيب إخوانكم بأحد، جعل الله عزّ وجلّ أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة تأكل من ثمارها وتهوي إلى قناديل من ذهب في ظلّ العرش، فلمّا وجدوا طيب شربهم ومأكلهم وحسن منقلبهم، قالوا: ياليت إخواننا يعلمون بما صنع الله لنا، لئلّا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله عزّ وجلّ: أنا أبلّغهم عنكم، فأنزلَ اللهُ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ..} الآية). [أبو داود]، هكذا واسى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- المؤمنين من قبل، وهي مواساة وبشارة لأتباعهم من بعد.

فبعيدا عن أعين "الكاميرات" وبريق الشاشات، لكن تحت عين الله تعالى وسمعه وبصره سبحانه، تجري معارك مستمرة بين ثلة من كماة الإسلام، مقابل جيوش من القوات الأمريكية والرافضية يقاتلون كتفا بكتف ضد أحفاد الصحابة وبقيّة السلف، معارك لا تستهوي الغثاء ولا تضج بها وسومهم، مع أنها تحوز أوسمة السماء من الله القائل: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}.

في العراق حيث التوحيد غضًّا طريًّا لم تلوّثه مدارس "الإسلاميين" المنحرفة ومناهجهم المحرّفة، توحيد عركته المحنة وصفّته المفاصلة وصقلته الصحراء وحرسه الجهاد، فلم يشبْهُ انحراف ولم يفسده ترف، بيئة إيمانية جهادية كبيئة الرعيل الأول صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- الذين تربوا في صحراء الجزيرة وتقلبوا في حرها وقرّها حتى خرجوا منها قادة فاتحين ملكوا حواضر العالم وعواصم الأمم.

ولا يختلف الوضع كثيرا في بوادي الشام عما هو في بوادي العراق، حيث يتقاسم المجاهدون الظروف والحتوف.

على الأرض، يحرص التحالف الصليبي ومعه زبانية إيران، على تكثيف الضربات لمواقع الدولة الإسلامية في العراق، في سياسة أمريكية واضحة خشية أن يؤدي انشغالهم بالصراع اليهودي الرافضي المؤقت إلى إيجاد فسحة للمجاهدين يعززون فيها نشاطهم ويفاجئون فيها عدوهم، وخلافا للمعهود وتخطّيا للدور الروسي، طارت أمريكا تقصف بنفسها مواقع المجاهدين في بادية الشام لنفس السبب، علها تؤخّر الركب أو تعيقه، بعد أن فشلت في إيقافه أو حرف مساره، وكذبت يوم زعمت القضاء عليه.

هذه المعارك لا تطبل لها وسائل الدجال ولا يثني عليها نشطاؤه ولا يحتفي بها دعاته، لأنها معارك لا تكفلها الشرائع الدولية ولا قوانين البشر الوضعية، أبطالها يريدون وجهه سبحانه لا سواه، يسيرون على صراطه ويتبعون سبيله، يستعينون به وحده ويتوكلون عليه، فهو كافيهم وناصرهم.

في حسابات كل الأرضيين لا فائدة ولا جدوى من هذه المعارك، لكن في حسابات المؤمنين الربيّين المتعلقين بربهم، يرون فيها مخاضا لقادسية ويرموك جديدة بإذن الله تعالى، فكل الفاتحين من قبل عبروا هذه المخاضة، وما متقحم لهذه المخاضة بخاسر.

بين بوادي وتلال العراق والشام، يعيش المجاهدون وقائع الأنفال والتوبة والأحزاب، يجاهدون ويقاتلون في سبيل الله طاعة له، ليس اضطرارا ولا ارتهانا لمحاور جاهلية، بل حبا وامتثالا كما أمرهم ربهم: {حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}، لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، كل الذين كفروا بلا استثناء.

لقد علم جنود الخلافة أن طريق الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحبه هي طريق الوصول، وفيها القتل والجراح والبأساء والضراء كما أخبر ربنا سبحانه: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا..}، ولكن بدونها لا نصر ولا ظفر، ولا مكة ولا قدس، ولا شريعة ولا سيادة، فهي الطريق الوحيدة للنصر والتمكين، ورغم ما أصابهم فيها لم يتولوا أو يتراجعوا، ولم يولّوا وجوههم قبَل الشرق أو الغرب، ولم يركنوا إلى الذين ظلموا، فلم يتقربوا لطاغوت أو يتزلفوا لمرتد، وحاشاهم، ولم يسمحوا لأنفسهم تحت ضغط الواقع والشدة أن يبدّلوا أو يغيّروا، كما لم يسمحوا لأنفسهم في الرخاء أن يفرّطوا أو يتهاونوا، فلازموا التوحيد في الشدة والرخاء ومضوا على الجهاد في العسر واليسر، فثبتوا بذلك على الطريقة المحمدية توحيدا وجهادا، صبرا ومصابرة ومرابطة.

تظهر في معاركهم ملامح التجرد والاحتساب لله، بعيدا عن الأضواء غرباء تلفح وجوههم رياح الغربة، قدوتهم محمد -صلى الله عليه وسلم- وصحابته، الصديق والفاروق وعثمان وعلي وعمار وبلال ومصعب وطلحة وأنس والبراء، لم يلطخوا نواياهم ولم يدنسوا مقاصدهم بغايات الجاهلية ونماذجها.

▫ المصدر: مقتطف من افتتاحية النبأ
صحيفة النبأ الأسبوعية العدد 467
الخميس 28 ربيع الآخر 1446 هـ


يريدون وجهه

• لقد علم جنود الخلافة أن طريق الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحبه هي طريق الوصول، وفيها القتل والجراح والبأساء والضراء كما أخبر ربنا سبحانه: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا..}، ولكن بدونها لا نصر ولا ظفر، ولا مكة ولا قدس، ولا شريعة ولا سيادة، فهي الطريق الوحيدة للنصر والتمكين، ورغم ما أصابهم فيها لم يتولوا أو يتراجعوا، ولم يولّوا وجوههم قبَل الشرق أو الغرب، ولم يركنوا إلى الذين ظلموا، فلم يتقربوا لطاغوت أو يتزلفوا لمرتد، وحاشاهم، ولم يسمحوا لأنفسهم تحت ضغط الواقع والشدة أن يبدّلوا أو يغيّروا، كما لم يسمحوا لأنفسهم في الرخاء أن يفرّطوا أو يتهاونوا، فلازموا التوحيد في الشدة والرخاء ومضوا على الجهاد في العسر واليسر، فثبتوا بذلك على الطريقة المحمدية توحيدا وجهادا، صبرا ومصابرة ومرابطة.

تظهر في معاركهم ملامح التجرد والاحتساب لله، بعيدا عن الأضواء غرباء تلفح وجوههم رياح الغربة، قدوتهم محمد -صلى الله عليه وسلم- وصحابته، الصديق والفاروق وعثمان وعلي وعمار وبلال ومصعب وطلحة وأنس والبراء، لم يلطخوا نواياهم ولم يدنسوا مقاصدهم بغايات الجاهلية ونماذجها.

بل أقاموا الجهاد الرباني وجمعوا بين أبوابه، فجاهدوا النفس والهوى، وجاهدوا الشيطان وأولياءه، وجاهدوا العدو وحلفاءه، فحققوا أعلى درجات مخالفة الهوى، فاهتدوا في قولهم وعملهم، ولم يكن أمرهم فرطا، فهم لمّا أرادوا وجهه سبحانه وتحملوا في سبيله ما تحملوا؛ كافأهم سبحانه بمرادهم، فجمع عليهم شتات قلوبهم وبصّرهم بالحق فهداهم سبيله ودلّهم طريقه فعاشوا عذوبة الهداية رغم شظف العيش، وتلذذوا بغربة الحق رغم كيد الباطل، وما تركوا ثغورهم وما برحوا مواقعهم حتى قضوا نحبهم، نحسبهم والله حسيبهم، فلا تعد عيناك عنهم، ولا ترضَ بأقل من مراقيهم.

لقد استوفى إخواننا آجالهم وأرزاقهم كاملة، فإن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها، وهم ماضون لاستيفاء أجورهم عند الحكم العدل سبحانه، {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} كما وعد عباده المؤمنين، قال ابن عباس: "يعني سوى الثواب، مما لم تر عين ولم تسمع أذن".

وإن أجر الجهاد وفضل الشهادة طافت به الركبان وتسابق على نيله الفرسان، وتلك أمنية نبيكم ما زالت حاضرة: (وَدِدْتُ أنِّي أغْزُو في سَبيلِ اللهِ فَأُقْتَلُ) كررها ثلاثا [مسلم]، وهو القائل: (لَغدوةٌ في سبيل الله أو روحةٌ خيرٌ من الدنيا وما فيها) [مسلم]، فتأمل كيف أن مهمة واحدة مفردة في الجهاد تفوق الدنيا بأسرها، وهو ما فهمه الصحابي القائد أبو سليمان خالد بن الوليد فقال: "ما من عملي شيء أرجى عندي بعد التوحيد من ليلة بتُّها وأنا متترس، والسماء تهلّني، ننتظر الصبح حتى نغير على الكفار"، فتأمل كيف جمع بين جهاد ليلة واحدة والتوحيد، فما بالك بمن يقضى أيامه ولياليه كلها في ميادين الجهاد ومعسكرات التوحيد؟!

وبعد، فيا جنود الخلافة وبُناة صرحها وحملة رايتها، إن دماء إخوانكم بريد الحق ونوره الذي يتلألأ وسط ظلمات الجاهلية المعاصرة، إن دماءهم خير ترجمان لدعوة الأنبياء التي قامت على التوحيد، وإن حفظ دمائهم بالسير على خطاهم وحراسة ثغورهم، واعلموا أنه لا شيء أحفظ للدماء من إهراقها في مظانها التي يحبها الله ويرضاها في سوح الجهاد والمرابطة والمراغمة، وإنا لا نملك لكم في هذا الظرف وصية خيرا من وصية الله تعالى لعباده قبلكم، وهي الصبر والتقوى، فلا شيء أجدى لكم في حالتكم هذه منها، {وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}.


▫ المصدر: مقتطف من افتتاحية النبأ
صحيفة النبأ الأسبوعية العدد 467
الخميس 28 ربيع الآخر 1446 هـ
...المزيد

وقفات شرعية مع غزوة باريس • لا شكّ أنّ غزوة باريس هي فتحٌ من الله سبحانه لأوليائه، إذ سُرّ بها ...

وقفات شرعية مع غزوة باريس
• لا شكّ أنّ غزوة باريس هي فتحٌ من الله سبحانه لأوليائه، إذ سُرّ بها المجاهدون، وفرح بها المستضعفون من المسلمين، واستبشر بها المكروبون الذين أصابهم ما أصابهم من عدوان الصّليبيّين، وبالرغم من آلام الأمّة إلا أنّ المنافقين دأبوا على استنكار أيّ غزوةٍ يغزوها جنود الخلافة، وبثّ الشّبهات محاولين التّشويش على النّاس، لذا ومن باب إحقاق الحقّ وتبيين الصّواب فهذه وقفاتٌ نبيّن فيها مشروعيّة هذه الغزوة وأمثالها من الغزوات من النّاحية الشّرعيّة، وهذا الذي يهمّ المسلم الفطن، فإن كان الشّرع يقرّ هذا النّوع من الغزوات فدعونا إذاً من إرجاف المنافقين.

• الوقفة الأولى: فرنسا دولةٌ كافرةٌ محاربةٌ.

ممّا هو معلومٌ ولا يختلف فيه اثنان من العقلاء أنّ فرنسا دولةٌ كافرةٌ صليبيّةٌ حاقدةٌ تعلوها أحكام الكفر بل وتقاتل على نشر الشّرك والإلحاد والرّذيلة، وهي مع ذلك دولةٌ محاربةٌ للمسلمين، فواقعها وتاريخها شاهدان على جرائمها وفظائعها واستباحتها لديار المسلمين في الجزائر ومصر وتشاد والشّام ومالي وتونس والنّيجر وخراسان. وهي إلى يومنا هذا تشارك في العدوان على المسلمين في العراق والشّام وتقصف بيوتهم وترعب أطفالهم وتناصر أعداءهم من الرّافضة وملاحدة الكرد، كما أنّها تفعل الشّيء نفسه ضدّ المسلمين في أفغانستان ومالي، وإنّ عداء فرنسا للإسلام شديدٌ؛ فهي من أوائل الدّول حرباً على النّقاب، كما أنّها من الدّول التي جهرت بسبّ نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم، قاتلهم الله وقبّحهم.

ولذلك فإنّ فرنسا في ميزان الشّريعة هي دولةٌ كافرةٌ حربيّةٌ محاربةٌ للإسلام والمسلمين، ليس بينها وبين المسلمين عهدٌ أو هدنةٌ أو ذمّةٌ؛ وبالتالي فهي دار حربٍ وينبني على ذلك شرعيّة جهادها وإحداث التفجير والتقتيل فيها.


• المصدر: مقتطف من صحيفة النبأ – العدد 6
مقال:
وقفات شرعية مع غزوة باريس
السنة السابعة - السبت 9 صفر 1437 ه



وقفات شرعية مع غزوة باريس

• الوقفة الثانية: وجوب جهاد فرنسا.

ممّا تقدّم بيانه ينبغي معرفة أن جهاد فرنسا الصّليبيّة وقتالها واجب على المسلمين وهو من قبيل جهاد الدّفع في زماننا هذا ولا شكّ، قال الله تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) [البقرة: ١٩٠]، وقال الله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ) [البقرة: ١٩٤].

وهذا النّوع من الجهاد واجبٌ بإجماع أهل العلم سلفاً وخلفاً، وإنّ الغزوة التي وقعت في باريس هي من الجهاد الواجب على الأمّة، إذ به يُكَفُّ بأس الذين كفروا.

• الوقفة الثالثة: جواز قتل الصّليبيّين من الفرنسيّين.

مما دلّت عليه نصوص الكتاب والسنّة وما انعقد عليه إجماع الأمّة أنّ الكافر الذي ليس بينه وبين المسلمين عهدٌ من ذمّةٍ أو هدنةٍ أو أمانٍ، فإنّه حلال الدّم والمال، وهو بذلك صار حربياً يجوز قتله وإن لم يشارك في قتالنا، قال الله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [التوبة: ٥].

وعن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - إذا أمّر أميراً على جيشٍ أو سريّةٍ، أوصاه في خاصّته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله"، [رواه مسلم].

فهذه النّصوص وغيرها تدلّ على أنّ سبب قتالهم هو الكفر والشّرك، فنحن نقاتلهم ابتداءً لكفرهم وشركهم، وقد جاءت نصوصٌ استثنت من حكم القتل مَنْ لهم عهدٌ شرعيٌّ مع المسلمين، فهؤلاء يوفى لهم عهدهم إلى مدّته، وعليه فالكافر الذي ليس بينه وبين المسلمين عهدٌ هو حلال الدّم والمال، وحلال العرض أيضاً بالجهاد. وهذه المسألة أجمع عليها الأئمّة والعلماء على مرّ العصور وسبقهم في ذلك الإجماع العمليّ للصّحابة على ذلك، قال الإمام الشّافعيّ: (حقن الله الدّماء، ومنع الأموال إلا بحقّها بالإيمان بالله وبرسوله، أو عهد من المؤمنين بالله ورسوله لأهل الكتاب، وأباح دماء البالغين من الرّجال بالامتناع من الإيمان إذا لم يكن لهم عهد) [الأم: 1/ 293]. وقال الإمام القرطبيّ: (والمسلم إذا لقي الكافر ولا عهد له جاز له قتله) [تفسير القرطبي: 5/ 338].


• المصدر: مقتطف من صحيفة النبأ – العدد 6
مقال:
وقفات شرعية مع غزوة باريس
السنة السابعة - السبت 9 صفر 1437 ه




وقفات شرعية مع غزوة باريس

• الوقفة السّادسة: مشروعيّة إحداث التفجير والتخريب والتّدمير في فرنسا.

باعتبار أنّ فرنسا هي دار كفرٍ وحربٍ؛ فمعنى ذلك أنّه يجوز التّدمير فيها والتّخريب والتّفجير، وهو من الجهاد في سبيل الله، ويستحسن التّركيز على تخريب ما يضرّ باقتصادهم، كما فعل النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - حين حارب يهود بني النّضير، حيث قطع نخيلهم وحرّقه، كما روى البخاريّ ومسلم في صحيحيهما عن ابن عمرَ رضي الله عنهما، قال: "حرّق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نخل بني النّضير وقطع، وهي البويرة"، فنزلت: (مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ) [الحشر: ٥]، وهذا نصّ صريح في جواز التّخريب والتّدمير في بلاد الكفر الحربيّة.

• الوقفة السّابعة: غزوات باريس هي السّبيل لردع الكفّار.

إنّ كفّ بأس الكافرين وصدّهم وردع عدوانهم عن المسلمين لا يكون إلّا بمثل هذه الغزوات في عقر ديارهم، لما لها من أثرٍ عظيمٍ من ناحية الإضرار باقتصادهم، وسفك دمائهم وإلقاء الرّعب في قلوبهم، فحينها يحسبون ألف حسابٍ لأيّ هجومٍ لهم على المسلمين، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر: مقتطف من صحيفة النبأ – العدد 6
مقال:
وقفات شرعية مع غزوة باريس
السنة السابعة - السبت 9 صفر 1437 ه




وقفات شرعية مع غزوة باريس

• الوقفة الرابعة: بطلان مصطلح "المدنيين".

وقد روّج بعض المفتونين شبهة أنّ القتلى من المدنيّين وأنّ هؤلاء لا يجوز قتلهم! وللردّ على هؤلاء نقول: ليس في شرعنا مصطلح (مدنيّ لا يجوز قتله)، و(عسكريّ يجوز قتله)، فهذا تقسيم محدثٌ وهو بدعةٌ قبيحةٌ منكرةٌ، وقد ذكرنا نصوص الكتاب والسّنة الدّالّة على جواز قتل الكفّار الذين ليس بينهم وبين المسلمين عهدٌ، وذكرنا الإجماع على ذلك، ولا فرق في ذلك بين ما سُمّي مدنياً وما سُمّي عسكرياً، ومن فرَّق وأفتى بعدم جواز قتل الكفّار "المدنيّين" فعليه بالدّليل من الكتاب والسّنّة، وإلّا فهو يكذب على الشّريعة ويفتري على النّصوص.

• الوقفة الخامسة: بيان أنّ شعب فرنسا رجالاً ونساءً هو شعبٌ محاربٌ للإسلام.

وقد أشاع بعض المفتونين والمنافقين أنّ حكومة فرنسا هي التي تحارب الإسلام وأمّا شعبها من النّصارى واليهود ونحوهم فليسوا في حالة حرب، وأنهم مسالمون فلا يجوز قتلهم! وللردّ على هؤلاء نقول: بل إنّ شعب فرنسا سواء كانوا من أعيانهم أو عسكرهم أو عوامّهم هم قومٌ محاربون للإسلام والمسلمين، ولا نستثني إلّا المسلمين منهم، الذين لم يوالوا حكومة فرنسا أو يقترفوا مكفّرا، فهؤلاء لا يجوز تقصّدهم بالقتل. ومن ناحية النّساء والصّبيان فلا شكّ أنّ النّصوص من الكتاب والسّنّة جاءت بتحريم تقصّد قتلهم ابتداءً؛ إلا أنّه يجوز قتلهم تبعاً لا قصداً، وذلك كمثل الإغارة على الكفّار مع صعوبة التّمييز بين الرجال والنّساء والذّراريّ، فيجوز حينها قتلهم تبعاً لا قصداً، ويدلّ على ذلك حديث الصَّعْب بن جَثَّامة - رضي الله عنه - حيث قال: مرّ بي النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالأبواء أو بِوَدّانَ، وسُئل عن أهل الدّار يبيَّتون من المشركين، فيصاب من نسائهم وذراريّهم قال: "هم منهم"، [متفق عليه].

فأقرّ النبي صلّى الله عليه وسلّم ما يصيب النّساء والذّريّة من قتل وجرح في البيات، قال الإمام أحمد بن حنبل: (لا بأس بالبيات، وهل غزو الروم إلّا بالبيات) [مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود: ٣١٨]. كما أنه يجوز تقصّد قتلهم إذا كان لهم مشاركة في الحرب على المسلمين، سواءٌ كانت هذه المشاركة بالنّفس أو بالمال أو الرّأي، كما هو الحال بما يُسمّى "استطلاعات الرأي"، أو انتخاب الزعماء الذين يحاربون الإسلام والمسلمين، ويشهد لذلك إقرار النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم - قتل دُرَيْدَ بن الصِّمَّةِ وكان عمره يزيد عن مئة عام، لأنه كان ذا رأي في الحرب على المسلمين، وكذا إقرار النبي - صلّى الله عليه وسلّم - لقتل المرأة التي كانت تشتمه، قال الإمام النّوويّ في قتل النّساء والذريّة: (فإن قاتلوا قال جماهير العلماء يقتلون) [شرح النووي على مسلم: ١٢/٤٨].


وإن شعب فرنسا من الرّجال والنّساء لهم مشاركة في الحرب على الإسلام والمسلمين، وذلك بانتخابهم لتلك الحكومات المحاربة للمسلمين، وبتأييدهم للحرب على المسلمين في العراق والشام وخراسان وكلّ مكان، قال الإمام ابن القيم: (وكان هديه - صلّى الله عليه وسلّم - أنّه إذا صالح قوماً فنقض بعضهم عهده وصلحه وأقرّهم الباقون ورضوا به غزا الجميع، وجعلهم كلّهم ناقضين، كما فعل بقريظة والنّضير وبني قينقاع، وكما فعل في أهل مكّة) [زاد المعاد: ٣/١٢٣].


• المصدر: مقتطف من صحيفة النبأ – العدد 6
مقال:
وقفات شرعية مع غزوة باريس
السنة السابعة - السبت 9 صفر 1437 ه
...المزيد

ضجة إعلامية! • علام هذا الاستغراب وهذه الضجة التي أعقبت تصريحات أحد أئمة الرافضة الفرس؛ أعاد ...

ضجة إعلامية!

• علام هذا الاستغراب وهذه الضجة التي أعقبت تصريحات أحد أئمة الرافضة الفرس؛ أعاد التذكير فيها بأنّ حربهم ضد أهل السُّنة لا نهاية لها، فهل كان المستغربون المنتسبون للجبهة السُّنية يتوقعون خلاف ذلك؟ وهل كان وقع تغريدات هذا الطاغوت أشد من وقع مجازرهم بحق مسلمي العراق والشام واليمن خلال عقود؟! ثم هل تتحول هذه الضجة الإعلامية إلى حربِ مفاصلةٍ سُنيةٍ حقيقيةٍ تجاه الرافضة، أم تبقى في إطار التغريدات والوسوم؟! وهل يملك هؤلاء "المستغربون" الجرأة ليعترفوا بخطئهم يوم أنكروا على المجاهدين قتال الرافضة في العراق وكانوا يعدّونه "حرفا للبوصلة" عن قتال الصليبيين، تماما كما يعدّونه اليوم "حرفا للبوصلة" عن قتال اليهود؟!

• افتتاحية النبأ العدد 459
...المزيد

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً