بين ثناء الخلق ورضا الخالق: النية رفعة ميزان الأعمال إنَّ حقيقة السعي الإنساني لا تُقاس بظاهر ...

بين ثناء الخلق ورضا الخالق: النية رفعة ميزان الأعمال

إنَّ حقيقة السعي الإنساني لا تُقاس بظاهر الأعمال ولا بكثرتها، بل بخفايا القلوب ومكنونات النوايا. فهي قد تسقط كثيرًا من الأعمال وقد تقوي قليلًا منها، وفي الحياة الدنيا يتوزع الناس بين أمرين هدفان: الأول خسارة، والثاني فوز وغنيمة:
هدف يطلب رضا الفاني، وهدف ينشد رضا الباقي.
فمن يطلب ثناء الناس فقد استهلك نفسه وخسر أجر عمله.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه» حديث قدسي صحيح.
رواه الإمام مسلم في صحيحه، في "كتاب الزهد والرقائق"، برقم: 2985.
وقد أخرجه كذلك ابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح الجامع. وهو من الأحاديث القدسية العظيمة التي تبين أهمية الإخلاص في العمل.

إنَّ كل من يلهج بعمله وتصرفاته وغايته فيه هي نيل ثناء الخلق ومدحهم، فإنه في الحقيقة يستهلك نفسه في سراب.
إنه يبني قصورًا من الوهم على رمال متحركة، فمدح الناس لا يُغني من جوع ولا يدفع ضرًا، وهو متقلب يزول بزوال المصلحة أو يتغير حسب أهوائهم، وقد ينجرف المؤمن للضلال إن كان هاويًا لثنائهم وأهوائهم ضلال، فيسايرهم في ضلالهم.

من جعل الناس غايته، فقد علّق سعادته ورضاه على ألسنتهم وقلوبهم التي لا يملكها.
يضيع أجر عمله الصالح؛ لأن شرط قبول العمل عند الله هو الإخلاص له وحده، لا الشرك به في النية . فإذا دخلت نية الرياء والسمعة، تلوثت الطاعة وتحولت إلى عادة أو مجرد كسب دنيوي زائل. وخاتمة هذا المسعى هي الخيبة والخسران في الآخرة، إذ يجد المرء عمله هباءً منثورًا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.


من يطلب رضا الله فقد فاز واطمأن
أما الصنف الآخر، وهو الصنف المبارك، فهو من يلهج بالخلق الصالح وغايته فيه هي رضا الله سبحانه وتعالى وحده.
هذا الإنسان جعل قدوته نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، الذي كان عمله كله لله، لا يبتغي من أحد جزاءً ولا شكورًا.
هذا العبد المخلص، يجازيه الله بالرضا والطمأنينة التي تملأ قلبه.
إنه يعيش في سكينة لا تتأثر بمدح الناس أو ذمهم.
لا يضيره أبدًا إن ذمه خلق الله أو أساءوا به الظنون، فالمهم عنده هو أن يكون عمله مقبولًا عند خالقه ومطلّع سره.
هو يعلم أن الناس شهود على الظاهر والله عليم بالباطن.

ثم هذب نفسه وباطنه قبل كل شيء أمام الله.
إنَّ استقامة القلب على نية خالصة لله تجعل العبد قويًا لا تهزه الانتقادات، ثابتًا لا تزعزعه الشكوك. هو يزرع للآخرة، وحصاده في الدنيا طمأنينة قلب ورضا نفس لا يقدر بثمن.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس"
حديث قدسي فيه قاعدة نبوية عظيمة تحدد بوصلة الإخلاص في الحياة:

المؤمن المخلص: من سعى وراء رضا الله وحده، حتى لو أغضب ذلك الناس، فإن الله يكفيه شر الناس ويجعل عاقبته حميدة.

المنافق/المرائي: من سعى وراء رضا الناس متجاوزاً حدود الله، فإن الله يتخلى عنه ويتركه للناس المتقلبين الذين لن يستطيعوا نفعه أو دفع الضر عنه.
صحح نيتك واجعل الله غايتك ، وسيكفيك أمر خلقِه.

فالنية هي ميزان الأعمال ومفتاح القبول [1]. لنجعل غايتنا رضا الخالق، فذلك هو الفوز العظيم والنعيم المقيم. ولنتجنب طلب ثناء المخلوقين، فإنه طريق إلى استهلاك النفس وضياع الأجر المبين.
خواتيم الحكمة:
من استقام قلبه لله وحده، استقام له كل شيء؛ فلا يزعجه مدح الناس ولا يثنيه ذمهم، ويظل قلبه ثابتًا على الحق مهما تعاقبت الأحداث وتبدلت المواقف.
العمل بلا إخلاص كالزهر بلا رحيق؛ قد يبهج العين بروعته، لكنه لا يروي الروح ولا يُثمر أجرًا، ويظل خاوٍ من القيمة الحقيقية التي تطمئن القلب وتقرّب الإنسان من ربه.
من زرع رضى الله في قلبه، جنى طمأنينة لا تزول، ونعيمًا باقٍ لا يزول بغياب الشكر والمدح، يعيش في سكينة داخلية تجعل قلبه مطمئنًا، وروحه مرتاحة، مهما حاول الناس أن يغيروا صورته أو يحكموا على أعماله.

المراجع المستخدمة:
[1] مصدر حديث قدسي:
مستوحى من معنى الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" (رواه مسلم في صحيحه، برقم: 2985).
[2] مصدر حديث نبوي شريف:
مستوحى من معنى الحديث الشريف: "من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس" (رواه الترمذي في سننه، برقم: 2414، وقال عنه: "حديث حسن صحيح غريب").
[3] مصدر قرآني من سورة البينة:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].
...المزيد

وهج الإيمان شرارة تحمي القلب من الخطايا... *أبا عدي✍️... نحو بوصلة الفكر* في أعماق كل قلب، ...

وهج الإيمان شرارة تحمي القلب من الخطايا...

*أبا عدي✍️... نحو بوصلة الفكر*

في أعماق كل قلب، هناك مساحة خصبة، مكانٌ تتسرب إليه أفكارنا وأفعالنا. بعض القلوب تتعرض للخطايا كريح عاصفة، فتترك أثرها على النفس وتُضعف الروح. لكن هناك قوة خفية، نور يضيء في داخل الإنسان، ويبعده عن الانزلاق في الظلام… هذه القوة هي الإيمان.

الإيمان لا يظهر فقط في الطاعات، بل في صمته، في مراقبته لنفسه، وفي استشعاره لحضور الله في كل لحظة. كلما ازداد الإيمان في القلب، ازداد نورًا وشرارة، وكأن الله يضع حوله درعًا خفيًا. هذه الشرارة تضيء الطريق، تجعل الإنسان يفرّق بين الحق والباطل، وتمنحه قدرة على مقاومة الشهوات والزلل.

ما أجمل أن يشعر المرء، حين يقف مع نفسه في خلوة، أن هذه الشرارة ليست مجرد شعور عابر، بل حماية روحية. كل خطيئة تُولد في القلب كخطر، لكن الإيمان يرسل إلى هذا القلب صاعقًا من الوعي، يقف أمامها، يذكّرها بالحق، ويعيدها إلى طريق الاستقامة.

وهكذا يصبح الإنسان، مهما كانت خطاياه كثيرة، قادرًا على التوبة قبل أن تغرس الخطايا جذورها في روحه. فالإيمان لا يمنع الخطأ من الحدوث تمامًا، لكنه يجعل النفس واعية، يقظة، متحفّزة للرجوع فور الزلة. وكل خطأ يُكتشف بسرعة قبل أن يتحول إلى عادة، وكل زلة تُصقل بروح التوبة، تصبح خطوة نحو التطهير، لا سقطًا في اليأس.

إن قوة الإيمان تكمن في هذه الشرارة:
تمنع القلب من الانغماس في الخطايا.
تُذكّر الإنسان بمحبة الله ورعايته.

تفتح له أبواب الرجوع والتوبة قبل أن يفوته الأوان.
ولذلك، لا يأس مع الإيمان، ولا ضياع لمن يحرس قلبه بنور الله. فكل قلب مؤمن، مهما تعرّض للخطايا، يظل قادرًا على النهوض، وعلى تجديد نفسه، وعلى السير في طريق النور الذي لا يخبو أبدًا.

"الإيمان في القلب شرارة تضيء الطريق، وتبعد النفس عن الانغماس في الخطايا."
فالنور الداخلي يقي من السقوط قبل أن تتجذر الزلات.
. "كل خطيئة تُكتشف سريعًا بالإيمان تصبح خطوة نحو التطهير، لا سببًا لليأس."
فالوعي الروحي يحوّل الزلة إلى فرصة للنمو.

"القلب الذي يحرسه نور الله لا يضيع، مهما تعرّض للخطايا."
فالتوبة واليقظة الدائمة تجعل الإنسان دائمًا قادرًا على النهوض والسير في طريق النور.
...المزيد

اغلب دنياك بآخرتك ... فذلك النصر الأعظم، والله ولي يقينك *أبا عدي✍️... نحو بوصلة الفكر* أن ...

اغلب دنياك بآخرتك ... فذلك النصر الأعظم، والله ولي يقينك

*أبا عدي✍️... نحو بوصلة الفكر*


أن تُغلب دنياك بآخرتك، هو أن تجعل الزمن خادمًا للروح لا سيدًا عليها، وأن تجعل كل لحظة في هذه الحياة جسراً نحو دار القرار، لا وهمًا يغويك بعيدًا عن جوار ربك.

هو أن ترى في كل لذة زائلة امتحانًا، وفي كل ألم مرورًا يُقرّبك من رضاه، وفي كل نعمة اختبارًا، لتعلم أن كل شيء في الدنيا مؤقت، فانٍ، وزائل، وأن الذي يدوم هو ما عند الله وحده.

أن تُغلب دنياك بآخرتك، هو أن تُضيء قلبك بنور اليقين، فلا يخدعك بريق المال، ولا يغرّك رفاهية جسدٍ زائل، ولا يلهيك مدح الناس أو سمعةٍ زائلة، فتعلم أن الرضا الحقيقي لا يُعطى إلا من الله، وأن الغنى الحقيقي هو غنى القلب بالسكينة، لا المال والجاه.

أن تُغلب دنياك بآخرتك، هو أن تحيا هذه الحياة كأنك مسافر عابر في طريق طويل نحو النعيم الأبدي، فتهتم بما يقربك من الله، وتترك ما يبعدك عنه، وتزرع الخير حيثما كنت، وتزرع في قلبك الحب لله، والخوف منه، والرجاء في رحمته، فتجني ثمار الخلود في الآخرة.

هو أن تجعل كل عمل صالح، وكل ذكر، وكل صبر، وكل صلة رحم، وكل جهاد في النفس، وسيلة للارتقاء نحو القرب من الله، لا وسيلة للسمعة أو التفاخر بين الناس. هو أن تجعل آخرتك ميزانًا يزن كل خطوة، وكل كلمة، وكل فكر، فتختار الصواب ولو كان فيه التعب، وتغضّ الطرف عن اللذات التي تسرق قلبك من الحق.

أن تُغلب دنياك بآخرتك، هو أن تُشعل في قلبك شعلة لا تنطفئ، نورها الحب، واليقين، والخشية، والرجاء، حتى تصبح الدنيا كلها عبورًا إلى الله، فلا تجذبك زخارفها، ولا تغويك أهواؤها، ولا تلهيك عن ذكره ورضاه.

من غلب دنياه بآخرته… فقد غلب معركةً لا يراها الناس
من يغلب دنياه بآخرته لا يُهزم، حتى لو ظنّ الناس أنه خسر.
ذلك أنه اختار البقاء مع ما يدوم، وترك ما يزول، وانحاز للنور حين كانت الطرق مغطاةً بضباب الشهوات.
هو لا يساوم على مبدأ، ولا يبيع آخرةً بمتعةٍ خاطفة، ولا يتخلى عن يقينه لأجل تصفيقٍ زائل.
إنه يمشي في صمت، لكن خطاه تُسجَّل في السماء.
وقد يضيق عليه الطريق في الدنيا، لكن صدره يفيض سعةً لأن الحق يسكن فيه.
هذا هو الإنسان الذي عرف أن الربح الحقيقي ليس ما يُرى في اليد، بل ما يُخزّن في القلب ليومٍ تُوزن فيه الأسرار.

من غلب دنياه بآخرته… فقد حرّر نفسه من عبودية الأشياء
الناس عبيدٌ لما يملكون… وهو عبدٌ لِمن خلقه وملّكه.
الناس يطاردون السراب… وهو يمشي خلف الحق وإن خالفَتْهُ الدنيا كلها.
الناس يجرون خلف مكانتهم بين البشر… وهو يبحث عن مكانته عند الله.
هكذا يصبح ثابتًا، لا تحركه الرياح، ولا تخدعه الزينة، ولا يلتفت لفتنةٍ طليتْ بالذهب من الخارج وهي خواءٌ من الداخل.
لقد فهم قانون الحياة: كل ما في الدنيا يُؤخذ منك، إلا ما قدمته للآخرة فهو لك إلى الأبد.

من غلب دنياه بآخرته… فقد فاز بنقاءٍ لا يُشترى
هو الرجل الذي عرف أن بعض المكاسب خُسارة،
وأن بعض التنازلات كسرٌ للنفس،
وأن أجمل انتصار: أن تنتصر على نفسك حين تدعوك للدنيا وتقول لها:
"ليس هذا طريقي."
قد لا يصفق له أحد،
وقد يحسبه الناس زاهدًا بلا طموح،
لكنهم لا يرون أنه يصنع لنفسه مقعدًا بين الصالحين،
ويبني في كل خطوةٍ جسرًا نحو نور لا ينطفئ.
إنه الإنسان الذي عرف قدر نفسه، فرفعها عن الوحل، ووجّهها لما خُلقت له، فصار قلبه سماءً لا تطأها أقدام الشهوات.

من غلب دنياه بآخرته… فقد عرف أي كفة هي الأثقل
الدنيا تُبهرك بكثرتها،
والآخرة تُخجلك بثباتها،
والعاقل هو الذي لا يغترّ بضجيج الأولى ولا بغموض الثانية.
هو الذي يدرك أن الله لا يطلب منه أن يترك الدنيا، بل أن يحملها بقدرها… وأن يختار بقاءه هناك حين يفنى كل شيء هنا.
وهذا هو الفارق بين من يعيش للدنيا، ومن تعبر الدنيا تحته كظلٍّ لا يمسكه ولا يأسره.

مَن غَلَبَ الدُّنــيـا بآخِــرتِــه اســتَــقـــامَ لَــهُ
طَــريــقُ حَــقٍّ، وَمَــا عــادَتْ تُــغَــرِّرُهُ الــدُّنــا
يَمْشِي خَـفِـيًّا، وَلَكِنْ فِي السَّمَاءِ لَهُ
ذِكْــرٌ يُــنَـادِيهِ: قَــدْ فَــازَ الَّــذِي اتَّـقَــى

فطوبى لمن غلبت أخراه على دنياه، وغدت روحه في محضر الله حرةً من كل هوى، صافية من كل زيف، معلقة بقدره، محبةً لربها فوق كل شيء، فإنه بذلك قد نال النصر الأعظم، والسكينة الحقيقية، والسعادة الأبدية التي لا تزول.



...المزيد

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً